تتبعت الجزيرة قضية الاستفتاء على انفصال أسكتلندا عن المملكة المتحدة، وسلطت الضوء على المهام الشاقة التي سيفكر فيها الأسكتلنديون في حال الانفصال ومزايا هذه الخطوة وعيوبها.

وفي حلقة الخميس (18/9/2014) من برنامج "عالم الجزيرة"، استعرض فيلم "أسكتلندا الشجاعة" حروب أسكتلندا من أجل الانفصال، موضحا أنها بدأت بعد قيادة ملك إنجلترا إدوارد جيشا غازيا واحتلاله قلعة ستيرلنغ عام 1276، التي كانت أحد أهم معاقل أسكتلندا.

وتناولت المعارك التي دارت بين الطرفين قبل دخول أسكتلندا في اتحاد مع المملكة المتحدة عام 1707.

واستادا لقياسات الرأي العام، أشارت الحلقة لعدم وجود مستوى عظيم من العداء للإنجليز لدى الراغبين في الانفصال بقدر رغبتهم في شعور أسكتلندا بهوية سياسية جديدة، وشعورهم بأن هذه فرصة تاريخية لا تتكرر لأن تسلك بلادهم مسلكا مختلفا وتتجه اتجاها مختلفا عن اتجاه المملكة المتحدة.

يشار إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن أسكتلندا بشكل عام لا تريد الانفصال عن المملكة المتحدة، لكن الحلقة أوضحت أن امتناع الأسكتلنديين عن الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء قد يساعد القوميين على الفوز بتحقيق الانفصال.

وألمحت الحلقة إلى أن نتائج الاستفتاء لن تقتصر على أسكتلندا، بل ستكون لها آثار تتجاوز حدود هذا البلد ذي الخمسة ملايين نسمة، فثمة بلدان أخرى حالها كحال أسكتلندا ترقب الموقف.

إذا صوت الأسكتلنديون لصالح الانفصال فستبرز مسائل تتعلق بتسليح الدولة وضبط ديونها واختيار عملة لها

غرائب التصويت
لكن المثير للاستغراب في عملية التصويت بالاستفتاء أنه لن يحق التصويت لأي من ملايين الأسكتلنديين القاطنين حول العالم، الذين يريدون أن يكون لهم دور في هذه المسألة، في حين يسمح لبعض المقيمين بالتصويت.

وأبانت الحلقة أنه إذا صوت الأسكتلنديون لصالح الانفصال، فستبرز مسائل تتعلق بتسليح الدولة وضبط ديونها واختيار عملة لها، وسيبرز عدد لا حصر له من التحديات الأخرى.

وردا على سؤال "كيف ستتمكن أسكتلندا إذا ما انفصلت من أن تبقى بلا ديون؟"، قال الوزير الأول -في البلد الذي يتمتع بوجود برلمان وحكومة لهما صلاحيات في مجالات التعليم والقضاء والصحة- أليكس سالموند إن ذلك لا يقلقه.

وأضاف "ما نقوله هو أن هذا بلد يتمتع بموارد بشرية وطبيعية هائلة. يمكن أن تجعله بلدا ناجحا جدا يتميز مجتمعه بعدالة تزيد كثيراً على ما هو عليه الحال الآن".

وبالمقابل، قال زعيم حملة رفض الانفصال ألاستير دارلنغ إنه يشعر بالثقة بأن الشباب الأسكتلندي يرفض فكرة الانفصال. وأضاف "لقد استُطلعت آراء الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاما على مدى السنوات الخمس الماضية فظهر أن الغالبية الساحقة منهم تعارض الانفصال".

وسلطت الحلقة الضوء على وجود فجوة هائلة بين الأغنياء والفقراء، مؤكدة أن العاصمة الاقتصادية غلاسكو تعكس هذه المشكلة في أبشع صورها. وأشارت إلى أن عدد العاطلين عن العمل فيها يزيد عن عدد نظرائهم في بقاع المملكة المتحدة الأخرى، وعدد من يموتون في سن مبكرة، بفعل أمراض القلب، يرتفع عن عدد نظرائهم في أي مكان آخر من العالم.

إذا لم يتحقق انفصال أسكتلندا في سبتمبر/أيلول 2014 فسيطرح هذا السؤال نفسه مرة أخرى فيما بعد لأنه يأبى أن يغيب تماما كما لا تأبى 300 سنة من التاريخ أن تنمحي

فرصة للإصلاح
عضو حزب البيئة الأسكتلندي باتريك هارفي مقتنع بأن الانفصال "فرصة لإصلاح الأحوال"، ويقول "إذا كان المواطن راضياً عن مستوى الفقر وعن انعدام المساواة، فقد يصوت لصالح الإبقاء على الوضع الراهن. ولكن لدى أسكتلندا فرصة كي تكون نموذجاً لمجتمع ديمقراطي صغير ومسالم، مثل كثير غيره في شمال أوروبا، وأعتقد أن ذلك سيكون أكثر إلهاماً لمجتمعنا من الوضع الراهن الذي يحكمنا فيه البرلمان البريطاني".

وناقشت الحلقة موارد أسكتلندا من النفط كونه يمثل لبّ التفاؤل القومي حيث يقول القائمون على الحملة الداعية إلى الانفصال إن المخزونات الهائلة من نفط بحر الشمال ستحمي البلاد من عجز مالي.

كما بحثت مستقبل رادع بريطانيا النووي الموجود في قاعدة فازلين بأسكتلندا.

واختتمت الحلقة بتساؤل عن استعداد أسكتلندا لأن تكون شجاعة وتقرر الانفصال، مؤكدة أنه إذا لم يتحقق ذلك في سبتمبر/أيلول 2014 فسيطرح هذا السؤال نفسه مرة أخرى فيما بعد لأنه يأبى أن يغيب تماما كما لا تأبى 300 سنة من التاريخ أن تنمحي.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة      

عنوان الحلقة: انفصال اسكتلندا عن بريطانيا.. مزايا ومخاطر

مقدم الحلقة: جولي/مراسل صحفي

تاريخ الحلقة: 18/9/2014

المحاور:

-   مصير اسكتلنده يقرره الاسكتلنديون

-   سنوات من الخلافات والمنازعات

-   305 حرمان كبير في غلاسكو

-   قطاع صيد السمك أكبر الخاسرين بالاستقلال

-   قلب اسكتلنده ما زال مع الإتحاد

جولي/مراسل صحفي: اسكتلندا المكان الذي أُسمّيه موطني، هذه هي اسكتلندا التي يعرفها العالم ويُحبّها، تاريخنا مفعمٌ بالعاطفة وحافلٌ بالنضال يقولون إنّ عزّتنا القومية تسري في عروقنا سريان الشراب فيها، يتميّز الاسكتلنديون بشعورٍ وطني عميق رغم أنّ ملايين منّا يعيشون في بقاعٍ أخرى من العالم لكنّنا الآن نُواجه مأزقاً، نًحبُّ الحياة كما هي غير أنّ القوميين الاسكتلنديين يريدون التغيير ووضع حدٍّ لـ300 سنةٍ من الاتحاد مع إنجلترا ووضع نهايةٍ للملكة المتحدة حسبما نعرفها، سأقوم بجولةٍ في وطني أستشرف فيها فكرة استقلال اسكتلندا، السؤال الكبير الذي يُراودني هو هل أبناء الشعب الاسكتلندي من أمثالي مستعدون للاستقلال؟ هل نريد فعلاً أن ننفرد بحكم بلدنا عام 2014؟

ألكس سولموند/وزير أول: إنّ خير من يبتُّ في هذه المسألة هم الناس الذين يعيشون في هذا البلد وهذا هو لُبّ المسألة الديمقراطية بالنسبة إلى استقلال اسكتلندا.

جولي: أهلاً بكم في بالاتر، يقول بعض المؤرّخين إنّ ألعاب شمال اسكتلندا الجبلية بدأت في القرن الثاني عشر وقد كانت بالنسبة إلى ملك اسكتلندا ماركوم الثالث وسيلةً لمعرفة أسرع عدّاءٍ اختاره لكي يكون الساعي الملكي لديه، هذه الألعاب تُجرى في جميع أنحاء اسكتلندا احتفاءً بثقافتنا، الاسكتلنديون أُناسٌ عاطفيون وعليّ أن أعرف أنّني واحدةٌ منهم وإن كنت أقطن الآن في جنوب إنجلترا لكنّني فخورةٌ بكوني اسكتلندية وتهزّ مشاعري خصال الجسارة والودّ والألمعيّة وروح الصناديد التي يتميّز بها شعبنا، ولا يعني هذا أنّني لست فخورة بكوني بريطانية أيضاً لكنّ العنصر الاسكتلندي في دمي قد يكون الأعلى صوتاً، وبحضور الألعاب هنا أشعر بحنينٍ شديد وتُنازعني الأهواء وأنا بين قرب الموسيقى والطبول وأشعر أنّ الاستقلال فكرةٌ طيّبة لكنّني لا أزال أحتاج إلى إقناع.

ألاستير دارلنغ/زعيم حملة رفض الاستقلال: يمكن للناس أن يشعروا بأنّهم اسكتلنديون وبريطانيون ولا أرى داعياً لأنّ نختار بين أن نكون هذه أو تلك.

جولي: بيد أنّني أشعر بقلقٍ من احتمال أن تطغى قلوبنا الاسكتلندية العشائرية على عقولنا، وفي سبتمبر/أيلول من عام 2014 قد تتغيّر اسكتلندا التي أنتمي إليها إلى الأبد.

فيليبس أوبرايان/خبير عسكري: الشعور القومي شعورٌ غير عقلاني فلماذا أختلف عنك إذا وُلدنا في طرفي خطٍ رُسم على خريطةٍ بطريقةٍ مصطنعة، لا يمكن للمرء أن ينظر إلى هذه المسألة باعتبارها مسألةً سياسية بل هي تحوّلٌ مصيري وهي ليست عمليةً انتخابية بل هي انفصامٌ لعُرى المملكة المتحدة التي هي دولةٌ ذات سلاحٍ نووي عضوٌ في النيتو وفي مجلس أمن مجموعة الدول السبعة كما أنّها من أهم بلدان العالم، إنّنا في واقع الأمر بصدد تمزّقٍ يتمخّض عن نتائج مذهلة.

جولي: عندما يُولد المرء في اسكتلندا وينشأ فيها يُتقن فنّ أن يكون ذا مكانةٍ متدنيّة في المجتمع ويسعى لبلورة كُره الإنجليز، ففي نشأتي الأولى كان يُقال لنا إنّ ذلك هو مجرّد تنافسٍ تافهٍ وأحمق يفتقر إلى سلامة الذوق ولا مكان له في الواقع، لكنّني أخذت منذ نعومة أظفاري بهذه الهوية وبالسبب الذي يجعلني كاسكتلندية أنتمي إلى فصيلةٍ مختلفة.

روب ماكلباين/اشتراكي يؤمن بالاستقلال: في ثمانينيات القرن الماضي واجهت اسكتلندا مسألةً صعبةً تتعلّق بالهوية وبمن نحن وبسلوكنا وبما نُحبّ لكنّنا حللناها، لقد بدأت في الثمانينيات لكنّك لو رأيت شخصاً يرتدي مئزراً اسكتلندياً في حفل زفافٍ وقتئذٍ فلربّما نظرت إليه وسألته إن كان يُريد إيصال رسالةٍ ما، أما الآن فإذا ذهبت إلى حفل زفافٍ اسكتلندي سترى الجميع يرتدون المئزر الاسكتلندي.

جولي: أرى أنّ اسكتلندا تشعر بمزيدٍ من الثقة في نفسها، أما في عام 2014 فكم من المهام الشاقة سيُفكر فيها الاسكتلنديون أعني المسائل الصعبة كالتجارة والعمل ومزايا استقلال اسكتلندا وعيوبه، أُرجّح أن يُصوّت الاسكتلنديون على أساسٍ من ضيقهم بكون بلدهم أفقر بلدٍ غني بالنفط في العالم وبكون الإنجليز صراحةً الفئة الجنوبية المغرورة والمتعالية والبائسة، يبدو أنّ من الطبيعي لي أن أعود إلى جذوري وهنا صديقتي القديمة جيل التي تخجل أمام الكاميرا وهي تُذكرني بسبب شعوري بهذا الحبّ لاسكتلندا. هذه هي كيل مالكوم وهي قريةٌ صغيرة تقع قرب غلاسكو حيث نشأت وحيث تعلّمت فعلاً أن أكون اسكتلندية وحيث اكتسبت أخلاقيات العمل في الجانب الآخر من الطريق، هناك في محل بييري وهو مطعمٌ صغير للوجبات الخفيفة والمشروبات يبيع اللحوم المطبوخة والأجبان والأطعمة الأجنبية الجاهزة وغير المألوفة حيث أمضيت سنوات ويُقدم الأيس كريم وحيث كان يُطلب مني أن أكون فائقة الودّ مع الزبائن وهذه هي الروح التي تتميّز بها اسكتلندا فعلاً، وفي هذا الطريق يُوجد دكانٌ يبيع الجرائد والمجلات حيث عملت في أول وظيفة فكنت آخذ الصحف وأنا في الحادية عشرة وأُوزّعها على المشتركين، وهنا كنت أشتري فطائر اللحم الاسكتلندية أيام السبت، كل هذه الأشياء أكسبتني ثقافة وهوية محدّدتين أشعر من خلالهما بأنّني اسكتلندية، ولكن هل يعني ذلك أنّني أُريد أن أنسلخ عن أصدقائي وصديقاتي وأقربائي في إنجلترا؟ على مدى آلافٍ من السنين جلس ملوك اسكتلندا وملكاتها على العرش وأرسلوا شعبهم كي يُقاتل دفاعاً عن حريّة اسكتلندا، لا يوجد شُحٌّ في التاريخ هنا فهو حاضرٌ في كل مكان، على مسافة 43 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من غلاسكو تقع مدينة ستيرلنغ، حروب اسكتلندا من أجل الاستقلال بدأت هنا عام 1276 حين قاد الملك ادوارد جيشاً غازياً واحتلّ قلعة ستيرلنغ التي كانت أهم معاقل اسكتلندا.

[مقتطف من فيلم بريف هارت]

جولي: فيلم بريف هارت بعث وليام ولاس بطل اسكتلندا من مرقده وجعل قصة اسكتلندا أكثر القصص رواجاً في العالم كله، قد يكون مجرّد فيلمٍ من أفلام هوليود لكنّه يهزني من الأعماق. هذا هو تلّ لاودن الذي شهد نصرين اسكتلنديين على الإنجليز حدث أحدهما عام 1297 عندما خرّب وليام ولاس وقواته قطار أمتعة ملك إنجلترا، وبعد 10 سنواتٍ فقط أي عام 1307 قاد روبرت دي بروس جنوده إلى النصر رغم أنّ عددهم لم يتجاوز 500 عندما حفروا تحصيناتٍ وصدّوا جيشاً من الإنجليز بلغ عدد أفراده 6 آلاف، لكنّ ولاس البطل الحقيقي الاسكتلندي فبُني له جسرٌ تذكاري قُرب جسر ستيرلنغ تكريماً له، إنّه مذكرٌ دائم بأنّ إنجلترا لم تُقدّر قبل 300 سنة عزم الاسكتلنديين على نيل السيادة على بلدهم. المؤرّخ توم ديفاين هو المرجع للحديث عن بريف هارت. بالنسبة لفيلم بريف هارت الذي مرّت على عرضه مدّة لا يُستهان بها فإنّني أسأل عما إذا كان لا يزال هناك أُناسٌ يُشاهدون ذلك الفيلم ويضربون صدورهم حزناً وندماً ويقولون نعم للاستقلال؟

توم ديفاين/مؤرّخ: أرى أنّ العامل المتعلّق بولاس عاملٌ جديرٌ بالاهتمام لأنّ النصب التذكاري لولاس أُنشئ وسط القرن التاسع عشر بجانب ستيرلنغ حيث يوجد قبره وحيث دارت المعارك والسبب هو أنّ الاتحاديين الذين قبلوا فكرة النصب التذكاري آنئذٍ اعتبروه بطلاً اتحادياً لأنّ لسان الحال كان يقول إنّ ولاس وروبرت دي بروس خلصا الاسكتلنديين من غزوٍ إنجليزي وسمحا لاسكتلندا بالاتحاد مع إنجلترا عام 1707 وعُرف وليام ولاس أيضاً بأنّه وحدوي.

جولي: هل ترى أنّ أهل اسكتلندا مُؤهّلون للتصويت ولديهم شجاعة كافية لكي يجازفوا بخوض هذه المغامرة؟

توم ديفاين: إنّها فكرةٌ راديكالية تتعلّق بمستقبلهم ومستقبل عائلاتهم وعليكِ أن تفكري فهذه ليست مسألةً عاطفية بل هي ممارسةٌ سياسية.

جولي: فلنتخيّل أكثر الصور رمزيّةً بالنسبة إلى المملكة المتحدة وهي العلم، إنّه يتكون من أعلام القدّيسين جورج وباتريك وأندرو، أما عندما تنزع علم اسكتلندا فلن يعود علم الاتحاد كما كان بل سيموت. عندما جئت إلى اسكتلندا أول مرّة توقعت أن أجد بلداً يسأل نفسه السؤال الكبير عن قطع وشائجه بالمملكة المتحدة فرأيت الجميع يُركّزون على الأساطير والتاريخ وعلى الفكرة المتعلقة بفيلم بريف هارت وبميل غيبسون، بل إنّني تصوّرت أنّهم لو تمكنوا من التصويت لصالح ميل غيبسون ووضعه في ادنبره لكي يتخذ القرارات نيابةً عن الشعب الاسكتلندي فسيكون هناك أُناسٌ كثيرون سيصوتون بنعم لفكرة الاستقلال، لكن ما اكتشفته في الواقع هو أنّه لا يوجد ذلك المستوى المتوقع من العداء للإنجليز وأظن أنّ المسألة تتعلّق بشعور اسكتلندا بهوية سياسية جديدة وبشعور مُلّح بالرغبة في تأكيد ذلك، لكنّ القوميين مع ذلك سيكابرون لأنّ معظم الناس غير مستعدين حتى للتفكير في التغيير، وتتخذ الحملة الداعية إلى الاستقلال مقرّاً لها في غلاسكو وهي أكبر مدينةٍ في اسكتلندا ولم يكن اختيار الشارع الذي يوجد فيه المقر محض مصادفة.

بلير جنكيز/حملة دعوة للاستقلال: نعتقد أنّ حملتنا تستند على الأمل ولذا فإنّ عنوان المقرّ عنوانٌ مثالي.

مصير اسكتلنده يقرره الاسكتلنديون

جولي: حدّثني عن هذا الديكور على الحائط، عندما قرأته شعرت بأنّه لن يعترض عليه أحد، لأنّ القول إنّ مصير اسكتلندا يُقرّره الاسكتلنديون يُعتبر شعاراً جذاباً وعندما أستمع إليك أشعر باقتناع بذلك، لكنّ ثمّة ما يجعلني أقول لنفسي إنّني لست متأكدة من إمكانية تحقّق ذلك الهدف.

بلير جنكيز: كما تقولين ثمّة صعوبةٌ لوجستيةٌ كبيرةٌ في البلاد تتعلّق بالرغبة في الاستقلال، لكنّ أمثالي من الناس يشعرون بأنّ هذه فرصةٌ تاريخيةٌ لا تتكرّر لأن تسلك اسكتلندا مسلكاً مختلفاً وتتجّه اتجاهاً مختلفاً عن اتجاه المملكة المتحدة.

جولي: وعلى النقيض من ذلك فإنّ الحملة المناهضة للاستقلال مستترة في عمارة تجارية، وحتى في هذه التظاهرة التي قامت أمام دار البرلمان الاسكتلندي تأييداً للاتحاد لم يظهر لأنصار هذه الحملة أثر، ومع ذلك فهُم يسعون للظهور حتى وإن كان صوتهم نشازاً.

مستي ثاكري/الحملة المناهضة للاستقلال: يصعب إثارة اهتمام الاتحاديين بسرعة وهم في ذلك أشبه بكلب البولدغ الذي ينام إلى الأبد ثم يستنهض من رُقاده، نحن في حزب الاستقلال للملكة المتحدة نشعر بأنّ الحملة الداعية إلى بقاء بلدان الاتحاد معاً وهي الحملة المناهضة للاستقلال ينطبق عليها ذلك المثل تماماً، لأنّني لا أُلاحظ للقائمين عليها أي وجودٍ في مدينة غلاسكو، وبالتالي فإنّ القائمين على الحملة لم يُلاحظوا وجودا  لدعاة بقاء بلدان الاتحاد معاً.

جولي: وعندما تنقل حملة مناهضة الاستقلال رسالتها فإنّها لا تلقى قبولاً حسناً، تُشير استطلاعات الرأي إلى أنّ اسكتلندا لا تريد الاستقلال، وعندما أسأل الناس عن رأيهم فإنّهم يُعاملونني كما يُعاملون حشرة مزعجة يريدون أن يصفعوها. إلى أي حدّ تعتقد أنّ الناس مستعدون لتحقيق هذا الهدف؟

فلاديمير ماكتافش/ممثل كوميدي: ليس إلى حدٍّ بعيدٍ جداً لأنّهم لا يرغبون في الإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع، لقد بلغت بلدانٌ أخرى شأواً بعيداً في سعيها للاستقلال، أمريكا خاضت حرباً واضطُرت ايرلندا لخوض حرب، أما ألكس سولموند فلا أتوقع أن يُضرب عن الطعام كما فعل غاندي في الهند من أجل ذلك الهدف، أليس كذلك؟

جولي: هو كذلك فالكفاح والنضال ليسا وراء هذا الاستفتاء ولعلّ هذا هو السبب الذي يُشعرني بأنّ الاستقلال ليس رغبة الجميع، لكنّه إذا امتنع الاسكتلنديون عن الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء فقد يفوز القوميون بفعل ذلك الامتناع، والآن فالاسكتلنديون يستخفون بالمسألة برمّتها من خلال مهرجانٍ للكوميديا في اسكتلندا وهو مسرح أدنبره غير التقليدي.

[مشهد تمثيلي]

مواطن اسكتلندي 1: أهلاً ومرحباً بكم في هذا العرض المرتجل، موضوع عرض اليوم هو استقلال اسكتلندا، إذن لقد وضعت كميةً كبيرةً من الديناميت بمحاذاة نهر توين وإذا فجّرنا ذلك الديناميت فسنفصل اسكتلندا عن إنجلترا فعلاً.

مواطن اسكتلندي 2: ستحتاج إلى ثقابٍ إنجليزي كي تُشعل الديناميت.

مواطن اسكتلندي 1: حقاً فالثقاب الاسكتلندي رديءٌ جداً.

[نهاية المشهد]

جولي: عندما لا يكون فلاديمير ماكتافش فهو بول ستيفن لكنّه يظل اسكتلندياً، إذن فلنتحدّث يا بول عن فكرة الهوية الاسكتلندية هذه لأنّها تشكل جانباً كبيراً من الحوار، أنا أسكن حالياً في إنجلترا ولعلّني أشعر الآن بهويتي الاسكتلندية أكثر مما كان عليه الحال سابقاً، ما هو تعريفك للاسكتلندي وما الذي يجعلنا فصيلةً تختلف عن غيرها؟

فلاديمير ماكتافش: ثمّة خصلةٌ كبيرةٌ في الثقافة الاسكتلندية تتمثّل أولاً في أنّ الاسكتلنديين لا يُقدّرون أنفسهم حقّ قدرها، ثانياً في أنّهم لا يُقدّرون بلدهم حقّ قدره وأنا أعرف مدى استخفاف الاسكتلنديين بثقافتهم.

جولي: أتفق مع بول في أنّ الشعور الصحي بازدراء الذات شيءٌ طيّبٌ دائماً، لكنّه حتى وإن لم يكن الاسكتلنديون مُهتمين فالعالم كلّه مُهتم، آمل أن يُدرك الناس أنّ هذا الاستفتاء لا يقتصر على اسكتلندا بل ستكون له تبعاتٌ تتجاوز كثيراً حدود هذا البلد ذي الملايين الخمسة، فالقشتاليون الذين يريدون الاستقلال عن إسبانيا يتطلّعون إلى اسكتلندا كنموذجٍ يُحتذى، وثمّة بلدانٌ أخرى حالها كحال اسكتلندا ترقب الموقف وتشعر بقلقٍ وأنا كذلك، وثمّة من يُؤمن بحتمية الاستقلال كماكلباين الذي ربّما تكون آراؤه في الإصلاح المثالي غير الواقعي تنتمي إلى مدينة أفلاطون الفاضلة. ماذا عن الفُرقة التي شاهدناها تحدث في أماكن من قبيل كويبك؟ فعندما سُئل الناس ما إذا كانوا يُريدون البقاء مع أقاليم البلاد الأخرى أم يريدون قطع تلك الروابط  انتهى الأمر بخلافات وعداوات في بعض تلك المناطق، ألا تقلقون أبداً من ذلك؟

روب ماكلباين: لا لا لا يُقلقني ذلك، والسبب في أنّه لا يُقلقني في السياق الاسكتلندي لأنّ العنصر القومي العرقي والثقافي ضئيلٌ جداً جداً إنّها منارةٌ حقيقيةٌ لغير الاسكتلنديين حيث سيقولون إذا كان بإمكان اسكتلندا أن تستقل فلماذا لا نستقل نحن؟ لذا أعتقد أنّ ثمّة كثيرين ينظرون إلى اسكتلندا ويقولون نريد التغيير ومن المؤكد أنّ الاهتمام العالمي بهذه المسألة يُعدُّ هائلاً.

[مشهد تمثيلي]

مواطن اسكتلندي2: القومية هي قومية الفقير ذي المكانة المتدنيّة.

مواطن اسكتلندي 3: أنا رجلٌ فقير.

مواطن اسكتلندي 2: لا بُدّ أن تكون قومياً.

[نهاية المشهد]

جولي: إذا كان لتاريخنا أن يقول لنا شيئاً فإنّه يقول لا تستقلّوا، وثمّة نموذجٌ واضح جداً يُفسّر ذلك، في عام 1698 قامت اسكتلندا بمقامرةٍ هائلة فسعت إلى إنشاء طرق تجارة مع أميركا الجنوبية من خلال استعمار بَنَما وقد سُمّي ذلك مشروع داريان.

توم ديفاين: كان المشروع سيء التخطيط والإدارة، أما أنا باعتباري مؤرّخاً فأرى أنّ مشروع داريان يُمثّل شيئاً رمزياً فهو يُمثّل تطلّع الاسكتلنديين إلى الانعتاق من ارتباطهم القديم بأوروبا والبحث عن مستقبلٍ في العالم الأطلسي، مشروع داريان كان استشرافاً للمستقبل إذا جاز التعبير رغم أنّه كان فاشلاً في حدّ ذاته، ويدفع بعض الباحثين بالقول إنّه كان أحد المكونات الأساسية للاتحاد عام 1707، وإذا أمكن لذلك أن يحدث في الماضي فقد يكونون مستعدين للمجازفة في عام 2014.

جولي: إذن هل هذه المسألة برمّتها مجرّد مقامرةٍ أخرى؟ لا شكّ أن التاريخ سيُؤثّر في كثيرٍ من الاسكتلنديين عند إدلائهم بأصواتهم، أما أنا شخصياً فأُغلّب صوت العقل دائماً على صوت العاطفة عندما يتعلّق الأمر باتخاذ قراراتٍ من هذا القبيل، ففي عام 1997 سنحت لي فرصة الإدلاء بصوتي في استفتاء البرلمان الاسكتلندي فصوّت بالرفض، كنت حينها أعمل صحفيةً متدربة، لحسن الحظ لم تتأثّر النتيجة بما صوّتُ به وفي 12 من مايو/أيار عام 1999 عاد البرلمان الاسكتلندي إلى الانعقاد ورغم تحفُّظاتي لم أستطع إلا أن أُحسّ بشعورٍ من الاعتزاز ببلدي. أصبح دونول ديور وزيراً أول لاسكتلندا وأصبح البرلمان الاسكتلندي يُمارس سلطةً على التربية والتعليم والرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية وكان ثمّة مزيد من قبيل التمويل المضمون من البرلمان البريطاني على أساس الصيغة التي ابتكرها كبير مستشاريه الماليين لورد بارند، في العام الماضي بلغ نصيب اسكتلندا مبلغاً هائلاً هو 54 مليار دولار.

مواطن اسكتلندي 4: يحصل كل واحدٍ من أمثالي في اسكتلندا من الحكومة البريطانية سنوياً بموجب صيغةٍ بارنت على أكثر من 1800 جنيه إسترليني وما يحصل عليه غيرنا من مخصّصات الخدمات العامة، فلماذا نتخلى عن ذلك؟

305 سنوات من الخلافات والمنازعات

جولي: كما هو الحال بالنسبة لأسطورة وحش بحيرة نيس، فإنّ اسكتلندا لا تحصل في الواقع على دعمٍ إجمالي صافي، لكنّ هذا الاعتقاد الخاطئ هو الذي يُساق عادةً باعتباره السبب الأعم للرغبة في البقاء ضمن الاتحاد، ويخشى الاسكتلنديون من أن لا نتمكن من البقاء بدون ديون إذا ما استقللنا عن المملكة المتحدة، وإنّ ما يُشعر المرء بالإحباط حقّاً هو أنّه لن يحق التصويت لأيٍ من ملايين الاسكتلنديين القاطنين حول العالم الذين يريدون أن يكون لهم دورٌ في هذه المسألة وهذا ينطبق عليّ أيضاً، لأنّ النتيجة ستُؤثّر قبل كل شيء في مستقبلنا بالقدر ذاته.

[فاصل إعلاني]

جولي: لو أمكن للتاريخ أن ينطق لتحدّثت قلعة دامتور القائمة في الساحل الشرقي الاسكتلندي عن 305 سنواتٍ من الخلافات والمنازعات الدامية عبر الحدود، لكنّ من شأن انفصام عُرى الاتحاد أن يؤذن بنهاية زواجٍ عاصف، فإذا صوّت الاسكتلنديون لصالح الاستقلال ستبرز مسألةٌ صغيرة تتعلّق بتسليح الدولة وضبط ديونها واختيار عملةٍ لها وسيبرز عددٌ لا حصر له من التحديات الأخرى التي تجعل الرأس ينفجر. لا يزال جمال اسكتلندا الخلّاب يأخذ بلبّي وأنا أقف هنا وأنظر إليه، وقد نتمكن من تحقيق ذلك الهدف الصعب، لكنّنا إذا غيّرنا اسكتلندا إلى الأبد بالتصويت لصالح الانفصال فقد نُبدّل ساسةً نعرفهم بساسةٍ آخرين.

[مشهد تمثيلي]

ممثل كوميدي: أحد الأسباب التي حالت دون أن تستهوي الحملة أفئدة الناس في اسكتلندا هو أنّهم لا يعرفون مَن هم ساستهم، ولطالما تساءلوا عمّا قد يحدث لو أنّ ألكس سولموند قضى تحت عجلات حافلة.

فلاديمير ماكتافش: وقد اتصلنا بشركة الحافلات في بلدية مدلوثيا المتاخمة لأدنبره فأصدرت بياناً قالت به مازحةً لا يوجد في أسطولنا أي حافلة تستطيع تحمل صدمةٍ من ذلك القبيل.

[نهاية المشهد]

جولي: لكنّ ما يُقلقني حقاً هو كيف ستتمكن اسكتلندا إذا ما استقلت من أن تبقى بلا ديون؟ أما الوزير الأول ألكس سولموند فلا يُقلقه ذلك ولعلّ لذلك علاقة بمستقبل عائدات نفط بحر الشمال التي تُقدّر حالياً بتريليونين و400 مليار دولار، لقد جاء سولموند كي يفتتح حوض أنيق وهي محطة للنفط والغاز جُدّدت حديثاً، إنّها لفرصةٌ للإشادة بقطاع النفط وإقناع الناس بمزايا الاستقلال وإثارة حماسهم له.

ألكس سولموند: ثمّة قلّةٌ من المارقين في البرلمان البريطاني في الوقت الحاضر يُلوّحون بزيادة الأجور بنسبة 10% بينما يحصل العاملون في القطاع العام على 1%.

جولي: قد يكون استغلال الحكومة البريطانية إجراءً عادلاً في معترك السياسة، ولكن ألا يُفضّل العاملون أن يعرفوا ما هي مصلحتهم في ذلك؟ ما رأيك في أن يُقال للاسكتلنديين هلمّوا إلى المسيرة لأنّها ستكون في نهاية المطاف عظيمة غير أنّ الطريق سيكون صعباً ولا نستطيع التكهن بما سيحدث، فلماذا لا يُقال للناس هيّا إلى مسيرةٍ تشوبها التقلّبات؟

ألكس سولموند: لقد جرّبنا الحكم الذاتي ولذا يُدرك الناس أنّ ثمّة أشياء إيجابيةً جداً وثمّة أشياء يمكن أن تكون أفضل مما هي عليه، وهم يريدون من حيث المبدأ برلماناً تتسع صلاحياته ومهمتنا هي أن نقول لهم أنّ الصلاحيات التي يحتاجها البرلمان تتعلّق بالاقتصاد والإنفاق على البناء، لكن ما نقوله هو أنّ هذا بلدٌ يتمتّع بموارد بشريةٍ وطبيعيةٍ هائلة ويمكن أن تجعله بلداً ناجحاً.

جولي: وهل سيكون الشعب مستعداً لأن يدفع ثمن مجتمع الرخاء؟

ألكس سولموند: لا فما أقوله هو أنّ أنجح البلدان هي أكثرها عدالةً اجتماعية.

جولي: لقد أمضيت ساعاتٍ مع الوزير الأول ولا أزال غير مقتنعة ويبدو لي أنّ سياساته الاقتصادية غير ناضجة، لكنّ هذا هو لُبّ القومية الاسكتلندية ألا وهو إبقاء الحزب الحاكم في اسكتلندا في سُدّة الحكم، ولقد قطع ألكس سولموند وعداً بجعل اسكتلندا المستقلة بلداً أكثر حيوية كي يضمن انتخابه، وقد يقول بعض الناس إنّه يستمتع بوضعٍ سياسي رفيع مستغلاً العواطف الكامنة في نفوس كثيرٍ من الاسكتلنديين وهو يقول إنّنا سنكون أحسن حالاً عندما لا نكون مقرّنين في أصفاد الإنجليز. بعد أن تركت قلب اسكتلندا النابض فإنّ ما أُريد أن أعرفه هو لماذا اسكتلندا تريد الاستقلال الآن؟ لقد عرفتم إنّهم الساسة، عوداً إلى أدنبره وإلى البرلمان الاسكتلندي في اليوم السابق ليوم الاستفتاء بسنةٍ بالضبط، إنّها أشبه بمسابقةٍ سياسية فالوزير الاسكتلندي الأول يريد أن يقترح ما يُسمّى ديفو ماكس أي صلاحيات موسّعة لاسكتلندا ولكن دون انفصالٍ رسمي عن الاتحاد وقد رفض رئيس وزراء بريطانيا هذا المُقترح لأنّه يريد للاسكتلنديين أن يُقرّروا بشكلٍ قاطع إن كانوا مع الاتحاد أم ضدّه، وتتلخّص المسألة الآن في السعي لكسب الأصوات ومن بين الوسائل التي رأى القوميون أنّها يمكن أن تكسبهم مزيداً من الأصوات هي خفض سنّ التصويت. والآن إلى لقاءٍ مع زعيم حملة رفض الاستقلال ألاستير دارلنغ.

ألاستير دارلنغ: لقد استطلعت آراء الشُّبان الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و 17 على مدى السنوات الخمس الماضية، فظهر تحوّلٌ في المواقف حيث إنّ الغالبية الساحقة منهم تُعارض الاستقلال وأعتقد أنّ أحد الأسباب يتمثّل في أنّ معظم مَن هم في سنّ الـ17 لا يحصلون على المعلومات من الصحف أو من التلفزيون بل يحصلون عليها من خلال هواتفهم الذكية ومن الانترنت، ومن اللافت للنظر أنّ القوميين أعطوا الشُّبان حقّ التصويت ظنّاً بأنّهم سيؤيدونهم وأعتقد بأنّهم سيُصدمون صدمةً مدويّة.

جون ستيفن/سمّاك: عندما يحين موعد الاستفتاء سيكثر قرع طبول ملحمة التمرّد الاسكتلندي على الإنجليز لاسيّما أنّ الحزب الوطني الاسكتلندي خفّض سنّ الانتخابات من الـ18 إلى الـ 16 حيث سيُلهم كثيرٌ من أولئك الشباب لملحمة التمرّد الاسكتلندي على الإنجليز، لكن تلك الفكرة سيتأثّر بها كثيرٌ من الناخبين الشُّبان دون أن يعرفوا ما الذي صوّتوا له ولا التبعات التي ستترتّب على ذلك، هذا شيءٌ مخيف.

حرمان كبير في غلاسكو

جولي: لكنّه يصعب على المرء أن يستوعب المشكلة الكبرى بالنسبة لاسكتلندا سواءٌ أكان في الـ16 أم في الـ64، إذ إنّ هناك فجوةً هائلة بين الأغنياء والفقراء وقد توجّهت إلى غلاسكو حيث تتبدّى تلك المشكلة في أبشع صورها، لم تتمكن الحكومة الاسكتلندية ومن قبلها الحكومات البريطانية المتعاقبة من حلّها، ويُعرف الاسكتلنديون بأنّهم أقل شعوب العالم تمتّعاً بصحّةٍ جيدة.

[مشهد تمثيلي]

فلاديمير ماكتافش: ستحدث فضيحةٌ إذا ما اكتشف الاسكتلنديون أنّ طبق اللازانيا يحتوي على مقدارٍ ضئيلٍ من الخضراوات التي تُزوّدنا بالفيتامينات وتُحسّن صحّتنا.

[نهاية المشهد]

جولي: في غلاسكو مظاهر الحرمان كبيرة، بحيث تزيد أعمار الناس في بعض مناطق العراق أو في قطاع غزّة عن أعمار سكان هذه المناطق في غلاسكو، ويزيد عدد العاطلين عن العمل هنا عن عدد نظرائهم في بقاع المملكة المتحدة الأخرى، يزيد عدد مَن يموتون هنا في سنٍّ مبكرة بفعل أمراض القلب عن عدد نظرائهم في أي مكانٍ آخر من العالم، مشاكل غلاسكو هي مشاكل اسكتلندا فأنّى للإنسان أن يُحسن إدارة بلدٍ توجد هذه الفروق في الثروة بين أبنائه.

[مشهد تمثيلي]

فلاديمير ماكتافش: أمّا بالنسبة للطقس فأعتقد أنّ بلدنا هو البلد الوحيد في أوروبا الذي يرتفع فيه معدّل الانتحار في الصيف، فضلاً عن قِصر الأعمار وما علينا إلا أن ننتظر.

[نهاية المشهد]

جولي: قمت بجولةٍ في وسط المدينة مع باتريك هارفي عضو حزب البيئة الاسكتلندي وهو مقتنعٌ بأنّ الاستقلال هو الفرصة لإصلاح الأحوال، قد يقول بعض الناس إنّ الاتحاد يعتني فعلاً باسكتلندا، فما رأيك؟

باتريك هارفي/عضو حزب البيئة الاسكتلندي: إذا كان ما يراه المرء عندما ينظر من النافذة هو المجتمع الذي يرغب فيه وإذا كان راضياً عن مستوى الفقر وعن انعدام المساواة فقد يُصوّت لصالح الإبقاء على الوضع الراهن، ولكن دعينا لا نُفوّت فرصة التغيير هذه حسب برنامجنا فلدى اسكتلندا فرصةٌ كي تكون نموذجاً لمجتمعٍ ديمقراطي مسالمٍ وصغير مثل كثيرٍ غيره في شمال أوروبا، وأعتقد أنّ ذلك سيكون أكثر إلهاماً لمجتمعنا من الوضع الراهن الذي يحكمنا فيه البرلمان البريطاني.

جولي: عندما أستمع إلى باتريك فإنّ فكرة استقلال اسكتلندا لا تبدو ممكنةً فقط بل تبدو أيضاً مفضلة ومع ذلك فالمشاكل المالية هي التي يعود إليها في كل مرّة. واجهت مجلة The Economثconomiادية t  إليها في كل مرّة يعود إليها في كل مرّة  د ist الاقتصادية البريطانية مشكلةً عندما قالت إنّ الاستقلال سيُحيل اسكتلندا إلى بلدٍ معدم وسيُكلّف ثمناً باهظاً، الحقيقة هي أنّ اقتصاد اسكتلندا ينمو حالياً ليس في المدن فحسب، ولكي نتعرّف على الطريقة التي ستُموّل اسكتلندا نفسها بها فقد ذرعنا البلاد طولاً وعرضاً جيئةً وذهاباً، قطعت مسافة 130 كيلومتراً باتجاه الساحل ومنطقة رأس بيترهيد، يُدرك المرء هنا أنّ كل قطاعٍ صناعي في اسكتلندا أصبح أداةً من أدوات اللعبة. إذن هذا قاربك يا جون وهو مصدر رزق عائلتك، أليس كذلك؟

جون ستيفن: تعمل أسرتي في صيد السمك منذ أكثر من 60 عاماً.

قطاع صيد السمك أكبر الخاسرين بالاستقلال

جولي: حدّثني عن الاستقلال وكيف سيُؤثّر في قطاع صيد السمك؟

جون ستيفن: أرى أنّ الاستقلال سيكون كارثةً على قطاع صيد السمك، لأنّ الحزب الوطني الاسكتلندي قال إنّه سيضم اسكتلندا للاتحاد الأوروبي، أما المحافظون فقالوا أنّهم إذا فازوا في انتخابات المملكة المتحدة فسيستفتون الناس في الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لذا أعتقد أنّ من الخير لاسكتلندا أن تبقى جزءاً من بريطانيا العظمى وإذا فاز المحافظون في الانتخابات وصوّت الجمهور لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي فسيكون ذلك أفضل بالنسبة لقطاع الصيد البحري.

جولي: لكنّ أفضل وسيلةٍ للتعرّف على الصورة التي تُجنى بها العائدات المالية من نفط بحر الشمال هي الاطلاع على الوضع من الجو، فالنفط هو ذهب اسكتلندا الأسود وهو لُبّ التفاؤل القومي الاسكتلندي، سيعتمد مستقبل اسكتلندا المالي إذا ما استقلت على البحر وراء ذلك الساحل مباشرةً، ويقول القائمون على الحملة الدعائية إلى الاستقلال، إنّ المخزونات الهائلة من نفط بحر الشمال ستحمي اسكتلندا من عجزٍ مالي. لقد هبطنا قرب أبردين عاصمة النفط الاسكتلندي حيث يشتري الاتحاد الأوربي 60% مما يستهلكه من نفطٍ من هذه البقعة الاسكتلندية، هنا أمضيت سنوات حياتي الجامعية حيث تتلمذت على يد كبير خبراء النفط في اسكتلندا الذي التقيت به أول مرّة في قاعةٍ للمحاضرات بجامعة أبردين، لا يبعد هذا المكان كثيراً عن الميناء حيث يسهل على المرء أن يُدرك أهمية النفط، لكنّني أريد أن أتحقّق مما إذا كان يكفي لاسكتلندا أن تعتمد عليه إذا ما استقلت.

البروفيسور كمب/خبير نفط: ثمّة مشكلةٌ تتمثّل في تقلّب عائدات النفط لأنّها ستتراجع في المدى البعيد، لكنّ الواقع هو أنّ قطاع النفط قطاعٌ رائدٌ في اسكتلندا.

جولي: هل يعني ذلك أنّه عندما يُفكّر الناس في اتخاذ قرارٍ بشأن مستقبل اسكتلندا لا ينبغي لهم أن يستندوا إلى النفط كجزءٍ من الصورة الاقتصادية؟

البروفيسور كمب: بالنسبة لميزانية الحكومة من الحكمة أن لا تعتمد اعتماداً كبيراً على عائدات النفط في تحقيق الأغراض المعتادة للميزانية.

جولي: حتى وإن استقرت أسعار النفط فستبقى هناك مسألة تحديد كميّة نفط بحر الشمال التي ستتحكّم اسكتلندا فيها، وحتى إذا اتُفق على ذلك مع المملكة المتحدة فثمّة مشكلةً أخرى تتمثّل في جزر شتلاند، استغرق وصولي إلى أقاصي اسكتلندا بالقارب 12 ساعة ونصف الساعة، فعلت ذلك لأنّني أردت أن أعرف شعور سكان هذه الجزر وهم يرون الساسة في البرّ الاسكتلندي يصرفون النظر عنهم. نحن الآن على بعد حوالي 160 كيلومتراً من أقصى شمال البرّ الاسكتلندي في بحر الشمال حيث يسكن قرابة 22 ألف نسمة يشعرون بهويّاتٍ مختلفة فينظرون شرقاً نحو اسكندنافيا ويرون أنّهم ينتمون إليها وهنا ينظر سكان الجزر إلى مسألة الاستقلال من منظورٍ مختلفٍ جداً عن منظور البرّ الاسكتلندي.

فرانك/سمّاك: لا تزال توجد علاقةٌ طبيعية مع البلدان الاسكندينافية ولا تزال لغة نورسك النرويجية التي كانت شائعةً في شمال ألمانيا دارجةً هُناك، فمثلاً طيور الغانيت البحرية نُسميها هنا  سورز أي سيوف وهو الاسم الذي يطلق عليها في النرويج.

جولي: ولكن سواءٌ أكانت تلك اللغة نرويجية أم لا فمن الخطورة بمكان أن نتجاهل سكان الجزر الذين يقولون إنّ ربع نفط اسكتلندا لهم، وعندما يصل المرء إلى اليابسة يسهل عليه معرفة سبب كون النفط مسألةً حاسمة بالنسبة لهم، فحوض النفط في شرق شتلاند من أكبر حقول النفط في أوروبا وسيكون من بين المسائل الكبرى تحديد من يملك هذا الحقل، توجهت إلى ليريك ميناء الجزيرة الرئيسي وأكبر مدنها كي أقابل تافش سكوت نائبها في البرلمان، إذن يا تافش هل تتبع الجزيرة إلى اسكتلندا أم تتبع إلى جزر شتلاند؟

تافش سكوت/نائب البرلمان: لعلّني أحتاج إلى توكيل محامٍ كبير، ستكون المسألةُ محل تفاوضٍ وستعتمد على التفاوض مع حكومة اسكتلندية منفصلة لتحديد صاحب الملكية والبتّ في الموضوع، لكنه إذا كان المرءُ من شتلاند فلسانُ حاله يقول إنّ لنا دوراً في هذا الحوار ولنا مصلحةً فيه، لأن مصالحنا في اقتصاد البترول لا تقفُ عند هذه المرحلة بل تتعداها إلى ما بعد 40 سنة.

جولي: هذه المسألةُ موضوع حديث لدى كثيرٍ من الناس هنا حتى وإن اضطر المرء إلى أن يصرخ بذلك في مهرجان الكمان المحمول في شتلاند، كيف ستدلي بصوتك عن الاستفتاء؟

أحد سكان جزيرة شتلاند 1: لن أدلي بصوتي لأنّ اسكتلندا ليست جاهزة.

أحد سكان جزيرة شتلاند2: منذ زمنٍ ونحنُ جزءٌ من المملكة المتحدة ولا أرى أي سببٍ لتغيير ذلك الوضع.

جولي: تافش وسكان جزيرته عازمون على أن توضع هذه المحطة الاسكتلندية الصغيرة في الحسبان خلال هذه المداولة الكُبرى.

تافش سكوت: أعتقدُ أن أبلغَ حُجةٍ في الوقت الحاضر تقول إنّ سكان الجزر يريدون أن يكون تقرير مصيرهم بيدهم، وإذا كان ألكس سولموند يقول إنّ خير من يُقرر مصير اسكتلندا هم سكان اسكتلندا فإن المنطق ذاته ينطبق تماماً على جزر شتلاند.

قلب اسكتلنده ما زال مع الإتحاد

جولي: إذن لن يكون على اسكتلندا إذا ما استقلت أن تتفاوض مع جزر شتلاند بشأن عائدات النفط فحسب بل إنّ بعض تكاليفها الكبرى سترتفع، يتعلقُ جانبٌ من ذلك بالكيفية التي ستدافع اسكتلندا بها عن نفسها وهذه مسألةٌ شائكةٌ حقاً لأن خط الدفاع يمتدُ 650 كيلومتراً غرب غلاسكو، وحتى عندما نشأتُ هنا كانت تتكرر هذه الاحتجاجات، يصعب تصور وجود مكانٍ آخر له هذا الجمال الأخاذ ويكون موضعاً لأخطر الأسلحة في بريطانيا، رادع بريطانيا النووي يوجد هنا في قاعدة فازلين التي تضم عدة غواصاتٍ نووية مزودة جميعاً بصواريخ ترايدنت ومع أن هذه الأسلحة موجودة هنا في اسكتلندا فهي ذات أهمية حيوية في الدفاع عن بريطانيا ككل، وإذا كان للقومين ما يريدون فسيكون هذا الركن الريفي من اسكتلندا خالياً من الأسلحة النووية.

[مشهد تمثيلي]

فلاديمير ماكتافش:  يبدو أنّه سيكون علينا أن ندفع تكاليف نقل الصواريخ النووية من كلايد في جنوب غرب اسكتلندا، لماذا لا ندعها حيث هي؟ وقد نُصبح مثل كوريا الشمالية فيتنبه العالم لنا، أليس كذلك؟

ممثل كوميدي: لا أعرف كيف سيشعر العالم تجاه حيازة اسكتلندا أسلحة نووية، إنّه أشبه بتسليم رجلٍ مخمور صواريخ من طراز بازوكا.

[نهاية المشهد]

جولي: وكما هو الحال بالنسبة لجميع الجوانب المتعلّقة بهذه المسألة لا يوجد جوابٌ سهل، توجهّت بالسؤال إلى الخبير العسكري الدكتور فيليبس أوبرايان.

فيليبس أوبرايان: ثمّة خرافةٌ تقول إن الاستقلال يُكسب صاحبه سلطةً وقوة، والواقع أنّ ما يفعله الاستقلال هو أنّه يُلقي على صاحبه عبئاً، لأنّه لا يمكن للبلد المستقل أن يفعل ما يريد أن يفعله فالولايات المتحدة لا يمكنها دائماً أن تفعل ما تريد وتلك الرؤوس المتفجرة ليست ضروريةً جداً لاسكتلندا أو المملكة المتحدة فحسب، بل هي ضرورية في إطار السياسة العالمية وهي مهمة في إطار سياسة الاتحاد الأوروبي، وإن ما سيكون على اسكتلندا أن تفعله هو أن تتوصل إلى تسويةٍ مع المملكة المتحدة.

جولي: هناك مسائل عملية أخرى يا دكتور أوبرايان نظراً إلى أنّ اسكتلندا تُشكّل جانباً هائلاً من التركيبة العسكرية للملكة المتحدة.

فيليبس أوبرايان: ماذا ترين عندما تنظرين هناك؟ قد ترين أسلحةً نووية وقد ترين مقرّ مجلس الأمن البريطاني، وقد يرى آخرون6500 وظيفةٍ في منطقةٍ غير غنيةٍ من اسكتلندا، إذن تتوقف المسألة على ما يمكن أن يراه المرء، تطّلع اسكتلندا بدورٍ كبيرٍ جداً فيما يُسمّى المنظومة العسكرية البريطانية فعند النهر هناك توجد أكبر أحواض السفن في المملكة المتحدة وهي أحواض غلاسكو وغوفن على نهر كلايب حيث بُني كثيرٌ من السفن الحربية الضخمة، وهكذا يوجد الكثير من المرافق العسكرية في اسكتلندا توفر وظائف لكثيرٍ من الناس وإذا ما استقلت اسكتلندا فسيكون عليها أن تتكيّف مع واقعٍ جديد.

جولي: لا يرتدع القوميون الاسكتلنديون بجبل التحديات التي سيكون عليهم مواجهتها، ومع ذلك تُشير استطلاعات الرأي إلى أنّ معظم الاسكتلنديين إما أنّهم لا يريدون الاستقلال وإما أنّهم غير متأكدين مما يريدونه، في الوقت ذاته لا تستطيع وسائل الإعلام في العالم الاطّلاع على ما يكفي من هذه النقاشات، لكنّني عندما أرقب تلك المداولات هنا على بعد أمتارٍ فقط من دار البرلمان الاسكتلندي أرى أنّها تكتسب صفة الاستعجال فعلاً، فهناك امتعاضٌ متزايد في إنجلترا حيث يشعر الإنجليز أنّه سيكون من الخير لهم أن يتخلّصوا منّا.

مواطن اسكتلندي 5: أرى أنّ خير وسيلة لتحقيق الاستقلال من منظور ألكس سولموند هي أنّه إذا ما اتسع نطاق الاستفتاء بحيث يشمل إنجلترا فأغلب الظن أنّه سيفوز.

جولي: إعادة إنشاء سورٍ يفصل الاسكتلنديين عن الإنجليز أمرٌ غير وارد، لكنّ أقاليم المملكة المتحدة الأخرى ضاقت ذرعاً بتردّدنا. لقد كانت جولتي في طول اسكتلندا وعرضها جولةً رائعة لكنّها أربكتني إذ أشعر أنّ قلب اسكتلندا ليس مع هذه الرؤية الاستقلالية، وبالنسبة لي لا تتعلّق المسألة بإمكانية استقلال اسكتلندا لأنّ الإمكانية واردةٌ فعلاً، ولكن هل ينبغي لاسكتلندا أن تستقل؟ الجواب هو ليس الآن، ما يمكن أن أقبل به هو حدٌّ أقصى من اللامركزية بحيث يُنقل مزيدٌ من الاختصاصات والصلاحيات إلى اسكتلندا دون الانفصال التام وهذا ما ألمح إليه رئيس وزراء بريطانيا، لكنّ هذا ليس هو السؤال الذي يتردّد حالياً، إذن هل ينبغي لاسكتلندا أن تستقل؟ هذا سؤالٌ نظري لأنّها مستقلّةٌ من الناحية الاجتماعية فاسكتلندا الآن ليست هي اسكتلندا التي عهدتها في طفولتي بل هي بلدٌ أصبح أكثر وثوقاً بنفسه من أي وقتٍ مضى، وهل هي مستعدّة لأن تكون شجاعة؟ إذا لم يتحقّق ذلك في سبتمبر/أيلول عام 2014 فسيُطرح هذا السؤال نفسه مرّةً أخرى لأنّ 300 سنةٍ من التاريخ لا يمكن محوها.