وقعت أفغانستان في قبضة أخطبوط المخدرات الذي يعتبره البعض أخطر حتى من حركة طالبان، ورغم أن الأفيون يستنبت وينتج في هذا البلد ثم يهرب معظمه إلى خارج البلاد فإن أعدادا متزايدة من الأفغان علقوا في شباكه القاتلة.

حلقة (15/11/2015) من برنامج "عالم الجزيرة" سلطت الضوء على آفة الإدمان في هذا البلد، حيث تشير آخر الدراسات التي أجريت عام 2015 إلى أن نحو مليونين وتسعمئة ألف يتعاطون المخدرات في أفغانستان، وهي أعلى نسبة في العالم مقارنة بعدد السكان، مع العلم أن 90% من

الفقر والبطالة ومشاكل أخرى تدفع شباب أفغانستان للإدمان (الجزيرة)

الهيروين الذي يسري في العالم بأسره توفره الأراضي الأفغانية.

كريم كامباري مدمن مخدرات أفغاني يتكلم عدة لغات، الدانماركية والإنجليزية واليونانية وشيئا من الألمانية، لكنه مع ذلك لجأ إليها بعد أن فشل في العثور على فرصة عمل، ومثل كريم كثيرون وقعوا في براثن المخدرات التي حولت حياتهم إلى دمار.

ورغم التحذيرات الحكومية زرع الفلاحون في قندهار 224 ألف هكتار من الخشخاش في عام 2014، ويلقي فضل الرحمن باللائمة على سنوات الحرب والاضطرابات، ويقول إن زهرة الخشخاش وحدها هي الكفيلة بضمان مدخول للفلاحين الفقراء من أمثاله.

كما أن الخشخاش -يضيف المزارع الأفغاني- يدر عليه من المال عشرة أضعاف ما يكسبه من محاصيل أخرى، وهو ما يسمح له بإعالة أسرته المكونة من عشرة أفراد، لكنه يخشى من لجوء السلطات إلى اعتقاله وتدمير محاصيله وترك عائلته بلا معيل.

وتقدر الأمم المتحدة فرص للعمل التي تتوفر في موسم جني الخشخاش بأربعمئة ألف في بلد موبوء بالبطالة، وحسب الأرقام الرسمية التقديرية فإن ستة آلاف طن من الأفيون تجمع بأفغانستان خلال خمسة أسابيع على الأكثر على مرأى ومسمع من قاعدة عسكرية أفغانية.

حرب المخدرات
وتعمل الشرطة الأفغانية في قندهار على مكافحة الخشخاش رغم أنه في عام 2014 تعرضت الشرطة لإطلاق الرصاص عندما حاولت تدمير حقول خشخاش، حيث قتل 15 عنصرا من الشرطة على أيدي أصحاب المزارع وتجار المخدرات في ريف قندهار.

وبحسب مساعد قائد مكافحة المخدرات نصر الله خان، لم تتمكن السلطات بسبب هجمات العام الماضي سوى تدمير مساحات محدودة من بين خمسة آلاف هكتار من أراضي الخشخاش في هذه المنطقة، ولكنه يعتقد أن بوسع السلطات أن تكسب الحرب على المخدرات بشرط أن توفر الدولة التمويل. 

ويعتبر إن المجرمين الحقيقيين هم بارونات المخدرات بمن فيهم طالبان، حيث تجبر المافيا الناس على استنبات محاصيل ممنوعة قانونا وتجني هي أرباحا طائلة بينما يبقى الفلاحون مدينين لها ويرزحون في الفقر.

السلطات الأفغانية تحاول القضاء على تجار المخدرات (الجزيرة)

من جهتهما، أنفقت الولايات المتحدة وبريطانيا مليارات الدولارات على إنشاء المحكمة الأفغانية الخاصة بقضايا بالمخدرات، غير أن المدعية العامة في قضايا المخدرات منذ ثماني سنين نجلاء تيموري تقول إنهم يواجهون مخاطر جمة كل يوم عند أداء عملهم، وتكشف أن بيتها اقتحمه مجرمون يعملون لحساب كبار مهربي المخدرات، مما جعلها ترحل من مسكن إلى مسكن للإفلات منهم.

تقضي المحكمة بسجن أكثر من ألف مهرب كل سنة، ولكن تيموري تقول إنه من النادر الوصول إلى الرؤوس الكبيرة.

بدوره، الوزير الأفغاني المكلف بمكافحة المخدرات هارون شرزاد يعترف بأن الفساد لا يزال سوسة تنخر منظومة القضاء الأفغانية، ويرجع سبب الارتفاع الصاروخي في إنتاج المخدرات على المجموعة الدولية لأنها غضت الطرف طويلا عن المشكلة، فقد كان جل جهدهم منصبا على قطاعات تنموية وعلى مكافحة الإرهاب، فيما ظل موضوع محاربة المخدرات معزولا وهامشيا على سلم أولوياتهم.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: أفغانستان.. حروب الأفيون الخاسرة

مقدم الحلقة: ستيف تشاو/مراسل

تاريخ الحلقة: 15/11/2015

 المحاور:

-   سلام هش تركه الأطلسيون وراءهم

-   محاربة المخدرات هدف هامشي

-   حقول الخشخاش في حماية طالبان

ستيف تشاو/ مراسل: أفغانستان التي كانت في سابق العصور بوابة بين الشرق والغرب، هي اليوم القلب النابض لتجارة مهلكة، تحت أحد الجسور نشاهد بأم أعيننا ما جنته المخدرات على البلد، مشهد  يتسم بالقبح الشديد رغم أن الأفيون يستنبت وينتج هنا ثم يهرب معظمة إلى خارج البلاد فأن أعداد متزايدة من الأفغان علقوا في شباكه القاتلة، مليونان وتسع مئة ألف شخص تقريبا يتعاطون المخدرات في أفغانستان وهي أعلى نسبة في العالم مقارنة بعدد السكان.

ستيف تشاو/ مراسل: كم تكلف هذه الجرعة؟

كريم كامباري/ مدمن مخدرات أفغاني: تقصد هذه! خمسون روبية.

ستيف تشاو/ مراسل: خمسون سانتيما للجرام الواحد.

كريم كامباري/ مدمن مخدرات أفغاني: أرثي لنفسي لوجودي هنا.

ستيف تشاو: قصة كريم كمباري تشبه العديد من القصص المماثلة لجأ إلى المخدرات بعد أن عز عليه العثور على عمل.

كريم كامباري: أحسن عدة لغات الدنمركية والإنجليزية واليونانية وشيئا من الألمانية ولكن ذلك لا يعني شيئا هنا.

ستيف تشاو: تسيل مياه الصرف الصحي عند أسفل الوادي حيث يتخذ مدمنو كابول لهم ملجأ، يعتبرهم كريم مثالا حيا لمن ضاعت حياتهم هباء.

كريم كامباري: بعد تقليب الأمر ولأننا بلا مأوى ولا عمل ألجأتنا الأيام إلى هنا.

ستيف تشاو:  لجأتم إلى هذا المكان؟

كريم كامباري: هنا فقط ألقى ترحيبا، هنا فقط.

ستيف تشاو: لكن سيدة تجتهد لتخليص بلادها من إخطبوط الإدمان "ليلى حيدري" تكرس حياتها لإقناع المدمنين بالإقلاع عن عادتهم وتقضي الساعات يوميا تناصحهم وفي بعض الأحيان تصلح الذات بينهم كلما دخلوا في نزاعات.

ليلي حيدري: يا الهي لماذا ضربته قف أريد أن آخذك إلى..

تعال لن يعرف أحد بأمرك، لن يعرف أحد بإدمانك..

ستيف تشاو: ينادي المدمون ليلى"موما" وعليها يعولون في كل شيء بما في ذلك نقل جثث الموتى. تناول الجرعات الزائدة مألوف هنا.

 ليلي حيدري: أفسحوا الطريق.

ستيف تشاو: ماذا حل به؟

ليلى حيدري: من الجائز أن السبب قذارة المكان الغير صالح للآدميين أو الإصابة بمرض من الأمراض أو حتى البرد الشديد والجرعات المفرطة.

ستيف تشاو: ماذا تفعلون بهذه الجثامين؟

ليلى حيدري: اتصلت بالشرطة لكي تنقلها ليس مرخصا لنا دفن الموتى ولذلك لا نتجاوز السلطات وعادة ما يستغرق ذلك وقتا.

ستيف تشاو: قلة من الناس تجرؤ على النزول تحت الجسر لكن "موما" تنخرط في الحشود لا تهاب شيئا. تحت القنطرة جمع غفير نحو ألف شخص، الروائح خليط من الفضلات الآدمية والنفايات لكن "موما" تأتي إلى هنا بانتظام، يزداد الخطر كلما توغلنا في المكان المظلم حيث نشاط موزع المخدرات في أوجه.

أحدهم: لا تصورونا، أغرب عن وجهي وإلا أوقفتك عند حدك

 

ستيف تشاو: بعيدا عن عدسة الكاميرا يقف رجال يشهرون خناجر أمر المصورون بالكف عن التصوير، تعرضت "موما" لاعتداء عنيف ألزمها المستشفى بعض الوقت ومع ذلك مازالت تواظب على الحضور.

ليلى"موما" حيدري: صبرا رجاء.

ستيف تشاو: أنت سيدة وتعرضت للضرب مرتين فلمَ تستمرين في القدوم إلى هنا؟

ليلى "موما" حيدري: أنهم بشر مثلنا وأريد أن أجاهد فيهم ما حييت لمساعدتهم على الإقلاع عن إدمانهم.

ستيف تشاو: يخشى الكثيرون ضيق موزع المخدرات بإصرار ليلى على ما تقوم به.

كريم كامباري: يحملون مسدسات وخناجر وغيرها من الأسلحة.

ستيف تشاو: لا تستبعد أن يقتلوا ليلى يوما ما.

كريم كامباري: ربما ليس بأيديهم ولكن يستطيعون استئجار القتلة.

ستيف تشاو: يستأجرون قاتلا!

كريم كامباري: نعم

ستيف تشاو: بحلول نهاية اليوم كان على الشرطة أن تنقل جثامين أخرى، لم يعد موت حفنة من المدمنين يثير أي دهشة في العاصمة الأفغانية كابول تمضي الحياة في سيرتها كالمعتاد.

ستيف تشاو: إلى قندهار مصدر هذا البؤس كله، في الريف يستنبت معظم الأفيون، في 2014 زرع الفلاحون مائتين وأربعة وعشرين ألف هكتار من الخشخاش، عدنا في ربيع 2015 لنعرف ما إذا كان محصول هذه السنة قياسي أيضا مثل ما كان السنة الماضية، التحذيرات الحكومية من مغبة زراعة الأفيون تملأ المكان ولكن كلما توغلنا في ريف قندهار تقلصت سلطة الدولة الأفغانية أو تلاشت في هذه القفار، الأمر والنهي ل"طالبان" ولكبار مهربي المخدرات.

ستيف تشاو: يا الهي أهذا كله خشخاش؟ قلة من الناس تراعي تحذيرات الحكومة، هكتارات مترامية الأطراف من أزهار المحصول القاتل وهي تطل من براعمها، نقترب من فلاح لنسأله لماذا يزرع النبتة المخدرة؟

فضل الرحمن/ مزارع خشخاش أفغاني: هذه الحقول كلها لنبتة الخشخاش بكل أمانه كان بودي زراعة محصول أخر ولكن المسؤولين الحكوميين لم يساعدونا على تبني بدائل، فماذا يقي لي من خيار؟

سلام هش تركه الأطلسيون وراءهم

ستيف تشاو: يلقي الفضل بن عبد الرحمن اللائمة على سنين الحرب ويقول أن الخشاش وحدة هو الكفيل بضمان دخل للفلاح والفقراء من أمثاله، لعقود عديدة شهدت تلك المساحات في الجنوب معارك كثيفة، خاضت قوات حلف شمال الأطلسي حربا برية ضد طالبان بين هذه المساكن، دمرت أسواق ومحاصيل وترك فلاحون لا يكادون يجدون ما يعيل أسرهم، حسب قولك الحياة أحلى طعما بعد انتهاء معظم العمليات القتالية، يقول فضل الرحمن أن قوات حلف الأطلسي رحلت وخلفت ورائها سلاما هشا، هذا السلام يعتبره فضل الرحمن والفلاحون فرصة لتدارك ما فاتهم ماليا طبق لما أسر إلي به الرجل.

فضل الرحمن:  يدر علي الخشخاش من المال عشرة أضعاف ما أكسبه من محاصيل أخرى وذلك يعني عدم وقوعي في ذل الدين وقدرتي على إعالة أسرة من عشرة أفراد، ما نكسبه ليس مبالغ كبيرة مثل ما يتوهم بعض الناس فنحن نقترض لشراء البذور ثم نكسب بضع المئات من الدولار من كل هكتار.

ستيف تشاو: لكن الخوف الذي يؤرقه هو لجوء السلطات لاعتقاله وتدمير محاصيله وترك عائلته بلا معيل،  عاد الرجل إلى العمل ووعدناه نحن بزيارته ثانيتا لنطلع على مصير غلته. في قاعدة عسكرية على بعد عشرة كيلومترات من هنا التقينا بنصر الله خان أحد قادة الشرطة المكلفين بمكافحة المخدرات، دعانا إلى مرافقته هو ورجاله لكي نشهد كيف تكافح زراعة الخشخاش، تشكيلة مهلهله من رجال شرطة نظاميين كلفوا بمحاربة زراعة النبتة في ذلك اليوم، عمل خان سنينا في تأمين الطرقات ولم يعهد إليه بمكافحة المخدرات إلا مؤخرا.

نصر الله خان/مساعد قائد مكافحة المخدرات: أنا على علم تام بمدى جبروت المافيا، خطرها ماحق ولكن أن واجبنا كشرطة يحتم علينا محاربتها.

ستيف تشاو: انقض الفريق على أحد الحقول وشرع ينفذ الأوامر بسرعة، انتشر عدد من رجال "خان" لحراسة المكان بينما راحت عربات مدججة بالسلاح تطوف المكان. في 2014 تعرضت الشرطة لإطلاق الرصاص عندما حاولت تدمير حقول خشخاش قتل منها خمسة عشر شرطيا في هذه المنطقة الصغيرة وحدها أما في هذه السنة فقط تجهزت بقوة مالية كبيرة. حتى سائقي الجرارات يحملون رشاشات، وقال خان أن نساء الفلاحين وأطفالهم كانوا يستهدفون رجال الأمن.

نصر الله خان: عندما وطئنا المكان في المرة الماضية كانت الألغام تنفجر من حولنا والرصاص لا يتوقف أزيزه، قتل العديد من رجالي أو جرحوا، إذا بقينا هنا فترة أطول قد نتعرض لاعتداء.

ستيف تشاو: الفلاحون وأسرهم يرقبون العملية، أمر رجال الشرطة بالحذر في بسبب الهجمات في 2014 لم تتمكن السلطات سوى بتدمير تسعه من بين خمسة ألاف هكتار من الخشخاش في هذه المنطقة، خان لا يعتب على الفلاحين قائلا "أن المجرمين الحقيقيين هم بارونات المخدرات بما فيهم طالبان."

نصر الله خان: تجبر المافيا الناس على استنبات محاصيل ممنوعة قانونا وتجني أرباحا طائلة بينما يبقى الفلاحون مدينين لها يرزحون في الفقر.

ستيف تشاو:  يعترف خان بأن المجرمين يحققون مكاسب ويقول أن المال المرصود لمثل هذه العمليات يشح أكثر فأكثر.

نصر الله خان: بوسع الشرطة أن تكسب الحرب على المخدرات ولكن على الدولة أن توفر التمويل لتوفير الجرارات والعمال والدعم، إذا وفرت سنحقق الانتصار ولكن الحال ليس كذلك.

ستيف تشاو: عودة إلى مخفر الشرطة اصطحبني خان إلى غرفة الأدلة، هناك خزن أكثر من طن من الأفيون حجز خلال غارات سابقة، أراني الضابط كمية من الهيروين تفنن المهربون في معالجته ليصبح جاهزا للنزول إلى الأسواق ويلجأ المهربون إلى ابتلاع كميات منه لكي يمرروها عبر نقاط التفتيش، المزيد من المخدرات المزيد من التشويق، هذا الصندوق كان مخصصا لتخزين شظايا القنابل اليدوية الأميركية وأصبح يحفظ سموما بيضاء بدل الذخيرة، يقول مساعد قائد الشرطة أن طالبان كثيرا ما تبادل المخدرات لتحصل على السلاح، ملايين الدولارات من السموم هنا ولكن خان يقول أنها قطرة في بحر ما كانت قواته تصادره في الماضي. عودة إلى العاصمة حيث يناضل آخرون ضد تجارة المخدرات، بعد شهور من الأخذ والرد سمح لنا بدخول حصري لإحدى المنشآت الحكومية السرية، لم يسبق أن أذن باصطحاب الكاميرات إلى هنا حيث يحاكم كبار المهربين المفترضين، قبض على هؤلاء الرجال في محاولتهم تهريب سبعة وثلاثين كيلو غراما من الهيروين تساوي قيمتها ملايين الدولارات، أنفقت أميركا وبريطانيا مليارات الدولارات على إنشاء المحكمة الأفغانية الخاصة بقضايا المخدرات. يختار القضاة والمدعون العامون بعناية فائقة وعادة ما يدربهم أجانب لكي يتحرروا من سطوة أصحاب النفوذ والترهيب، لكن "نجلاء تيموري" المدعية العامة تقول أن ذلك أبعد ما يكون عن الواقع.

نجلاء تيموري/ المدعية العامة في قضايا المخدرات: نواجه مخاطر جمة كل يوم عند أداء عملنا، بيتي أقتحمه مجرمون يعملون لحساب كبار مهربي المخدرات وكان عليّ حينها أن أنتقل من مسكن إلى أخر للإفلات منهم.

ستيف تشاو: تقضي المحكمة بسجن أكثر من ألف مهرب كل سنه لكن تيموري من النادر الوصول إلى كبار المهربين.

نجلاء تيموري: شتان مابين قوة الحكومة وسطوة المهربين، أنهم يستغلون فقراء الناس للقيام بعمل خطير وأولئك هم الذين يلقى عليهم القبض وليس الرؤوس الكبيرة.

ستيف تشاو: أوقفت السلطات صيدا ثمينا في 2014، هذه الصورة المغبشة هي الوحيدة التي يحوزها المسؤولون للمدعو" لآل جان" المهرب  المسيطر سابقا على القسم الأكبر من تجارة المخدرات في جنوب أفغانستان، أثبتت المحكمة الجرم على " لآل جان" وحكمت عليه بالسجن عشرين سنة لكن العارفين ببواطن الأمور يقولون أنه تمكن من شراء هربه. كشف تحقيق داخلي أن أناسا يعملون لحساب كبار المهربين دفعوا ما تصل قيمته إلى ستة عشر مليون دولار لمسؤولين في منظومة القضاء الأفغانية بعد ذلك تمكن "لآل جان" من الفرار ثم اختفى إلى يومنا هذا. تكثرون الحديث عن قضاة أطهار اليد ومحاكم نزيه لكن حالة" لآل جان" وأمثاله تطفو على السطح ما الذي حدث بالضبط؟

هارون شرزاد/ الوزير الأفغاني المكلف بمكافحة المخدرات: كل من أنتهك الأنظمة المعمولة بها سيخضع للتحقيق.

ستيف تشاو/ مراسل: يقر هارون شرزاد وزير مكافحة الإرهاب بالوكالة بأن سوسة الفساد ما تزال تنخر منظومة القضاء الأفغانية ويعترف بالضرر الذي تلحقه وقائع من ذلك النوع بسمعة بلاده وبمستقبل التمويل الدولي لوزارته.

هارون شرزاد: بوسعي طمأنة المجتمع الدولي بأن الخطأ الذي ارتكب لن يتكرر.

محاربة المخدرات هدف هامشي

ستيف تشاو: عندما سألناه عن سر الارتفاع الصاروخي في إنتاج المخدرات ألقى شرزاد باللائمة على المجموعة الدولية لأنها غضت الطرف طويلا عن المشكلة.

هارون شرزاد: كان جل جهدهم منصبا على قطاعات تنموية وعلى مكافحة الإرهاب أما محاربة المخدرات فكانت هدفا معزولا وهامشيا على سلم أولوياتهم وها قد فتحوا أعينهم اليوم ليجدوا اقتصاد الأفيون يمول الإرهاب.

ستيف تشاو: يقول شرزاد أن الولايات المتحدة وحلف الشمال الأطلسي أنفقت مليارات قليلة من الدولارات على استئصال المخدرات لكنها صرفت في المقابل مئات المليارات على مكافحة الإرهاب، ويضيف: القادة العسكريون الغربيون كثير ما نهوا جنودهم عن تخريب حقول الخشخاش تخوفا من استعداء سكان الأرياف، النتيجة هي تزايد إنتاج المخدرات خمسة وثلاثين ضعفا عما كان علية سنة الغزو الأميركي 2001، غير أن مسؤولي الأمم المتحدة يجادلون بأن الحكومة الأفغانية تتحمل أيضا جزءا من الخطأ، في سبتمبر 2014 أصبح لأفغانستان رئيس جديد هو "أشرف غاني" علقت عليه أمالا عراض في أن يجعل استئصال المخدرات من أولويات حكومته عندما يتلو خطاب التنصيب لكن ذلك الأمل خاب.

هاشم وحدتيار/ المكتب الأممي لمكافحة المخدرات والجريمة- كابول: لأفغانستان اثنتان وعشرون أولوية وطنية ليس منها مكافحة المخدرات، سيغمرني التفاؤل إذا ما توفرت الإرادة السياسة لمحاربتها وإلا فلا مكان للاستبشار.

ستيف تشاو: ما يبدو عدم اكتراث بالمسألة زاد جرأة المجرمين، رتبنا لقاء مع مهرب كبير في مكان لا نفصح عن اسمه، استغرق ذلك شهورا من الاتصالات مع عالم الجريمة السفلي في أفغانستان، وافق المهرب على أن يطلعنا على واحدة من عملياته، طلب منا التخفي ونحن نجتاز مناطق تسيطر عليها حركة طالبان، غادرنا دليلنا بعض الوقت وكان علينا أن نستتر، عاد وقاد سيارتنا وقال أن أعصابة مشدودة ليس بسبب الشرطة وإنما لمرافقة أجانب مثلنا وأنه إذا قبض علينا فستظن طالبان أننا جواسيس وأنه يقدم لنا يد المساعدة، اجتزنا المزيد من الحقول واقتربنا من مجمع مساكن ريفية فتوقفنا. لا أعرف أين نحن لكن المهرب يطمئنا بأن سلامتنا ليست في خطر سندخل ليعاين ما يريد عرضه علينا. يبدو المجمع كآلاف من أمثاله في أفغانستان، لكن هذا بالذات يخفي مخبأ ليس كغيره، عندما دخلنا كان مساعد المهرب ينقل المخدرات، واضح أنه يملك الكثير من الأفيون أنظروا إلى الأكياس التي كان يخفيها، الإثارة تملا الجو، استخدم الأجر لسد فراغ الجدار حتى لا يكشف أي أحد ما وراءه وكان قد فتح الثغرة خصيصا ليعرض علينا كيف يجري الأمر هنا كله، كم تكسب من التهريب كل سنه؟

المهرب:  يمكن أن تكسب عصابة ما قرابة ستة مئة ألف دولار سنويا ذلك حسب مزاج السوق، ذلك هو بالتقريب المبلغ.

ستيف تشاو: هل تعتقد أن الحكومة ستتمكن في يوم ما من وقف تهريب المخدرات؟

المهرب: لن يفلحوا في ذلك أبدا، لقد ذقنا طعم الدرهم والدينار ولن نفرط فيهما، نعم هم يحاولون أحيانا ويشنون غارات علينا لكنا نملك الكثير من المختبرات والمخابئ الحدود سائبة لذلك لن ينجحوا في وقف تدفق المخدرات.

حقول الخشخاش في حماية طالبان

ستيف تشاو: يقول المهربون أن المخدرات تسلك طرقا عده للخروج من أفغانستان إذ ينقلها مناولون إلى بلدان مجاورة قبل وصولها إلى أسيا وروسيا وأوروبا وبشكل متزايد إلى أميركا، المهربون مسلحون ولكن رجال طالبان المرابطين في المنطقة هم الذين يحمون التهريب.

المهرب: لا تقرب أيدي طالبان المخدرات ولكنهم يحرسون حقول الخشخاش، وفي المقابل ندفع لهم إتاوة قدرها عشرة بالمائة وإذا جاءت الشرطة تتصدى لهم طالبان، أقول لكم بكل ثقة من دون طالبان لن تصمد حقول الخشخاش.

ستيف تشاو: بدأ المهرب يشعر بالتوتر تخوفا من وجود طالبان على مقربة من المكان، يبدو أن المهرب منفعل قليلا بسبب وجودنا نحن وذلك أمر يمكن تفهمه، المنطقة كلها تحت سيطرة طالبان، خرج من الباب كالسهم داعيا إيانا إلى الرحيل أيضا، أنه يطلب مني المغادرة، خبأ جزءا من الحمولة المعدة للتهريب خارج المكان ثم غادرنا هو ومساعده. بعد مرور عدة أسابيع أزهرت نبتات الخشخاش في قندهار، حان وقت القطاف فتقاطرت اليد العاملة من أنحاء أفغانستان، تقدر الأمم المتحدة الوظائف التي يوفرها العمل في جني الخشخاش بأربعمائة ألف في بلد موبوء بالبطالة، ستة ألاف طن من الأفيون تجمع خلال خمسة أسابيع على الأكثر على مرأى ومسمع من قاعدة عسكرية أفغانية، نجت حقول فضل الرحمن ويبدو الحصاد وفيرا.

فضل الرحمن: أجل، أنظر، تفصلنا عشرة أيام عن نضج الدرنات الصغيرة والكبرى ستقطف بعد خمسة أيام كلها في حالة ممتازة ونتوقع غلة استثنائية.

ستيف تشاو: أتاح لنا فضل الرحمن الاطلاع على سر..

فضل الرحمن: جاءت الشرطة ودمرت بعض حقول الخشخاش لكن رجالها لم يعودوا بعدها، لماذا؟ لأننا دفعنا لهم مئات الدولارات عن كل هكتار لكي يتركوها بسلام.

ستيف تشاو: تلك قصة لا نفتأ نسمعها من الفلاحين الأفغان وتثبت ما ظل محل شبهه فترة طويلة من الزمان، موزع المخدرات وأرباب التهريب وطالبان ليسوا الأطراف الوحيدة المستفيدة من تجارة المخدرات بل معهم مسؤولون حكوميون أيضا، ففي بلد ينخره الفساد لا يسعنا أن نتساءل عن قدرة أفغانستان بل عن إرادتها في كبح جماح المخدرات.