"أصبح قتل امرئٍ بسهولة ذبحِ دجاجة، لذا نَعدّ أيامنا طيلة الوقت.. وإذا استيقظ المرء من نومه في اليوم التالي فلْيشكر الله". هكذا يعيش الناس في غاريسا، بوابة الإقليم الشمالي الشرقي من كينيا، والتي كانت قبل الغزو الكيني للصومال من أكثر مدن البلاد أمنا، كما عرفت بالتسامح الديني.

وبالإضافة إلى أعمال القتل وانعدام الأمن الذي بات يطبع المنطقة، لا يملك 60% من سكان غاريسا بطاقات هوية لأنهم لم يزودوا بها يوما، ومع ذلك تعتقلهم الحكومة للاشتباه فيهم، بل إنها لجأت مع عجزها عن منع عمليات القتل أو القبض على مرتكبيها إلى أسلوب العقاب الجماعي.

عام 1998 قتل أربعة مسؤولين حكوميين رمياً بالرصاص في حانة بمدينة غاريسا من طرف مسلحين مجهولين. وعقب هذا الحادث ألقت السلطات القبض على العديد من المواطنين بينهم دوبود علي.

يروي علي لحلقة 8/1/2015 من برنامج "عالم الجزيرة" قصة اعتقاله قائلا إنه في تلك الليلة طُلب من الناس أن يخرجوا من بيوتهم، وإلاّ فسيندمون. لذا جاء كلّ سكان غاريسا إلى أحد الحقول وطوقوا وبقوا تحت وهج الشمس حتى الظهر. وحوالي الساعة الثالثة عصراً، قالوا إنّ بإمكان النساء أن يعدن إلى منازلهن.

لكن الذي حدث كان واحداً من أسوأ الأيام في تاريخ هذا الإقليم، حيث اغتُصبت كل النساء تقريباً من قِبل قوات الأمن ولا سيّما الجيش والشرطة.

ويضيف علي أنه لا يفهم حتى الآن ما الذي يجعل الحكومة تعاقب مجتمعاً بأكمله ومدينة بأكملها، ويشير إلى أن مستوى العنف الذي مارسه البيض في جنوب أفريقيا يفقد مغزاه بالمقارنة مع العنف الذي تعرض له قومه.

وإذا كان ما حدث في غاريسا مأساةً، فإن ما حدث في "وجير" في قلب إقليم الشمال الشرقي بعد خمس سنوات، طغا على كل فظائع الماضي. وأسمت الأمم المتحدة ذلك "أكبر انتهاك لحقوق الإنسان في تاريخ كينيا".

لقد عانى الإقليم من عنف بين العشائر، ولا سيّما بسبب الكلأ، وكان ردّ الحكومة عنيفا ضد الصوماليين، ففي يوم الجمعة العاشر من فبراير/شباط 1984 شن الجيش والشرطة حملة في وجير جُمِّع خلالها كل الرجال من قبيلة ديقوديا، التي حمّلتها الإدارة المحلية المسؤولية عن أعمال العنف. وجُلب الآلاف إلى مهبط الطائرات الجديد في واقلاّ، على مسافة 16 كيلومتراً من المدينة.

يقول يوسف إبراهيم، الذي كان معلماً بمدرسةٍ عام 1984وأدركته الحملة الأمنية، إن أول من حاول الهرب من هذا المكان كان شاباً ركض فأُطلق عليه النار ليفارق الحياة مباشرة. ويتذكر إبراهيم أن الضباط الذين كانوا يتولون التعذيب والقتل قالوا إنهم قصدوا أن يطلقوا النار على خنزير بّري.

إذلال واغتصاب
ويضيف أنهم تعرضوا للضرب والإذلال والتعرية والحرمان من الماء والطعام والظلّ، أمّا الشيء الذي يقشعرّ منه بدن أي إنسان فهو أنهم كانوا يرغمونهم على جمع ملابسهم ووضعها على ظهور أشخاص عراة ثم إضرام النار فيها.

محمد قوسار كان في بيته مع عائلته عندما جاء الجنود لإلقاء القبض عليه، يقول إنهم اغتصبوا زوجته وابنته أمام عينيه.

ويذكر أنه خلال مفاوضات استقلال كينيا عام 1962، وافقت بريطانيا على أن يكون لإقليم الحدود الشمالية الحق في تقرير مصيره، إن كان يريد أن ينضم إلى جمهورية الصومال الحديثة الاستقلال آنئذٍ أو أن يكون جزءا من كينيا.

ورغم تعهد بريطانيا بالاستماع إلى صوت الشعب، فإنها لم تكن راغبة في تقسيم البلاد بعيد استقلالها.

وقد رأى صوماليو كينيا في ذلك خيانة فظيعة، فرفضوا الإدلاء بأصواتهم بالانتخابات، ولم يجدوا بداً من حمل السلاح، وأيدتهم في ذلك إلى حدٍّ ما جمهورية الصومال. وكان ردّ الرئيس المنتخب حديثاً جومو كينياتا قاسياً، فقد أعلن الأحكام العرفية، وبمساعدةٍ من القوات البريطانية شنت كينيا حرباً على شعبها.

وكانت الأساليب التي اتبعها العسكريون هي الأساليبَ ذاتها، حبس جماعي لأبناء الريف بمعسكرات اعتقال من دون محاكمة، فضلا عن شيء لم يعترف به حتى البريطانيون علانية، وهو سياسة إطلاق النار بغرض القتل.

ويشكل الصوماليون حوالي 5% من سكان كينيا، أي ليس أكثر من قبيلة واحدة بين 42 قبيلة.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: معنى أن تكون صوماليا في كينيا

ضيوف الحلقة: عدة ضيوف

تاريخ الحلقة: 8/1/2015

المحاور: 

- انتهاكات خطيرة بحق الصوماليين

- لا بطاقات هوية لسكان غاريسا

- سياسة العقاب الجماعي

- مذابح جماعية وإذلال وتجويع

- تأثير أحداث إيستلي

مراسل صحفي: الحادي والعشرون من سبتمبر/أيلول عام 2013 أكثر الهجمات دمويةً على التراب الكيني منذ التفجير المدمّر الذي نفذته القاعدة على السفارة الأميركية عام 1998، أكثر من 70 شخصاً قُتلوا رجالاً ونساءً وأطفالاً ومئاتٌ جرحوا، الكينيون يتساءلون: كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ مجموعةٌ من رجالٍ مدجّجين بالسلاح من حركة الشباب التي يقاتلها جنودٌ كينيون في الصومال منذ عام 2011 اخترقت ما يُفترض أن يكون مبنى آمناً في قلب العاصمة، لم يكن هذا الهجوم مفاجئاً فمنذ عام 2011 شنّت حركة الشباب ومتعاطفون معها أكثر من 100 هجومٍ في البلاد، معظم تلك الهجمات حدث بعيداً عن سمع وبصر وسائل الإعلام العالمية في المنطقة الشمالية الشرقية التي أقطن فيها والتي تشترك مع الصومال في حدودٍ تُعرف بأنها مخترقة، ولكن بدلاً من أن يستنجد الجيش والشرطة الكينيان بسكان المنطقة ذات الأكثرية الصومالية تم اعتبار الصوماليين جزءاً من المشكلة، بالنسبة لنا هذا ليس جديداً ففي كينيا يُفترض أن تكون القبائل جميعاً سواسية لكن الواقع هو أنّ بعض القبائل لا تتساوى مع غيرها.

هذه هي غاريسا بوابة الإقليم الشمالي الشرقي من كينيا مدينتي، قبل 5 أشهرٍ من الهجمات التي شُنّت في نيروبي عُدت كي أستقصي عن تصاعد العنف، قبل الغزو الكيني للصومال كانت هذه الشوارع الأكثر أمناً في البلاد، هذا مثيرٌ للأعصاب نوعاً ما إذا جاز التعبير ومحزنٌ أيضاً للاضطراري إلى العودة إلى مدينتي أخيراً كي أنقل وقائع نزاعٍ وأعمال قتل وهو ما فعلته في مختلف مناطق إفريقيا، لم أشعر من قبل أنّ انعدام الأمن يجعل الأمور تبدو مختلفةً تماماً كلما نقلت وقائع أحداثٍ في أماكن أخرى كانت تراودني فكرة العودة إلى الديار على اعتبار أنها مأمونة وأنّ الجميع بخير لكن هذه الفكرة لم تعد موجودة.

يُشكّل الصوماليون حوالي 5% من سكان كينيا أي ليس أكثر من قبيلةٍ واحدةٍ بين 42 قبيلة، لقرونٍ خلت عشت حياة الرُّحّل في أراضٍ شبه جدباء في الشمال الغربي حيث ربيّنا الإبل والبقر والغنم، كان جدي يربي المواشي وقد نشأ والدي في تلك البيئة وكان يأتي بي هنا إلى السوق كي ألتقي بأعمامي وأبنائهم عندما كانوا يأتون إلى مدينتنا للتجارة، منذ صغري نمت المدينة إلى أن أصبحت أكبر المدن في شرق إفريقيا نتيجة عقدين من الحرب الأهلية داخل الحدود في الصومال والتي جعلت من غاريسا المكان الأكثر أمناً والأقرب مسافةً للبيع والشراء، إضافةً إلى أنها أفضل مكانٍ لمعرفة ما يحدث فعلاً في الصومال.

مراسل صحفي: ما تقييمك لأداء السوق؟

أحد الكينيين: يسود خوفٌ في السوق فمربو الماشية الذين كانوا يجلبون مواشيهم هنا مرعوبون وقد عزفوا عن السوق، وكما ترى فالسوق أشبه بحقلٍ مفتوح.

مراسل صحفي: على من تنحي باللائمة؟

أحد الكينيين: أحمّل المسؤولية لحكومتنا التي أرسلت قواتٍ إلى الصومال وتركت الحبل على الغارب لمقاتلي حركة الشباب كي ينكّلوا بنا.

انتهاكات خطيرة بحق الصوماليين

مراسل صحفي: سمّت الحكومة الكينية الغزو ليندا نتشي أي حماية الأمة باللغة السواحلية وذلك ردًّا على غارات حركة الشباب عبر الحدود، لكن هذا الجزء من الوطن لم تتم حمايته منذ عام 2011 وقع أكثر من 100 حادث عنفٍ في الإقليم، كثيراً ما استُهدفت الأقليّة غير الصومالية في غاريسا، قبل 3 أيامٍ من وصولي شُنّ هجومٌ آخر على مقهى صغير في شارعٍ بوسط المدينة ولا تزال آثار الطلقات باديةً بوضوح.

أحد الكينيين: في العام الماضي شُنّ هنا هجومٌ بقنبلة ومطلع هذا العام أُطلقت النار على ضابطين.

مراسل صحفي: لا تشعر بأمانٍ هنا؟

أحد الكينيين: لا نشعر بالأمن رغم أنّ مركز الشرطة لا يبعد أكثر من 300 متر، وقد أصبح قتل امرئٍ بسهولة ذبح دجاجة لذا نعدُّ أيامنا طيلة الوقت، فإن استيقظت وأنت على قيد الحياة غداً فاشكر الله.

مراسل صحفي: قبل 2011 كانت حوادث السيارات التي تقع بين حينٍ وآخر أسوأ ما يواجهه مستشفى غاريسا، إنّ ما يُزعج المرء هو أن يرى المكان الذي كان يُعالج فيه وهو طفل وقد تحول إلى مركز إخلاء، قُتل 9 أشخاص رمياً بالرصاص قبل عدة ليالٍ وجُرح أكثر من 20 مات أحدهم متأثراً بجراحه، نقل معظم الضحايا جواً إلى نيروبي ولم يبقَ من مدرسةٍ ثانويةٍ سوى صبيين، حُوصر جاكسون موتوّا في ركن مطعمٍ بينما حاول الزبائن الهرب وقد أُطلقت النار مراراً عليه فحطمت رصاصةٌ عظم ساقه اليُمنى.

جاكسون موتوّا: عندما استيقظت بعدما أُطلقت عليّ النار نظرت إلى ساقايّ فرأيتهما ملطختين بدماء من أُصيبوا بالرصاص وقد أُصيب بعضهم وتوفي آخرون.

مراسل صحفي: ما هو شعورك الداخلي تجاه هذا الهجوم عندما تتذكره؟

جاكسون موتوّا: أتألم، أولئك الأشخاص تنقصهم الإنسانية لأنني لا أرى مبرراً مقنعاً لإطلاق النار على أُناسٍ أبرياء لا ذنب لهم بتاتاً وقتلهم، إن كانت لدى المرء مشكلة فعليه أن يحلها مع الجهة صاحبة الشأن لا أن يصب جام غضبه علينا نحن المواطنين الأبرياء لأننا لم نمسهم بسوء.

مراسل صحفي: يتردّد على مقهى تشيغ عمالٌ كثيرون من مناطق كينيا الأخرى ولأنّ مشروباتٍ كحوليةً تُقدّم فيه فقد كان من المستبعد أن يكون فيه صوماليون لأن جُلّ الصوماليين مسلمون، لا يسع المرء إلا أن يُشبّه ما حدث بأعمال العنف الدينية في مناطق إفريقيا الأخرى ولعلّ هذا ما أراده الجُناة، لكن غاريسا عُرفت بالتسامح الديني وأئمتها يشاطرون أهل المدينة أحزانهم.

إمام مسجد: هذه مذكرةٌ اتفق عليها وجهاء المسلمين وعلمائهم في مدينة غاريسا ولاسيما بعد مقتل 9 أشخاصٍ الأسبوع الماضي، نحن نرفض ما يحدث ونستنكره بأشد العبارات وموقفنا هو أنّ هذا العمل يُخالف تعاليم الإسلام حيث يقول ربنا في محكم كتابه: { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}.

مراسل صحفي: هذه الصورة تثير بلبلةً لدى الغرباء والأجانب، مربو الماشية والتجار والسكان والأئمة جميعاً يشجبون هذه الهجمات ومع ذلك لا يتقدم أحدٌ لمساعدة الشرطة، لكننا إن أردنا فهم هذا التناقض الظاهري فلا حاجة لنا لئن ننظر بعيداً، عندما يقع حوادث من هذا القبيل تُغرق الحكومة المدينة بالشرطة ليست الشرطة المحلية فقط بل شرطة مكافحة الشغب التي تأتي بها من نيروبي، يعرف منفذو الهجمات ذلك ولذا فقد اختفوا من مدة تاركين السكان يواجهون الشرطة، وكثيرا ما يتصرفون كجيش احتلال.

أحد الكينيين: أنا لست من حركة الشباب أُقاتل فقط من أجل حقوقنا ككينيين.

مراسل صحفي: من الأشياء التي أحببتها في مدينتي الحيوية التي تدبُّ فيها عندما يحل المساء بطقسه المنعش، أما الآن فمنع التجوال يُلزم الناس بيوتهم عند الغسق حيث تخلو الشوارع من المارة فتقفز للذهن صورة العاصمة الصومالية المحفوفة بالمخاطر.

حسن آدو/ناشط: في الليل تمسي هذه المدينة كمقديشو تماماً بل إنّ مقديشو تعد أفضل حالاً، لأنّ غاريسا تخلو من الناس ليلاً ولا يظهر فيها شرطي ولا مدني.

لا بطاقات هوية لسكان غاريسا

مراسل صحفي: إذاً كيف تأثر سكان المدينة بانعدام الأمن وبأعمال القتل؟

حسن آدو: 60% ليست لديهم بطاقات هوية لأنهم لم يزودوا بها يوماً ولا يزال هذا هو الحال، وبالنظر إلى الأحداث الأخيرة أصبح الشبان في موقفٍ صعبٍ لعدم حملهم بطاقات هوية، لأنه إذا لم تكن لدى المرء بطاقة هوية فإنه يغدو أشبه بأجنبي وقد أدّى ذلك إلى اعتقال شبانٍ كثيرين اعتُقل بعضهم ولا ندري ما آل إليه حالهم حتى الآن.

مراسل صحفي: يُدرك السكان هنا التناقض الصارخ في موقف الحكومة التي تُخفق في إصدار بطاقات هوية لمواطنيها ثم تقوم باعتقالهم، ثم إنّ هذا ليس هو السبب الحقيقي للاعتقالات وحيث عجزت الحكومة عن منع عمليات القتل هذه أو القبض على الجُناة فقد لجأت إلى أسلوبٍ مجرّبٍ بالنسبة إلى إقليم الشمال الشرقي ألا وهو العقاب الجماعي، مع أنّ غاريسا نعمت بعقدين من الأمن قبل أعمال العنف الأخيرة الأسلوب مألوفٌ تماما لدى جيلي وجيل والديّ وجيل جديّ، كانت أول مرةٍ عرفت فيها ما يعنيه أن يكون المرء كينياً من الصومال عام 1980 حين كنت في الخامسة من عمري قُتل 4 مسؤولين حكوميين رمياً بالرصاص في حانةٍ بمدينة غاريسا على أيدي مسلحين مجهولين، في تلك الليلة جاءت الشرطة إلى حيّنا، هذا كان موقع منزلنا مرّت قرابة 30 سنة لكنني لا أزال أذكر لعبي مع أقراني في الشارع هنا، لقد قُضي تماما على جزءٍ من مجتمعٍ أفراده متآزرون تآزراً وثيقاً، كنا نغطُّ في نومٍ عميقٍ عند حوالي الساعة العاشرة ليلاً وفجأة أيقظتنا أصواتٌ صاخبةٌ لأُناسٍ هاربين بينما دبّت فوضى عارمةٌ حولنا، عندما هجرنا البيت لم يكن المكان كما هو الآن بل كان المنزل مبنياً من جدرانٍ طينيةٍ ومسقوفاً بالقش وعندما وقفنا خارجه رأينا خلقاً كثيرين يتراكضون في هذا الاتجاه وكان بعضهم يحمل صغاره بينما كان آخرون ينادون أسماء أبنائهم بصوتٍ عالٍ، ولما نظرنا في هذا الاتجاه رأينا وميضاً ينير السماء إذ كانت النيران مشتعلةً في معظم المنازل هنا، لم تكن الشرطة بعيدة وقد سمعنا أفرادها يصيحون ويطلقون نيران بنادقهم، ركضنا كما ركض غيرنا نجاةً بأنفسنا وأتذكر أنه كان يوجد بجانب منزلنا منزلٌ لأحد أصدقاء والدي وقد لاحظنا وجود جنودٍ فيه وبعض لحظات وأثناء هروبنا سمعنا الرجل يصرخ حيث أُطلقت عليه النار، على ما في الذكريات من حزن وأسى وبأن أجد نفسي هنا مرةً أخرى بعد طول غياب أراني غير قادرٍ على مغالبة الرغبة في أن أرى المكان الذي قضيت فيه سنتيّ عمري الأوليين، في هذه الأيام لا يجد أي ضيفٍ ترحاباً كما أنّ التغلب على شكوك المالك الحالي للمنزل يستغرق زمناً، غريباً أن أطلب إذناً كي أرى البقعة التي ولدت فيها.

مالكة المنزل: يكفي، يكفي هذا عُد أدراجك، لا لا لا أوافق.

سياسة العقاب الجماعي

مراسل صحفي: لكن مُنّ عليّ بلمحةٍ خاطفةٍ من المكان الذي عشت فيه قبل أن تغير السيدة رأيها، بعدما أُحرق منزلنا لم يُترك لوالديّ شيء لا تعويض ولا اعتذار، والأنكى أنّ الحكومة أعطت الأرض لشخصٍ آخر وتركتنا مُعدمين، يعلمون أنهم ليسوا المالكين الأصليين وأنّ الأرض ليست أرضهم أصلاً ولعلهم اشتروها ممن وضعوا يدهم عليها بعدما أُخرجنا ومع ذلك يعرفون الظروف التي حصلوا فيها على الأرض لذا أقول نعم إنّ الأمر مؤلم، تجربة فقدان كل ما تملك في تلك السن المبكرة أمرٌ يصعب وصفه، لقد شكّلت تلك التجربة بعضاً من ملامح شخصيتي، ولعل ذلك ما يدفعني للحديث عمَن قضوا نحبهم في النزاع، قضينا سنواتٍ عدة في سكنٍ مستأجر إلى أن وفّر والدي من المال ما يكفي لشراء قطعة أرضٍ أخرى، يشقُّ عليّ أن آتي المدينة دون الذهاب إليه مباشرةً لأراه كما كنت أفعل في السابق، لم يذهب والدي إلى مدرسةٍ أبداً لكنه أمضى عمره يعمل في بناء البيوت كي يوفر لي ولأخي ولأختي الفرص التي فاتته، وبعد أن كابد حياةً عمليةً شاقة يمكننا الآن أن نعتني به، لقد تلبّدت ذكريات والدي عن تلك الليلة مع مرور السنين لكن بعض تفاصيلها لا تزال واضحة.

والد المراسل: قُبِض علينا وأُودعنا السجن وبعد أن قضينا ليلةً فيه أُوقفنا في صفٍ صباح اليوم التالي تمهيداً لإطلاق النار علينا لكن شرطياً صومالياً يُدعى ديري هلولي أطلق رصاصةً في الجو وطلب أن يُخلى سبيلنا.

مراسل صحفي: بعد أن عدت ورأيت بيتنا قد تم إحراقه ماذا فعلت؟

والد المراسل: وما عساني أن أفعل كنت في السجن وقد فُرّق بيننا.

مراسل صحفي: نعم أتذكر لم نكن معاً في تلك الليلة.

والد المراسل: زرتني في السجن ولم تستطع أن تكف عن البكاء، تحمّلنا مآسٍ كثيرة تجاوزناها بحمد الله لكنني أخشى أن يعيدنا ما يحدث الآن إلى ما كنا عليه.

مراسل صحفي: أبي هل تعد نفسك مواطناً كينياً؟

والد المراسل: نعم بالتأكيد.

مراسل صحفي: ما الذي يجعلك تقول ذلك؟

والد المراسل: لقد قضيت عمري كله هنا ومع أنني لا أتكلم الإنجليزية والعربية فإنني أتكلم لغاتٍ كينية محلية عديدة، وعليه كيف لا يكون صوماليٌ يتكلم لغته كينيا؟

مراسل صحفي: موقف والدي من الهوية بسيط فطالما تكلم اللغة المحلية فهو كيني، ملعب المدرسة الذي اعتُقل فيه معظم سكان المدينة في يومٍ من أيام الصيف الكيني القائظ هو الآن ملعبٌ محليٌ لكرة القدم، دوبد علي الوجيه الموقر كان في عمر هؤلاء الفتيان عندما أُلقي القبض عليه في تلك الليلة بعد مقتل 4 مسؤولين حكوميين.

دوبد علي: كانت هناك سيارتا لاند روفر عسكريتان رُكّبت عليهما مكبرات صوت طولب الناس من خلالها بالخروج من بيوتهم وإلا ندموا لذا جاء كل سكان غاريسا إلى هذا الحقل الذي نقف فيه الآن وقد طوقنا وبقينا تحت وهج الشمس الحارقة حتى الظهيرة وحوالي الساعة الـ3 عصراً أخلوا سبيل النساء فعدن إلى منازلهن، ظننا عند العصر أنهم أفرجوا عن النساء كرماً منهم لكن ذلك كان واحداً من أسوأ الأيام في تاريخ هذا الإقليم حيث اغتُصبت كل النساء تقريباً من قِبل قوات الأمن ولاسيما الجيش والشرطة، وهكذا أمضينا الليل هنا، وفي اليوم التالي أطلقوا سراحنا على ما أظن قرابة الساعة الثالثة عصراً بعدما توفي عدة أشخاص، لم تُخضع الحكومة البريطانية عصيان الماو ماو لما أُخضع له الصوماليون وكذلك لم يفعل ذلك الرئيسان دانيل أرب مويو جومو كينياتا.

مراسل صحفي: لا أفهم حتى الآن ما الذي يجعل الحكومة تعاقب مجتمعاً بأسره ومدينةً بأكملها؟

دوبد علي: الحكومة لم تكن حكومتنا لم يكن علينا واجب الولاء لها لأننا لم نكن جزءاً منها، لم يكن منا وزراء فيها ولم يكن منا مسؤولٌ كبيرٌ واحدٌ في جهاز الدولة، كان الوضع أشبه بادّعاء حكومة بريتوريا أنها تحمي المواطنين السود.

مراسل صحفي: ومع أنّ تشبيه ذلك الوضع بوضع جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري وبمعاملة بريطانيا لمقاتلي الماو ماو الاستقلاليين في كينيا وقد لا يبدو معقولاً فإنّ مستوى العنف الذي مارسه البيض للاحتفاظ بالسلطة في النصف الثاني من القرن العشرين يصغر أمام العنف الذي تعرض له قومي، لكن الحرب بين صومالي كينيا والحكومة الكينية التي يُشار إليها تحقيراً بعبارة شفتا أي حرب العصابات تبقى أحد النزاعات الإفريقية المنسية، كانت هذه المنطقة دائماً خاضعةً للبريطانيين الذي سموها إقليم الحدود الشمالية وحكموها حكماً غير صارمٍ على الإطلاق، لقد اعتبروا الصوماليين جنوداً يعوّل عليهم لكنهم تابعون غير صالحين، وإذا أراد صومالي أن يعبر نهر تانا إلى كينيا كان عليه أن يطلب إذناً، وهكذا فإنّ إقليم الحدود الشمالية كان من عدة نواحٍ بلداً قائماً بذاته، خلال مفاوضات استقلال كينيا عام 1962 وافقت بريطانيا رغم المعارضة القوية من القادة الكينيين على أن يكون لإقليم الحدود الشمالية الحق في أن يقرر إما الانضمام إلى جمهورية الصومال المستقلة حينئذٍ أو أن يكون جزءاً من كينيا وقد أوجدت اللجنة التي أوفدوها جواً من التأييد الكاسح للانضمام إلى الصومال، ورغم تعهد بريطانيا بالاستماع إلى صوت الشعب لم يكن البريطانيون راغبين في تقسيم البلاد عشية استقلالها، رأى صوماليو كينيا في ذلك خيانةً فظيعة فرفضوا الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات ولم يأبهوا باحتفالات الاستقلال في نيروبي البعيدة، لم يجدوا بُدًّا من حمل السلاح وأيّدهم في ذلك إلى حدٍ ما جمهورية الصومال، كان رد الرئيس المنتخب حديثاً جومو كينياتا قاسياً فقد أعلن حالة الطوارئ وبمساعدةٍ من القوات البريطانية نفسها التي قمعت انتفاضة الماو ماو شنّت كينيا حرباً على شعبها، كانت الأساليب التي اتبعها العسكريون هي الأساليب ذاتها حبسٌ جماعيٌ لأبناء الريف في معسكرات اعتقال بدون محاكمة فضلاً عن شيءٍ لم يعترف به حتى البريطانيون علانية وهو سياسة إطلاق النار بغرض القتل، قُتل آلافٌ وقُضي على الماشية فاضطُر كثيرون للهجرة إلى المدن الأمر الذي أفضى إلى تغيير نمط الحياة إلى الأبد في الإقليم الشمالي الشرقي، ديكاو ماليم سامبول كان أحد قادة الكفاح من أجل الاستقلال.

ديكاو ماليم سامبول/أحد قادة الكفاح: أُحمّل نفسي كقائدٍ المسؤولية لأنني قدت الثورة لكن المسؤولية تقع فعلاً على عاتق الحكومة الكينية وحكومة بريطانيا لأنهما تجاهلتا إرادة الشعب.

مراسل صحفي: هل تظن أنك كنت على صواب وأنه لو استُمع إليك لاختلف الموقف؟

ديكاو ماليم سامبول: حتى لو لم نُطالب بالانفصال عن كينيا وقبلنا أن تحكمنا كينيا لم تكن الخلافات القائمة بيننا لتسمح لنا بالاندماج حقاً، وحتى لو استسلمنا دون قتال فإنّ نفس المشاكل الحالية كانت ستحيق بإقليم الشمال الشرقي، الحل الوحيد كان يكمن في السماح للمنطقة بالانفصال عن كينيا والانضمام إلى شعبنا في الصومال وتمني الخير لكينيا، لم تكن لدينا رغبةٌ في أن نفسد على كينيا استقلالها.

مراسل صحفي: انتهت الحرب رسمياً عام 1967 عندما توسطت تنزانيا في توقيع اتفاقٍ بين كينيا والصومال، توقف الدعم المادي والمعنوي من الصومال لم يترك لصوماليي كينيا بديلاً سوى الاستسلام، عرضت الحكومة الكينية مخلفات الحرب بينها وبين صوماليي كينيا أمام الكاميرات لكنها لم تُلغِ الأحكام العرفية، ولم تنسَ الحكومة الكينية أيضاً ما اعتبرته خيانةً من مواطنيها الصوماليين وهو ما ظهر في غاريسا بعد 13 سنة، دأبت الحكومة على الادّعاء بأنه لم يُقتل أحد في عملية عام 1980 ولم يُسرق شيءٌ من أحد ولم تُغتصب امرأة لكن الروايات الشعبية المحلية تتحدث عن إلقاء جثثٍ في نهر تانا في تلك الليلة وأنّ القتلى كانوا بالمئات، إن كان ما حدث في غاريسا يُعد مأساة فإنّ ما حدث في وجير في قلب إقليم الشمالي الشرقي بعد 5 سنوات طغى على كل فظائع الماضي، الأمم المتحدة سمّت ذلك أكبر انتهاكٍ لحقوق الإنسان في تاريخ كينيا وهذه ليست مبالغة.

[فاصل إعلاني]

مذابح جماعية وإذلال وتجويع

مراسل صحفي: هذا هو الطريق الذي يربط بين أكبر مدينتين في إقليم الشمال الشرقي من كينيا غاريسا ووجير، رمزٌ دامغٌ لانعدام التنمية وغياب الاهتمام من جانب الحكومات المتعاقبة، من الغريب أن هذه البنية التحتية الضعيفة حمت وجير من كثيرٍ من العنف الذي حاق بغاريسا ومع ذلك عُرفت هذه المنطقة عام 1984 بافتقارها إلى الأمان، لقد عانى الإقليم من عنفٍ قبلي داخلي ولاسيما بسبب الكلأ الذي يعد محدوداً جداً حتى بمقاييس إقليم الشمال الشرقي، كان المطر مدراراً هذا العام أما في ثمانينيات القرن الماضي فقد فاقمت موجات القحط المتتابعة المشكلة كما زادها سوءاً تدفق الأسلحة من الصومال، تأسيًّا بالبريطانيين سعت الحكومة الكينية جاهدةً إلى فهم تعقيدات المماحكات القبلية وكان ردها على العنف المتصاعد هو تجريد القبائل من أسلحتها حل عملي ومعقول لكن مذبحة غاريسا قبل ذلك بأربع سنوات وازدراء الحكومة والشرطة والجيش للصوماليين كانت له تبعاتٌ قاتلة، يوم الجمعة..

يوم الجمعة العاشر من فبراير/ شباط عام 1984 شنّ الجيش والشرطة حملة في وجير جمّع من خلالها كل رجال قبيلة ديغوديا التي حملتها الإدارة المحلية المسؤولية عن أعمال العنف، جيء بالآلاف إلى مهبط الطيارات الجديد في واغالا على مسافة ست عشر كيلو مترا من المدينة لأنه كان المكان المسيج الوحيد الذي يكفي لإستيعابهم، من بقي على قيد الحياة عاد إلى هذا المكان على مضض، يوسف إبراهيم كان معلما في مدرسة حكومية عام 1984 أدركته الحملة الأمنية فأُرغم بتهديد السلاح على الانبطاح.

يوسف إبراهيم: أول من حاول الهرب من هذا المكان كان شابا ركض في هذا الاتجاه، تمكنت من رفع رأسي ومتابعة ما يحدث وعندما أوشك على تجاوز السياج أطلقت عليه النار وأتذكر أن رجال الأمن الذين كانوا يتولون التعذيب والقتل قالوا إن جثته ستكون طعاما للضباع، فارق الشاب الحياة خارج السياج مباشرة.

مراسل صحفي: قبل أن يُخلى سبيلك لأنك موظف حكومي، ما أسوء ما رأيته هنا؟

يوسف إبراهيم: الإذلال والضرب والتجريد من الملابس والحرمان من الماء والطعام والظل، أما المشهد الذي كان من شأنه أن يقشعر منه بدن أي إنسان عادي فمشهد إضرام النار بملابسنا بعد إرغامنا على جمعها ووضعها على ظهور أشخاص عراة، جغرافيا أشعر بأني كيني هذا جغرافيا، أما إن أردت الحق فلا اعتقد أن ثمة وجود للعدالة في كينيا.

مراسل صحفي: يوسف وأمثاله الذين كان بإمكانهم إثبات أنهم موظفون حكوميون أفرج عنهم في اليوم التالي قبل أن تتحول أعمال التعذيب إلى مجازر، كان معظم المحتجزين مع ذلك رعاة ماشية وعمالا عاديين من المدينة ويعد ما لاقوه من معاملة عند اعتقالهم ومن ثم حشرهم في مهبط الطائرات من أبشع فظائع القرن العشرين، محمد قوسار كان في بيته مع عائلته عندما جاء الجنود لإلقاء القبض عليه.

محمد قوسار: ابنتي الكبرى راحت تبكي فأمسك بها جندي وألقى بها أرضا ثم قال لها: أنتِ تعانين من جوع جنسي وأنا اعرف علاجك ومن ثم اغتصبوا زوجتي وابنتي أمام عيناي.

مراسل صحفي: ما الذي كان يحدث في مهبط الطائرات عندما وصلت؟

محمد قوسار: جلسنا جميعا ونحن عراة تماما، كان الموقف مهينا وغير إنساني لم يتوقفوا عن ضربنا ضربونا طوال النهار.

مراسل صحفي: ما أسوء ما رأيت؟

محمد قوسار: كان لي أربعة أخوة جميعهم قضوا نحبهم هناك كلهم، أصغرهم كان يتيما ربيته أنا بنفسي لقد حزوا حلقومه أمامي.

مراسل صحفي: كيف نجوت من المذبحة؟

محمد قوسار: عند غروب الليلة الخامسة جاءوا بشاحنات شرطة وأوقفوها في صف واحد كان الدم ينزف من كل أنحاء جسدي، نُقلنا في شاحنة إلى الغاب وتركنا هناك، تمكنت من العودة إلى الطريق وكنت أتعثر أثناء سيري بجثث القتلى، جثث الهاربين بعد أن دهستهم شاحنات غير التي جاءت بهم.

مراسل صحفي: من الذي أنقذك من هناك؟

محمد قوسار: واصلت المسير حتى التاسعة صباحا، جاء إلينا أناس من المنطقة التي وصلنا إليها لكنهم ولّوا مدبرين ساعة رأونا، كنا عراة وقد ظهرت على أجسادنا آثار ضربٍ مبرح، ما من أحد له قلب استطاع أن ينظر إلينا، وعندما أصبحنا على مسافة ستة كيلومترات من واجير التقينا بنساء كن يبحثن عن ناجين ويحملن طعاما وماءا فأنقذننا.

مراسل صحفي: رغم تعذيب الآلاف وقتلهم فقد تم التعتيم على ما حدث بسبب عزلة واجير وعندما تكشفت التفاصيل بعد ذلك بشهر أكدت الحكومة بصفاقة أنه قتل سبعة وخمسون رجلا خلال عملية لنزع سلاح القبائل، لا يستطيع أحدٌ أن يقدر عدد القتلى بدقة من المؤكد أنه تم قتل المئات وربما جاوز العدد ألفا لكن الجيش كان فعّالا على نحو وحشي في إخفاء كل أثر للجثث لم يتسرب من واجير سوى صور قليلة تعد دليلا صامتا على الفظائع التي اقترفت، ومع ذلك لاذت الشرطة والحكومة بالصمت ولكي أحصل على إجابات حول ما حدث في إقليم الشمال الشرقي في ذلك الوقت وحاليا تعين عليّ التوجه إلى العاصمة نيروبي لا يزال سكان الإقليم الذي أنتمي إليه يشيرون إليه بعبارة الذهاب إلى كينيا، نيروبي بوتقة تنصهر فيها قبائل كينيا الاثنتان والأربعون ويفترض أن تكون بوتقة من المساواة كان الترويج لفكرة الوحدة أحد أهم أهداف قادة كينيا منذ الاستقلال، يحمل مبنى البرلمان الشعار الوطني الذي رفعه الرئيس الأول جومو كينياتا وهو هرمبي الذي يعني باللغة السواحلية معا، لكن تماثيل العاصمة تحكي قصة أخرى مختلفة، إنهم يُجلون الشخصيات الكبيرة التي مارست سلطة مطلقة منذ الاستقلال، كينياتا الذي يتولى ابنه أوهورو الرئاسة حاليا واراب موي الذي أشرف على تعزيز دولة الحزب الواحد على مدى عقدين بعد وفاة كينياتا عام 1978 والذي لم يتحرج في جعل الرونغو أو الهرّاوة القبلية رمزا لسلطته، موي كان الرئيس عندما أحرق بيتي عام 1980 أما المسؤول عما لحق بأهل غاريسا هو جي جي كاريوكي وزير داخلية موي الذي لا يتورع عن المجاهرة بالعداء وهي مسؤولية ما فتئ ينكرها.

جي جي كاريوكي/وزير داخلية موي: أنت تنظر إلى الأمور كصومالي فتقول إن شعبك يقتل بسبب الأراضي لكن عليك أن تتساءل عمّا إذا كنت محقا فيما تسأل عنه، ولو أن الناس لم يحملوا السلاح لما استعملت الحكومة السلاح ضدهم.

مراسل صحفي: لكن كان هناك عقاب جماعي واغتصبت نساء وقتلن كما قتل أطفال وأُحرقت منازل.

جي جي كاريوكي: ما أراه هو أنني أجد مشكلة لدى الصوماليين من أمثالك، إذ لم تكونوا صادقين مع أنفسكم أبدا، أود أن أطرح عليكم بضعة أسئلة: كيف تضعون الأطفال والنساء في زاوية ما كي تعالجوا مشكلة العصابات؟ العصابات التي تكذب متذرعة بالأبرياء، كيف تفعلون ذلك؟ عليكم أن تحلوا هذه المشكلة ولكن هل سيسمح لكم أفراد العصابات بأن تفعلوا هذه الأشياء وهم الذين يأتون ليلا فيهاجمون ثم يهربون، لكن عليكم أنتم الذين لديكم كومبيوترات أن تداوموا على نقل الرسالة، لماذا تخدعون أهلكم؟ عليكم أن تبلّغوهم بالحقيقة.

مراسل صحفي: عام 1980 زرتَ غاريسا، وحينها نقلت الصحيفة اليومية في عددها الصادر يوم الحادي عشر من نوفمبر تشرين الثاني عام 1980 نقلت عنك قولك عندما كنت في الطائرة شاهدت بيوتا محترقة لكن لا بد من الإشادة بقواتنا على ما تحلت به من انضباط.

جي جي كاريوكي: قالت القوات إن رجال العصابات أحرقوا تلك البيوت أثناء تقهقرهم وذلك أسلوب يتبعه المقاتلون غير النظاميين.

مراسل صحفي: أنا كنت من ضحايا مذبحة غاريسا وأتذكر أنني لم أر في تلك الليلة أي عصابات لم أر إلا جنودا، رأيت جنود الحكومة يضرمون النار في منزلنا ويقتلون جيراننا.

جي جي كاريوكي: يقتلون من؟ كم مات من الناس؟

مراسل صحفي: كثيرون، كثيرون قتلوا عندما عثر عليهم في ذلك اليوم وأيضا في الليل.

جي جي كاريوكي: متى كثيرون أمّا عندما تُسأل هل تتحمل وزرهم؟

مراسل صحفي: الجثث كانت ترمى في نهر تانا فكيف عدُّها؟

جي جي كاريوكي: هذه دعاية مغرضة لو حدث ذلك لعلمته؛ صدقني.

مراسل صحفي: أتقول أنه لم يمت أحد.

جي جي كاريوكي: قتل عدد كبير لكن ليس ما تتحدثون عنه.

مراسل صحفي: لطالما وددت مقابلة جي جي كاريوكي لأسأله عما حدث في تلك الليلة المشؤومة من نوفمبر تشرين الثاني عام 1980 واستمع إلى رده ودفاعه المستمر حتى يومنا هذا، اعتقد أنه لا يزال يتستر على ما اقترفته الحكومة، لا أصدق جُلَّ ما يقول لا أصدق، إن ما يزيد من صعوبة تصديق هذه المواقف الآن هو الافتراض أن كينيا قد تغيرت، في عام 2007 أثبت العنف الذي أعقب الانتخابات المشوهة مدى عمق النزاعات القبلية في هذا البلد، عندما استقرت الأوضاع وتشكلت حكومة مصالحة وطنية بُذلت محاولة للتصدي للعنف السياسي الذي ساد ماضي كينيا، وكان من ضمن أجزاء هذه العملية المتكاملة لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة على غرار ما حدث في جنوب إفريقيا، بالنسبة لضحايا الشفته أو ما سمي حرب عصابات اللصوصية ومجزرتي غاريسا ووجير كان ذلك أول إقرار رسمي بمعاناة هاتين المدينتين، محمد علمي وهو الآن سياسي كان في عام 1984 أحد من هبوا لمساعدة الناجين من مذبحة وجير.

[شريط مسجل]

محمد علمي/سياسي: ما رأيته وما لا يزال محفورا في ذهني إلى اليوم كومة من الجثث على يميني وشخصان عاريان يحملان جثة أخرى كي يُلقياها فوق الكومة.

مراسل صحفي: سرعان ما تبدد أي اعتقاد في الشمال الشرقي بأن مشاكل الماضي على وشك أن تُعالج أخيرا، ففي أكتوبر عام 2011 غزت قوات كينية الصومال فأثارت رد فعل دموي من جانب حركة الشباب المحسوبة على تنظيم القاعدة التي كانت تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد، كانت تلك المرة الأولى التي يعبر فيها جنود كينيون حدود دولتهم غاضبين وتبين أنها كانت مغامرة مكلّفة.

بيلو كيرو/عضو مجلس مانديرا: لم تكن مكلّفة ماليا لهذا البلد فحسب بل كانت مكلّفة أيضا من حيث إننا لم نتمكن من معالجة تبعات الغزو، فما أن عمدت كينيا إلى ملاحقة الجماعات الإرهابية في الصومال حتى هاجمت تلك الجماعات كينيا، وقد رأينا بعد الغزو خطورة تلك الهجمات ولاسيّما في إقليم الشمال الشرقي في مقاطعات مانديرا ووجير وفي غاريسا.

مراسل صحفي: كيف أثر ذلك في تغيير البيئة السياسية في البلاد؟

تأثير أحداث إيستلي

بيلو كيرو: تزايد التوجس خيفة من الصوماليين في البلاد، ففي بعض المناطق مثل نيروبي كان يعتدى على الصوماليين نقمة كلما وقع انفجار في إيستلي أو في المدينة أو أي مكان آخر.

مراسل صحفي: كصوماليين نحن مذنبون أيضا لتحيّزنا القبلي، إبّان الحقبة الاستعمارية كنا نرى أنفسنا متميزين عن القبائل الأخرى في كينيا وقد ناضلنا كي نصنف بأننا آسيويون لا أفارقة كالهنود والعرب المقيمين في أفريقيا، لقد كانت مَزيّة مريبة دفعنا ثمنها غاليا وكان علينا أن نسكن هنا في إيستلي وهي منطقة من العاصمة كانت مخصصة آنذاك للآسيويين، مثل كثير من الصوماليين كان هذا أول مكان وصلت إليه في نيروبي عندما جئت للدراسة، عندما اندلعت الحرب الأهلية في الصومال عام 1991 كانت إيستلي الملاذ الطبيعي لكثير من العائلات التي فرت من القتال فأطلق عليها اسم مقديشو الصغيرة، وقد آوت كينيا أيضا نصف مليون صومالي آخرين في مخيم داداب للاجئين بين غاريسا والحدود الصومالية، وإذا أضفنا هذا إلى غزو عام 2011 وذكريات الشفته أو حرب عصابات اللصوصية حسبما سميت تكوّن لدينا مزيج مدمر، في أفضل الأحوال ينظر إلينا كأناس مشكوك في ولائهم وفي أسوء الأحوال ينظر إلينا على أننا من حركة الشباب، تجسد هذا التشكك في الثامن عشر من نوفمبر عام 2012 عندما فجرت حافلة محملة بالكينيين في ضواحي إيستلي ألقى الناس القبض على شاب صومالي وأوسعوه ضربا وخلال دقائق دارت معارك في أنحاء متفرقة بين الصوماليين وغير الصوماليين، فذكّرتنا أعمال النهب والضرب والاغتصاب الفظيعة بضآلة ما تغير في موطني، ومما أثار حُنق سكان إيستلي تدخل الشرطة المتأخر بعد أن حل البأس ووقعت الفأس في الرأس، وكحال سكان غاريسا قاسى سكان إيستلي من العنف ومن سلبيات الشرطة الكينية التي رأت في المشكلة شأنا صوماليا، لماذا لم يتحقق أي نجاح حتى الآن ولماذا لم تعتقلوا حتى الآن أحدا ممن يرتكبون جرائم القتل والتفجيرات؟

تشارلز أوينو/متحدث باسم الشرطة: ذلك لأن الصوماليين منغلقون ولا تنسى أن هؤلاء الناس ينتمون إلى مجموعة واحدة وسواء أكان المقصود صوماليا من كينيا أو صوماليا من الصومال فهؤلاء أخوة ينتمون إلى مجتمع واحد.

مراسل صحفي: سيد أوينو أنت تعرف تاريخ هذه المنطقة لقد ارتكبت مجازر من قِبَل مسؤولين أمنيين حكوميين وبالنظر إلى ذلك وإلى العقاب الجماعي الذي كان قائما في البلاد ومستمرا في القرن الحادي والعشرين ألا يعد هذا استمرارا لسياسات الماضي الفاشلة؟

تشارلز أوينو: عليك أن تسأل نفسك لماذا تتحدث عن كل هذه المذابح نحن لم نسمع إدانة بعد مقتل موظف الجباية، الكينيين في تلك المنطقة هؤلاء لم تقتلهم الشرطة بل ذبحهم الأهالي، لم نسمعكم تتحدثون عن مذابح ارتكبت بحق الشرطة على أيدي سكان المنطقة لذا فإن ما تقوله كذب ومبالغة وعليه فإنه من غير اللياقة أن تُحمّلوا الحكومة وزر أعمال وحشية ارتكبها سكان المنطقة.

مراسل صحفي: ليس جميع سكان غاريسا من قتلوا أفراد الشرطة أولئك؟

تشارلز أوينو: اسمح لي اسمح لي ليس جميع سكان غاريسا من قتلوا أفراد الشرطة، لكن من قتلوهم بعض من سكانها والقتلة هم من سكان غاريسا ولهذا السبب نتحدث عن الصراحة والمكاشفة، ما من أحد على الأقل يدين الصوماليين كوحدة واحدة.

مراسل صحفي: ها أنت تدينهم؟!

تشارلز أوينو: كلا، كلا من المهم أن ننتبه إلى ما يقال لقد قلت إنهم من أفراد هذه الفئة من السكان وباعتباري ضابط شرطة ومسؤولا عن تطبيق القانون فإن من واجبي أن احمي أهل غاريسا وقد فعلنا ذلك ولم نقصر.

مراسل صحفي: بعد يوم من أعمال شغب إيستلي اندلع العنف مرة أخرى في غاريسا، أُطلقت النار على ثلاثة جنود كينيين في ضواحي المدينة فأُردوا قتلى عندما أوقفوا شاحنتهم لتغيير إطارها المعطوب، وخلال ساعات كانت مدينتي تحترق مرة أخرى ليس صدفة أن هدف انتقام الجيش كان سوق غاريسا المركزي، القصة ذاتها عقاب جماعي والنتائج ذاتها، بعد خمسة أشهر عاد إلى السوق سقفه على الأقل، هذا هو مدخل السوق الذي يسمى السوق المظلم والذي يأتي إليه آلاف من سكان غاريسا طلباً للرزق، لم يتلق التجار أي تعويضات فتعمقت المرارة.

أحد الباعة: أُحرق السوق تماما وعوقب الناس، بل إن بعضهم قُتل في ذلك اليوم.

مراسل صحفي: بعد كل ما وقع لك هل تشعر بأنك كيني؟

أحد الباعة: أنا كيني وما من أحد يستطيع أن يثنيني عن ذلك، أنا كيني لكن القوات المسلحة التي أُسيء استخدامها تسببت في ذلك كله، لم نتلق كلمة اعتذار لم يأتينا أحد للاعتذار عما حدث لنا لم يُترك لنا شيء.

مراسل صحفي: هذه المرأة فقدت كل شيء في الحريق والآن لم يعد لديها أي شيء، كانت تبيع أدوات منزلية في كشك، ففقدت ما يعادل عشرة آلاف دولار والآن تقول إنها تبيت وهي تتضور جوعا لأنه ليس لديها ما تكسب به قوت يومها.

في اليوم التالي انفجر غضب الناس وشعورهم بالإحباط إزاء الجيش والشرطة، حاول عبد الله برّي وهو أحد أصدقائي الحميمين منذ الطفولة وموظف حكومي، حاول أن يُهدئ المحتجين قضى متأثرا بجراحه عندما أطلق الجيش النار على الجمهور كان في الثالثة والثلاثين من العمر، ترك أمه الأرملة أيضا كي ترعى أبناءه الأربعة اليتامى.

والدة عبد الله برّي: كان في المدينة عندما بدأ إطلاق النار فتفرق الناس في كل اتجاه، رفع يديه وهو يصيح في الشرطة والجيش قائلا: أرجوكم كفوا عن إطلاق النار فأردوه قتيلا عامدين متعمدين، كنت في البيت عندما تلقيت نبأ إطلاق النار لم أتوقف عن الركض إلى أن وصلت إليه وهو في سرير المستشفى، كان مثخنا بالجراح فلم يبق على قيد الحياة سوى ليلة أخرى، توفي الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم التالي.

مراسل صحفي: هل جرت أي تحقيقات وهل أُتهم أي أحد بقتله؟

والدة عبد الله برّي: لم يحاكم أي أحد على مقتله.

مراسل صحفي: عندما تعاودك ذكراه ما أكثر ما تفتقدينه فيه؟

والدة عبد الله برّي: لا أستطيع التعبير عن خسارتي بالكلمات وحتى مجرد الحديث عنه يثير لدي آلاما يصعب تحملها.

مراسل صحفي: هذا ليس إلا..، هو بالضبط ليس إلا مثالا على الطريقة..، على الطريقة التي..، ليس إلا مثالا على الطريقة التي نُعامل بها في بلد ندعوه وطننا.

بعد خمسة أشهر وجدت نفسي أنقل وقائع الهجوم على مجمع ويست غيت التجاري في نيروبي، مزيد من الأرواح أُزهق بالعنف، كمواطن كيني تابعت هذه المشاهد بشعور من الرعب وكصومالي كيني خشيت من ردود فعل معادية، سعى الرئيس أوهورو كينياتا لئن يطمئننا إلى أن البلاد موحدة ويسودها التسامح.

[شريط مسجل]

أوهوروا كينياتا/ الرئيس الكيني: كأسرة وطنية واحدة ندرك معا الفرق بين الإرهاب والإسلام.

مراسل صحفي: آمُل أن يكون هذا صحيحا وأن يولد خير من رحم هذه المأساة الفظيعة وأن نتمكن في نهاية المطاف من تجاوز تشككنا في بعضنا البعض، آمُل بعد ما مرت بنا خمسون سنة على هذه الحال أن يتحقق حُلم الاستقلال، وأن نكون أمة واحدة الجميع فيها كينيون.