في مجتمع يتخلى فيه الوالدان عن الطفل حتى ولو كان رضيعا ويتجاهله المجتمع، تصبح دور الرعاية الخيار الوحيد لآلاف الأطفال في اليابان. ويوضع نحو 85% من الأطفال الذين يتعرضون للإساءة والإهمال من أسرهم في مثل هذه المؤسسات، وهي نسبة عالية جداً مقارنة بدولة متقدمة كاليابان. 

وهناك أيضا ثلاثة آلاف رضيع تُؤويهم مثل هذه المؤسسات في أنحاء مختلفة من البلاد، لتكون اليابان بذلك الدولة الوحيدة تقريباً التي لديها مؤسسات لأطفال رُضع في أشهرهم الأولى.

ويبقى الرضع في هذه المؤسسات لفترة تصل إلى عامين، والذين يعانون من صعوبات في النمو والتطور ويبقوْن حتى سن الخامسة. وبعضهم ينتقل من مؤسسات الرُضَّع إلى مؤسسات رعاية الأطفال. ومتوسط فترة البقاء في هذه الدار هو أربع سنوات.

وقد تمكن درو أمبروز في حلقة 1/3/2015 من برنامج "عالم الجزيرة" من النفاذ إلى المرافق التي يُحتفظ فيها بكثير من الأطفال حتى بلوغهم سن الرشد، وسمح له بالتصوير شريطة عدم الكشف عن هُويّات الأطفال.

يعيش الفتى داي إيتشي (14 عاما) منذ سنوات عدة في دار الرعاية في ولاية أوساكا بعد أن أخذته الحكومة من والدته التي كانت تعامله معاملة سيئة وتبقيه من دون طعام وتضربه ضرباً مبرحاً.

وهي الحال نفسها للمدعو كنجي (28 عاما) الذي كان قد تنقل من دار رعاية إلى أخرى عندما كان طفلاً صغيراً بينما أمه تصارع السرطان، وهو بالكاد يتذكرها حتى إنه لم يشعر بالحزن عند موتها.

ويعيش كنجي حاليا في ملجأ للمشردين على أطراف العاصمة طوكيو، وتعرض للكثير من المعاناة، وسبق له الاحتكاك بالشرطة وعصابات إقراض الأموال، ويعتقد العاملون في الملجأ أنه مصاب بحالة عصبية تجعله مضطرباً ومتوتراً بسبب وجوده وهو طفل في دار رعاية.

الموسيقي تاكايوكي واتاي تخلت عنه والدته عندما كان طفلا، ومنذ سن السادسة تربى في دار للرعاية، وهو يدرك جيداً مدى صعوبة البقاء على قيد الحياة بعد أن تتربى في دار رعاية.

يقول واتاي إن الشخص الذي يتربى في دور الرعاية لديه إحساس حادّ بالدونية، وإنه من دون علاقات أسرية في اليابان فمن الصعب أن تلتحق بالجامعة أو تحصل على عمل أو تستأجر شقة.

وتنتقد الأمم المتحدة أسلوب اليابان في تناول قضية الأطفال بدعوى أنه يخرق معاهدات حقوق الإنسان، حيث إن البقاء داخل مؤسسات الرعاية لمدد طويلة يؤخر من نمو القدرات الذهنية والاجتماعية للطفل.

كما تطالب منظمات حقوق الإنسان اليابان بإغلاق مثل هذه المراكز أو على الأقل تحديد مدة بقاء الرضيع فيها بثلاثة أشهر كحدّ أقصى.

التبني
ويولي المجتمع الياباني أهمية كبيرة لسلالة النسب (وشجرة العائلة)، ومن النادر أن يقبل والدان دخول طفل غريب إلى الأسرة. وقد بدأت الحكومة اليابانية تدرك أن دور الرعاية تلك ليست أفضل الحلول، وأن البديل هو التبني المؤقت حيث تم إيواء الأطفال في بيوت خاصة مع والديْن بالتبني مسجليْن لدى الحكومة.

في أستراليا على سبيل المثال يذهب نحو 9 من بين كل 10 أطفال يبعدون عن والديهم إلى رعاية والدين بالتبني، وفي بريطانيا والولايات المتحدة تبلغ النسبة 7 من بين كل 10، ولكن في اليابان لا تزيد النسبة عن واحد من بين كل 10. وتطمح الحكومة لأن تضاعف هذا الرقم بحلول عام 2025.

توشيو وساياكو ناغاي هما والدان بالتبني قاما برعاية نحو ثمانين طفلاً على مدى الأربعة عقود الماضية. يبلغ الزوجان السبعين من العمر، ويقولان إنهما عندما شرعا في تبني الأطفال بشكل مؤقت قبل سنوات كانا يحبّان أطفالهما, لكنهما يُضطران للتخلي عنهم لأسباب مادية، وفي هذه الأيام يتخلى الآباء عن تربية أطفالهم بشكل كامل.

يتلقى الزوجان مبلغاً شهرياً متواضعاً من الحكومة، وليس لديهما أي حقوق قانونية على الأطفال.

ولكن الكثيرين في اليابان تساورهم الشكوك بشأن الوالدين بالتبني، ويؤكد مدير إدارة الشؤون الاجتماعية المسؤول عن الإساءات في ولاية أوساكا أنهم يواجهون صعوبات في إقناع الآباء الذين لا يستطيعون تربية أطفالهم لأن يرسلوهم إلى أسر تبن مؤقتة، وهم يفضلون على ذلك دور الرعاية.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: أطفال اليابان المنسيون

مقدم الحلقة: درو أمبروز

ضيوف الحلقة:

-   داي تشي/أحد أطفال دور الرعاية

-   هيروشي ناكادا/المجلس الوطني لمؤسسات رعاية الأطفال

-   سايكو ناغاي/والدة بالتبني المؤقت

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 1/3/2015                     

المحاور:

-   33 ألف طفل في مؤسسات الرعاية

-   ملجأ المشردين

-   تبني مؤقت

-   إخفاق حكومي في حماية حقوق الأطفال

33 ألف طفل في مؤسسات الرعاية

درو أمبروز: معزولون ومهملون ومنسيون، إنهم عار اليابان المتكتم عليه، أكثر من 33 ألف طفلٍ يكبرون داخل مؤسساتٍ للرعاية في هذا البلد المتقدم، يتعرضون للإساءات والإهمال من قبل أُسرهم لذلك وضعتهم الحكومة تحت رعايتها، تمكنا ولم يسبقنا أحدٌ من قبل من النفاذ إلى المرافق حيث يحتفظ بكثيرٍ من الأطفال حتى بلوغهم سن الرشد، أنا درو أمبروز في هذه الحلقة نتتبع كيف يحضن نظام الرعاية الاجتماعية الياباني غالبية الأطفال، يوجد في اليابان أكثر من 600 دار رعاية كهذه الموجودة في أوزاكا، هناك 130 طفلاً يعتبرون دار الرعاية هذه بيتهم، هذا الطفل في الـ14 من عمره سنسميه دايتشي يعيش هنا منذ عدة سنوات بعد أن أخذته الحكومة من والدته ولحمايته قمنا بتغيير هويته وصوته.

داي تشي/أحد أطفال دور الرعاية: تستيقظ في مكانٍ ليس بيتك ويعتني بك أُناس ليسوا أهلك ويومك يبدأ هنا وينتهي، يرجع وجود الأطفال هنا لأسباب شتى.

درو أمبروز: فن طي الورق أو الأوريغامي هو واحد من الأشياء التي تمنح داي تشي بعض الراحة.

داي تشي: غالباً ما أكون في البيت بمفردي ولكن عندئذ أصنع شيئاً رائعاً بقضاء وقتٍ طويل باستخدام ما أعثر عليه في البيت، استهواني هذا الأمر منذ كنت صغيراً.

درو أمبروز: تعرض داي تشي لمعاملة سيئة من أمه وكان يبقى دون طعام ويضرب ضرباً مبرحا، رأى أحد المدرسين إصاباته أبلغ عنها السلطات، في البداية تم إرسال داي تشي إلى مؤسسة خاصة تُعنى بالأطفال الذين يعيشون في أزمة ولكنها لم تعجبه لأنه لم يتمكن من الذهاب إلى المدرسة.

داي تشي: كان هناك أطفالٌ في نفس عمري ولكن لم يكن لدينا ما نفعله في ذلك المكان الضيق، لم يُسمح لنا بالخروج كان الجميع متوتراً وكانوا يتشاجرون على توافه الأمور على هذا المنوال كان الحال لمدة عام ثٌم لعامين.

درو أمبروز: يقول داي تشي أنه أفضل حالاً حيث يعيش الآن، إنه يعيش في وحدة صغيرة مع ستة أطفال آخرين ويقوم أحد الموظفين بإعداد وجباتهم الغذائية، يقول داي تشي إنه يفضل لو أنه يعيش مع والدته.

داي تشي: من الأسباب التي تجعلني أود لو أعيش مع والدتي هو نظرة الناس فأنا أعيشُ في دارٍ للرعاية، عندما أكبر لا بد أن أكون مع أمي هذا هو سبب وجود الأسرة نعم كانت هناك إساءة معاملةٍ وعنف ولكن علاقتي بها ستزداد سوءًا وصعوبةً إن بقيت هنا.

درو أمبروز: في اليابان يُوضع نحو 85% من الأطفال ضحايا الإساءة والإهمال مثل داي تشي في مؤسسات رعاية وهذه النسبة عالية جداً مقارنة بدولةٍ من دول العالم المتقدم والسبب هو أنه في هذا البلد لم يتم تطبيق نظام التبني المؤقت لرعاية الأطفال الذين لم يلقوا الرعاية من أُسرهم، والأمم المتحدة تنتقد أسلوب اليابان في تناول هذه المشكلة بدعوى أنه يخرق معاهدات حقوق الإنسان، حيث إن البقاء داخل مؤسسات الرعاية لفترات طويلة يؤخر نمو القدرات الذهنية والاجتماعية للطفل، هذه المؤسسات في أغلبها عالمٌ منغلق ومن النادر السماح بالتصوير داخلها ولكن مدير هذه الدار سمح لنا بالتصوير  شريطة عدم الكشف عن هويات الأطفال هنا، يعترف هيروشي ناكادا بأنه على الرغم من بذل العاملين قصارى جهدهم فإن هذه المؤسسات تخذل آلاف الأطفال من اليابانيين.

هيروشي ناكادا/المجلس الوطني لمؤسسات رعاية الأطفال: دور الرعاية هذه تحتاج إلى مكانٍ أوسع فليس هناك غرفٌ خاصة أو أماكن تتسع لكي يلعب الأطفال ويتحدثوا في غرفهم الخاصة.

درو أمبروز: يقول ناكادا ليست مؤسسته فقط التي تكابد من أجل تلبية احتياجات الأطفال، كرئيس سابقٍ للمجلس الوطني لمؤسسة رعاية الأطفال يقول ناكادا إن مئات المراكز في أنحاء اليابان المختلفة تعاني من نفس المشكلات.

هيروشي ناكادا: نحتاج لمزيدٍ من العاملين ولأن نمنحهم رواتب أفضل كي نتمكن من الحصول على عاملين مؤهلين من ذوي المهارات ففي الوقت الحالي هناك ستةُ أطفالٍ لكل موظف رعاية بينما يجب أن تكون النسبة طفلين لكل موظف فالعاملون يشعرون بالإرهاق وغالباً ما يستقيلون من العمل، أعتقد أن هذا هو أهم نقاطُ ضعفنا، النظام متهالك ونجاحه مرهونٌ بتفاني الموظف.

درو أمبروز: هذا القسم بأكمله من الضرر مخصص لرعاية 50 طفلا صغيراً ورضيعاً بعضهم لا يتعدى عمره عدة أشهر ويأتون من أُسرٍ لم تتمكن من رعايتهم، هناك 3000 رضيعٍ كهؤلاء تؤويهم مؤسساتٌ كهذه في أنحاءٍ مختلفة من اليابان، هذا المكان يبدو كأي دار حضانةٍ في العالم ولكن اليابان هي الدولة الوحيدة تقريباً التي لديها مؤسسات كهذه لأطفالٍ رُضّع في أشهرهم الأولى، في الدول الغنية الأخرى يتم تبني هؤلاء الأطفال أو إيوائهم من قبل بعض العائلات الحاضنة، منظمة حقوق الإنسان تطالب اليابان بإغلاق مثل هذه المراكز أو على الأقل تحديد مدة بقاء الرُضعِ فيها بثلاثةِ أشهرٍ كحدٍ أقصى.

هيروشي ناكادا: يبقى الرُضع في هذه المؤسسات لفترةٍ تصلُ إلى عامين، ولكن بعضهم ممن يعانون من صعوباتٍ في النمو والتطور يكونوا هنا حتى سنِ الخامسة، ومتوسط فترة البقاءِ في هذه الدار هو 4 سنوات ثُم ينتقلون إلى مؤسسات رعاية الأطفال.

درو أمبروز: في اليابان عددٌ قليل جداً من الأطفال يتم تبنيه ذلك لأن المجتمع يولي أهميةً كبيرة لسلالة النسب ومن النادر أن يقبل والدان دخول طفلٍ غريب إلى الأُسرة، بالنسبة للأطفالِ الذين يُتركون لئن يكبروا هنا من الصعب وجود علاقةٍ فرديةٍ مع البالغين، الأمر الذي يحد من إعدادهم للحياة في العالم الواسع خارج المؤسسة وهو ما يخشاه داي تشي.

داي تشي: أعيش في هذا الملجأ منذ فترة طويلة لذلك لا أستطيع أن أصبر لأعود إلى بيتي لأتمكن أن أعيش تجاربي الخاصة بي، العالم يبدو واسعاً جداً وصورتي عنه باهتة  لا أشعر أنني مستعدٌ له.

ملجأ المشردين

درو أمبروز: الكثيرون ممن غادروا مؤسسات الرعاية ينتهي بهم الحال في قاع المجتمع الياباني وبعضهم يغالبون الفقر، هذا الشاب في الـ27 سنسميه كنجي يعيش في ملجأ للمشردين على أطراف طوكيو، تنقل من دار رعاية إلى أخرى عندما كان طفلاً صغيراً بينما أمه تصارع السرطان، كنجي بالكاد يتذكر والدته ويقول أنه حتى لم يشعر بالحزن عند موتها وهو في سن المراهقة، كيف ترى الحال في هذه المؤسسات؟

كنجي/لاجئ مشرد: عندما يبدأ الأطفال الحياة على هذه الشاكلة داخل للرعاية لفترة طويلة يبدءون بالاعتقاد أن والديهم قد تخلوا عنهم، أنت تريد من الموظفين أن يهتموا بك كما يفعل والدك ولكن هناك 13 إلى 15 طفلاً لدى كل عاملٍ من العاملين.

درو أمبروز: كبالغٍ تعرض كنجي للكثير من المعاناة وسبق له الاحتكاك بالشرطة وعصابات إقراض الأموال ولم يستطع الإبقاء على مسكنٍ أو الاحتفاظ بعملٍ دائم.

كنجي: أول مكانٍ عملتُ به كان مصنعاً في المدينة وقال لي مديري إنه بجوار مخفر الشرطة لكنني لم أرى مثل هذا العدد من المباني من قبل وكلها بدت متشابهة، لم أعلم كيف أهاتف المصنع وليس لدي أحساسٌ بالجغرافيا أو الطرق فأيقنتُ أنه سيتم فصلي من العمل.

درو أمبروز: عاد كنجي إلى المؤسسة مرة أخرى لتلقي المساعدة ولكن لم يكن هناك شيء يمكن أن يُقدّم له، أمضى ثلاث سنواتٍ مشرداً في شوارعِ طوكيو، إذاً كنت تنام هنا؟

كنجي: نعم كنت أتجول ليلاً باحثاً عن أماكن ذات سقفٍ، كنت أنام في أي مكانٍ أعثر عليه إذا لم يكن مطراً أو ثلوج، الناس كانوا يعتقدون بأنني قذر لأنني كنت أُنقّب في حاويات القمامة.

درو أمبروز: العاملون في ملجأ المشردين حيث يعيش كنجي الآن يعتقدون أنه مصابٌ بحالةٍ عصبية تجعله مضطرباً ومتوتراً سببها أنه عاش في دار رعايةٍ منذ طفولته وقد تنقل بين المراكز ولم يتعلم الاتكال على نفسه.

كنجي: أحياناً كنت أشعر أثناء وجودي في دارِ الرعاية بأنني في السجن هم يقررون كل شيءٍ من الألف إلى الياء بتعليمات غريبةٍ عجيبة لا يمكن الحديث عن الماضي أو عن زيارات أفراد العائلة لا تستطيع البنات والأولاد الحديث إلى بعضهم بعضاً لذلك أصبحتُ منطوياً على نفسي، كنت هادئ الطبع ومسالماً لأنني أعتقد أني كنت في بادئ الأمر مرتعباً.

درو أمبروز: بعد 4 سنواتٍ في ملجأ المشردين يبدو كنجي وكأنه قد عثر على طريقه في كل يومٍ يقوم بسداد دينه من خلال توزيع وجباتٍ غذائية على المحتاجين ولكن كنجي لا يزال يعيش على مساعدة الحكومة ويكافح من أجل مستقبله.

كنجي: هناك شيء في داخلي يمنعني من أن أفكر بغير العادي والمكرر والمبتذل، أعتقد أني سُلبت فرصة التفكير باستقلالية عندما كنت في دار الرعاية، توقفت عن التفكير كل شيءٍ كان يسير على أتم ما يرام إذا أتبعت القواعد وبمجرد أن تغادر المكان يُسقط في يدك.

درو أمبروز: الموسيقي تاكايوكي واتاي يدرك جيداً مدى صعوبة البقاء على قيد الحياة بعد أن تتربى في دار الرعاية، دون علاقاتٍ أُسرية في اليابان من الصعب أن تلتحق بالجامعة أو أن تحصل على عمل أو تستأجر شقةٍ في بلدٍ محافظ.

تاكايوكي واتاي/موسيقي: هناك إحساسٌ حادُ بالدونية فأنت تنتمي إلى أقليةٍ وسط أغلبية، هناك صورة نمطية بأن أطفال المجرمين هم من يُلقى بهم هناك بينما يعتقد المسنون بأن دور الرعاية هي ملاجئ للأيتام.

درو أمبروز: عندما كان تاكايوكي طفلاً تخلت عنه والدته ومنذ سن السادسة تربى في دارٍ للرعاية.

تاكايوكي واتاي: لم يخالجني شعورٌ يوماً بأني أعني شيئاً لأُمي، بعد أن دخلتُ دار رعاية الأطفال كانوا يلبون احتياجاتي المادية من مكانٍ للنوم ووجبات طعام ومصروف جيب وكان هناك نادٍ للأنشطة وحتى تمكنت من إتمام المرحلة الثانوية أشعرني ذلك بالراحة.

درو أمبروز: تم توفير الاحتياجات الأساسية لتاكايوكي لكنه يقول إنه لم يكن مستعداً لمرحلة البلوغ لذلك فقد أنشأ خدماتِ دعمٍ لمساعدة هؤلاء الذين تربوا في دور الرعاية ليبدؤوا حياتهم من جديد.

تاكايوكي واتاي: عندما تدرك أنك وحدك تماماً لا يمكنك التفكير أو اتخاذ قرارٍ أو اختيار أي شيء وبالطبع تصبح الحياة معاناة.

تبني مؤقت

درو أمبروز: بدأت الحكومة اليابانية تدرك أن دور الرعاية تلك ليست أفضل الحلول والبديل هو التبني المؤقت حيث يتم إيواء الأطفال في بيوتٍ خاصة مع والدين بالتبني مسجلين لدى الحكومة، في أستراليا يذهب نحو 9 من بين كل 10 أطفال يُبعدون عن والديهم إلى رعاية والدين بالتبني، في بريطانيا والولايات المتحدة تبلغ النسبة 7 من بين كل 10 أطفال، في اليابان فإن واحداً من بين كل 10 أطفال يتم تبنيه مؤقتاً وتود الحكومة مضاعفة الرقم بحلول عام 2025، توشيو وسايكو ناغاي والدان بالتبني قاما برعاية نحو 80 طفلاً على مدى 40 عاماً يبلغ الزوجان الـ70 من العمر ولديهم الآن 4 أطفالٍ يعيشون معهما.

توشيو ناغاي/والد بالتبني المؤقت: عندما بدأنا في تبني الأطفال بشكلٍ مؤقت قبل سنوات كان الوالدان يحبان أطفالهما لكنهما يضطران للتخلي عنهم لأسباب مادية، في هذه الأيام يتخلى الآباء عن تربية أطفالهم بشكل كامل، لقد تغير العالم.

درو أمبروز: أصغر الأطفال في رعايتهما هيميكا وهي الآن في الثامنة من العمر، تعاني والدة هيميكا من مرضٍ عقلي ولم تتمكن من تربيتها.

توشيو ناغاي: آنذاك كانت والدتها تعيش مع صديقٍ لها كان من دأبه إرهابها فهي ليست ابنته ولم تكن الطفلة تتمكن من النوم ليلاً من خوفها.

درو أمبروز: عندما جاءت هيميكا إلى بيت والديها بالتبني كانت تخاف من الكبار وتتهجم عليهم، ألحقوها بفصولٍ دراسية تُعنى بالمشكلات السلوكية لمساعدتها على التغلب على ماضيها الصعب، الآن تنادي والديها بالتبني بلقب أمي وأبي.

هيميكا: أمي تدعني أقوم بالكثير من الأشياء وتطهو لي الطعام الذي أحبه، تجعلني سعيدة اللعب مع أُمي شيءٌ ممتعٌ جداً.

توشيو ناغاي: وماذا عني؟

هيميكا: أستمتع باللعب مع أبي أيضاً، أبي لديه الكثير من الذكريات ويحكي لي الكثير من ذكرياته أيضاً.

درو أمبروز: يتلقى الزوجان مبلغاً شهرياً متواضعاً من الحكومة لكونهما والدين بالتبني مؤقتاً وليس لديهما أي حقوق قانونية على الأطفال وهما يؤمنان بأن البيئة المنزلية أفضل من دار رعاية الأطفال.

سايكو ناغاي/والدة بالتبني المؤقت: في دور الرعاية هناك ورديات عمل وواجبات طعام ويتناوب العاملون على كل طفل وهؤلاء الأطفال لا يتعلمون شيئاً عن الحياة، كان لدينا طفل هنا جاء من دار رعاية وقال لنا مرة لماذا لا تذهبان إلى بيتكما؟ الأطفال في دار الرعاية يشعرون بأن الناس يتخلون عنهم ويرحلون في وقت ما.

توشيو ناغاي: كثيراً ما جاء إلينا أطفال يصعب التعامل معهم من دور الرعاية كانوا يسرقون ويكسرون النوافذ والمرايا لكن هذه البيئة المنزلية تناسبهم على نحو رائع ولكن الأطفال لم يكونوا أشرارا بطبعهم ولكنهم كانوا يعانون من الوحدة لأن آبائهم لم يكونوا يزورونهم.

درو أمبروز: ولكن الكثيرين في اليابان تساورهم الشكوك بشأن الوالدين بالتبني مثل ناغاي، في الطرف الآخر من البلدة يدير كوهية ناغانو دار رعاية عاد إليها أطفال كانوا في رعاية أسرٍ بالتبني المؤقت.

 

كوهية ناغانو/مدير دار الرعاية: هناك الكثيرون من الآباء بالتبني ولكنهم يصبحون عرضة للانهيار في أوقات الأزمات، في دار الرعاية إذا لم تكن علاقة أحد العاملين بأحد الأطفال جيدة فسيلاحظ ذلك عامل آخر ويستجيب للموقف، ويمكن للآباء بالتبني أن يختاروا الطفل وهو أمر غير صحيح في رأيي عندما يتم اختيار طفل ما يشعر الطفل أنه مدين لهما.

درو أمبروز: دار الرعاية ناغانو قديمة ومتداعية وتحتاج لإصلاحاتٍ وصيانة ولكنه يعتقد بأنها بيئة مستقرة للأطفال الذين يعانون من أزمات، البنات مفصولات عن الأولاد في بيئة صارمة الوقت الوحيد الذي يغادرون فيه هذه الجدران هو عندما يذهبون إلى المدرسة، نظراً لتعطشهم للتواصل مع الكبار يتنافس الأطفال على لفت انتباهي، يعترف السيد ناغانو بأنه يمكن للأوضاع أن تكون أفضل.

كوهية ناغانو: أنا أعلم أن دار الرعاية هذه ليست نموذجية فهناك 1000 شيء يجب أن نقوم به ومن تلك الأشياء التواصل بشكلٍ فردي مع كل طفل على حدا كما نحتاج أيضاً أن نمنحهم الوقت اللازم ليكونوا بمفردهم، كما نعتقد أنه من الأهمية بمكان استمرار تواصلنا مع المجتمع للتوعية بأهمية مؤسستنا.

درو أمبروز: أسلوب التبني المؤقت أرخص من إيواء الأطفال في دار الرعاية بـ4 مرات، ولكن منتقدون له يؤمنون بأن الحكومة اليابانية تبقي على دور الرعاية قائمة لتلافي فقدان آلاف الوظائف، البروفسور تتسو تسوزاكي هو أحد الخبراء الرواد في سياسات رعاية الأطفال في العالم.

تتسو تسوزاكي/خبير في سياسات رعاية الأطفال: حالتهم النفسية هي سبب المشكلة أعتقد أنها ذريعة لحماية وظائف العاملين في دور الرعاية فاليابان لم تقلص عدد دور الرعاية لهذا السبب اتحادات العمال تؤيد هذا الموقف هناك مفهوم جماعي بالتضامن.

درو أمبروز: من المسؤول عن فشل النظام؟

تتسو تسوزاكي: أعتقد أنها الحكومة، الحكومة ليس لديها أي فكرة عن مآل هؤلاء الأطفال، تعتقد أن الأمر يتعلق بتوفير الملبس والمأوى ولا يخطر ببالهم أن الأطفال يحتاجون لأسرة لينتموا إليها.

إخفاق حكومي في حماية حقوق الأطفال

درو أمبروز: وهو يقول إن قوانين الأسرة في اليابان أخفقت أيضاً في حماية حقوق الأطفال، يحتفظ الآباء بحقهم القانوني في تحديد مصائر أطفالهم حتى عندما تكون هناك إساءات.

تتسو تسوزاكي: من أكبر المشكلات أن اليابانيين لا يدركون أن للأطفال حقوقاً، يعتقد المسؤولون أن حقوق الوالدين ترتبط بمصالحهم حتى بعد إساءة معاملة الأطفال يضع الآباء أطفالهم في دور للرعاية ليريحوا أنفسهم ولا أحد يناقش هذا الأمر في اليابان.

درو أمبروز: نعود إلى أسرة ناغاي حيث بدأت تنطبق عواقب تطبيق نظام يفضل الآباء على الأطفال، لقد اتصلت الأم الحقيقية للطفلة هيميكا بمكتب الرعاية الاجتماعية وطلبت منهم إعادة ابنتها لتعيش معها، اليوم ستضطر هيميكا لمغادرة البيت وترك كل شيء تعرفه والانتقال إلى بيت جديد ومدرسة جديدة.

توشيو ناغاي: قرار إعادتها اتُخذ بصورة مفاجئة لم يصلنا أي إشعار بهذا الشأن ولم نتخيل بأنها ستغادرنا بهذه السرعة، لقد واجهنا مواقف مشابهة في الماضي حيث أُرغم الأطفال على العودة رغم إرادتهم والقرار جاء بسبب حقوق الوالدين فليس لنا رأي أو حكم وأقوالنا يمكن تجاهلها وإهمالها.

درو أمبروز: يخشى الزوجان ناغاي أن لا تكون والدة هيميكا مستعدة لرعايتها، يقولان إنها تزوجت مرة أخرى ولكنها لا تعتني بأمر المنزل، خلال السنوات الماضية لم تتصل بابنتها إلا مرات قليلة.

توشيو ناغاي: رفض بعض الأخصائيين الاجتماعيين قرار إعادة الطفلة إلى أمها الحقيقية لكن إدارة الشؤون الاجتماعية قررت المضي في تنفيذ القرار سيراقبون سير حياتها ولكننا نشعر بالقلق في الواقع.

درو أمبروز: في الساعات الأخيرة قبل أن تغادر عائدة إلى والدتها بدأ التوتر يظهر على الطفلة.

توشيو ناغاي: إنها ستترك الأسرة وهو أمر بالغ الصعوبة لا يمكن لي أن أتخيل مقدار اضطرابها.

درو أمبروز: تبدو هيميكا مستعدة للرحيل وهي تتوجه إلى السيارة ولكن والداها بالتبني قالا إنها كانت حزينة للغاية عندما وصلا بيت والدتها.

توشيو ناغاي: لقد بكت بكاءً مرّاً بصوتٍ عالٍ صدمني هرعت إلى ذراعي زوجتي ولم ترد أن تتركها لقد سلمنا هيميكا بالقوة إلى والدتها وتقريبا فررنا فراراً من المكان، كان هذا اليوم أول مرة تعبر فيها عن مشاعرها وتمردها على قرارات الكبار التي اتخذت نيابة عنها، ولأول مرة تقول أريد أن أعود دعوني أعود لم يحدث هذا من قبل لقد تكلمت من صميم قلبها.

درو أمبروز: حالات الأطفال مثل هيميكا ليست نادرة في ولاية أوزاكا هذه الولاية هي الأعلى في اليابان من حيث معدلات الإساءة للأطفال، أُرتب موعدا مع مدير إدارة الشؤون الاجتماعية المسؤول عن الإساءات التي يتعرض لها الأطفال هنا.

جونكو ياكو شيجي/مدير إدارة الشؤون الاجتماعية: قد ضاعفنا أعداد الأسر المتبنية للأطفال خلال السنوات الخمس الماضية ولكن تبني الأطفال لفترة مؤقتة أمر غير مفهوم حيث يعتقد الآباء الأصليون للطفل إنهم سيفقدون حقوقهم الأبوية إلى الأبد.

درو أمبروز: تقول جونكو ياكو شيجي إن النظام مثقل بالأعباء والأمر رحلة كفاح من أجل تغيير الوضع القائم.

جونكو ياكو شيجي: يصعب علينا إقناع الآباء الذين لا يستطيعون تربية أطفالهم بأن يرسلونهم إلى أسر تبني مؤقتة وهم يفضلون على ذلك دور الرعاية، يمكننا أن نتحدى قرار الآباء هذا أمام المحكمة ولكن حكومتنا المحلية لم تفعل ذلك أبداً ولم أسمع بحالة واحدة مشابهة في عموم اليابان حتى الآن.

درو أمبروز: فيما يتعلق بالأطفال الذين ينشئون في دور الرعاية فثمة بعض اللحظات المشرقة، الأطفال الذين كانوا سابقاً يتنافسون على لفت انتباهي يقدمون اليوم عرضاً مسرحياً في حفل استعراضي سنوي للدار، يقول مدير دور الرعاية كوهية ناغانو إن الحفل يحسن الحالة المعنوية للطفل خلال عطلة الصيف وهي الفترة التي تقضيها العائلة اليابانية معا.

كوهية ناغانو: لقد تعرض الأطفال للأذى بأشكال متعددة وهم يتساءلون أحياناً إذا ما كان هناك أي شخص يهتم بأمرهم فإن المسرح يبعث البهجة في نفوسهم ويحصلون على قبول من الناس يشعرون بأنهم رائعون ولا يمكن الاستغناء عنهم.

درو أمبروز: خلال هذا اليوم على الأقل يمنح الأطفال الفرصة ليشعروا بالنجومية قلائل من بين الجمهور هم أمهات وآباء حقيقيون للأطفال ويعترف كوهية بأن هذا هو الاهتمام الذي يحتاجه الأطفال بالفعل ومع ارتفاع مستويات الإهمال والإساءة للأطفال تبقى دور الرعاية.

كوهية ناغانو: لا أعتقد أن دور الرعاية في اليابان ستختفي ولو بعد 50 عاماً من الآن الأمر ليس موضوع مفاضلة أي الأسلوبين أفضل التبني المؤقت أم مؤسسات الرعاية، إنما يتعلق الأمر بإقامة نظام يمكن للأطفال من خلاله اختيار الجهة التي يريدون الذهاب إليها تحتاج دور الرعاية لأن تكون شبكة أمان لمشاعر الطفل وقلبه ينبغي أن نكون مستعدين لدعمهم ليبدؤوا حياتهم من جديد.

درو أمبروز: في مجتمع يتخلى فيه الوالدان عن الطفل ويتجاهله المجتمع تصبح دور الرعاية الخيار الوحيد لآلاف الأطفال المُتخلى عنهم في اليابان، إنهم معزولون بعيداً عن الأعين والقلوب وغير مُعدّين لمواجهة الحياة والعالم الخارجي.