ارتفعت أصوات في اليابان تطالب الحكومة بالتخلي عن الطاقة النووية، وذلك في ظل المخاوف التي سيطرت على المواطنين إثر الكارثة النووية التي أعقبت الزلزال وموجات التسونامي التي ضربت البلد في مارس/آذار 2011.

فقد أدى التسرب الإشعاعي في محطة فوكوشيما إلى سيطرة مخاوف الأمن والسلامة على الأمة بأكملها، وبات ملايين اليابانيين يتساءلون عن ما إذا كانت الطاقة النووية آمنة.

وما زاد من قلق السكان هو أن تقارير تحدثت عن تلوث الغذاء، مثل منتجات الألبان والخضروات واللحوم، مما جعل جموع المزارعين في محافظة فوكوشيما يصابون بأضرار بالغة.

وقد زار فريق حلقة 22/2/2015 من برنامج "عالم الجزيرة" اليابان بعد عام على الكارثة ليحاول معرفة كيفية تعامل المواطنين مع تبعات تلك المأساة، وكذلك مدى تغير السياسات الحكومية تجاه الطاقة النووية.

السياسي المعارض تارو كونو -الذي ظل ناشطا منذ 15 عاما لجعل اليابان بلدا خاليا من الأنشطة النووية- يدعو بلاده لأن تتبنى مصادر بديلة للطاقة، لتصبح خالية من الطاقة النووية بحلول عام 2050.

ويقول إنه كان الوحيد في الحزب الليبرالي الحر المتمرد على الطاقة النووية، ولكن بعد 11 مارس/آذار 2011 أصبح الجميع يؤيدون موقفه. 

وقد تحول تارو ياماموتو، وهو من ممثلي السينما والتلفزيون المعروفين في اليابان، إلى ناشط مناهض للطاقة النووية، وشارك مع الكثير من اليابانيين في الاحتجاجات التي تطالب الحكومة بالتخلي عن الطاقة النووية. ويدعو ياماموتو إلى تغيير الأمور "لن ندعهم يفتحون محطات الطاقة النووية للتشغيل مرة أخرى".

أما العالم النووي شينزو كيمورا الذي أمضى أعواما يبحث في كارثة تشرنوبيل، فيقول إنه عندما رأى اللهب يرتفع من محطة فوكوشيما قرر ألا يسمح بتكرار الأمر مرة أخرى، حتى إذا كان ذلك يعني فقدانه وظيفته.

ويذكر أن ما حدث في اليابان كان أسوأ كارثة نووية في العالم منذ كارثة تشيرنوبل بأوكرانيا عام 1986.

مخاوف سيطرت على اليابانيين عقب كارثة 2011 (الجزيرة)

موقف الحكومة
غير أن الحكومة اليابانية تقول إنه لا يمكنها الاستغناء عن الطاقة النووية بالكامل، بحجة أن اليابان لديها تقنيات متقدمة جدا يمكنها أن تجعل المحطات النووية آمنة لمواجهة كوارث أمواج التسونامي والزلازل التي قد تتعرض لها البلاد في المستقبل.

وترى أنه ينبغي إنفاق الأموال لجعل المحطات النووية أكثر أمانا لأن مصادر الطاقة المتجددة، مثل الألواح الشمسية، باهظة التكلفة بالنسبة لمعظم اليابانيين.

يذكر أن اليابان بنت عشرات المفاعلات النووية منذ الستينيات لتلافي الاعتماد على واردات النفط، وثلث هذه المفاعلات مملوكة لشركة طوكيو للكهرباء (تيبكو)، وهي أكبر شركات الطاقة.

وتعرضت "تيبكو" لاتهامات خطيرة بشأن وجود انتهاكات مستمرة لمعايير السلامة، وخاصة عندما تباطأت في تحمل المسؤولية عن كارثة فوكوشيما التي لا يزال التحقيق جاريا بشأنها. كما أصبحت هذه الشركة أكثر انتقادا لتباطؤها في تقديم التعويضات للمطالبين بها.

وتواجه الحكومة اليابانية أزمة صعبة بشأن كيفية تحقيق التوازن بين أمن الطاقة في المستقبل، وصحة وسلامة المواطنين. مع العلم أن جميع المحطات النووية مغلقة حاليا باستثناء واحدة من إجمالي 54 محطة نووية، وليس هناك موعد محدد لإعادة استئناف نشاطها، أو حتى معرفة ما إذا كانت ستعمل مرة أخرى.

ولكن في الوقت الذي تؤكد فيه اليابان أنها تعتزم تقليل الاعتماد على الطاقة النووية في المستقبل، فهي تقوم ببيع تقنيات المحطات النووية إلى دول مثل فيتنام والأردن وكوريا الجنوبية.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: هل تستغني اليابان عن الطاقة النووية؟

مقدمة الحلقة: كاثي هيرن

ضيوف الحلقة:

-   كاتسوهيكوهاناوا/ أحد السكان النازحين

-   تاروكونو/سياسي معارض

-   نوريوكي شيكاتا/متحدث باسم الحكومة

-   كنجي ياماشيرو/متطوع

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 22/2/2015

المحاور:

-   تزعزع الإيمان بمحطات الطاقة النووية

-   سياسات الطاقة المستقبلية

-   ثلاثون عاما لتنظيف التلوث

كاثي هيرن: في مارس 2011 تعرضت اليابان لدمار ضخم وبعد مرور عدة سنوات على الكارثة نتعرف على كيفية تعامل المواطنين مع تبعات تلك المأساة ونرى مدى تغير السياسات الحكومية تجاه الطاقة النووية، في البدء جاء الزلزال بقوة 9 درجات على مقياس ريختر ثم جاءت موجات مد تسونامي لتتعدى موانع الفيضانات بارتفاعات تجاوزت عشرة أمتار لتدمر المدن والقرى في كل أنحاء شمال شرقي اليابان، ثم جاءت كارثة نووية مسببة أضراراً كبيرة لـ 4 مفاعلات في محطة دايتشي للطاقة النووية، بعد مرور عدة أعوام نسبة التلوث في مفاعل فوكوشيما لا تزال تخضع للقياس، وبعد أن كانت ثالث أكبر مستخدم للطاقة النووية في العالم تواجه اليابان حالياً أزمة في توفير الطاقة بعد أن أُغلقت معظم مفاعلاتها النووية، اسمي كاثي هيرن ونتساءل في هذا الفيلم الوثائقي إذا ما كان بوسع اليابان الاستغناء عن الطاقة النووية، حجم الدمار الذي تعرضت له اليابان بفعل الزلزال وموجات تسونامي في شهر مارس 2011 سبب صدمة للعالم ولكن كان انفجار محطة دايتشي لتوليد الكهرباء هو الأمر الذي جعل محافظة فوكوشيما اسماً ذائعاً في كل مكان، ومع تسرُّب الإشعاعات إلى الهواء تسيطر مخاوف الأمن والسلامة على اليابان بأكملها، عقب الانفجار تم إخلاء منطقة مساحتها 20 كم حول موقع المحطة وأُجبر نحو 160 ألفاً من السكان على النزوح ومن بينهم كانت كاتسوهيكوهاناوا الذي عاش مع أسرته في بلدة أوكوما على بعد 7 كم من المفاعل.

كاتسوهيكوهاناوا/ أحد السكان النازحين: كنا متأكدين وواثقين أنه سيتم العناية بأمرنا جيداً لذا غادرنا دون أن نأخذ معنا شيئاً.

تزعزع الإيمان بمحطات الطاقة النووية

كاثي هيرن: طوال العام الماضي عاشوا في مركز الإيواء هذا، كان كاتسوهيكو يعمل في تركيب أجهزة مكيفات الهواء وهو الآن عاطل ويقوم بعمل تطوعي.

كاتسوهيكوهاناوا: كان الأمر صعباً على المسنين في الوقت الذي تزداد فيه قسوة الطقس والبعض توفي بأزمات قلبية وأمراض أخرى على الرغم من أنني أعتقد أن السبب الحقيقي للوفيات كان الانفجار فلو لم يقع لما أُرغم هؤلاء على القدوم إلى هنا.

كاثي هيرن: شوارع البلدة التي كانت يوماً مزدحمة أصبحت مهجورة ومبانيها مدمرة، اليوم سُمح لكاتسوهيكو وزوجته يوكاري بزيارة بيتهم القديم لأول مرة منذ إخلائهم.

كاتسوهيكوهاناوا: الإيمان بمحطات طاقة نووية آمنة قد تزعزع ولا سبيل إلى جبر ما انكسر.

كاثي هيرن: يتساءل ملايين اليابانيين الآن ما إذا كانت الطاقة النووية آمنة؟ جاء رد فعل الحكومة البطيء إزاء الأزمة ليهز ثقة المواطنين بقادتهم، ولكن ليس بالضرورة ثقتهم في التقنية نفسها.

كاتسوهيكوهاناوا: لا يمكننا الاستغناء عن الطاقة النووية بالكامل فاليابان لديها تقنيات متقدمة جداً يمكنها أن تجعل المحطات النووية آمنة لمواجهة كوارث أمواج تسونامي والزلازل التي قد تتعرض لها البلاد في المستقبل، ربما ينبغي علينا أن نعتمد أكثر على مصادر طاقة متجددة مثل الألواح الشمسية لكنها باهظة التكلفة بالنسبة لمعظم اليابانيين.

كاثي هيرن: السياسي المعارض تاروكونو يخالف هذا الرأي.

تاروكونو/سياسي معارض: ليس هناك مستقبل في الطاقة النووية، السؤال لا يجب أن يكون ماذا لو تخلينا عن الطاقة النووية بل متى نتخلى عنها؟

كاثي هيرن: كونو ظل نشاطاً لجعل اليابان بلداً خالياً من الأنشطة النووية لأكثر من 15 عاما.

تاروكونو: من جميع منتسبي الحزب الليبرالي الحر ربما كنت المعارض الوحيد للطاقة النووية ولكن بعد الـ11 من مارس/آذار أصبح الجميع يأتون لمناقشة الأمر معي.

كاثي هيرن: يقول كونو إنه ينبغي على اليابان تبني مصادر بديلة للطاقة وأن تصبح خالية من الطاقة النووية بحلول عام 2050، سيكون تحولاً رئيسياً للبلاد التي بنت عشرات المفاعلات النووية منذ الستينيات لتلافي الاعتماد على النفط المستورد، ثلث هذه المفاعلات مملوكة من قبل تبكو شركة طوكيو للكهرباء أكبر شركات الطاقة الكهربائية، راعت الشركة الحفاظ على علاقات طيبة مع الحكومة ولكن خلال سعيها لتحقيق الأرباح تعرضت لاتهامات بانتهاكات خطيرة لمعايير السلامة.

تاروكونو: فقدت كل من تبكو والحكومة اليابانية مصداقيتهما، إذ ما فتئتا تروجان الأكاذيب على الناس محاولتين التكتم على المعلومات، وكانت حادثة فوكوشيما خطيرة جداً فإن بدأتا بجمع كافة البيانات كان ذلك يمكن أن يصبح درساً للجميع في المستقبل لكنهما أهملتا ذلك لذا فنحن لا نعرف تماماً ماذا حدث، أعتقد أن لا أحد يثق بأي أرقام ترد من تبكو أو من الحكومة.

نوريوكي شيكاتا/متحدث باسم الحكومة: بالنسبة للحكومة كان هذا الموقف يمثل تحدياً صعباً لكن في الوقت نفسه أعتقد أنه بالإمكان فعل الأفضل وبشيء من التقدير لقد قمنا بعمل جيد.

كاثي هيرن: زاد الغضب تجاه تبكو عندما تباطأت الشركة في تحمل المسؤولية عن الكارثة وفي تقديم المعلومات وسط تزايد حالة الفزع والارتباك، في محاولة للحصول على بعض الإجابات قدمت إلى مقر الشركة التي أصبحت أدنى الشركات شعبية لدى اليابانيين في الوقت الحالي، سألت تبكو هل بإمكانهم تلافي ما حدث لو كانت الاستعدادات أفضل؟

هيتوسوزكي/متحدث باسم شركة تبكو: ورغم تشكيل لجانٍ للتحقيق من قبل الحكومة وشركة تبكو لا يزال السبب الحقيقي للحادث غير محسوم.

كاثي هيرن: تلقت تبكو المليارات في صورة قروض من الحكومة لكنها تعرضت للانتقادات لتباطئها في تقديم التعويضات للمطالبين بها.

هيتوسوزكي: تلقينا الكثير من الشكاوى من ضحايا الحادث لكن إجراءات المطالبة معقدة، نعرب عن أسفنا ونبذل قصار جهدنا لتعجيل الإجراءات.

سياسات الطاقة المستقبلية في اليابان

كاثي هيرن: سألت تبكو ما إذا كانت  ترى أن محطات الطاقة النووية آمنة الاستخدام.

هيتوسوزكي: هذا سيتوقف على سياسات الطاقة المستقبلية، أقصى أولوياتنا الفورية هو الحفاظ على استقرار محطة فوكوشيما، لا يمكننا التعليق على سياستنا المستقبلية الخاصة بإنتاج الطاقة.

كاثي هيرن: كانت هناك مطالبات بإغلاق مفاعلات شركة تبكو الـ17 ووقفها عن العمل، ولكن تبكو لم تستطع أن تعلق على خططها المستقبلية، غضب وإحباط يعمُّ أنحاء اليابان مع عدم وجود إجابات والاحتجاجات كهذه تتزايد أعدادها في طوكيو من اتحاد المزارعين إلى الجماعات المدرسية وحتى نقابات العمال، يتم تمثيل نطاقات واسعة من المجتمع هنا بهدف واحد، تاروياساماتو هو أحد ممثلي السينما والتلفزيون المعروفين في اليابان تحول إلى ناشط مناهض للطاقة النووية.

تاروياساماتو/ممثل: أشعر بالغضب حيال الحكومة وأشعر بالغضب حيال نفسي لعدم علمي بهذا الأمر حتى وقعت الواقعة، لو ساد هذا الشعور بيننا جميعاً لأمكننا تغيير الأمور لكن الحقيقة تثبت أن تأثير الإشعاع مختلف تماماً.

كاثي هيرن: يقول تارو إن الإعلام والتلفزيون وصناعة السينما في اليابان تحصل على رعاية كبيرة من شركات الطاقة، وإنّ الحديث ضد الطاقة النووية يضر بمستقبله الفني لكنه يقول إنّ ثمّة أشياء أكثر أهمية من المال.

تاروياساماتو: أعتقد أنكم جميعاً هنا تحاولون بذل قصارى جهودكم لزيادة الدعم، ولكن ينبغي علينا أن نُعجّل وإلا فسنتأخر فإن وقع زلزال ضخم آخر فستكون نهاية هذا البلد ولكننا لن ندع هذا يحدث لن ندعهم يعيدون تشغيل محطات الطاقة النووية.

كاثي هيرن: بينما يتظاهر تارو ومعه أعداد متزايدة من اليابانيين احتجاجاً على الطاقة النووية كان هناك رجل على الأرض يقوم بمراقبة رد فعل الكارثة منذ البداية، العالم النووي شينزو كيمورا أمضى أعواماً يبحث في كارثة تشيرنوبل، فقد جمع العينات من أنحاء إقليم فوكوشيما الذي أصابته الكارثة على مدى 12 شهراً.

شينزو كيمورا/عالم نووي: بعد الكارثة أخذت عينات من التربة والمفاعلات والثلج والأنهار والهواء وأنشأت خريطة تلوث للمنطقة ثم استخدمت الخريطة لمساعدة الناس للإخلاء، كما أنني أجريت فحصاً طبياً لأولئك الذين بقوا في المنطقة، حالياً نقوم برصد مدى التعرض الإشعاعي لأكثر من 1000 شخص.

كاثي هيرن: في عام 1999 كان شينزو يعمل في وكالة أبحاث تابعة للحكومة عندما وقع حادث في محطة إعادة معالجة اليورانيوم في تايكومورا وأسفر عن مقتل 2 من العاملين فتم تأجيل البدء بالأبحاث لتجنب إحداث هلع للناس، وهو يعتقد أن معلومات لا تقدر بثمن قد فقدت نتيجة لذلك وعليه وعندما رأى ألسنة نيران محطة فوكوشيما قرر أن لا يسمح بتكرار الأمر.

شينزو كيمورا: عندما ذهبنا لبدء العمل قيل لنا أننا لا نستطيع البدء حتى نتلقى الضوء الأخضر من معهد الأبحاث أو من وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية فاستقلت من عملي وجئت إلى المنطقة  الملوثة هذه.

كاثي هيرن: تبعد قرية سيداميو نحو 30 كيلومتراً عن محطة دايتشي للطاقة النووية ، أي أنها تقع خارج المنطقة المحظورة ولكن تظل مستويات الإشعاع فيها مرتفعة، المنطقة هادئة رحل عنها الكثير من العائلات بداعي القلق على صحة أطفالهم، تم ترك الكرومب المجمد في الحقول لتجميع أدلة على تلوث التربة، ثمة مخاوف من انتشار مزيد من الإشعاع عبر الأنهار والتربة بمجرد ذوبان الجليد.

شينزو كيمورا: تُظهر نتائج أبحاثي أنّ التلوث قد انتشر في جميع أنحاء البلاد.

كاثي هيرن: بالنسبة للقرويين  الذين بقوا هنا فإن شينزو يعتبر بطلاً، فقط شجعهم على عدم الاعتماد على الحكومة للحصول على إجابات وعلمهم طرقاً لمراقبة آثار الإشعاعات.

شينزوكيمورا: أريد من الناس في جميع أنحاء العالم وخصوصاً اليابانيين أن يعلموا أن تأثير هذا الأمر لا يقتصر على فوكوشيما فحسب فكل شخص يجب أن يولي هذه القضية تفكيراً جاداً لأنها تؤثر علينا جمعياً.

كاثي هيرن: يعترف شينزو أنه لا توجد إجابات بسيطة لتحديد أي من مستويات الإشعاع تعتبر أمنة، في العام الماضي انتشرت أخبار عن تلوث لحوم البقر ومنتجات الألبان والخضروات، وفرض 47 بلداً حظراً على واردات الأغذية من اليابان وانخفضت شحنات الأسماك إلى الصين وحدها بنسبة 35%..

تاروكونو: أحياناً تخفي الحكومة الأرقام وتقدم لك أرقاماً غير صحيحة أو أرقاماً مختلفة، الأمر الذي يجعل الناس يتساءلون أي الأرقام نصدق، لدينا طفل عمره 9 سنوات وزوجتي تسألني دوماً عن كل شيء وحقيقة لا أستطيع أن أقدم لها إجابات مرضية لأن هؤلاء الخبراء في اليابان غالباً ما يخضعون لنفوذ صناعات الطاقة النووية وما من أحد يثق بهم.

كاثي هيرن: أحدثت تقارير عن تلوث الغذاء حالة من الفزع بين المستهلكين، الأمر الذي أضر بجموع المزارعين في إقليم فوكوشيما، المزارع تيروياسوكاوا وابنه أمضيا السنوات الأخيرة في بناء مزرعة عضوية في بلدة ميناميسوما، لقد تلقيا موافقة رسمية بالاعتماد قبل يوم واحد من الانفجار، الآن التربة ملوثة بجزيئات مشعة غير مرئية مثل السيزيوم فأصبحت المزرعة لا قيمة لها، صدرت إليهما الأوامر بالإخلاء لكنهما قررا البقاء لأنه ليس لديهما مكان آخر يذهبان إليه.

تيروياسوكاوا/مزارع: لن أغادر فلدي أبقار لابد لي من العناية بها فبدون هذه الأبقار لن يكون عندي سماد للمزرعة، والآن تخبرني الحكومة بأنه لا يمكنني أن أزرع الأرز هنا وبدون الأرز لا أستطيع إطعام أبقاري.

كاثي هيرن: يقول أنه لم يعد لديه أي تجارة يتركها لابنه.

تيروياسوكاوا: أحياناً تمر أيام ليس لدينا فيها طعام نتناوله، لقد أدت الشائعات السلبية إلى تدهور أسعار الماشية لمستوياتٍ متدنية جداً، إنه ليس الحنق فأنا لم أكن حانقاً يوماً أنه الإحباط، وصلت إلى مرحلة طلبت عندها من الحكومة أن تقتلني، فخير لي أن أموت من أن أبقى على قيد الحياة هذه الأيام.

ثلاثون عاما لتنظيف التلوث

كاثي هيرن: إن التنظيف بعد الكارثة النووية أمر قذر ويستغرق كثيراً من الوقت، يقدر الخبراء أن الأمر قد  يستغرق نحو 30 عاماً وحتى حينها لا يمكن لأحد أن يتأكد من مدى فعالية هذه الإجراءات، انتقلنا إلى المنطقة المحظورة لنرى كيف تجري أعمال التنظيف، من المعدات الأساسية التي يتطلبها الإعداد لهذا الفيلم الملابس والأقنعة الواقية من الإشعاعات، نحن على بعد 7 كيلومترات من محطة فوكوشيما والمنطقة تبدو كأنها مسكونة بالأشباح فعلى الرغم من أن العديد من المساكن صمدت أمام الزلزال فإن ما من شيء يمكن أن يُفلت من الخطر غير المرئي للإشعاعات، بينما نقترب من مفاعل دايتشي النووي تواصل مستويات الإشعاعات صعودها، إنها مرتفعة جداً مؤشر مستويات الخطر يصل إلى 30 ميكروسيفرت والكثير من المناطق القريبة تتعدى هذا الرقم، العمال يستخدمون خراطيم ذات دفعٍ عالٍ لمحاولة إزالة الإشعاع الزائد وتقشير الطبقة العلوية من التربة، بعد ذلك يتم وضعها في أكياسٍ بلاستيكية ودفنها هنا لحين تجهيز مخزنٍ مناسبٍ لها، وبينما سيستغرق ضرر آثار الإشعاعات سنوات ليتكشف فإن الأضرار التي سببها الزلزال وأمواج تسونامي ماثلة لكل ذي عينين، بعد مرور شهر على الكارثة أقر مجلس الوزراء الياباني موازنةً لإعادة الإعمار تبلغ قيمتها نحو 50 مليار دولار، أكبر مشروعٍ للإعمار في البلاد منذ القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي، الأمر الذي يضاف على كاهل الاقتصاد المثقل أصلاً بالركود، تقدر الكلفة الإجمالية للخسائر بنحو 300 مليار دولار، فيما مضى كانت هذه المنطقة برمتها منطقة سكنية وقد قامت البلديات بإزالة الأنقاض على مدى عام كامل، ولكن لم تبدأ عمليات إعادة البناء حيثُ ثمة مخاوف من وقوع زلزال في المستقبل،  يُحذر الأطباء النفسيون من تفاقم أزمة الشكوك والاكتئاب التي قد تكون أكثر إثارة للقلاقل من كارثة عام 2011.

كنجي ياماشيرو/متطوع: تتحدث الحكومة عن إعادة بناء اقتصادي ولكن بالنسبة لي لابد أن نجعل الناس يشعرون بالأمل في قلوبهم أولاً ثم نطلب منهم أن يبدؤوا  إعادة إعمار مدنهم المدمرة.

كاثي هيرن: كنجي ياماشيرو كان مسافراً في شمال اليابان عندما حدث الزلزال، بعد أن صُدم من هول الدمار شعر أن من واجبه أن يقدم يد العون.

كنجي ياماشيرو: أعتقد صادقاً أن من كان باستطاعته الهروب من هنا فالأفضل له أن يهرب، أما من لا يملكون للهرب سبيلاً فعلينا مساعدتهم قدر الاستطاعة.

كاثي هيرن: في بلدة ميناميسوما يعيش الكثير من المسنين في ملاجئ للطوارئ بدون مياه شربٍ نقية، باستخدام مدونته وموقعه الالكتروني يدعو كنجي إلى تقديم التبرعات لشراء المياه المعبأة التي يقوم بتوزيعها عليهم يومياً، واليوم يزور السيدة ميتسوكوهانا ذات ال85 عاماً.

كنجي ياماشيرو: بعد الكارثة كثير من الناس عزلوا أنفسهم داخل بيوتهم طواعية لا يبرحون منازلهم فأصبحوا ضعفاء متوترين، هناك من الناس من مات اكتئاباً وسيكون هناك المزيد من الناس الذين يموتون بالاكتئاب، لا أحد يتناول هذه المشكلة.

كاثي هيرن: يعتقد كنجي أنه لا ينبغي تركيز كافة جهود إعادة الإعمار على الأمور الاقتصادية، إنه يُدرس اليوغا إلى السكان المحليين ويقول إنها تساعد الناجين من خلال منحهم طاقة للتعامل مع الألم والاكتئاب، لأن اليابان لا تملك مصادر كافية من الطاقة كان لابد من إعادة تشغيل المحطات النووية الـ54 التي تم إيقاف نشاطها بعد الكارثة.

نوريوكيشيكاتا: إذا لم يتم إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية فإن الصيف الحالي سيكون صعباً للغاية، فتقديرات الحكومة تشير إلى وجود فجوة تبلغ نحو 10% بين المطلوب والمتوفر، ولا يزال الأمر غامضاً فلا أحد يعرف كيف سيتم سد هذا العجز في الطلب على الطاقة.

كاثي هيرن: تواجه الحكومة أزمة صعبة بتحقيق التوازن بين أمن الطاقة في المستقبل وصحة وسلامة المواطنين، تقول اليابان إنها تعتزم تقليل اعتمادها على الطاقة النووية في المستقبل لكنها في الوقت نفسه تبيع تقنيات المحطات النووية إلى دول أخرى كفيتنام والأردن وكوريا الجنوبية.

نوريكو هاما/خبيرة في الاقتصاد: لا يمكن أن أصدق إنّ الحكومة ستمضي قدماً في خططها فهذه الخطط يجب انتقادها بصورة أشد إنه شيء فظيع إنها خيانة للأمانة.

نوريوكيشيكاتا: في إطار تحقيق هذا التعاون نتأكد من أن التقنيات المتوفرة لدينا والتي يتم تصديرها ستكون آمنة وسنطلع الآخرين أيضاً على كافة الدروس التي تعلمناها من حادث المفاعل النووي هذا.

كاثي هيرن: في الوقت الحالي تعوض اليابان النقص في الكهرباء من خلال استيراد الوقود الاحفوري ولكن الخبراء يعتقدون أن ثمة حاجة لإستراتيجية جديدة طويلة المدى.

تاروكونو: أنفقنا نحو 25 تريليون ين لشراء الوقود الإحفوري وهو ما يمثل 5% من إجمالي الإنتاج المحلي وهي نسبة كبيرة، ولكن على المدى المتوسط والطويل تسعى الصين والهند لتطوير اقتصادهما وهو ما يعني أن أسعار النفط والغاز الطبيعي سترتفع فنحن لا يمكننا أن نعتمد على هذين النوعين من الوقود على المدى البعيد، أعتقد أن البديل الوحيد هو مصادر الطاقة المتجددة.

كاثي هيرن: اليابان واحدة من بين أكبر الدول إنفاقا على الأبحاث والتنمية مع ذلك فإن المنتقدين يقولون أنه ليس لديها الكثير من الحلول عبر وسائل الطاقة المتجددة.

نوريكو هاما: ما نحتاجه هو الشجاعة من جانب صانعي القرار السياسي.

كاثي هيرن: وهل هم كذلك حالياً؟

نوريكو هاما: الإجابة البسيطة هي كلا، صانعو القرار السياسي وشركات الطاقة مقيدون، ملتصقون التصاقا بالماضي بحيث لا يبدو أنهم قادرون على رؤية المستقبل.

كاثي هيرن: تعرضت شركات الطاقة مثل تبكو لانتقادات لإعاقتها مشروعات الطاقة المتجددة.

نوريكو هاما: أعتقد أنه من الإنصاف القول إن هذا النوع من علاقات التآمر بين شركات الصناعة وشركات الطاقة كان له أكبر الأثر على الطريقة التي وضعت فيها سياسات الطاقة في هذا البلد.

تارو كوتو: الطاقة المتجددة تبلغ 1% وهذا دليل على شيء له مغزى.

كاثي هيرن: وهؤلاء الذين حاولوا تغيير النظام أخفقوا ثم تعهد رئيس الوزراء حينها ناوتوكان بالتخلي عن اعتماد اليابان على الطاقة النووية ووضع المزيد من الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة، ولكن بعد 3 أشهر أرغمه حزبه على الاستقالة بدعوى سوء إدارة الأزمة وقامت الحكومة الجديدة بزعامة يوشي هيكينودا بإعادة دعم صناعات الطاقة النووية.

نوريوكيشيكاتا: قد يكون هناك عدم رضا أو انتقاد من أن سياسات الحكومة قدمت القليل وقدمته متأخراً ولكن ما أعنيه هو أنه بعد يوم الـ11 من مارس/آذار أصبحت هناك جهود حثيثة لنشر الطاقة المتجددة وهناك بالفعل إجراءات ملموسة يتم إدخالها.

كاثي هيرن: بينما تناقش اليابان مزايا الطاقة النووية يتوقع أن يضرب البلاد زلزال آخر عنيف في غضون 4 سنوات، طوكيو مدينة يسكنها 13 مليوناً وتقع على خط زلزال رئيسي ومحاطة بمجموعة من محطات الطاقة النووية القديمة، وبينما تعمل الحكومة لإعادة بناء البلاد فإن إعادة بناء الثقة ستكون أصعب بكثير.