قبل أربع سنوات ولدت دولة جديدة. بعد عقود من الحرب الأهلية مع الجزء الشمالي من السودان، كان الأمل من وراء هذه الولادة أن تكون الحلم الذي يتحقق. لكن دولة جنوب السودان انحدرت اليوم إلى الفوضى، فقد نشبت الحرب بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه رياك مشار.

وفي حلقة 25/6/2015 من سلسلة "عالم الجزيرة"، كانت الصحفية أنجالي كامات بصحبة القوات الدولية تنقل على أرض الواقع كيف تحول حلم الدولة إلى كابوس.

إنها حرب ذات بعد عرقي تسببت في تشريد مليوني إنسان من منازلهم، وقتل عشرات الألوف، في وقت يتواصل القتال في عموم البلاد.

وتقدر تقارير أولية أن ما لا يقل عن خمسين ألف شخص قُتلوا منذ اندلاع القتال في ديسمبر/كانون الأول 2013. غير أن مواطنين يقولون إن الرقم أكبر بكثير.

ورغم ملايين الدولارات التي قدمت بشكل عون دولي وخزائن الحكومة التي كانت ذات يوم تمتلئ بالأموال، لا تكاد تجد طريقاً ممهدة في جنوب السودان.

ملكال
في بلدة مالكال التي انتقلت السيطرة عليها بين المتقاتلين ست مرات منذ بدء الصراع، تعاين الكاميرا مأساة من حالفهم الحظ وبقوا على قيد الحياة.

يحكون عن هروب الآلاف إلى ملكال لدى اندلاع القتال في بادئ الأمر بين قوات الحكومة والمتمردين. لجؤوا في بادئ الأمر إلى مستشفى مَلكَال التعليمي، معتقدين أنهم سيكونون في مأمن. لكن قوات المتمردين، الموالية لنائب الرئيس السابق رياك مَشار، دخلت من البوابات.

تسأل أنجالي كامات كم عدد الذين قتلوا في المستشفى، فقال لها أحد العاملين في الإغاثة دانيال دينغ إنهم 56 ومنهم مرضى قتلوا على أسرتهم.

لكن قبيلة الدينكا التي ينتمي إليها الرئيس سلفاكير كانت تقاسم الفريق الآخر في حصد الضحايا. ويقول أحد الهاربين إن الدينكا كانوا يسألون الشخص بلغتهم العرقية فإذا لم يفهم السؤال فهذا يعني أنه ليس منهم، أي أن مصيره سيكون القتل.

تغذى الشرخ السياسي الذي حدث في صفوف القيادة من الانقسامات العرقية. فالرئيس سلفاكير من جماعة الدينكا، ونائب الرئيس السابق رياك مشار من النوَير.

اتفاق السلام
كانت الجهود الدولية أثمرت في عام 2005، ووصلت الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه إلى نهايتها. وأصبح قائد المتمردين جون غرانغ نائبا لرئيس السودان. وفي توقيع اتفاق السلام الشامل كان هناك مسار واضح إلى الأمام نحو استقلال جنوب السودان. لقد حقق الجيش الشعبي لتحرير السودان نصرا كبيرا.

لم تبلغ الدولة سنتها الثالثة بعد ولادتها في يوليو/تموز 2011 انتهى حلم دولة جنوب السودان بشكل مفاجئ في العاصمة جوبا في إحدى أمسيات ديسمبر/كانون الأول 2013.

رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان- التغيير الديمقراطي جوبا لام أكول يقول "لقد رأيتم الخراب الذي حلّ. الأسوأ من ذلك هو تمزيق النسيج الاجتماعي. فالنوير لا يستطيعون التكلم مع الدينكا، ولا مع الشلوك".

ويضيف أن "الجنوبيين حاربوا في السابق من أجل حقوقهم. كانوا يقاتلون ضد القمع والاضطهاد. أما هذه الحرب فهي صراع على السلطة. وليس لها تبرير بأي شكل".

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: جنوب السودان.. بلد الأحلام المجهضة

مقدم الحلقة: آنجالي كامات

ضيوف الحلقة:

-   إيريك ريفز/ أستاذ اللغة الإنجليزية في كلية سميث

-   جون بريندرغاست/ المدير المؤسس في مشروع إينف

-   آليكس دي فال/ المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي

-   جون آيبنر/ المدير التنفيذي في مؤسسة التضامن المسيحي الدولي

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 25/6/2015

المحاور:

-   تشريد نحو 2 مليون شخص من منازلهم

-   دور أميركا في تقسيم السودان

-   ألوف من الأطفال بلا مدارس

-   صراع عرقي أم سياسي؟

-   حلم جنوب السودان بالاستقرار والازدهار تبخر

-   اتهامات متبادلة بين سلفا كير ومشار

-   انقسامات داخل الجيش

آنجالي كامات/صحفية: قبل أربع سنوات ولدت دولة جديدة بعد عقود من الحرب الأهلية مع الجزء الشمالي من السودان كان القصد من هذه الولادة أن تكون الحلم الذي يتحقق، لكن دولة جنوب السودان انحدرت اليوم إلى الفوضى فقد نشبت الحرب بين الرئيس ونائبه؛ إنها حرب ذات بعد عرقي وقد تسببت في تشريد مليوني إنسان من منازلهم وقتل عشرات الألوف بينما يتواصل القتال في عموم البلاد، نحن في طريقنا إلى ملكال البلدة التي انتقلت السيطرة فيها من طرف لآخر ٦ مرات منذ اندلاع القتال في ديسمبر/ كانون الأول من عام ٢٠١٣ ورغم ملايين الدولارات التي قدمت بشكل عون دولي وخزائن الحكومة التي كانت ذات يوم تمتلئ بالأموال لا تكاد تجد طريقاً قد مُهدت في جنوب السودان، وتوقفت معظم الخطوط الجوية التجارية مع بداية الحرب لذلك نسافر مع الجنود في رحلات الأمم المتحدة. يوجد كثير من الحراس المسلحين في أرجاء المطار إنها قاعدة تابعة للأمم المتحدة في ملكال وقد وقع هجوم هنا قبل بضعة أشهر وخطف عدد من عمال الأمم المتحدة، حتى الأمم المتحدة يبدو أنها تعمل والخوف يعتريها من الحكومة التي ساعدت في بنائها، قيل لنا إن قوات الحكومة أجبرت قوات المعارضة على التقهقر وأبعدتها بضعة أميال باتجاه مصب النهر قبل أيام من وصولنا غير أن الأمور ما زالت متوترة. هذه البلدة كان تعداد سكانها مئة وخمسين ألف نسمة يحس المرء إنها الآن مدينة أشباح.

تشريد نحو 2 مليون شخص من منازلهم

جئنا إلى جنوب السودان لنكتشف كيف أن بلداً ولد وهو يحمل قدراً كبيراً من الأمل يتحول إلى كابوس شديد ولكي نسأل أيضاً هل كانت هناك أي علامات على أن هذا كان يمكن أن يحدث؟ أهذه لطفل؟

دانيال آيوكودت/ مدير المستشفى: لطفل نعم، كل هؤلاء أطفال نحو ١٠ سنين، سبع سنين.

آنجالي كامات: عندما اندلع القتال في بادئ الأمر بين قوات الحكومة والمتمردين هرب آلاف الناس إلى هنا إلى مستشفى ملكال التعليمي معتقدين بأنهم سيكونون في مأمن لكن قوات المتمردين الموالية لنائب الرئيس السابق رياك مشار دخلت البوابات. كم شخصاً قتل هنا؟

دانيال آيوكودت: ٥٦.

آنجالي كامات: ٥٦ شخصاً قتلوا داخل المستشفى؟

دانيال آيوكودت: وعلى الأسرة أيضاً.

آنجالي كامات: قتلوا مرضى على الأسرة؟

دانيال آيوكودت: نعم كل المواطنين كانوا هنا ثم إنهم لما رأوا أنهم يطلقون النار على الناس هرب الجميع.

آنجالي كامات: وهب دانيال السنوات الثلاثة والثلاثين الأخيرة من عمره لهذا المستشفى يقول إن الشعور بالذنب لمغادرته في ذلك اليوم ما زال يطارده.

دانيال آيوكودت: أنا أيضاً عبرت النهر وتوجهت إلى واوشيلوك وما زلت على قيد الحياة حتى الآن، لو أنني كنت هنا لكنا قتلنا جميعاً مع المرضى.

آنجالي كامات: عندما أصبح أخيراً قادراً على العودة قال لنا إن غرفة المرضى كانت تعج بالكلاب التي سعرت لكثرة ما أكلت من لحم البشر على مدى أيام. كنت تعمل في هذا المكان؟

دانيال آيوكودت: بمجرد أن دخلت الكلاب البوابة أخذت عصاً طويلة جداً وضربتها بها، هربت ثم دخلت مرة أخرى أمر سيء، أنا وحدي هنا ثم وجدت جنود هناك، قلت إن الكلاب متوحشة لا تدخلوا، الله هو القادر على مساعدتنا.

آنجالي كامات: أولئك الذين لم يهربوا عبر نهر النيل تلك الليلة هربوا إلى قاعدة الأمم المتحدة التي تبعد مسافة بضعة أميال عن مركز ملكال، اليوم وبعد مرور سنة أصبحت مدينتهم فارغة من سكانها وأصبح هذا موئلاً. كانت ريتشل ماييك معلمة في مدرسة ابتدائية قبل الحرب وكان زوجها أحد المرضى في مستشفى ملكال التعليمي.

ريتشل ماييك/ موقع حماية المدنيين- ملكال: شرعوا في قتل الناس بشكل عشوائي وعلى جانب الشارع كانت الجثث ملقاة هكذا لا أحد يدفنها ولا أحد حتى يأخذها لأن الجميع فروا نجاة بأرواحهم.

آنجالي كامات: عندما عادت لتكون إلى جانب زوجها وجدته قُتل على سرير المستشفى وحوله قتلى آخرون من المرضى، إنها تلك الصورة التي تحرمها من النوم كما تقول.

ريتشل ماييك: ما زلت أشعر بالقلق كلما تذكرتهم ولو عاد أولئك الناس وهم يبحثون عن الجنود لا يجرؤ أحد على التكلم، لكن الناس العاديين المدنيين والشيوخ وحتى المجانين الذين كانوا يهيمون في شوارع ملكال أجهز عليهم جميعاً، تشعرين بالأسى حقاً تتمنين لو أن أحداً يخرجكِ من هنا.

آنجالي كامات: تقدر تقارير أولية أن ما لا يقل عن خمسين ألف شخص قتلوا منذ اندلاع القتال في ديسمبر كانون الأول من عام ٢٠١٣ غير أن ريتشل تقول إن الرقم أكبر بكثير.

ريتشل ماييك: إذا كنا قد فقدنا في عائلتنا نحن أكثر من عشرة أشخاص من أقرباء زوجي وعائلتي فماذا عن العائلات الأخرى؟

آنجالي كامات: والناس ما زالوا هنا لأنهم خائفون؟

ريتشل ماييك: نعم لأنه لم يتحقق السلام والأمن بعد في ملكال حتى الآن.

آنجالي كامات: لديك نحو عشرين ألف شخص هنا لأنه المكان الوحيد الآمن.

كان الناس لا يزالون يتوافدون، أحياناً هرباً من العنف في مدن بعيدة جداً ولا يمكن الوصول إليها إلا بالزوارق، جيايبينايبول انوك بعد أن هاجمت ميليشيات المتمردين عائلتها قبل أيام شج رأسها بالسواطير وقد تخلوا عنها لاعتقادهم أنها ميتة، قالت لنا ابنتها نيبول إنه كان هناك ناجون من قريتها وهم يتحركون في طريقهم باتجاه مصب نهر النيل، وقد توجهنا إلى المكان لنرى إن كنا نستطيع العثور عليهم.

نحن في طريقنا إلى إحدى قرى أورجواك إلى الجنوب من ملكال هناك جماعة ممن فروا من القتال ووصلوا إلى هنا لذا سنرى ما يجري. لماذا جئتم إلى هنا؟

مواطنة في قرية أورجواك: تم قتل الناس ونحن هربنا لنأتِي إلى هنا، هناك موتى كثيرون وراءنا قتلوا رمياً بالرصاص.

آنجالي كامات: السلام عليكم، كيف حالك؟

مواطن ملكالي: يا ١٠٠ أهلاً.

مواطنة من عطر: هناك جماعات من النوير يقاتلون أهل عطر قتلوا أناساً كثيرين ولهذا هربنا إلى هذا المكان.

آنجالي كامات: هذه فتاة هربت للتو من عطر قالت إن قوات المعارضة تقتل الناس بأعداد كبيرة وقد وصلت إلى هنا بالقارب يوم أمس. هل رأيتِ أناس يقتلون؟

مواطنة من عطر: نعم.

آنجالي كامات: كم عددهم؟

مواطنة من عطر: الأمر ليس جيداً.

آنجالي كامات: هناك مئات من الناس يعيشون في العراء، يحملون أمتعتهم ومتعلقاتهم وكِسراً قليلة من الطعام، هذا ما تبدو عليه أجزاء من دولة جنوب السودان اليوم، الناس يحتشدون تحت الأشجار مرعوبين متعبين من هول ما فروا منه، وقد وصل طبيبان لتقدير مستويات سوء التغذية ورعاية الأحياء منهم لكن ليس هناك تعداد رسمي للقتلى.

أكول: قتلوا أناساً كثيرين، هرب بعض الناس إلى الأدغال ولا أحد يعرف إن كانوا أحياءاً أم أمواتاً.

آنجالي كامات: قبل أن تغادر أكول منزلها قالت إنها كانت ترى ابنها الصغير وهو يُقتل، قالت إن ذلك الأمر على الأقل كان أكيداً. بينما كان رئيس جنوب السودان سالفا كير ونائبه السابق رياك مشار يقتتلان، يمكن القول إن قصة ولادة الدولة وربما جذور الأزمة بدأت هنا في الولايات المتحدة، ويعود الأمر إلى عقد التسعينيات حينما كان السودان في براثن حرب أهلية بين الشمال والجنوب.

إيريك ريفز/ أستاذ اللغة الإنجليزية في كلية سميث: سمينا أنفسنا المجلس.

جون بريندرغاست/ المدير المؤسس في مشروع إينف: أصبح واضحاً أن أكثر بلدان العالم معاناة ربما وكان يمكن للولايات المتحدة أن تصنع الفرق الأكبر فيه هو السودان.

تيد دانيي/ متخصص في العلاقات الدولية: بالنسبة لأغلبنا لم يكن الأمر مجرد مسألة مهنية وإنما شخصية.

آنجالي كامات: إيريك ريفز أستاذ اللغة الإنجليزية في كلية سميث غير البعيدة عن بوسطن، عمل جون بريندرغاست في الخارجية لكن أكثر ما يعرف به سفره إلى المناطق التي مزقتها الحرب برفقة جورج كلوني، أمضى  تيد دانيي عقدين من عمره في إدارة البحوث التابعة للكونغرس وكان يكتب تقارير عن السودان.

تيد دانيي: نعم هذا أنا وهذا روجر وينتر الذي يلقب بحامل الرمح.

آنجالي كامات: التف الرجال بحميتهم حول جيش من المتمردين في الجنوب لمقاتلة حكومة الخرطوم.

إيريك ريفز: كنا نلتقي في معظم الأحيان في مطعم أوتيلو كان روجر يطلب دائماً حساء السمك بينما كان تيد يتناول شرائح السمك، توصلنا إلى ما كان  ينبغي فعله، توصلنا إلى من كان ينبغي أن نضربهم.

جون بريندرغاست: شعرنا بأننا إذا تمكنا من تكوين أنصار لنا في الكونغرس فإن ذلك سيرجح أن تصبح الولايات المتحدة أكثر انخراطاً في هذا الأمر.

تيد دانيي: طلب مني أن أنضم إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب في اللجنة الفرعية الخاصة بإفريقيا وهذا وفر لي فرصة الحصول على مزيد من المعلومات والتأثير.

دور أميركا في تقسيم السودان

إيريك ريفز: قلنا لمن أرادوا أن يستمعوا إلينا في الكونغرس أي القرارات التي هم بحاجة لكتابتها وأي تشريعات ينبغي أن يقروها.

آنجالي كامات: كان للمجلس عدو واحد وبطل واحد؛ كان العدو هو الخرطوم حاضرة الحكومة السودانية. ما الذي كنت تريد من الناس أن يعرفوه عن الخرطوم؟

إيريك ريفز: أردت أن يعرف الناس أن هذا النظام كان شريراً، فكرت كثيراً بمعنى كلمة شرير، أردت إفهام الناس أنه إن كان هناك شر في هذه الدنيا فإنه يقيم في الخرطوم.

تيد دانيي: كانوا يستخدمون طائراتهم في القصف لترويع هؤلاء الناس، استخدموا جيشهم أساساً لتدمير كل ما كان يعترض سبيلهم.

آنجالي كامات: إذا كانت الخرطوم هي العدو فقد كان بطل المجلس قائد المتمردين جون غارانغ؛ كان غارانغ طالباً جامعياً في ولاية آيوا لكنه عاد إلى الوطن في الثمانينيات من القرن الماضي لتأسيس الجيش الشعبي لتحرير السودان لمقاتلة حكومة السودان.

جون غارانغ/ قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان: إن ما يجري هو مجزرة دموية محسوبة ودون وازع إنساني وهذه الحكومة تدعي أنها حكومة السودان أليس كذلك؟ إنها حكومة قتلة وينبغي أن تدان، يجب فرض عقوبات على هذه الحكومة ويجب عزلها.

إيريك ريفز: لم يكن بارعاً من الناحية العسكرية فحسب وإنما كان داهية من الناحية السياسية فقد فهم المجتمع الدولي وكان ذا شخصية ساحرة إذا كان لكلمة ساحرة من معنى.

تيد دانيي: يمكنكِ أن تري تحمس جون غارانغ للمساواة والاستقلال والديمقراطية.

جون غارانغ: ينبغي مساعدة أولئك الذين يكافحون للدفاع عن أنفسهم.

آنجالي كامات: كان الجيش الشعبي يقاتل من أجل تغيير النظام في الخرطوم وبمساعدة المجلس وجد صديقاً في الولايات المتحدة، سوزان رايس التي كانت آنذاك مساعدة لوزيرة الخارجية للشؤون الأفريقية بدأت تحضر الاجتماعات وكان مقدراً لها أن تؤدي دوراً أساسياً.

إيريك ريفز: عرفنا أن ما يحدث كان يستهدف تدمير الحياة المدنية إثنياً بغية تدمير القاعدة المدنية لدعم المتمردين.

تيد دانيي: نستطيع أن نقنع عدداً من الأعضاء الأساسيين في الكونغرس بأن هذا صراع يحتاج للدعم وأنه عبارة عن نوع من الفظاعة التي يجب أن تتوقف.

جون بريندرغاست: كنا على اتصال يومياً نخطط بشكل استراتيجي وننسق الجهود لضمان تحقيق الهدف النهائي وهو السلام العادل.

آليكس دي فال/ المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي: كانت هناك حالة حب بين كثير من كبار المناصرين الأميركيين وجون غارانغ، كانوا يحبونه كثيراً.

آنجالي كامات: وهل كانوا مخطئين؟

آليكس دي فال: كان جون غارانغ من الناحية الشخصية جذاباً وذا شخصية مؤثرة إلى حد كبير، نحن نعرف هذا الآن وأنا متأكد من أنكِ قابلتِ طغاة جذابين ومن ذوي الشخصيات المؤثرة في العالم.

آنجالي كامات: أمضى آليكس دي فال حياته المهنية وهو يدرس السودان، قال إن كثيرين كانوا يرون في غارانغ رجلاً آخراً مختلفاً.

آليكس دي فال: كان في قمة القسوة، كل الأمور في يده ولا يتساهل في أمور الانشقاق إطلاقاً، في شيطنته الخرطوم عمد إلى الترويج للجيش الشعبي لتحرير السودان على أنه جيش من الأبطال والملائكة وهم لم يكونوا منها أولئك ولا من أولئك فسجل حقوق الإنسان الخاص بالجيش الشعبي لتحرير السودان خلال الحرب بأكملها لم يكن في أي يوم أفضل حالاً من سجل حقوق الإنسان الخاص بحكومة السودان.

آنجالي كامات: أياً كانت الحقيقة بشأن سجل حقوق الإنسان فلا شك في أن جيش المتمردين التابع لغارانغ أصبح أقوى بفضل دعم أصدقائه الأميركيين، في الوقت ذاته كانت هناك حركة أخرى تكتسب قوة في واشنطن.

فيث ماكدونيل/ مديرة التحالف الكنسي لسودان جديد: هذه فقرة من الكتاب المقدس التي تتحدث عن السودان "ويلٌ لأرض الأشرعة التي تخفق عبر نهر كوش المرسل رسلاً في البحر في قوابل بردي على وجه المياه، اذهبوا أيها الرسل العُجالى إلى أمة طويلة جلودها ملساء إلى شعب مهاب أينما كان إلى أمة قوية جبارة الخطى تقطع أرضها الأنهار".

آنجالي كامات: وجد المسيحيون الإنجيليون مكان نفوذ جديداً فأصبحت دولة جنوب السودان صيحتهم الجامعة.

فيث ماكدونيل: كان شعباً بريئاً يحاول أن يعيش حياته بينما كانت القنابل تتساقط عليهم.

آنجالي كامات: أصبحت قصص المسلمين الشماليين وهم يستعبدون المسيحيين الجنوبيين المنعطف الحاسم الذي يقوم عليه الدعم الأميركي للسودانيين الجنوبيين.

جون آيبنر/ المدير التنفيذي في مؤسسة التضامن المسيحي الدولي: هناك أناس فقراء في مناطق كثيرة من العالم وهناك حروب في مناطق كثيرة من العالم لكن الحقيقة هي أن الناس كانوا مستبعدين خصوصاً النساء والأطفال إلى حد يهز وجدان كثيرين وهذا ما دفعني لهذا التحرك. حسنٌ سنلتقي الآن نخاساً وعبيداً، أفهم أن هناك ثلاثمئة وعشرين عبداً عادوا مؤخراً مع أحد النخاسين، عادوا معه.

آنجالي كامات: قام جون آيبنر وآخرون بعشرات الرحلات إلى السودان لمفاوضة النخاسين المزعومين، نجحت الحملة نجاحاً باهراً لكنها كانت أيضاً مثيرة للجدل.

جون آيبنر: هذه ستة ملايين.

جون بريندرغاست: بينما كان هناك بكل تأكيد عنصر من الحقيقة فيما كانوا يفعلون فإن كثيرين في الجنوب بما فيهم قادة الجيش الشعبي لجنوب السودان استغلوا هذا الأمر بسرعة كمشروع لا يتوقف عن توليد الأموال وهكذا يدخل المبشرون الأجانب السذج وهم يحملون مبالغ كبيرة من المال بينما يجمع هؤلاء القادة بكل بساطة بعض أطفال المنطقة ويدربونهم، أنتم عبيد سابقون؛ ألستم كذلك؟

آنجالي كامات: غير أن الحملة أشعلت غضباً بين الأميركيين ومهدت الطريق لتدخل أميركي مباشر أكثر من ذي قبل، في أواخر التسعينيات فرضت واشنطن عقوبات شاملة على السودان وأخلت سفارتها في الخرطوم.

جون بريندرغاست: بدلاً من التعقيدات الحقيقية في السودان التي وجدوا فيها الجيد والسيئ في كل طرف من الطرفين؛ فقد اختزل الأمر ليكون في غاية التبسيط وهذا الشكل الأخلاقي المبسط يمثل سياسة في غاية السوء.

ألوف من الأطفال بلا مدارس

آنجالي كامات: في جنوب السودان اليوم يصل مدى اتساع الأزمة التي بدأت تتكشف إلى كل مكان.

نياييل/ من ضحايا الحرب: قبل الحرب كنت أذهب إلى المدرسة وبعد العودة إلى المنزل كنت أقرأ بعض الوقت ثم أستريح وألعب مع صديقاتي وإن طلب مني أحد أن لا أذهب إلى المدرسة كنت أرد عليه بالقول كلا أنا أحبها.

آنجالي كامات: ألوف من الأطفال من أمثال نياييل يتمتهم الأزمة.

نياييل: كنت أعيش مع أمي لكنني لم أراها منذ أن بدأت الحرب ولا أحد يستطيع الجزم إذا ما كانت على قيد الحياة أم لا.

آنجالي كامات: نياييل تعيش الآن مع جدتها وتساعد في العناية بأخوين أصغر منها. ماذا تتذكرين من الحرب؟ ماذا حدث؟ كيف عرفتِ أن الحرب قامت؟

نياييل: رأيت المدافع الكبيرة وهي تطلق نيرانها في كل اتجاه فقد بدأ القتال عندما كنا في بانتيو بدأنا الهرب وبينما كنا نهرب قيل لنا إن كثيراً من الناس يتم قتلهم، هربنا إلى قاعدة الأمم المتحدة كنا نسمع القتال خارج البوابات وكان يقال لنا إن مزيداً من الناس كانوا يقتلون، في كل مرة نسمع فيها أصوات القتال كنا نسمع الشيء ذاته وهو أن كثيراً من الناس كانوا يقتلون، وقد استمر هذا حتى توقفوا عن القتال.

آنجالي كامات: يقدر عدد الأطفال من أمثال نياييل الذين اضطروا لترك مقاعد الدراسة بسبب الحرب بنصف مليون طفل. لقد تغيرت حياتكِ، ما هو التغيير الأكبر بالنسبة لكِ؟

نياييل: أصبحت قوية، الأمر الآن ليس مثلما كان عندما اندلع القتال، السبب في ذلك أنني رأيت أناساً يموتون لم أعد أخاف، تلك الأمور جعلتني قوية، في البداية كنت أخاف أما الآن فقد أصبحت أقوى.

آنجالي كامات: القاعدة هنا في بانتيو تقع على خطوط القتال الأمامية تماماً، قوات الحكومة على هذا الجانب وقوات المعارضة على الجانب الآخر، بينما يهتم جنود الأمم المتحدة بالحدود ويصعب اعتبار هذا الوضع حلاً طويل الأمد، حتى جمع الحطب يحمل مخاطر جمة بالنسبة للنساء اللواتي يقلن إنهن خائفات من الجنود خارج البوابات.

إحدى ضحايا الحرب: نعم أنا خائفة لأني سمعت أن النساء يتعرضن للاغتصاب وإن الدينكا موجودون في المنطقة وبعضهم يأكلوا البشر، بينما يطلق بعضهم الآخر النار على الناس.

لام أكول/ رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان: لقد رأيتم الخراب الذي حل بملكال وبانتيو وأور والأسوأ من ذلك هو تمزيق النسيج الاجتماعي فالنوير لا يستطيعون التكلم مع الدينكا ولا مع الشيلوك.

صراع عرقي أم سياسي؟

آنجالي كامات: فسر كثير من المحللين الخارجيين الحرب على أنها صراع عرقي بين تجمعات بشرية مختلفة ومتعارضة لكن بالنسبة لكثير ممَن التقيناهم ليس هذا ما يجري على الأرض.

لام أكول: أولاً كانت الحربان حربي تحرير يمكن أن تقول إن الناس كانوا يقاتلون من أجل حقوقهم، كانوا يقاتلون ضد القمع والاضطهاد أما هذه الحرب فهي صراع على السلطة وليس لها تبرير بأي شكل.

دانيال دينغ/ موظف في منظمة أوكسفام - مينكامان: مشاهدة الجثث أمر لا يمكن نسيانه في الواقع، مشاهدة جثث الموتى وهكذا فإن تلك الصور تبقى ماثلة في مخيلتي.

آنجالي كامات: دانيال دينغ يعمل في الإغاثة وحيث أنه ينتمي لقبائل دينكا فقد قال إنه وجد صعوبة في تصديق أن القتال بدأ بسبب عداوات قبلية عميقة الجذور، لكن القتال وصل إلى حد أنه سيحتاج لوقت طويل للشفاء منه.

دانيال دينغ: هذه أشياء لا يعرفها أحد سوى الحكومة لكن بالنسبة لنا نحن المدنيين أعتقد أن من الصعب أحياناً أن نفهم السبب الذي يدفعهم لفعل ذلك، ما من شخص واحد غير حانق بشأن ما يجري، الكل حانقون.

جون بريندرغاست: عندما تفجر النزاع فقد اتخذ على الفور بعداً عرقياً، حدث ذلك ليس لأن هذه الجماعات العرقية كانت تكره بعضها بعضاً أو أنها كانت تتعارض فطرياً مع بعضها البعض، ولكن لأن طريقة تقسيم الأموال في الدوائر الانتخابية التي أنشأها أعضاء النخبة السياسية كانت عرقية، وكان الخلاف داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان يتركز على من سيتولى المناصب العليا ليست هناك أجندة تتجاوز موضوع السلطة.

[فاصل إعلاني]

حلم جنوب السودان بالاستقرار والازدهار تبخر

آنجالي كامات: انتهى حلم دولة جنوب السودان بشكل مفاجئ في العاصمة جوبا في إحدى أمسيات كانون الأول ديسمبر قبل أن تبلغ سن الثالثة بعد ولادتها وهناك روايتان للقصة. أين نذهب سيدي؟

اللواء مارييل تشاونغ ويل/ رئيس الحرس الرئاسي: متوجهون إلى الموقع الذي بدأ فيه إطلاق النار.

آنجالي كامات: يوجه البعض الاتهام لمارييل تشاونغ ويل رئيس الحرس الرئاسي لنزعه سلاح جنود كانوا ينتمون لأقلية وير ثم عادت هذه المجموعة إلى هذه الثكنات.

اللواء مارييل تشاونغ ويل: هنا بدأت المشكلة.

آنجالي كامات: كيف بدأت؟ ما الذي حدث؟

اللواء مارييل تشاونغ ويل: كان ذلك يوم الأحد الخامس عشر كنا في حالة استرخاء في ذلك المكان، لم يكن أحد منا في حالة خدمة فعلية، في الليل عند الساعة العاشرة تقريباً.

آنجالي كامات: قال لنا إن الجنود اقتحموا المخزن.

اللواء مارييل تشاونغ ويل: وصلوا بينما كان الناس نياماً، فتحوا المخازن وتسلحوا بما فيها، ذلك المكان كان مخزناً للسلاح والعتاد، قدموا ووقفوا هنا، اللواء لم يكن لديه سلاح وهكذا أطلق عليه النار هنا وركض سقط هنا، هذا ما فتح الباب أمام إطلاق النار، إنهم هم من أطلقوا النار على الناس وهم من بدأوا إطلاق النار وبعد ذلك بدأ الآخرون يردون على مصادر النيران.

آنجالي كامات: يعتقد اللواء أن ما جرى كان محاولة انقلاب نفذها الجنود الموالين لرياك مشار نائب الرئيس السابق الذي ينتمي لقبيلة النوير، فهو يحمل هؤلاء مسؤولية بدء الحرب بكاملها.

اللواء مارييل تشاونغ ويل: لقد خان البلد بكامله لأننا انفصلنا عن الشمال، ما كنا نفكر فيه هو التنمية وأن نلحق بركب باقي دول العالم لكنه حرمنا من تلك الفرصة.

اتهامات متبادلة بين سلفا كير ومشار

آنجالي كامات: في هذه الأثناء يقول مشار إن حكاية الانقلاب هي مكيدة وهو ينحي باللئيمة على الرئيس كير لسحقه للانشقاق وحصره السلطات في شخصه لكن المؤكد هو أن القتال تحرك بسرعة ليخرج عن نطاق الثكنات وبحلول المساء التالي وكردة فعل على جنود التمرد امتلأت شوارع العاصمة بمئات من جثث المواطنين النوير الذين تعرضوا لمذبحة.

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش وتقارير أخرى إن أعضاء في كتيبة كاوا وأعضاء  من كتائب أخرى كانوا هم المسؤولين عن عمليات القتل في الخامس عشر من ديسمبر كانون الأول.

اللواء مارييل تشاونغ ويل: أختلف تماماً مع الذين يقولون إلى الحرس الجمهوري هم المسؤولون عن هذه الأعمال لأن الجميع كانوا يحملون السلاح في ذلك اليوم.

آنجالي كامات: من تظن إذاً أنه قام بعمليات القتل تلك؟

اللواء مارييل تشاونغ ويل: طبعاً كل من يملك سلاحاً، هناك قوات من مختلف الوحدات ليست من الجيش لأن هناك أناساً آخرين ليسوا من الجيش ويحملون السلاح.

آنجالي كامات: مجرد مدنيين مسلحين؟

اللواء مارييل تشاونغ ويل: مدنيون مسلحون وأيضاً قوات منظمة.

آنجالي كامات: تغذى الشرخ السياسي الذي حدث في صفوف القيادة من الانقسامات العرقية، فالرئيس سلفا كير من جماعة الدنيكا ونائب الرئيس السابق رياك مشار من النوير.

يقول بيتيم مادول إن قوات الدينكا الموالية للرئيس كانت تتوجه إلى المواطنين من منزل لمنزل وتسألهم باللغة القومية لاختبار أعراق الناس.

بيتيم مادول/ مواطن من جنوب السودان: ما يفعلونه هو أنهم يكلمونك بلغة الدينكا فلا تجيب، فيسبحون المسدس وتِك، أنا أحسس بأنني مقتول ميتٌ يسير على قدمين أنا حي لكنني أرى أنني يمكن أن أموت في أي لحظة.

آنجالي كامات: تمتد عمليات القتل شمالاً حتى تصل إلى بلدة بور والنوير الذين أغضبتهم أنباء الهجمات التي تستهدف أشخاصاً معينين في جوبا واصلوا هياجهم ولم يتوقف ذلك. وانقسم الجيش إلى قسمين وبدأ يقاتل نفسه ونفذ الطرفان مجازر مدينة تلو الأخرى وقد هزت العالم الصور التي خرجت من مدن بور وبعدها بانيتو ثم ملكال، أما بالنسبة للمناصرين في واشنطن الذين كافحوا كفاحاً ضاراً للفوز بحرية الجنوبيين من السودان لم يكن ذلك بالمسار الذي كان يفترض أن تسير فيه الأمور، لقد أثمرت الجهود الدولية في آخر المطاف في عام ٢٠٠٥ ووصلت الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه إلى نهايتها وأصبح قائد المتمردين جون غارانغ نائباً لرئيس السودان، وفي توقيع اتفاق السلام الشامل كان هناك مسار واضح إلى الأمام نحو استقلال جنوب السودان، لقد حقق الجيش الشعبي لتحرير السودان نصراً كبيراً، ثم وبعد ستة أشهر من توقيع تلك الوثيقة التاريخية وقعت المأساة.

تيد دانيي: كان الوقت منتصف الليل حينما رن جرس الهاتف من أحد القادة قال إن مروحية صديقك فقدت.

آنجالي كامات: لقد كان جون غارانغ.

إيريك ريفز: لقد فقدوا بطلاً حقيقياً كان يمثل الرجل الذي جلب السلام لكل السودان، لقد فجعنا به، فجعنا جميعاً، فجع جنوب السودان.

تيد دانيي: ما حضر في ذهني والسؤال الذي سألته هل حقق ما كان يريد فعله؟ وكان الجواب نعم، أما الباقي فهو جزء من التاريخ.

آنجالي كامات: بينما كان اتفاق السلام الشامل والجيش الشعبي يمثلان تركة غارانغ يقول كثيرون إنه ما كان لكل ذلك أن يحدث لولا دعم الولايات المتحدة وفي كلتا الحالتين كانت تكمن بذور الكارثة فجزء من اتفاق السلام كان ينص على أن يستفيد جنوب السودان من عوائد النفط وكانت مليارات الدولارات تتدفق على الجنوب.

آليكس دي فال: خلال السنوات الستة التي أعقبت توقيع اتفاق السلام الشامل أصبحت دولة جنوب السودان واحدة من أكثر الأماكن فساداً في العالم، كان يمكن لتلك الأموال أن تستخدم في عملية التنمية الشاملة وإعادة التأهيل، مبالغ هائلة نهبتها أو ببساطة سرقتها نخبة جنوب السودان، جرى كل ذلك في وضح النهار ودون أن تقول الأسرة الدولية كلمة واحدة.

آنجالي كامات: لم يكن جنرالات الجيش الشعبي من بين أعلى الجنرالات دخلاً في أفريقيا فحسب بل إن رواتبهم تضاعفت بعد توقيع اتفاق السلام وفي ظل قيادة أموال النفط لمسار الأحداث كانت الحركة من أجل الاستقلال الكامل تتنامى بين قادة الجنوب فقد عملوا على ضمان ولاء الجنرالات وميليشياتهم الذين لولا الإغراءات المادية لوقفوا إلى جانب السودان.

آليكس دي فال: كانت إستراتيجية سلفا كير تقوم على فكرة إننا سندفع لكم أكثر، وهكذا كانوا يدفعون لهم أكثر بشكل منازل وسيارات وحمايات شخصية لم يكن جيش تحرير السودان في الواقع جيشاً، لقد كان آلة هائلة لامتصاص الأموال وتحويلها إلى وحدات عسكرية كانت توزع على نقاط في عموم البلاد وهي موالية لقادتها المباشرين.

لام أكول: كان يمكن بناء مدارس ومراكز صحية وفتح طرقات.

آنجالي كامات: لكن لم يحدث شيء من هذا؟

لام أكول: لم يحدث شيء منها لأن الأموال كانت تبتز، لقد أكل الفساد كل شيء.

آنجالي كامات: في تلك السنوات العصيبة التي قادت إلى الاستفتاء على الاستقلال التام عزز الأصدقاء الدوليون لجنوب السودان دعمهم.

لام أكول: كانوا يقولون كل الأشياء السيئة عن الخرطوم لكنهم لم يذكروا شيئاً سيئاً واحداً عن الجنوب وهذا أعطى الحركة الشعبية لتحرير السودان الشعور بأنهم يستطيعون الهرب وبحوزتهم كل شيء.

آليكس دي فال: اتهمت قيادة جنوب السودان بأنها مدللة وبأن هناك من يعاملها كطفل مدلل وأن بإمكانها النجاة من الجرائم التي ترتكبها.

آنجالي كامات: ما كان تأثير ذلك؟

آليكس دي فال: تأثير ذلك أنه أصبح لديك جيش في أقصى درجات عدم الانضباط وفي غاية الجشع بحيث أنه قابل للانكسار في أي لحظة وهذا ما حصل.

آنجالي كامات: لقد أخفقت مفاوضات السلام على مدى سنة كاملة بين الرئيس ونائب الرئيس لذلك تتوالى فصول الحرب، توبي لانزر المنسق الإنساني للأمم المتحدة في جنوب السودان يتوجه إلى بانيتو للإعداد لتوسيع المعسكر بمبلغ سبعة عشر مليون دولار.

توبي لانزر/ المنسق الإنساني للأمم المتحدة- جنوب السودان: وهكذا نتوجه إلى مقر قيادة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بانتيو هذا هو المكان الذي تسلق فيه أكثر من خمسين ألف شخص الأسوار أو دخلوا من البوابات للبحث عن ملاذ آمن من الصراع في جنوب السودان، كانت هذه المنطقة عبارة عن غابة وهي الآن أرض منبسطة، كم شخصاً يمكن أن يعيش في هذا المكان؟ ألف مثلاً؟

من قوات حفظ السلام: نعم تقريباً ألف.

توبي لانزر: كلا  القواعد لم تكن مصممة لهذا الغرض لكنها الآن قادرة على استيعاب الناس الذين كانوا هناك وتوفير الحد الأدنى من مستوى الحياة؛ إذ يوجد ما يكفي من الماء والغذاء والملاذ الآمن، تأثر نحو خمسين في المئة من شعب جنوب السودان إلى حد كبير بالأزمة هنا، وهكذا فإنك تتحدث عن ستة ملايين إنسان، تعرضت المدن للتدمير والأسواق للانهيار وتحطمت حياة الناس.

سيركيمات فينكو/ ضابط شرطة في قاعدة الأمم المتحدة: كانت القوات الحكومية تتقدم.

آنجالي كامات: هذه قوات حكومية تتجه إلى بانيتو؟

سيركيمات فينكو: نعم نحو ألفين.

آنجالي كامات: في كل مرة تنتقل فيها البلدة من سيطرة هذا الطرف إلى ذاك كان القتال يصل إلى أطراف القاعدة، كانت الأمم المتحدة تراقب بينما يتقدم المتمردون ويتراجعون، حينما كانت قوات الحكومة والميليشيات المتحالفة معها تستعيد البلدة، يعمل سيركيمات فينكو ضابط شرطة في قاعدة الأمم المتحدة في بانيتو.

سيركيمات فينكو: كان القتال على بعد نحو خمسمئة متر من هذا المكان.

آنجالي كامات: كان بإمكانك رؤية القتال من هنا؟

سيركيمات فينكو: نعم وقع الانفجار على مسافة مئة متر تقريباً من هنا.

آنجالي كامات: بهذا القرب؟

سيركيمات فينكو: نعم ووقع قصف من إحدى الدبابات كان من البوابة الرئيسة.

آنجالي كامات: انتقلت السيطرة في المدينة من طرف إلى آخر أربعة مرات خلال ستة أشهر وكل انتصار كان يجلب معه موجة جديدة من المدنيين.

سيركيمات فينكو: كان معظمهم كما قلت لكِ من الإناث والأطفال كان الحشد كبيراً جداً.

آنجالي كامات: أناس كثر يحتشدون هنا، كان الخوف بادياً عليهم، خط الجبهة الجديد على مشارف مدينة بانتيو وقد دعانا إلى ذلك المكان جنود حكومة جنوب السودان، انهارت محادثات السلام الليلة الماضية لذلك فإن الوضع متوتر إلى حد ما هنا ونحن في هذه القافلة في طريقنا نحو خطوط القتال مع الجيش الشعبي لتحرير السودان، إذاً المتمردون هناك إنهم قريبون جداً.

سيركيمات فينكو: نعم نعم قريبون جداً، أترين تلك الأشجار؟

آنجالي كامات: هناك بالضبط؟

سيركيمات فينكو: هناك عدونا إنهم المتمردون، تلك الأشجار أقربها إلينا.

آنجالي كامات: إذاً هناك وحدات من الجيش الشعبي لتحرير السودان تتخذ مواقعها في عموم المنطقة وهم يقولون إن قوات المعارضة هناك ليست بعيدة جداً عبر النهر وراء الصف الأول من الأشجار. نحن على الخط الأمامي تماماً وهذا أقرب ما يمكن أن نصل إليه والمعارضة على بعد كيلومتر ولنصل لكيلومتر من هنا، إذاً يستطيعون الهجوم في أي لحظة؟

سيركيمات فينكو: في أي وقت وهذا مقر قيادة المنطقة التعبوية.

آنجالي كامات: هؤلاء الجنود سيخرجون ويقتربون أكثر من مواضع المعارضة في شكل دوريات صغيرة.

سيركيمات فينكو: نحو كتيبة واحدة هناك، توجد كتيبة أخرى هناك وهذا هو مقر قيادة المنطقة التعبوية.

آنجالي كامات: ونحن على مشارف مدينة بانتيو؟

سيركيمات فينكو: نعم.

آنجالي كامات: وهل تعرضت للهجوم مؤخراً؟

سيركيمات فينكو: عدة مرات.

آنجالي كامات: متى كانت آخر مرة؟

سيركيمات فينكو: كانت أمس.

آنجالي كامات: أمس!

سيركيمات فينكو: أمس وفي الرابع والثالث والثاني من هذا الشهر، هاجمونا في كل هذه التواريخ.

آنجالي كامات: أردنا لقاء قوات المعارضة لكن لفعل ذلك كان علينا أن نغادر جوبا وأن نعود عبر الحدود إلى جنوب السودان عبر أثيوبيا. إذاً الطريق مباشر  من هنا إلى الحدود؟

بول جاتوك/ ضابط ارتباط للمسائل الإنسانية بالنسبة للمعارضة: بقي أمامنا ثلاث نقاط تفتيش.

آنجالي كامات: قطعنا كل هذه المسافة من جنوب السودان إلى أثيوبيا، أخذنا رحلة جوية من جوبا إلى أديس أبابا العاصمة وقد عدنا الآن إلى الحدود مع جنوب السودان إلى بلدة اسمها غامبيلا رحلة طويلة للرجوع إلى هنا لأنه لا يوجد طريق آخر للقدوم من جوبا إلى الحدود ولأن المناطق تتحكم فيها المعارضة والحكومة فإن المرور بذلك المكان أثناء الرحلة غير آمن إطلاقاً. قبل الحرب كان بول جاتوك عضو برلمان في جوبا إنه الآن ضابط ارتباط للمسائل الإنسانية بالنسبة للمعارضة قد وافق على مرافقتنا في دخول المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. أخيراً تمكنّا من دخول جنوب السودان، هذه منطقة المتمردين وهذا يعني أن معظم الاحتياجات ينبغي أن تشترى من السوق السوداء، هذا الوقود يكلف أكثر من خمسة وثلاثين دولاراً للجالون الواحد، أهذه هي البلدة؟

بول جاتوك/ ضابط ارتباط للمسائل الإنسانية بالنسبة للمعارضة: إنها قرية، إنها بلدة، أتعرفِ ما تعنيه كلمة بلدة؟

آنجالي كامات: إنها رحلة العودة للأهل بالنسبة لبول الذي كان يعيش في رواندا منذ أن اضطرته الحرب للخروج من جنوب السودان. كثير من هؤلاء السياسيين السابقين تولوا مناصب عسكرية في إطار المعارضة ووراء هذا الضحك تحس بأن حقيقة الحرب أمر ملموس، أخذنا بول للقاء اللواء تشايوت مانيانغ الذي عاد تواً من رانك حيث يتقاتل الطرفان للسيطرة على حقول النفط. بينما يفاوض رياك مشار رسمياً نيابة عن المتمردين فإن رجالاً مثل تشايوت هم في الواقع من تتزايد سيطرتهم على الميليشيات في المنطقة. قُتل كثيرون من الجانبين خلال الأشهر العشرة أو الاثني عشرة شهراً الماضية، من تعتقد أنه يتحمل المسؤولية النهائية؟ وهل تعتقد أن الذين كانوا ينفذون عمليات قتل المدنيين الأبرياء من الجانبين ينبغي تحميلهم المسؤولية؟

تشايوت مانيانغ/ قائد إحدى الميليشيات: نحن لسنا من قتلهم، هم جاؤوا إلينا وكان معنا نسائنا وأطفالنا.

آنجالي كامات: الآن ألم يقل الطرف الآخر إن أناساً من المعارضة قتلوا هم الآخرون كثيرين من أبناء الدنيكا؟

تشايوت مانيانغ: نحن لسنا من قتلهم، جاؤوا ووجدونا مع نسائنا وأطفالنا وشرعوا في قتلنا، نحن لم نقتلهم نحن لا نقتل الناس، قتلنا الجنود الذين يهاجموننا في المواجهات فقط.

آنجالي كامات: والمدنيون من أبناء الدنيكا ليس لديهم ما يخشونه؟

تشايوت مانيانغ: كلا.

آنجالي كامات: بالنسبة للجنرال تشايوت أمر المفاوضات غير وارد فهو لن يقبل بأقل من رئيس جديد.

تشايوت مانيانغ: لو قبل الدكتور رياك العمل مع كير فإنه سيذهب وحده.

آنجالي كامات: هل ستكون معارضاً للدكتور رياك مشار أيضاً؟ وهل هناك كثيرون يشاركونك الرأي؟

تشايوت مانيانغ: هؤلاء تحت إمرتي وهم أبناء قومي.

انقسامات داخل الجيش

آنجالي كامات: واضح أن الجيش الذي بنى جنوب السودان تستفحل فيه الانقسامات أكثر فأكثر فعلى امتداد البلد تجد قادة مثل تشايوت يسعون للتحكم بالميليشيات التي في مناطقهم، أما في جوبا حيث فشلت المفاوضات فتشن الحكومة علانية هجماتها مرة أخرى.

آنجالي كامات: هناك طائرة قادمة من رنك ولاية الوحدة وهي تحمل معها عشرة أسرى من المعارضة قد يكون بعضهم مصاباً وقد نظم الجيش الشعبي لتحرير السودان حملة دعاية إعلامية كبيرة بهذا الصدد الهدف منها الترويج بأن الجيش يتفوق في الحرب، ليس بينهم سوى اثنين بالملابس العسكرية ومعظمهم كانوا يرتدون الملابس المدنية حتى أن اثنين منهم كانوا يرتدون ملابس النوم، وبينما تتواصل فصول الحرب فإن مستقبل السلام على الأرض هنا بالنسبة لجنوب السودان يبدو أمراً مستحيلاً.

آليكس دي فال: لقد كلفت الحرب عشرات الألوف من الأرواح كما أنها ولّدت أحقاداً عميقة ومرارة بين السكان وأفضت إلى إفلاس الدولة، هذه الدولة التي كانت قبل بضع سنين فعلية وتملك ما يكفي من الموارد لتفعل ما تشاء تقريباً أصبحت مفلسة تماماً.

آنجالي كامات: في اليوم الذي احتفلت فيه دولة جنوب السودان باستقلالها كان إيريك ريفز يشاهد الاحتفال من منزله في ولاية ماساتشوستس.

إيريك ريفز: تلقيت دعوة شخصية من سلفا كير لكن طبيبي الخاص لم يسمح لي بالسفر وقد حرص الجنوبيون على دعوتي مدركين بأني لن أتأخر عن الحضور إن استطعت عالمين بطريقة ما أن هذه اللحظة هي لحظتي وهي لحظة شعب السودان قبل كل شيء لكنني شعرت فعلاً أنني كنت موجوداً بينهم.

آنجالي كامات: لماذا؟

إيريك ريفز: لأني عرفت أنه لن يكون هناك سلم أبداً من دون هذا اليوم، من دون هذه السعادة، شعرت كما لو أنني أقطف ثمار كفاح طويل مرير.

آنجالي كامات: ما دور هؤلاء الأشخاص الخمسة أو الستة أو السبعة أي هذه المجموعة التي تسميها المجلس؟

تيد دانيي: هم كانوا أشبه بمن أشرف على ولادة جنوب السودان، من الصعب جداً أن تحددي بالضبط وتقولِ إنني قضيت خمسة وعشرين عاماً لمجرد أنني أؤمن بذلك، ماذا يعني ذلك؟

آنجالي كامات: في تموز/ يوليو من عام ٢٠١٣ كتب بعض أعضاء المجلس رسالة مفتوحة إلى حكومة جنوب السودان، لقد كان ذلك أول نقد علني لقيادة جنوب السودان.

إيريك ريفز: لو نظرتِ إلى تلك الرسالة لوجدتِ أننا انتقدنا استخدام الأطفال كجنود وانتقدنا الروح العسكرية غير المنضبطة وانتقدنا الفساد، لم تستثني تلك الرسالة أحداً، قلنا رأينا.

آنجالي كامات: ذلك كان في ٢٠١٣، ماذا عن الفترة السابقة؟

إيريك ريفز: تذكري بأن جنوب السودان لم يكن يوماً حكومة قط، لم يكن دولة وبأن تحويل حركة تعتمد حرب العصابات إلى حكومة هو أحد أصعب الأشياء التي يمكن أن تطلبها من شعب، ذلك ما كان يطلب من شعب جنوب السودان.

جون آيبنر: لقد حصلوا على فرصة ومعظم المسؤولية الآن هي مسؤوليتهم لتحويل شيء ما إلى دولة.

آنجالي كامات: تيد، أهناك شيء تتمنى لو أنك فعلته بشكل مختلف؟

تيد دانيي: إنه أمر يصعب وصفه لكنه مؤلم جداً كأنك قائد في حرب انتصرت فيها ومع ذلك فإن ما ربحته هو الخراب، ما ربحته احترق بكامله، من أنت لتحكم؟

آليكس دي فال: عندما يفكر المناصرون لجنوب السودان من داخل الحكومة ومن خارجها بالدور الذي قاموا به على مدى السنوات العشرين الماضية فإنهم بحاجة لئن يسألوا أنفسهم بعض الأسئلة الدقيقة عن مسؤولياتهم في تمكين النخبة السياسية والعسكرية في جنوب السودان من بناء نظام حكومي سيء وفاسد فساداً كبيراً.

آنجالي كامات: بينما كنا نستعد لمغادرة جنوب السودان توفي بيتر ابن عم بيتيم فجأة بسبب فشل في الجهاز التنفسي، عاشوا معاً داخل مخيم للأمم المتحدة في جوبا وراء الأسلاك الشائكة في وطنهم.

بيتيم مادول: ساعدني أكثر من والدي، كان ينصحني باستمرار وما آلمني كثيراً هو أنني لا أتوقع أن يتم دفنه هنا لأن هذا المكان ليس أرض آبائنا وأجدادنا.

آنجالي كامات: في هذا البلد المقسم الذي مات فيه عشرات الألوف من دون أن يحظوا بدفن لائق ليس لبيتيم سوى قدر ضئيل من الأمل في المستقبل، لقد قاتل كجندي طفل بقيادة غارانغ خلال الحرب الأهلية الطويلة مع الشمال.

بيتيم مادول: هذه الحياة ليست بالحياة التي كنت أقاتل في سبيلها، لم أقاتل أبداً لأكون الشخص الثاني أو من الدرجة الثانية في بلدي، السبب الذي كنت أقاتل فيه الشمال هو أنهم كانوا ينظرون إلي على أنني من الدرجة الثانية والآن حينما أحرر جنوب السودان هل علي أن أقبل بأن أكون شخصاً من الدرجة الثانية مرة أخرى؟ كلا؛ لكن انظرِ إلى الأحوال، لقد فقدت الأمل، فقدت الأمل تماماً.