سلطت حلقة الأحد (7/9/2014) من برنامج "عالم الجزيرة" الضوء على معضلة تلوث الهواء في الصين، بعد أن زادت أعداد أصغر الجسيمات المنقولة جوا وأكثرها فتكا إلى أكثر من أربعين ضعفا عن معدلات السلامة الموصى بها.

وتوضح الحلقة التي حملت اسم "هواء الصين العقيم"، أن نوعية هواء العاصمة بكين ساء بشكل كبير في الأعوام الأخيرة، وأن النصف الأول من العام لم يشهد سوى يومين من كل خمسة أيام اعتبر هواؤهما صحيا.

وأشارت إلى أنه خلال يناير/كانون الثاني الماضي ارتفع التلوث إلى معدلات مرعبة، وغلّفت المدينة أجواء ضبابية، وأسدل عليها غطاء كئيب من عوادم السيارات والغازات المنبعثة من المصانع.

وألمحت الحلقة إلى أن الطبيعة الجغرافية لبكين -التي تحيط بها الجبال- تعوق أي قدرة لهواء المدينة على الانتقال من وقت لآخر إلى داخل البحر، ولذلك فإن إحدى المشكلات هي أن هذه المواد الملوِّثة الأولية تمتزج مع الهواء وتبقى مكانها.

أحد الاستطلاعات أظهر أن 80% من الصينيين يعتقدون أن حماية البيئة أكثر أهمية حاليا من التنمية الاقتصادية، وقد لاقت محاولات عدة لبناء مشاريع صناعية جديدة معارضة قوية

أرقام مفزعة
وأوردت الحلقة إحصائيات خطيرة تشير إلى أن الهواء السام يصنف رابعا من بين أهم مسببات الوفيات في الصين، وأن دراسة حديثة أحصت أن تلوث الهواء كان سببا من بين أسباب موت مليون ومائتي نسمة موتا مبكرا عام 2010.

وتطرقت الحلقة إلى تأثير الهواء الملوث على الجهاز التنفسي، مشيرة إلى أن استمرار هذا النوع من الطقس سيلحق الكثير من الأضرار بالناس الذين يعيشون ويعملون في بكين، منها مرض سرطان الرئة.

وأشارت إلى ارتفاع نسبة انتشار المرض والوفيات الناجمة عن مشاكل تنفسية -بما فيها سرطان الرئة- التي ازدادت في السنوات الأخيرة.

واستعرضت المخاطر التي يتعرض لها الصغار بسبب الجو الضار بالصحة، حيث توصل أحد الأبحاث إلى أنه يمكن لمستويات عالية من الهواء الملوث أن تسبب ضررا دائما للرئة لدى الأطفال، وأن التعرض لها أثناء فترة الحمل يمكن أن يؤدي إلى الاصابة بالقلق والكآبة ومشاكل تشتت الانتباه.

وأوضح أن الآباء القلقين على أبنائهم لا يسمحون للأطفال باللعب خارج المنزل أو باحة المدرسة، بينما تلغي مدارس النشاطات الخارجية والرحلات الميدانية عندما ترتفع معدلات التلوث.

وعلى صعيد المدارس، فقد اتخذ بعضها إجراءات استثنائية بتأمين مكان لعب للأطفال، كمدرسة بكين الدولية -ومعظم تلاميذها من أبناء الدبلوماسيين والمهنيين المغتربين- التي شيدت صالات ضخمة مغلقة يتم تنقية هوائها، لكي يحصل الأطفال على استجمامهم اليومي.

وأظهرت الحلقة تململ الجمهور الصيني من الظاهرة، إذ بيّن أحد الاستطلاعات أن 80% من الصينيين يعتقدون أن حماية البيئة أكثر أهمية حاليا من التنمية الاقتصادية، وقد لاقت محاولات عدة لبناء مشاريع صناعية جديدة معارضة قوية.

وعرضت الحلقة تجربة الناشط المدافع البيئي ما جون الذي تخلى عن مهنته في الصحافة لاستهداف خطوط إنتاج الشركات المسببة للتلوث، والعمل على تشكل الوعي لدى كثيرين من سكان الصين البالغ عددهم مليار وثلاثمائة مليون.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: الهواء السام.. المسبب الرابع للوفاة في الصين

ضيوف الحلقة:

-   ما جون/مدافع عن البيئة

-   زهي شيواي/طبيب أخصائي بسرطان الرئة

-   هوانج وي/حركة السلام الأخضر في شرق آسيا

-   لي بو/جمعية أنا أهتم

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 7/9/2014

المحاور:

-   عقود من التصنيع غير المنضبط

-   طفولة داخل البيت في الصين

-   خطة لفرض قيود على استخدام الفحم

-   قاعدة بيانات للشركات المسببة للتلوث

تعليق صوتي: تكتم سحابةٌ سامّة أنفاس بيجين، يتلاشى أفق المدينة خلف حجابٍ كبريتي وما ينبغي أن يبدو هكذا، بات يبدو غالباً على هذا النحو، فالأجواء غير الاعتيادية أصبحت هي السائدة في كثيرٍ من مدن الصين لأنّ تبعات اندفاع الصين المحموم نحو التطوّر تضرب البلاد.

ما جون/مدافع عن البيئة: لا ينبغي لأي مظهرٍ من مظاهر التنمية أن يحدث على حساب صحّة الناس، فإن وقع ذلك فالسؤال الأساسي الذي يجب طرحه هو ما الغاية من كل هذه التنمية إن كان الناس يدفعون صحتهم وحياتهم ثمناً لكل هذا الاستهلاك المادي.

تعليق صوتي: ساءت نوعية هواء بيجين بشكلٍ كبير في الأعوام الأخيرة، فالنصف الأول من العام لم يشهد سوى يومين من كل 5 أيام اعتُبر هوائهما صحيّاً، ففي شهر يناير ارتفع التلوث إلى معدلاتٍ مرعبة، فقد غلّفت أجواءٌ ضبابيةٌ المدينة وأُسدل عليها غطاءٌ كئيب من عوادم السيارات والغازات المنبعثة من المصانع، زادت أعداد أصغر الجسيمات المنقولة جواً وأكثرها فتكاً إلى أكثر من 40 ضعفاً عن معدلات السلامة الموصى بها وتمّ تحذير السكان بالبقاء داخل منازلهم، أُطلق على الضباب الدخاني اسم مرثية الهواء.

ما جون: تحيط الجبال بيجين ونظراً لطبيعة هذه المنطقة الجغرافية فإنّ هواء المدينة ليس له أي قدرةٍ على الانتقال إلى داخل البحر، وتمتزج هذه المواد الملوثة الأولية مع الهواء وتبقى مكانها.

عقود من التصنيع غير المنضبط

تعليق صوتي: لكنّ الهواء السام ليس مقتصراً على بيجين فحسب فعقود من التصنيع غير المنضبط تغيّر نمط حياة الناس وطريقة تنفّسهم في أنحاء الصين المختلفة.

ما جون: أعتقد أنّ دولاً أخرى كثيرة واجهت هذه المشكلة، لكنّها أكثر خطراً الآن في الصين ونظراً لحجم الصناعة الضخم وعدد السكان الهائل، فذاك يعني مزيداً من انبعاث الغازات ومزيداً من التلوث ومزيداً من الناس الذين سيتعرضون للتلوث.

تعليق صوتي: يُصنّف الهواء السام رابع أهم مسببات الوفيات في الصين.

زهي شيواي/طبيب أخصائي بسرطان الرئة: هل دخّنت قبل العملية؟

المريض: قطعا لا.

زهي شيواي: متى توقفت؟

المريض: منذ اليوم الخامس من هذا الشهر.

تعليق صوتي: أحصت دراسةٌ حديثةٌ أنّ تلوث الهواء كان سبباً من بين أسباب موت مليون ومئتي نسمة عام 2010 في الصين.

زهي شيواي: لتلوث الهواء تأثيرٌ كبير على الجهاز التنفسي وإذا استمر هذا النوع من الطقس فستلحق الكثير من الأضرار بالناس الذين يعيشون ويعملون في بيجين منها مرض سرطان الرئة، فنسبة انتشار المرض والوفيات الناجمة عن مشاكل تنفسية بما فيها سرطان الرئة ازدادت في السنوات الأخيرة.

تعليق صوتي: الصغار هم الأكثر حساسيةً للجو الضار بالصحة وقد توصّل أحد الأبحاث إلى أنّه يمكن للهواء الملوث أن يُسبّب ضرراً دائماً للرئة لدى الأطفال وأنّ التعرّض لها أثناء فترة الحمل يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالكآبة ومشاكل تشتت الانتباه.

زهي شيواي: يؤدي الأطفال يومياً تمارين صباحية وأخرى أثناء الدروس لتجديد نشاطهم المدرسي، هم يقطعون مسافةً طويلة سيراً على الإقدام للوصول إلى المدرسة، هم لا يستطيعون تجنّب الهواء الملوث كما أنّ ارتداء كمامة قماشية ليس وسيلةً لحل المشكلة.

تعليق صوتي: بواعث القلق الصحيّة هذه تُغيّر نمط حياة جيلٍ كامل، لا يرغب القلقون من الآباء في السماح لأطفالهم باللعب خارج المنزل أو باحة المدرسة بينما تُلغي بعض المدارس النشاطات الخارجية عندما ترتفع معدلات التلوث، بعض المدارس اتخذت إجراءات استثنائيةً بتأمين مكان لعب الأطفال، مدرسة بيجين الدولية ومعظم تلاميذها من أبناء الدبلوماسيين والمهنيين المغتربين شيّدت صالاتٍ ضخمةً يتم تنقية هوائها لكي يحصل الأطفال على استجمامهم اليومي. في أستوديو في بيجين يتلقى الطفل شنغهو ذو الثلاثة أعوام درساً في الرسم وتقول والدته إنّه يُعاني من صعوباتٍ في التنفس ونادراً ما يستمتع بأيامٍ مشمسة.

الوالدة شاكيجو/أم شينغهو: قبل أشهرٍ قليلةٍ من عيد ميلاده الثاني مرض لفترةٍ من الوقت، تعاملت مع الحالة على أنّها زكامٌ عادي إلى أن انقطع تنفسه في أحد الأيام وأخذ يلهث على نحوٍ سيءٍ للغاية، وبعد أن عاينه الطبيب شخّص على الفور إصابته بمرض الربو وأخبرني أنّ ابني يُعاني من اضطرابٍ حقيقي في التنفس.

تعليق صوتي: تفاقمت نوبات ربو شينغهو وتكررت، أصبحت زيارات المستشفى روتينية، جرّبت عائلته الطب الصيني والغربي أملاً بعلاجه.

الوالدة شاكيجو: يزداد قلقي أكثر وأكثر بشأن ابني، فبيئة الطقس الحالية تجعل البالغين يشعرون بالضيق، ولذلك فإنّه تحدٍ حقيقي لفتى مريض مثله قلبه ضعيف وجهاز تنفسه معتل.

طفولة داخل البيت في الصين

تعليق صوتي: مثل كثيرٍ من الأطفال الصينيين في بيجين، يواجه شينغهو احتمال أن يقضي بقية طفولته داخل البيت.

الوالدة شاكيجو: أساساً لن أسمح له بالخروج من المنزل في أيام الشتاء ما لم يكن الطقس طيباً ومشمساً بعد رياحٍ قويةٍ في بيجين، وسآخذه من أجل حمامٍ شمسي لفتراتٍ قصيرة وهي نادرة جداً، وعندما يكون الطقس سيئاً سأختار له مكاناً داخلياً ليُمارس نشاطاته ولن أرسله إلى روضة الأطفال خاصةً في الأيام شديدة التلوث، سأبقيه في المنزل. أشعر بالأسى لمرضه ولا أدري ماذا أفعل، اشتريت كمامات جيدة النوعية العام الماضي، لكن حتى الراشدين لا يريدون العيش في عالمٍ من الكمامات فما بالك بالأطفال، أُفكر بتغيير عملي في غضون عامٍ أو عامين فعلى الرغم من أنّ لدي عملاً جيداً حالياً فإنّني سأتخلى عنه من أجل ابني، إنّ نوعية الهواء والبيئة أهم لطفلي من أشياء أخرى كنوعية التعليم مثلاً.

تعليق صوتي: إنّها معضلةٌ تواجه الكثير من آباء أطفالٍ صينيين صغار، وهي كيف يحمونهم من مخاطر بيئيةٍ دون عزلهم عن الأصدقاء والنشاطات، الطفل مالايا ذو الخمسة أعوام بدأ الذهاب إلى الروضة في بيجين وهو عالمٌ منفصلٌ عن هواء جبال الهمالايا التي سمّي مالايا تيمُّناً بها، كمعظم الأطفال في سنّه فإنّ مالايا لا يُحب الجلوس ساكناً لفترةٍ طويلة، وبالنسبة لوالدته فإنّ إبقاءه حبيس المنزل ليس خياراً.

أم مالايا هنريك: لست مستعدة لتقليص أنشطة مالايا الخارجية بسبب مشكلة الهواء، ما أفعله هو أخذه للجبل للعب كلما كان ذلك ممكناً فالهواء هناك أفضل بكثير ويمكنه القيام بتمارين كافية، فصحة الأطفال لها علاقةٌ كبيرةٌ بالتمارين.

تعليق صوتي: في أيام الهواء النظيف يبدو مالايا ورفاق صفه غير متأثرين بالتلوث، لكن عندما يعود الضباب الدخاني يعود أيضاً السعال والتنفس بصعوبة وزيارات المستوصف، إنّها بيئةٌ لا تستطيع والدة مالايا تحملها.

أم مالايا هنريك: تستطيع أن ترى أطفالاً كثيرين يسعلون، فبعضهم لا يستطيع النوم جيداً ليلاً بسبب السعال، ثم تلتهب رئاتهم فيتعيّن عليهم مراجعة الطبيب، لكنّ للمضادات الحيوية آثاراً سيئةٌ على الأطفال، ولذلك فإنّ الطريقة الوحيدة لحل المشكلة هي الفرار من التلوث.

تعليق صوتي: كثيرٌ من الآباء ممن لديهم خيارٌ يختارون المغادرة، يعتزم هنريك وبيتينا برويسدوف العودة إلى ألمانيا، كانا قد قدما وأبنائهما إلى بيجين قبل 4 سنوات ونصف، عندما قامت شركة الاتصالات التي يعمل فيها هنريك بنقله، لكنّ ابنهما ميرتين الذي كان في 16 من عمره وقتئذ بدأ يسعل ويُصاب بضيقٍ في التنفس وما لبثت الأمور حتى اتجهت نحو الأسوأ.

هنريك برويسدوف/والد ميرتين: كان أحد الأيام سيئاً بشكلٍ خاص، تلقيت مكالمةً هاتفيةً أثناء ساعات دوامي في المكتب، كانت الرسالة الأصلية تفيد بأنّه يُعاني مشكلةٍ في التنفس، لكنّ الرسالة التي تلقيتها أفادت أنّه توقّف عن التنفس لذلك كنت مذعوراً حقاً، انطلقت إلى المدرسة التي تبعد نحو 20 دقيقةً عن مكتبي وكان لا يزال يتنفس لكن بصعوبةٍ وبألم وعلى نحوٍ خطيرٍ للغاية.

تعليق صوتي: بعد ذلك وفي الأيام شديدة التلوث كانت العائلة تُبقي ابنها في البيت، في فصله الدراسي الأخير تغيّب ميرتين عن 25% من حصصه الدراسية.

بيتينا برويسدوف/أم ميرتين: بالنسبة لي كانت أسوأ الأيام عندما أرسلناه إلى المدرسة، وكان التلوث يزداد وانتابني قلقٌ من احتمال تعرضه لنوبةٍ مرضية فجلست إلى جانب الهاتف أنتظر.

تعليق صوتي: يقول هنريك إنّ مشاكل ابنه الصحيّة أقنعته بعدم تجديد عقد عمله في بيجين، عاد أولاده إلى ألمانيا وسيلحق بهم قريباً مع زوجته.

هنريك برويسدوف: إنّ مجرّد فكرة العيش في مكانٍ يتعيّن عليك تنقية الهواء فيه قبل أن تتنفسه ليست سوى فكرةٍ سيئة، بالنسبة للقاطنين في بيجين أعتقد أنّ الوضع صعبٌ للغاية، أما بالنسبة لنا فهو سهلٌ إلى حدٍّ ما، نحن نستطيع الرحيل فقد كان العمل والسكن هنا مجرّد تجربة، نحن لدينا خيار المغادرة أما القاطنون هنا فلا يستطيعون.

تعليق صوتي: حتى العام الماضي ما كان بمقدور معظم الصينين الاطلاع على منشوراتٍ تتعلّق بأخطر نوعٍ من التلوث كانوا يستنشقونه وهي PM2.5 في آخر المطاف وافقت الحكومة على نشر بياناتٍ عن هذه المادة، حالياً يمكن لأي شخصٍ يقتني هاتفاً نقالاً أن يعرف بمستويات التلوث بلمسة زر، وبينما يستطيع معظم قاطني المدينة اكتشاف حجم التلوث في الهواء، قلّةٌ منهم فقط لديه فكرةٌ واضحة عن ما يدخل رئاتهم فجسيمات PM2.5 صغيرةٌ للغاية وهي أدقّ بنحو 30 مرة من الشعرة. أجرت حركة السلام الأخضر في شرق آسيا تجربةً مطلع العام لترى على نحوٍ دقيق ما الموجود في الهواء وبدعمٍ من كلية الصحة العامة في جامعة بيجين زوّدت حركة السلام الأخضر عدّة متطوعين بجهازٍ يُحفّز التنفس البشري والتقطت أكثر الجسيمات المتناهية في الصغر في مُرشّحة.

هوانج وي/حركة السلام الأخضر في شرق آسيا: الناس يودون حقاً معرفة ما يُودي بصحتهم ومعرفة ما الموجود في الجسيمات الصغيرة، وعليه أجرينا بحثاً في هواء بيجين لنكتشف ما الحُبيبة الخطرة الموجودة في هذه الجسيمات وما هو مصدرها؟

تعليق صوتي: ارتدى كل متطوعٍ الجهاز لعدّة أيام، ثم أُرسلت المُرشحة إلى مختبرٍ للتحليل، كانت النتائج مخيفة وحسب السلام الأخضر فإنّ الهواء في أيام التلوث المرتفع احتوى على مزيجٍ مسرطنٍ من الزرنيخ والرصاص والزئبق والسيلينيوم. قرّرنا إجراء تجربتنا الخاصة بنا سألنا متطوعنا هنري هو وهو نادلٌ من إقليم سشوان يعمل في حانة إن كان سيوافق على ارتداء جهاز اختبارٍ للهواء خلال أعماله الروتينية في أيام عطلته.

هنري هو/نادل: نظراً لطبيعة عملي فإنّني في العادة أنام نهاراً وأعمل ليلاً، لكنّ وقت فراغي أُمضيه مع أصدقائي وأحياناً نركب الدراجات معاً، أحياناً أُعاني من مشكلةٍ في التنفس وأنفي جافٌ دائماً وعلي أن أرتدي كمامةً أثناء توجُّهي إلى العمل لكنّ الهواء جيدٌ داخل الحانة، أستطيع البقاء هنا لعامين آخرين أو ثلاثة، لكن إن بقي الحال على ما هو عليه فسأعود إلى مسقط رأسي الهواء هناك أكثر نقاءً والتنمية أفضل.

تعليق صوتي: بعد يومين من اختبار الهواء أعدنا الجهاز إلى المختبر، كانت النتائج مقلقة، هذا ما يدخل رئتي الشخص في أقل من 48 ساعةً في الأيام شديدة التلوث في بيجين، كانت النتيجة صدمةً لهنري.

هنري هو: إنّه قذرٌ جداً، مستحيل.

تعليق صوتي: اتخذت بيجين خطواتٍ متواضعةً لتقليص تلوث الهواء، وضعت قيوداً على السيارات وقامت بترحيل معظم الصناعات الثقيلة إلى إقليم هيبي المحيط بالمدينة، لكن حتى عهدٍ قريب لم تكن هناك مساعٍ ملموسة لتقليل الاعتماد على الفحم المسؤول الرئيسي عن تلوث الهواء، قدّر تقريرٌ للدوتش بانغ أنّ تلوث الهواء سيصبح أسوء في العقد القادم بنحو 70%.

هوانج وي: إنّه يؤثّر في نوعية الحياة ونعتقد أنّ الحل واضح وأنّه ينبغي على الحكومة أن تحلّ مشكلة استخدام الفحم، لا أحد يُحبّذ أن يعيش في تلوث الهواء هذا 20 عاماً، الناس لا يستطيعون الانتظار لتلك المدّة.

خطة لفرض قيود على استخدام الفحم

تعليق صوتي: في شهر سبتمبر أعلنت الحكومة عن إستراتيجية جديدةٍ لتقليص المادة المجهرية في الهواء في العاصمة بنسبة 25% خلال الأعوام الأربعة القادمة، تفرض الخطة بعض القيود على استخدام الفحم وإنتاج الفولاذ وتتطلّب إنهاء استخدام المركبات المسبّبة للتلوث المرتفع، أصبح الجمهور الصيني والذي يتزايد وعيه يوماً بعد يوم متململاً بسبب تدهور بيئته المحلية، بيّن أحد الاستطلاعات أنّ 80% من الصينيين يعتقدون أنّ حماية البيئة أكثر أهميةً حالياً من التنمية الاقتصادية، جُوبه عددٌ من المحاولات لبناء مشاريع صناعيةٍ جديدة بمعارضةٍ قويّة. يُطلق على كولمنج العاصمة الإقليمية لإقليم يونان في جنوب غربي الصين اسم مدينة الربيع الصرمدي، حسب رابطة أصدقاء الطبيعة الصينيين فإنّها تتميّز ببيئةٍ نوعيةٍ هوائها هو الأفضل في البلاد، هي نوعيةٌ أو ميزةٌ يحرص السكان كل الحرص على حمايتها، في شهر مايو دفعت خططٌ لبناء مشروع مصفاةٍ للنفط في مقاطعةٍ مجاورة آلافاً من سكان كولمنج للخروج إلى الشوارع، أعرب المُحتجّون عن قلقهم إزاء تقاريرٍ بأنّ المصفاة ستنتج كمياتٍ ضخمة من مادة بركسلين الكيميائية المسرطنة، لم تتدخل الشرطة ومع نهاية اليوم ألقى رئيس البلدية كلمةً في الحشد واعداً بالاستماع إلى مطالبهم والتحاور معهم.

لي بو/جمعية أنا أهتم: السبب الرئيسي وراء هذه الاحتجاجات هو غياب الشفافية الحكومية في صنع القرارات بشأن مشاريع صناعيةٍ حساسة، وهناك مشاركةٌ شعبيةٌ ضئيلةٌ لأُناسٍ لم يعلموا شيئاً عن تلك المشاريع عندما اتُخذ القرار، هل المشاركة الشعبية الضئيلة مبررةٌ علمياً؟ ليس لدى الناس أدنى فكرة.

تعليق صوتي: وفي حين يمكن أن يبدو الاحتجاج بادئ الأمر نصراً للمناداة بالمكاشفة الشعبية، شنّت الشرطة بعد انتهائه حملةً على المعارضة وراقبت تحركاتها، يقول نشطاء إنّ الحكومة لم تفِ بوعودها بالتشاور مع الجمهور قبل المُضيّ قُدماً في المشروع.

لي بو: لم نُعارض صناعة البتروكيميائية لأنّنا فقط لم نُحبّها، عند إنشاء مشاريع هامة في المجتمع والتي تستخدم بشكلٍ خاص الوقود الأحفوري ينبغي أن تكون هناك فرصٌ أكثر لمشاركة الجمهور وعلينا إجراء مزيدٍ من النقاش، لا يمكن أن يكون الأمر مجرّد صندوقٍ أسود بعد الآن.

تعليق صوتي: لا يحتاج سكان كولمنج إلا للنظر خارج حدود المدينة لتبرير مخاوفهم، فقرية دا آو الواقعة شمال غربي المدينة محشورةٌ بين معملين للتيتانيوم يخنقان البيوت بضبابٍ فتّاك حسب ما يقول السكان.

وانغ/قروي: عندما يسير الناس في القرية يُغطي الجميع أفواههم إنّه لأمرٌ سيءٌ للغاية وبالنسبة للأطفال العائدين من المدرسة إلى منازلهم فإنّهم يصيحون لبعضهم البعض اركضوا اركضوا الضباب الدخاني السامُّ قادم، ثم يتوارى الناس داخل منازلهم ومع ذلك يمكننا أن نشم رائحة الدخان الخانق.

تعليق صوتي: يقول القروي وانغ تشانغ مين إنّ ابنته أُصيبت بسعالٍ مزمن وأنّ أحد جيرانه تُوفي جرّاء إصابته بسرطان الدم بعد عامٍ من افتتاح المعامل، ناشد السلطات المحلية بإغلاق المعملين لكنّ شيئاً لم يتغيّر حسب قوله.

وانغ: إنّها مسألة وقتٍ قبل أن نموت ليس إلا، سنموت هنا لست فزعاً  من أن أتعرّض للضرب أو أن أُودع السجن.

تعليق صوتي: يتصدّى الصينيون أكثر فأكثر للاجتياح الصناعي، والحكومات التي لا تأخذ بعين الاعتبار بواعث القلق البيئية في خططها التنموية تُجازف بإثارة ردود فعلٍ شعبية.

ما جون: أعتقد أنّ كل هذا الضغط الشعبي دفع في نهاية المطاف الحكومة لأن تتخّذ القرار بأنّه على بعض المناطق التي تسعى لتحقيق نموها الاقتصادي على حساب نوعية الهواء أن تتوقّف ويجب أن تُغيّر مسارها.

تعليق صوتي: قد يكون ما جون من أكثر النشطاء البيئيين تأثيراً في الصين، هو صحفيٌ سابق تخلّى عن مهنته لاستهداف خطوط إنتاج الشركات المسببة للتلوث.

ما جون: في البداية شعرت أنّه ليس بمقدوري عمل الكثير، لكنّني أحسست أنّه يُمكنني نشر هذه المعلومات ونشر هذه الرسالة بين مواطني، فمهما كانت المشكلة فإنّ تشكّل الوعي لدى كثيرين من سكان الصين البالغ عددهم ملياراً وثلاثمئة مليون شخص فإنه لا تزال لدينا فرصة لإحداث تغيير.

قاعدة بيانات للشركات المسببة للتلوث

تعليق صوتي: بدأ ما بمشروع طموح وهو جمع قاعدة بيانات وطنية عن الشركات المسببة للتلوث فتّش في سجلاتٍ رسمية على جميع المستويات الحكومية ووضع في آخر الأمر قائمة لمئات الآلاف من المخالفات.

ما جون: وضعنا جميع هذه المعلومات في قاعدة بيانات خريطتنا للتلوث في الصين، ووفرنا حرية إطلاع الجمهور عليها، ما اكتشفناه أنّه عندما حصل الناس على تسهيلات الاطلاع هذه فإنّ الشركات التي اعتادت على دفع غرامات دون حل مشكلاتها بدأ بعضها يشعر بوطأة الضغط.

تعليق صوتي: دفع هذا الضغط بعض العلامات التجارية متعددة الجنسيات إلى تنظيف سلسلة الشركات المزودة لها، يتبنى ما اليوم المنهج نفسه لتحقيق هدف اعتُبر فيما مضى خارج نطاق القيود وهي المشاريع العملاقة المملوكة من الدولة، إنّها محاولة تنطوي على مخاطر أكثر من غيرها لكن ما يصر على أنّها خطوة عليه أن يخطوها.

ما جون: أحياناً نعاني من بعض الضغوط الشديدة للغاية وفي تلك اللحظات نتشكك في جدوى ما نفعله فما الذي يجعلني أتخلى عن عملي المعتاد لأبدأ مزاولة ما أقوم به الآن، لكن في غضون ذلك تتجدد حيويتي باستمرار لأنّه سُنحت لنا فرصة لإجراء تحقيقنا الميداني، شاهدت في تلك الوديان كيف عانى الناس من انبعاث الغازات في الماء والهواء وأحياناً شاهدت كيف عانى الضحايا على فراش الموت، وكم أرادوا حقاً حلاً للمشكلة.

ما جون: هل يبدأ معمل الفولاذ بحلول الظلام؟

أحد الصينيين1: لا يعمل معمل الفولاذ هذه الأيام لقد أُوقف العمل، المصانع التي تعمل هي مصانع المعادن الصغيرة، الغبار يخنق القرويين ليلاً وترى في نور الكشاف الغبار كسحابة من الضباب البخاري.

تعليق صوتي: يقود ما حالياً فريقاً من الإعلام الصيني للتقصي عن جهاتٍ يشتبه في أنها تسبب التلوث في إقليم هيبي خارج بيجين، ينتج هيبي أكثر من ثمن مجموع إنتاج الفولاذ في العالم وتنزلق مُدنه بالطراد إلى أسفل مراتب نوعية الهواء في الصين سوءاً.

ما جون: هل نقلت المشكلة إلى السلطات المختصة؟

أحد الصينيين2: بالطبع نقلناها مراراً وتكراراً ولكن يبدو أنّ لا أحد يهتم بها.

ما جون: هل يُؤثر على صحتكم؟

إحدى الصينيات: طبعاً إنه يؤثر فينا إنّ له تأثيراً كبيراً فالسواد في كل مكان.

ما جون: نريد وضع كل هذه الجهات المسببة للتلوث تحت المراقبة العامة، فقط تخيل لو نستطيع إطلاع الناس على بيانات سجلات هذه المخالفات وبسرعة، عندها سينطوي الأمر على خطرٍ أكبر بالنسبة لرؤساء البلديات وسيحملهم على التدخل من خلال أجهزة حماية البيئة المحلية.

تعليق صوتي: قد تكون السماء كئيبة لكن ما يرى مؤشرات مشجعة فهو يؤمن أنّ تعزيز الوعي الشعبي إن اقترن بمزيد من الشفافية الحكومية يشير إلى فرصة للتغيير.

ما جون: تعاني الصين حالياً من سلسلة تحديات بيئية وهي لا تهم الجيل الحالي فحسب بل الأجيال القادمة، لا تزال لدينا فجوات في توجهنا البيئي تحول دون الوصول إلى حل لجميع هذه المشكلات، لكن إن تضافرت جهود جميع المعنيين فإنّنا نستطيع حل هذه المشكلة البيئية الجسيمة ونستطيع استعادة سمائنا الزرقاء المفقودة ومائنا النقي.

تعليق صوتي: إنّه حلم يقول عنه المدافعون عن البيئة إنّ تحقيقه قد يستغرق أكثر من عقد كامل وفقط عندما تتخذ الحكومة بعض القرارات الصارمة لكن وبوجود سكان أنهكتهم أجواء مكممة للأفواه فالقرار ربّما لن يكون قرارهم وحدهم.