تسبب في مقتل أكثر من نصف مليون إنسان وتشريد خمسة ملايين فلاح، إضافة إلى اختفاء خمسة وأربعين ألف آخرين.. إنه النزاع المسلح بين الحكومة الكولومبية وأقدم تنظيم ماركسي يمارس حرب العصابات في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

حلقة (14/1/2016) من برنامج "عالم الجزيرة" سلطت الضوء على هذا النزاع الذي يراه العديد من الناس خارج كولومبيا، في صورة حرب مخدرات وصراع مداره تهريب الكوكايين، ولكن جذور القضية أعمق من ذلك بكثير.

ففي عام 1964 أنشأ فلاح اسمه مانويل مارولاندا منظمة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" التي تعرف اختصارا بـ"فارك"، في حين أسس كاهن كاثوليكي اسمه كاميلو تورّيس منظمة "جيش التحرير الوطني".

وتموقع المتمردون في أفقر أصقاع كولومبيا ولكنهم فشلوا في  إشعال ثورة شعبية مثلما كانوا يطمحون، وفي نهاية المطاف بدأت عصابات المخدرات تمول أطراف الصراع كافة.

في عام 2010 شرع الرئيس خوان مانويل سانتوس في جر منظمة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" إلى طاولة المفاوضات. وعندما بدأت المحادثات الرسمية في تلك السنة كان الرجل يترشح لفترة رئاسية ثانية تحت شعار "تحقيق السلام".

وفي أبريل/ نيسان عام 2014، عقدت مفاوضات سلام بين الحكومة ومنظمة "فارك" في كوبا، حيث استقدم الصليب الأحمر قادة هذه المنظمة من معسكراتهم في الغابات إلى مساكن آمنة في ضواحي العاصمة الكوبية.

يقول الجنرال الكولومبي بينتو إن منظمة "فارك" ظلت تتبنى الإستراتيجية نفسها منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث كان مخططهم يقضي بتجنيد أربعين ألف عنصر في ثمانين جبهة مختلفة، وكان عليهم تسليح عشرين ألف شخص. وبحسبه فقد كان للمنظمة عشرون ألف مقاتل واليوم ليس معها سوى سبعة آلاف، ولكنها لم ترد الإقرار بالهزيمة العسكرية خلال المفاوضات.

جيش التحرير
أما منظمة جيش التحرير الوطني غير المشاركة في المباحثات فقد صعدت هجماتها، بالرغم من محادثات السلام في كوبا بين فارك والحكومة الكولومبية، ومن بين أهدفها الجيش والشركات المتعددة الجنسيات التي تقول المنظمة إنها تسعى لمنعها من الاستيلاء على الموارد الطبيعية من منطقة آروكا الكولومبية.

في الخامس من أغسطس/ آب 2014، فاز سانتوس بالرئاسة يدعمه في ذلك قسم كبير من اليسار الكولومبي منهم ضحايا الحرب الذين وثقوا في خطته لإنهاء النزاع، ومنح فوزه دفعة قوية لمسار السلام في لحظة حاسمة هي دخول المباحثات أكثر فتراتها حرجا بتطرقها إلى مصير ضحايا الحرب الأهلية الكولومبية التي دامت خمسين عاما.

ويطالب متمردو "فارك" الحكومة خلال مفاوضاتهم معها بالاعتراف بضحاياهم كذلك، ولكن الحكومة تضغط لكي يعترفوا هم أولا بما اقترفوه ويطلبوا العفو قبل أن تبدأ جولة التفاوض. ولم تقبل الحكومة ولا "فارك" تحمل أي مسؤولية عن جرائمَ ضد الإنسانية، مما يجعل مسار التفاوض يستمر وحرب الخمسين عاما لم تضع أوزارها.

وأتاحت إعادة انتخاب الرئيس الفرصة لمنظمة "جيش التحرير الوطني" للتفكير في وقف القتال في الذكرى الخمسين لإنشائها.

ويقول قائد في التمرد يدعى "اللبناني" إنهم في جيش التحرير الوطني يقدرون ويحترمون مسار السلام الذي رسمته منظمة "فارك"، وإن قائدهم أمر الجبهات ومنها الجبهة الغربية بوقف القتال.

غير أن بعض أعضاء المنظمة يتخوفون من صعوبات ومشاكل قد تواجههم إذا تم التوقيع على اتفاق، كما وقع قبل سنين، حين تمكن مسار سلام مماثل من تفكيك مجموعات يمينية شبه عسكرية قاتلت المتمردين اليساريين على مدى ثلاثين عاما، واستسلم عامة الجند مع أسلحتهم وعادوا إلى بيوتهم ليجدوا أنفسهم بدون وظائف وعرضة للتمييز.