اليشم هو حجر نفيس يوجد أجوده في ميانمار، كان باستطاعة الأباطرة فقط اقتناءه، لكن اليوم يسعى كثيرون في عموم الصين إلى امتلاكه باعتباره كنزا ورمزا للمكانة والثراء، مما أدى إلى نشوء تجارة تقدر بالمليارات، وأيضا إلى تفشي المخدرات في قطاع التعدين في ميانمار.  


حلقة 2015/10/25 من برنامج "عالم الجزيرة" أجرت تحقيقا استقصائيا تتبعت فيه ذيول مسارات التهريب، وكشفت النقاب عن الكلفة البشرية وراء اقتناء هذا الحجر الكريم.

يسمى أنفس أنواع اليشم في العالم اليشمك، وهو معروف بخضرته الشفافة الزاهية، يتم تعدينه في ميانمار ويصدر معظمه إلى الصين، لكنْ هناك نقص واضح فيما يتعلق بالتجارة به. فقد بلغ دخل ميانمار الرسمي من صادرات اليشم 1.3 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، ولو أن دراسة أجريت مؤخرا أظهرت أن إجمالي مبيعات هذا المعدن كانت أعلى ست مرات في العام 2011 وحده.

في مندلاي، وهي مركز تجاري رئيسي لمناطق وسط وشمال ميانمار، يوجد سوق اليشم، ويقال إنه الأكبر والأكثر اكتظاظا في العالم، ورغم أن اليشم المباع هناك يجب أن يتم وفقا لوثائق الضريبة وأوراق ترخيص رسمية، فإن الوسطاء الذين تحدثوا لحلقة "عالم الجزيرة" لم تكن بحوزتهم أية وثائق من هذا النوع.

فالتجارة غير الشرعية تنتشر على نطاق واسع في ضواحي مندلاي، وفيها يوجد مجمع يتم فيه حجز العربات التي تهرب اليشم إلى الصين، حيث أصبح الهوس باقتناء هذا الحجر النفيس الدافع وراء نشوء تجارة تقدر بالمليارات.

وتعد مقاطعة كاتشين الشمالية أكبر مناجم اليشمك في العالم، وتنتج أفضل الأحجار، لكن المنطقة لم يتم تطويرها، رغم وجود احتياطات ثمينة من هذا الحجر الثمين.

في هباكانت التي تعد بلدة المناجم، تظهر الكلفة البشرية التي تصاحب تجارة اليشم في ميانمار، حيث  يخاطر صغار السن بأرواحهم من أجل التقاط أحجار اليشم وجني المال، ويصف أيف زاديلا عملهم بالخطر حتى إنه رأى حجارة متساقطة تكسر أرجل الكثير من الناس، بعضهم مات لأن النعاس غلبهم فتم إفراغ حمولة الحجارة عليهم وهم نائمون.

اليشم حجر نفيس يوجد أجوده في ميانمار (الجزيرة)

انتشار المخدرات
وقد لجأ عشرات الآلاف من الباحثين الصغار من أنحاء ميانمار إلى البحث عن اليشم بعد أن علقت الشركات الكبرى عملياتها في المناجم، بعضهم يعمل بمفرده، وآخرون يعملون ضمن مجموعات يدعمها رجال أعمال.

ويحصل هؤلاء الصغار على حصة مما يعثرون عليه، وغالبا ما يجنون 200 إلى 300 دولار شهريا من أحجار عادية الجودة، لكن اليشم الذي يستخرجونه لا يعرف مصيره، ومن المحتمل تماما أنه يذهب إلى السوق السوداء.

والأخطر أن تجارة اليشم بميانمار لا يصاحبها فقط التهريب والفساد وإنما أيضا تعاطي المخدرات، وهو ما يؤكده أيف أيك سان، باحث صغير عن اليشم، بقوله إن دولارين فقط في اليوم تكفي لسد حاجته من المخدرات.

وقد انتقلت الكاميرا الخفية لحلقة "عالم الجزيرة" إلى أحد أوكار المخدرات في هباكانت، ورصدت صورا صادمة عن أكشاك مكتظة بعمال مناجم يتعاطون المخدرات مقابل حفنة من الدولارات عن كل جرعة.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: اليشم.. حجر نفيس تجارته تجلب المليارات والمخدرات

ضيوف الحلقة:

-   مينغ مينغرونغ/من جامعي الحجر الأخضر

-   أوتشو/ ممثل لثلاث شركات تعدين

-   إيف زاويلا/ باحث صغير عن الحجر الأخضر

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 25/10/2015

المحاور:

-   نقاط أساسية على مسار عمليات التهريب

-   الفاسدون هم الفائزون

-   استثمار يتجاوز العقارات

تعليق صوتي: بريق اللون الأخضر، ذات يوم كان أبناء الملوك فقط هم الذين يمتعون أنظارهم برؤية الحجر الكريم الذي يقتنيه الأباطرة واليوم يسعى لامتلاكه الكثيرون في عموم الصين باعتباره رمزاً للمكانة والثراء وكنزاً يقتنى ومصدراً للخير والبركة.

مينغ مينغرونغ/من جامعي الحجر الأخضر: لدينا قول مأثور قديم مفاده أن الذهب ثمين لكن الحجر الأخضر لا يقدر بثمن، وهناك أيضاً اعتقاد شائع بأن الحجر يحمي صاحبه، عانت أمي فيما مضى من سقطة سيئة تحطم خلالها الحجر التي كانت ترتديه لكنها قامت بسلام.

تعليق صوتي: في معرض إكسبو العالمي للمجوهرات في شنغهاي الحجر الأخضر هو من بين المعروضات، أصحاب المزادات يبدءون بفتح باب المزايدة بإعلان السعر لأجود الأحجار الخضراء يبدأ بـ 160 دولاراً للغرام وهو أربعة أضعاف سعر الذهب.

بائع في معرض إكسبو: بمجرد أن يهوى الصينيون شيئاً وبسبب ضخامة عدد السكان فإنهم يقبلون على شرائه بكميات كبيرة.

تعليق صوتي: قيمته تزداد؟

بائع في معرض إكسبو: نعم تزداد.

تعليق صوتي: أنفس أنواع الحجر الأخضر في العالم يسمى اليشمك ويعرف دائماً بخضرته الشفافة الزاهية، يتم تعدينه في ميانمار ويصدر معظمه إلى الصين إلا أنه هناك نقصاً واضحاً في أرقام التجارة بهذا الحجر، فقد بلغ دخل ميانمار الرسمي من صادرات اليشمك مليارا و 300 مليون دولار على مدى 3 سنوات ومع ذلك أظهرت تقديرات دراسة أجريت مؤخراً أن إجمالي مبيعات اليشمك كانت أعلى 6 مرات في عام 2011 وحده، إذن أين هي المليارات المفقودة. لاكتشاف ما يجري سأقوم بتتبع أحد مسارات التهريب وذلك عبر منطقة نائية ومعرضة للاضطرابات في ميانمار حيث يتقاتل الجيش مع مجموعة إثنية مسلحة على الموارد الطبيعية الغنية، بدأت رحلتي الاستقصائية في ماندلاي وهي مركز تجاري الرئيسي لمناطق وسط وشمال ميانمار، يقال إن سوق الحجر الأخضر هنا هي الأكبر والأكثر اكتظاظاً في العالم، تحدثت لعدد من الوسطاء المحليين لأتعرف منهم على كيفية مزاولتهم لتجارتهم وقريباً سأكتشف أولى علامات التجارة غير الشرعية، رسمياً يحتاج بيع أي حجر أخضر هناك لأوراق ترخيص ووثائق ضريبية لكن لا أحد من الوسطاء الذين تحدثت إليهم كان في حوزته أية وثائق من هذا النوع، 300 ألف دولار سعر رخيص أم غالٍ؟

وسيط لتجارة الحجر الأخضر: ليس غالياً.

تعليق صوتي: رخيص!! هل لأنه لا يخضع للضرائب؟

وسيط لتجارة الحجر الأخضر: نعم.

تعليق صوتي: ألا يتوجب عليك دفع الضريبة؟

وسيط لتجارة الحجر الأخضر: كلا.

تعليق صوتي: هذا يتنافى مع محاولات حكومة ميانمار مؤخراً لتنظيم هذا القطاع، فهي تريد تجار الحجر الأخضر الأجانب أن يزايدوا على السعر في سوق مزادات المجوهرات السنوي في العاصمة نيبيدو لكن التجارة غير الشرعية تبقى منتشرة على نطاق واسع، وفي ضواحي ماندلاي عثرت على مجمع تتم داخله تعبئة السيارات التي تهرب الحجر الأخضر للصين، حتى السيارات العادية مثل هذه تستخدم لنقل الحجر الأخضر بصورة غير قانونية لأن هذا لا يثير للشبهات وكذلك وفي حالة الأنواع الأثمن حتى صخرة بهذا الحجم تساوي بضعة مئات الآلاف من الدولارات وإذا ما بحثت هنا في الدرج المخبأ ستجد أن هناك بالتأكيد مكاناً لعدة أحجار مثل هذه، هم لا يريدون الظهور في مقابلات ولكنهم اخبروني بالحاجة لسلطات وإمكانات أوسع نظراً لحجم الكميات التي تفلت من رقابتهم، مسؤولو حكومة ميانمار لم يقبلوا بالحديث إلينا أمام الكاميرا، لكن احد كبار الرسميين من وزارة المعادن وافق على لقائنا بشكل غير رسمي ليتحدث عن إمكانية التعامل بهذه التجارة، فجهزنا كاميراتنا الخفية.

مسؤول في وزارة المعادن: لقد انتهينا من الحديث عن تقريرك الإخباري، دعنا نتحدث الآن حول سبل إطعام أنفسنا.

تعليق صوتي: يقول إن من السهل تصدير الحجر الأخضر ويعرض القيام بتزييف وثائق الضريبة.

مسؤول في وزارة المعادن: أخبرني هل تريد عقد صفقة؟ لا تهتم بمسألة تأسيس شركة هنا، تحتاج فقط إلى مليون دولار، القنوات الرسمية معقدة، التعامل مع القطاع الخاص أسهل.

تعليق صوتي: سألته هل ساعد رجال أعمال على تهريب الحجر الأخضر؟

مسؤول في وزارة المعادن: نعم نطلب حجرا أخضرا من باكنت يصل إلينا بعد تحويل 200 ألف إلى 300 ألف دولار.

تعليق صوتي: هل يمكنك المساعدة إذا أردنا التعامل؟

مسؤول في وزارة المعادن: يمكننا أن نبيعها هنا، إذا لم يعجبنا السعر سنبيعها في رويلي وأثناء ذلك يمكننا إمتاع أنفسنا بالغناء الجماعي وتمضية وقت ممتع في فندق ما.

نقاط أساسية على مسار عمليات التهريب

تعليق صوتي: البلدات التي أشار إليها نقاط أساسية على مسار عمليات التهريب، وبداياتها بلدة المناجم باكنت، أنا في طريقي لمقاطعة كاتشين الشمالية حيث يوجد أكبر مناجم الحجر الأخضر في العالم والتي تنتج أفضل الأحجار، لعدة سنوات دفعت شركات التعدين ضرائب هائلة لكل من الحكومة العسكرية ومجموعة إثنية مسلحة تسمى جيش الاستقلال الكاتشيني إلا أن الطرفين استأنفا القتال في 2011 منهيان بذلك وقفاً لإطلاق النار دام 17 عاماً، وهذا ما أجبر الشركات على وقف التعدين، وفي سبتمبر/أيلول من العام الجاري ومع استمرار محادثات السلام سمحت الحكومة للشركات باستئناف عملها لكن معظم الشركات تؤخر حتى الآن مزاولة كامل عملياتها بسبب استمرار ارتفاع حدة التوتر، واليوم تم وضع نقاط تفتيش تعمل بصرامة على طول الطريق الوحيد المؤدي إلى باكنت، بلدة المناجم هذه محظورة على الأجانب خاصة الصحفيين منهم لكنني وجدت سائقاً يرغب بالمخاطرة وأخذني لهناك إذا ما أجزلت له العطاء، واتضح أخيراً بأنه مهرب هو الآخر.

الرائد/ مهرب للحجر الأخضر: يمكنني فعل ذلك، لطالما كنت مهرباً.

تعليق صوتي: سوف نسميه الرائد لأن هذه هي رتبته العسكرية في صفوف مجموعة ميلشيا كاتشين وهي مجموعة منشقة عن المتمردين وأصبحت تعمل الآن ضمن قوات حرس الحدود الحكومية، إنه ذاهب إلى باكنت من أجل صفقة تتضمن 80 طناً من الحجر الأخضر الخام، مسافة الرحلة بأكملها هي 100 كيلو متر فقط ولكنها يمكن أن تستغرق ما بين 8-12 ساعة أو حتى أطول من ذلك لأن الطريق سيئة للغاية، الرائد يقول إنه يقوم بهذه الرحلة عدة مرات في الشهر، سألته عن كمية الأحجار التي تباع بالطريقة رسمية.

الرائد: بعض الأحجار عالية الجودة تصل إلى سوق العاصمة الرسمي في نيبيدو، لكن معظمها تدخل السوق السوداء ليتم تهريبها إلى الصين.

تعليق صوتي: يقول لي إنه لا يواجه أية مشاكل في تجاوز نقاط التفتيش.

الرائد: فضباط الهجرة والشرطة ليست لديهم سلطة لتفتيشي.

تعليق صوتي: ويقول أيضاً إن الجيش على قائمة المدفوع لهم أيضاً.

الرائد: وعندما نهرب الأحجار بواسطة الشاحنات ندفع لقادة الجيش ريعهم.

تعليق صوتي: ويقول الرائد أيضاً إنه يقود قوافل شاحنات تهرب الأحجار الخضراء الخام إلى الصين وفي كل مرة يجنون ما قد يصل لـ 400 ألف دولار أميركي ويقول إن معظم الأرباح تذهب لرشوة قادة الجيش والشرطة في ميانمار على طول طريق التهريب والمتبقي يتقاسمه هو مع مجموعته شبه العسكرية وعندما يسدل الليل أستاره وبعد تجاوز 9 نقاط تفتيش ندخل المدينة المحرمة وينزلنا الرائد في وكر متفق عليه سلفاً، إذن هذا أول صباح لي في باكنت ولا يمكننا النزول في الفندق الوحيد في المدينة لأن عليهم أن يسجلوا بيانات كل نزيل عندهم ومن ثم إخبار السلطات بقائمة من ينزلون في الفندق، وعلي أن أبقى بعيداً عن الأنظار، أنا هنا في زيارة لشركة تعدين خاصة تمهيداً لاستئناف العمليات، اوتشو هو المدير هنا، لقد أراني هذا المخزن البدائي الذي يضم أحجاراً خضراء قديمة إنه يعرض أكثر من 100 طن من الأحجار للبيع بسعر تصفية يبلغ 700 ألف دولار.

أوتشو/ ممثل لثلاث شركات تعدين: لأن هذه الأحجار ليست ذات نوعية جيدة ونحن بانتظار المشتري.

تعليق صوتي: إن المشترين الصينيين الذين لهم صلات مع الشركات يأتون إلى هنا للشراء مباشرة بهدف التخلص من الوسطاء.

أوتشو: بعضهم يأتي من الصين.

تعليق صوتي: وهل هم هنا بصفة قانونية؟

أوتشو: بصفة غير قانونية، غير قانونية.

تعليق صوتي: أوتشو لديه ارتباطات مع كل من الحكومة وجيش الاستقلال الكيتشيني وكان ضمن فريق الوساطة في محادثات السلام، ويسعى طرفا النزاع لامتلاك حصة أكبر من الكعكة ولا يستطيعان الاتفاق على سياسات ضريبية جديدة، أوتشو لديه بصيرة نادرة بخفايا الأمور حول ما يدور وراء الكواليس.

أوتشو: الـ KIA مستاء من منح الحكومة في الماضي حقوق التنقيب عن الحجر الأخضر لبعض الشركات شملت عشرات الآلاف من الهكتارات، المقربون من الحكومة يحققون أرباحاً كبيرة ولكن معظم عائدات الأحجار الخام لا تذهب إلى الحكومة ولا إلى الـ KIA.

الفاسدون هم الفائزون

تعليق صوتي: يقول أوتشو إن الفاسدين هم الفائزون.

أوتشو: لقد خسرنا الكثير من الفرص لتطوير المنطقة رغم وجود احتياطات ثمينة من الحجر الأخضر في مقاطعة كيشتين، الحكومة تتجاهل المنطقة بسبب عمليات الـ KIA هنا ويبدو أن تفكير الحكومة يذهب إلى انه كلما نضب المزيد من احتياطيي الحجر الأخضر كلما زاد ضعف الـ KIA.

تعليق صوتي: أنا ذاهب لأجد لنفسي إطلالة أفضل لرؤية واحد من اكبر المناجم، وعلي أن ألتزم الحذر كي لا يراني أحد، يبدو أنهم يمهدون الأرض ويزيلون الطبقات السطحية استعداداً للتنقيب والحفر، وكل الدلائل تشير إلى انه بمجرد أن يبدأ الحفر فسيكون التعدين على نطاق هائل، أرى المئات من الناس يحتشدون حول نقطة واحدة، هؤلاء هم صغار ملتقطي الأحجار من باكنت وهم من الساعين لجني المال الذي يخاطرون من أجله بالروح وبالدم حيث يسرعون لتصفية وغربلة بقايا مخرجات المنجم مدفوعون بأحلام الثراء السريع.

إيف زاويلا/ باحث صغير عن الحجر الأخضر: عملنا خطر، رأيت حجارة متساقطة تكسر أرجل الكثيرين من الناس، بعضهم مات لأن النعاس غلبهم فتم إفراغ حمولة الحجارة عليهم وهم نائمون.

إيف أيك سان/ باحث صغير عن الحجر الأخضر: نحن نتنافس دائماً على أفضل الحجارة في أرض الكنوز هذه، ويتحول الأمر للعدوانية عندما تأتي تربة من مكان عثر فيه على كمية من الحجر الأخضر.

إيف زاويلا: أثمن حجر عثرت عليه بيع بـ 4000 دولار في يوليو/تموز الماضي، كان ذلك أفضل ما حصلت عليه حتى الآن.

تعليق صوتي: هذا هو أساس هذه الصناعة التي لم يتم تنظيمها بعد وقد تقاطر عشرات الآلاف من الباحثين الصغار من أنحاء ميانمار على هذا المكان بعد أن علقت الشركات الكبرى عملياتها في المناجم، يحصلون على حصة مما يعثرون عليه وغالباً ما يجنون 200-300 دولار شهرياً من أحجار عادية الجودة ولا يوجد من الأوراق الرسمية التي تسهل تتبع خط سير الحجر الأخضر بعدما يغادر أياديهم وهذا يعني أن من المحتمل تماماً أن يذهب إلى السوق السوداء وما لا يمكن للمرء رؤيته هنا هو تلك القوى السوداء التي تقف وراء عملهم المضني الذي يكاد يقصم ظهورهم.

إيف أيك سان: 75% من عمال المناجم في باكنت مدمنون على المخدرات.

تعليق صوتي: هذا الشخص يعترف بأنه واحد منهم.

إيف أيك سان: دولاران فقط في اليوم تكفي لسد حاجتي من المخدرات وهي تساعدني على تحمل المناخ القاسي والمطر والاستيقاظ مدة طويلة، كثير من عمال المناجم يستخدم المخدرات كنوع من الاستشفاء الذاتي.

تعليق صوتي: إنه يقول إن من السهل شراء مخدرات ممنوعة هنا خاصة الهيروين والياما وهو نوع من الميتافيتامينات، ولكي تعرف على حجم المشكلة أخذ أحد معارفنا المحليين كاميرتنا الخفية إلى إحدى أوكار المخدرات، وبعد ساعات سلمني صوراً صادمة عن أكشاك مكتظة بعمال مناجم يتعاطون مخدرات مقابل حفنة من الدولارات عن كل جرعة، داخل خيمة يتحادث بائع مخدرات مع زبونه عن مدمن شديد الإدمان يتردد على المكان.

بائع مخدرات: هناك رجل كان حده الأعلى 5 دولارات في اليوم ثم تحول بعد ذلك لتعاطي الميثادون والآن يأتي إلى هنا وينفق 10 دولارات لحقن نفسه بها من دون أن يشعر بشيء.

تعليق صوتي: 10 دولارات هي معدل الأجر اليومي يذهب كله هباء منثوراً، في الخارج رجال يحقنون أنفسهم علناً، في باكنت يروج تعاطي المخدرات والتهريب والفساد بيد أن تحقيقاتنا أثارت انتباه السلطات المحلية فحان وقت الرحيل، سنغادر قبل الضياء الأول لتفادي أول نقطة تفتيش عند المغادرة فهم لا يبدءون العمل مبكراً لأنهم يخافون مباغتة الـ KIA لهم والهجوم عليهم، لنرحل، أنا متوجه شرقاً لماتشين عاصمة مقطاعة كيتشن حيث أستطيع التحرك بحرية، أتنقل بالسيارة متجاوزاً أولى نقاط التفتيش متظاهراً بالنوم وبعد ذلك تحويلة على متن قطار بطيء لما تبقى من الرحلة، لقد رأينا الكلفة البشرية التي تصاحب تجارة الحجر الأخضر وأنا على وشك اكتشاف مداها الكامل، مركز إعادة تأهيل المدمنين في ماتشين كان افتتح في يوليو ويعالج فيه أكثر من 50 مدمناً كلهم تقريباً عملوا في مناجم الحجر الأخضر، وسائل إعادة التأهيل تقترب من كونها متشددة، البعض يؤتى بهم قسراً إلى هنا وهم مقيدون بالأصفاد ويجبرون على التوبة والمدمنون الذين يتعافون يرددون أغاني تعبدية مسيحية ولكل واحد منهم حكاية يرويها عن كيف أن التعدين غير القانوني يدمر حياتهم، هنا التقى أونغ كياو مو وهو منجم يعمل في المجال منذ 20 عاماً استعبده الإدمان.

أونغ كياو مو/ مدمن يتلقى العلاج: رئيسنا في العمل أعطانا الياما لكي نواصل العمل طيلة الليل وإذا ما عثرنا على الحجر الأخضر احتفظ بالوارد لنفسه وأعطانا المزيد من المخدرات، ثم عرفنا بعد ذلك على الهيروين، في البداية اعتقدنا انه دواء وبعد شهر أصبحنا مدمنين عليه لدرجة لم نعد نستطيع العيش بدونه، فصرنا نعمل بجهد أكبر للحصول على المزيد منه، لم نعد قادرين على كسر تلك الدوامة، لو كان طلب منا قتل نفس من اجل الحصول على المخدرات لفعلنا.

تعليق صوتي: أونغ هنا منذ أسبوعين وهو ما يزال يكابد آثار الإدمان، زوجته هجرته منذ بضع سنوات ودخل مركز إعادة التأهيل عندما اكتشف انه على وشك فقدان ابنه أيضاً.

أونغ كياو مو: ابني في الصف الحادي عشر وجاء بالمرتبة الثانية في امتحاناته، أردت رؤيته بشدة ولكنه لم يسمح لي بزيارة قسمه الداخلي، كان يشعر بالعار من شدة نحافتي بسبب إدمان المخدرات ولم يرد للآخرين أن يعرفوا أنني أبوه، كنت أعاني من الاكتئاب ولم أرد استمرار العيش بتلك الحال، فوعدته أن أتخلى عن المخدرات وأصبح رجلاً جديداً.

تعليق صوتي: يواجه الكثير من هؤلاء المدمنين صعوبة في النوم ليلاً فهم يتجمعون للغناء سوية لتمضية الوقت، مدير المركز وهو مدمن سابق يخبرني أن الكثير من عمال المناجم باكنت ينتهي بهم المطاف هنا.

ميو سنغ تاو/ مركز "أنقذوا الأمة" لإعادة التأهيل لمدمني المخدرات: المخدرات في كل مكان في باكنت والسبب وجود المال السهل في مناجم الحجر الأخضر.

تعليق صوتي: في ميانمار جرائم المخدرات عرضة لعقوبات قاسية قد تصل لحد الإعدام ويقول لا بد أن يكون الفساد منتشراً لكي تتوفر المخدرات بهذه الكثرة في باكنت.

ميو سنغ تاو: يتواطأ مسؤولو الحكومة مع رجال الأعمال لتهريب المخدرات، فهم يفتحون الطريق أمام تجار المخدرات ليمرروها عبر نقاط التفتيش لذا يزداد المدمنون عدداً ويزداد الرسميون الفاسدون ثراءً.

تعليق صوتي: وفي صباح اليوم التالي يشعر أونغ كياو مو بالتشويق وشيء من القلق، فعائلته ستزوره اليوم وهو يريد تعويض السنوات الضائعة وخاصة مع ابنه.

أونغ كياو مو: أصبح ابني أطول مني الآن.

تعليق صوتي: في آخر مرة التقوا فيها كان أونغ يكافح ضد الإدمان الذي مزق شمل عائلته، يأخذ أخته وابنه في جولة حول المركز ويشرح لهم كيف تغلب على عوارض آثار الإدمان.

أونغ كياو مو: كان الأمر صعباً للغاية، لم أستطع تناول أي طعام لمدة 12 يوماً، لم أستطع المشي وكان على قادة المعسكر وضعي تحت رشاش الماء للاستحمام.

نينغ لن/ أونغ كياو مو: كان يوسعني ضرباً إن لم يملك المال لشراء المخدرات، كان يسرق من البيت ويتشاجر معنا، كان الوضع محزناً للغاية.

تعليق صوتي: وعلى مدى سنوات تحمل مئات الآلاف من عمال المناجم من أمثال أونغ كلفة تجارة الحجر الأخضر، وقد كشف تحقيقنا النقاب عن 3 طرق تهريب على الأقل لتهريب الحجر الأخضر الخام بعد مغادرته باكنت لتصل للحدود المليئة بالثغرات بين ميانمار والصين، من ميتشن يتجه الطريق شرقاً وآخر جنوباً وكلاهما يمر ببلدات تجارة حدودية، وهناك طريق ثالث من ماندلاي متجهاً باتجاه الشمال الشرقي نحو موسي، وعبر حدود ميانمار تقع بلدة ريلي وهي جزء من منطقة تجارة حرة صينية تشتهر بتجار الجملة الذين يتعاملون بالحجر الأخضر والخشب الأحمر، وهنا تتمتع ميانمار بأكثر تجارتها رواجاً حيث سجلت في العام الماضي ما فاقت قيمته 3 مليارات من التعاملات التجارية، ريلي كانت المكان الذي سينتهي إليه الحجر الأخضر المهرب حسب ما قاله لنا مسؤول حكومي من وزارة المناجم في ميانمار لو أننا قبلنا عرضه في الدخول معه في صفقة تهريب.

هينين آي/ تاجرة جملة رويلي- الصين: معظم الأحجار هنا ربما يكون مصدرها غير قانوني.

تعليق صوتي: هينين آي هي إحدى تاجرات الجملة العديدات في ميانمار من الذين يعملون في تجارة الحجر الأخضر الخام في هذه البلدة الصينية، سألتها من هم مزودوها؟

هينين آي: لا أستطيع القول حقاً لأن الجميع ضالعون، جيش الاستقلال في كيتشن داخلون أيضاً في هذه التجارة لذا علينا أن نكون أصدقاء لهم أيضاً وعلي أن أتعامل مع ضباط سابقين في جيش ميانمار أيضاً، ومن الجانب الصيني فلا تستطيع عمل أي شيء إذا لم تملك المال لترشوهم به، لذا الصينيون والـ KIA والمسؤولون من ميانمار كلهم ضالعون وهذا ليس بالأمر الذي يقدر الناس العاديون على التعامل معه.

تعليق صوتي: وتدفع هنين آي لمزوديها 6000 دولار للطن فصاعداً اعتماداً على مدى جودة الحجر وستربح 8000 دولار من هؤلاء التجار الصينيين الذين سيشترون 18 طناً من الحجر الخام.

لو داتونغ/ تاجر حجر أخضر صيني: تصل بضاعتنا إلى كل المدن الكبيرة في الصين بالإضافة إلى هونغ كونغ وماكو وتايوان، لقد زرنا ميانمار بأنفسنا للحصول على خزيننا، والأجدر أن أقول المزيد وهناك شركة نقل وأصدقاء يحملون البضاعة إلينا، وفور وصول البضاعة إلى الصين لا يعد لازماً عليك أن تخشى كونها مهربة فهي قانونية كالعملة الصينية.

تعليق صوتي: قانونية وستساوي ثروة من المال بعد أن يتم نقشها وبيعها لجامع الحجر الأخضر من أمثال مينغ مينغرونغ أحد أقطاب قطاع العقارات في شنغهاي.

مينغ مينغرونغ: هذا أحد كنوزنا.

تعليق صوتي: كم يبلغ وزنه؟

مينغ مينغرونغ: 800 كيلو غرام والآن ربما 750 بعد نقشه.

تعليق صوتي: انه يرينا أقسام قصر عمره حوالي 100 عام يريد ترميمه وتحويله إلى مطعم والقطعة التي تزين مدخله منقوشة من الحجر الأخضر، كم يساوي ثمنها؟

مينغ مينغرونغ: حوالي 650 ألف دولار أميركي ثمناً لها.

استثمار يتجاوز العقارات

تعليق صوتي:انه مبلغ معقول مقابل هذه التشكيلة من 9 تماثيل منحوتة من الحجر الأخضر الميانماري، 5 ملايين دولار يعتبر ذلك صفقة رابحة.

مينغ مينغرونغ: في السنوات القليلة الماضية أثبت اليشمك أنه استثمار أكثر ربحاً بكثير من العقارات وربما ستزداد قيمته أكثر من 10 مرات في الثلاث إلى خمس سنوات القادمة، لا توجد الكثير من المناجم في ميانمار وبعد سنوات من تعدينه على نطاق واسع صار اليشمك نادراً وهذا هو السبب الأكبر وراء ارتفاع أسعاره.

تعليق صوتي: سألت إن كان يعلم أن الطلب الصيني على الحجر الأخضر يؤدي لتفشي المخدرات في قطاع التعدين في ميانمار؟؟

مينغ مينغرونغ: اليشمك ذو قيمة عالية أصلاً لهذا السبب يخاطر الناس بحياتهم، ربما يعيش عمال المناجم حياة صعب لكنهم لو عثروا على الحجر المناسب سيصبحون مليونيرات أو ربما حتى مليارديرات.

تعليق صوتي: وعودة إلى ميانمار حيث يجذب الحجر الأخضر المزيد من الرجال وفي مركز إعادة التأهيل يخطط اونغ كياو مو للعودة لحياة المناجم عندما يغادر هذا المكان في غضون 3 أشهر، ويقول هذه المرة سيكون الأمر مختلفاً.

أونغ كياو مو: سوف آخذ ابني معي وعندما أراه أمامي سأتذكر أن علي أن لا أتعاطى المخدرات وأريد أن أعلمه كل ما أعرف عن صنعة التنقيب عن الحجر الأخضر.

تعليق صوتي: لقد أقنع ابنه بالانضمام إليه ليبحث عن ثروتهما معاً، الخوف من حدوث انتكاسه له خوف حقيق لكن إغواء الحجر النفيس أكثر قوة.

نينغ لن: المخدرات في كل مكان في باكنت وإذا ما فقد السيطرة لمجرد مرة واحدة سيقع فريسة الإدمان مرة أخرى، لكن باكنت هي ارض الحجر الكريم و إذا ما استطعت العثور على حجر عالي النوعية سأصبح ثرياً، أريد أن أصبح ثرياً في أسرع وقت ممكن.

تعليق صوتي: حلم يشاركه فيه الكثير من عمال المناجم هنا، يبحثون عن الثروة من باطن الأرض فقط ليصابوا بلعنة جشع ابن آدم.