ترك مئات آلاف الأوروبيين في السنوات الخمس الأخيرة أوطانهم وعبروا البحار في رحلة بحث عن حياة أفضل، العديد من الذين يئسوا من العثور على وظائف اتجهوا إلى المستعمرات السابقة في أميركا اللاتينية وأفريقيا، والتي باتت أكثر ازدهارا من بلدانهم، في هجرة عكسية لأنماط الهجرة المعروفة.

في شوارع قلب مدريد يوجد غضب وخيبة أمل أدت إلى موجة جديدة من الهجرة الأوروبية، فوجود ما يفوق خمسة ملايين عاطل عن العمل، وميزانية سمتها التقشف القاسي وفضائح فساد مالي مستشرية في الأوساط السياسية العليا، كل ذلك دفع بالمواطنين الغاضبين إلى الخروج بأعداد كبيرة إلى الشوارع.

لكن إسبانيا ليست الوحيدة في هذا الوضع، فالعاصمة البرتغالية لشبونة تعيش اتجاها جديدا غير معهود ما كان لأحد أن يفكر في أنها ستمر بها قبل ست سنين خلت، فمن يقف في طوابير أمام سفارات دول أفريقية هم مواطنون من الاتحاد الأوروبي يتقدمون بطلبات للحصول على تأشيرة.

وتمثل المستعمرات البرتغالية، مثل أنغولا وموزمبيق والبرازيل، أكثر الوجهات شهرة للمواطنين البرتغاليين خارج دول الاتحاد الأوروبي، وقد تضاعف عدد المهاجرين ثلاث مرات منذ السنة الماضية، فالوضع الصعب في البرتغال أدى إلى موجة هجرة من أوروبا لم يعرف لها مثيل منذ نصف قرن.

ما الذي يجعل من موزمبيق على وجه التحديد بلدا جاذبا إلى هذا الحد للعديدين؟ فهو أحد أفقر بلدان العالم، ونصف سكانه يعيشون على حوالي يورو واحد في اليوم.  

الجواب هو أن موزمبيق يوجد في خضم طفرة بفضل اكتشاف حقول غاز ضخمة ومناجم للفحم في المنطقة الشمالية للبلاد، وقد جذبت هذه المشاريع الضخمة مستثمرين من مختلف دول العالم، وباتت الحاجة ملحة إلى توظيف عمال مؤهلين، وهناك أموال طائلة تتدفق على هذا البلد من الصين والبرازيل والهند وأوروبا. وفي الوقت الذي سجلت فيه الاقتصادات الأوروبية ركودا عام 2012، ينمو اقتصاد موزمبيق بمعدل 8%.

لكن الحكومة الموزمبيقية شددت من شروط الدخول إلى أراضيها، وأولئك الذين لم يُمنحوا تأشيرة دخول في بلدانهم الأصلية يعادون إلى وجهات قدومهم فورا.

وتقول مديرة شؤون الموظفين في عيادة طبية أنطونيا خورخي إن نظرتهم إلى الأوروبيين كانت مختلفة، حيث لم ينظروا إليهم مطلقا على أنهم يحتاجون إلى القدوم إلى أفريقيا سعيا وراء حياة أفضل. و"الآن، كل هؤلاء البرتغاليين...؟! إنها سخرية التاريخ. لقد أتوا من قبل لاحتلالنا، وكوننا اليوم نستطيع مساعدتهم هو أمر أجده ممتعا بطريقة ما. أرى أن ما حدث مع هذه الحركة الجديدة للهجرة هو أن الطاولات قد قلبت، إنها نقطة تحول مفصلية".

هل يعيد التاريخ نفسه؟
في منتصف القرن العشرين، غادر ملايين الأوروبيين بلدانهم بسبب الجوع والحرب والاضطهاد، بحثا عن بدايات جديدة لحياتهم في أميركا اللاتينية، وقد كانت الأوضاع الاقتصادية والسياسية في كامل القارة الأميركية أفضل من نظيرتها في القارة العجوز.

تصطف طوابير طويلة أمام مكتب الهجرة، ولا يحتاج الوافدون الجدد أكثر من جواز سفر وشهادة من الشرطة، وتضمن لهم القوانين الجديدة الحق في العلاج والتعليم وتمنحهم الحق في الإقامة حتى إن لم يكن لهم عمل. وفي العقود القليلة الماضية كان أغلب المهاجرين يأتون من البلدان الجارة: الباراغواي والبيرو وبوليفيا، الذين عادة يشكلون فئة العمال.

غير أن الأمور تبدو أكثر صعوبة للمهاجرين في عاصمة الأورغواي التي لطالما كانت ملاذا آمنا للأوروبيين الذين يمرون بأوقات عصيبة. فوتيرة الحياة هنا أقل سرعة من مثيلتها في الجارة الأرجنتين، والوضع الاقتصادي مستقر. لكن تكاليف المعيشة أعلى والرواتب متواضعة "على المهاجرين الاقتصاديين الأوروبيين أن يقنعوا بالقليل"، هذا ما تقوله المهندسة الشابة، باتريسيا بازتان.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: مهاجرو أوروبا الجدد

ضيوف الحلقة:

-   كارمن ديلز/ مذيعة تلفزيونية

-   مارتن ماكيز دو كوستا/ موظف بنك

-   إيرما دييز/ منتجة تلفزيونية

-   لينادو كوستا/ مهندس مدني

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 10/8/2014

المحاور:

-   أكثر من 5 مليون عاطل عن العمل

-   موجة هجرة إلى المستعمرات

-   احتجاجات بإسبانيا ضد قانون الرهن العقاري

-   ترحيب أرجنتيني بالمهاجرين الأوروبيين

-   أوضاع المهاجرين الأوروبيين

تعليق صوتي: تكفي جولةٌ خاطفةٌ في شوارع قلب مدريد للكشف سريعاً عن مدى الغضب وخيبة الأمل التي أوجدت موجةً جديدةً من الهجرة الأوروبية، وجود ما يفوق 5 ملايين عاطل عن العمل وميزانيةٌ قيمتها التقشف القاسي وفضائح فسادٍ مالي مستشرٍ في الأوساط السياسية العليا كل ذلك دفع المواطنين الغاضبين إلى الخروج بأعدادٍ كبيرةٍ إلى الشوارع، وقد طبعت المظاهرات اليومية في العاصمة الاسبانية الجزء الأكبر من هذه السنة، هؤلاء الأطباء الشبان يتظاهرون ضدّ خصخصة المستشفيات وغير بعيدٍ عنهم يتظاهر موظفو إحدى المحطات التلفزيونية العمومية ضدّ خفضٍ حادٍ في الوظائف.

أكثر من 5 مليون عاطل عن العمل

كارمن ديلز/مذيعة تلفزيونية: سيكون علينا الرحيل، سيلقى بـ 925 عائلةٍ في الشوارع، لا يوجد عملٌ هنا بعد خدمةٍ تصل إلى 20 عاماً من العمل في التلفزيون فإنّه لا يوجد حل.

إيرما دييز/منتجة تلفزيونية: عمري 47 عاماً وأنا لست امرأة أعمالٍ بإمكانها الهجرة إلى الخارج هكذا وبكل بساطة، كيف أُهاجر وأتقاسم شقّةً مع شُبّان إنّه لأمرٌ مزعج.

تعليق صوتي: لكنّ اسبانيا ليست الوحيدة في هذا، فالعاصمة البرتغالية لشبونة تعيش اتجاهاً جديداً غير معهودٍ ما كان لأحدٍ أن يُفكر في أنّها ستمرُّ به قبل 6 سنين خلت، إنّ من يقفون في هذه الطوابير أمام سفارات دولٍ إفريقية هم مواطنون من الاتحاد الأوروبي يتقدمون بطلباتٍ للحصول على تأشيرات، تُمثّل المستعمرات البرتغالية مثل أنغولا وموزمبيق بالإضافة إلى البرازيل أكثر الوجهات شهرةً بالنسبة للمواطنين البرتغاليين خارج دول الاتحاد الأوروبي، وقد تضاعف عدد المهاجرين 3 مرات منذ السنة الماضية، فالوضع الصعب في البرتغال أدى إلى موجة هجرةٍ من أوروبا لم يُعرف لها مثيل، لكنّ الحكومة الموزمبيقية شدّدت الآن من شروط الدخول إلى أراضيها أولئك الذين لم يُمنحوا تأشيرة دخولٍ في بلدانهم الأصلية ستتم إعادتهم إلى وجهات قدومهم فوراً ومن المطار، ما الذي يجعل من موزمبيق بلداً جاذباً إلى هذا الحدّ بالنسبة للعديدين؟ فهو أحد أفقر بلدان العالم ونصف سكانه يعيشون على حوالي يورو واحدٍ في اليوم، ومع ذلك فإنّ موزمبيق يوجد في خضم طفرة بفضل اكتشاف حقول غازٍ ومناجم للفحم، وقد جذبت هذه المشاريع مستثمرين من مختلف دول العالم.

مارتن ماكيز دو كوستا/موظف بنك: لقد وجدت وظيفةً في القطاع المالي في أحد البنوك هنا، إنّها الوظيفة التي كنت دائماً أرغب في الحصول عليها لكن في الوضع الحالي الذي يمرُّ به البرتغال فإنّه يستحيل الحصول على وظيفة لا أحد يتم توظيفه، سريعاً بعد وصولي قدم ثلاثة أصدقاء لزيارتي لقد أتوا إلى هنا كسيّاح من أجل قضاء إجازتهم، لكنّهم بطبيعة الحال سيمضون أسبوعهم كاملاً في البحث عن فرص عمل، إذا كنت منفتحاً وسريع التأقلم مع نمط الحياة المحلي فستجد أنّ هذه مدينةٌ رائعة.

موجة هجرة إلى المستعمرات

تعليق صوتي: يحتاج الأجانب هنا إلى وثيقة سفر، والبقاء في العاصمة يتطلّب الحصول على تأشيرة، هناك أموالٌ طائلةٌ تتدفّق إلى موزمبيق من الصين والبرازيل والهند وأوروبا، وفي الوقت الذي سجّلت في الاقتصاديات الأوروبية ركوداً عام 2012 فإنّ اقتصاد موزمبيق ينمو بمعدّل 8%، العديد من شركات الإعمار البرتغالية التي لم تتمكن من الحصول على عقودٍ في المنطقة الأوروبية تعمل الآن بنجاحٍ في موزمبيق، وقد تلا ذلك قدوم عددٍ كبيرٍ من المهاجرين البرتغاليين الذين اقتفوا أثر تلك الشركات.

أحد العمال: لا رغبة لي في الحديث.

تعليق صوتي: لا يعتبر أغلب العمال أنفسهم مهاجرين.

لينادو كوستا/مهندس مدني: نحن لن نبقى هنا مدى الحياة فقط هو وضعٌ مؤت، لست هنا لمدّ جذوري في هذا البلد أنا هنا فقط لأنّي أُجبرت على الهجرة، لم أكن لأترك البرتغال أبداً باختياري.

تعليق صوتي: لن يطول بقاؤك هنا؟

لينادو كوستا: لا لا خطتي تقتضي بعودتي إلى البرتغال فور تحسن الأوضاع هناك.

تعليق صوتي: متى سيكون ذلك؟

لينادو كوستا: أولاً كان ذلك مُنتظراً عام 2013، الآن يقولون إنّه سيكون عام 2014 سنرى.

تعليق صوتي: بأي سرعةٍ يمكن لمصير بلدٍ ما أن يتغيّر، تظهر الإجابة على ذلك هنا في موزمبيق بشكلٍ أوضح منه في أي مكانٍ آخر، فالبلد تخلّص من الاستعمار البرتغالي عام 1975 وقد تلت ذلك حقبةٌ من الحرب الأهلية الدامية ولم يحلّ السلام هنا سوى في العقدين الأخيرين، تعمل أنطونيا خورفي مديرةً لشؤون الموظفين في عيادةٍ للإيدز وهي تتناول فطور الصباح برفقة زميلتها القادمة من بُلغاريا في المقهى ويقع في قلب العاصمة مادوتو.

أنطونيا خورفي/مديرة شؤون الموظفين: لقد كانت لنا على الدوام نظرة مختلفة للأوروبيين، لم نكن ننظر إليهم مطلقاً على أنّهم يحتاجون القدوم إلى إفريقيا سعياً وراء حياةٍ أفضل، والآن كل هؤلاء برتغاليون إنّها سخرية التاريخ، لقد أتوا من قبل لاحتلالنا وكوننا اليوم نستطيع مساعدتهم هو أمرٌ أجده ممتعاً بطريقةٍ ما، بالنسبة لي ما حدث مع هذه الحركة الجديدة للهجرة هو أنّ الطاولات قد قُلبت إنّها نقطة تحوّلٍ مفصلية.

تعليق صوتي: عموماً فإن المهاجرين يتجنبون المخاطرة وغالباً ما تجدهم ملتزمين، وهم يُوظّفون خبراتهم خاصةً في بداية مشوارهم المهني وباستطاعتهم أحياناً المساهمة في تنمية البلاد أكثر من عمّال الإغاثة المتخصصين، كانت امرأة الأعمال سيليه أندريه متخصصةً في العمل في قطاع السياحة في البرتغال، أمّا في موزمبيق فقد افتتحت أول مركزٍ من نوعه في البلاد لتصميم الأزياء الحديثة ويتّخذ من مادوتو مقراً له، مؤسستها تعمل مع شركاء موزمبيقيين وهو ما جعل سيليه تنتفع من تمويلٍ حكومي رسمي، تمكّنت من اكتشاف مكانةٍ لها في السوق واستطاعت تلبية الطلبات، وهناك فرص عمل جديدة واعدة.

سيليه أندريه/امرأة أعمال: لم يكن هناك شيءٌ مماثلٌ لهذا في موزمبيق، أغلب الملابس التي كانت تُباع هنا مستعملةٌ وهي مستوردةٌ من أصناف الملابس الأوروبية وكانت ذات نوعيةٍ رديئة، نحن نُقدّم منتجاتٍ تحمل علامةً تجاريةً مميزة وبأسعارٍ متفاوتةٍ تناسب قدرات مختلف طبقات المجتمع الشرائية.

تعليق صوتي: لا يعني هذا أنّه لا يوجد فقرٌ هنا، فهذه أحذيّةٌ مستعملةٌ تم تجميعها في الدول الغربية لإرسالها إلى دول العالم الفقير وهي تُباع هنا على أرصفة الشوارع، تبدو الهوّة المتسعة بين الفقراء والأغنياء جليّةً في كل مكان، لكنّ طبقةً متوسطةً جديدةً وجدت طريقها إلى التّشكل. تُرسل سيليه أبناءها إلى مدرسةٍ خاصةٍ تُديرها وتُموّلها حكومة البرتغال، يعتبر موزمبيق بلداً آمنا ومعدلات الجريمة فيه منخفضةٌ نسبياً ولهذا السبب أصبح موزمبيق وجهةً مفضلةً للمهاجرين البرتغاليين الذين يصطحبون معهم عوائلهم. مبنى المدرسة الخاصة بالمغتربين ممتلئٌ عن آخره، وقد صُمّم في الأصل لاستيعاب 500 تلميذ لكنّه الآن يستقبل 1500 تلميذ. جوليانا فليمينغ حديثة العهد هنا، وقد حصلت على عقد عملها قبل مغادرتها لشبونة، زوجها مهندسٌ معماري وهو ما زال يبحث عن وظيفة، في الوقت الحالي على الأقل هما مجبران على العيش براتبٍ واحد.

جوليانا فليمينغ/معلمة: أول شيءٍ قمنا به عند قدومنا من البرتغال كان السعي إلى العثور على غرفةٍ في بيت إحدى العائلات التي تبحث عن مستأجرين، كان علينا استئجار غرفةٍ لأنّ أسعار إيجارات الشقق كانت شديدة الارتفاع، إنّهم كانوا يُحاولون بيع منازلهم في البرتغال وهو أمرٌ بالغ الصعوبة بسبب الأزمة ليأتوا فيما بعد للاستقرار هنا في موزمبيق، العديد من الأشخاص، أخبروني بذلك.

تعليق صوتي: كل من يعتقد أنّ موزمبيق هي الدرادو أو جنّة جديدة سيصاب بخيبة أمل، فتكاليف الحياة مرتفعة والبحث عن عملٍ أمرٌ شاق فالقانون يقضي بأن يكون واحدٌ فقط من أصل 10 عمال أجنبياً، فقد وُضع نظام توزيع الحصص هذا من أجل حماية المواطنين المحليين، إلا أنّه مع ذلك يبقى موزمبيق بلداً مضيافاً وهو موطنٌ يحوي خليطاً من الثقافات، هذه حفلة إحياء مراسم ما قبل الزواج لعروسة برازيلية ستتزوج من برتغالي وقد تمت دعوة موسيقيين موزمبيقيين لإحياء الاحتفال في جوٍ يعبرون فيه عن أنّهم ليس لديهم أي شيءٍ ضدّ السادة المستعمرين السابقين.

إحدى الموزمبيقيات: نحتاج أن نبدأ بافتراض أنّه علينا أن نغفر لهم فهم لم يكونوا مدركين ماذا كانوا يفعلون بنا، نحن الموزمبيقيين لا نبغض أحداً.

تعليق صوتي: في اليوم التالي عُقد قرانُ الزوجين من قبل القنصل البرتغالي، يجب أن ينتهي حفل الزواج بسرعة فالقنصل مشغولٌ جداً، تُسجل القنصلية شهرياً أكثر من 150 وافداً جديداً ينظر الدبلوماسي بكثيرٍ من الإيجابية إلى الهجرة من بلده باتجاه الموزمبيق وأنغولا والبرازيل.

غونزالو تيليس/القنصل البرتغالي: يُساهم المهاجرون في نمو علاقاتنا التجارية وكذلك في استثماراتنا، هذه البلدان الثلاثة تشهد طفرةً في النمو الاقتصادي حالياً في حين يظلُّ اقتصاد أوروبا راكداً، أيُّ عمالٍ يُرسلهم مهاجرونا إلى البرتغال هي مهمة لبلدنا وهي الآن أكثر أهميةً من ذي قبل، هناك أيضاً ميزةٌ أخرى وهي أنّ الشركات المملوكة لبرتغاليين في موزمبيق تستورد سلعاً من البرتغال وهذا أمرٌ جيدٌ لصادراتنا.

تعليق صوتي: يصل المبلغ المحوّل عن طريق المغتربين البرتغاليين سنوياً إلى حوالي بليون يورو، لقد استفاد البرتغال من هجرة مواطنيه، لكنّ كل مهاجرٍ منهم يُواجه مخاطر كبرى، تُدرك سارة مارتيمس أنّ أمامها وقتاً طويلاً قبل أن تنتهي من سداد الديون التي اقترضتها لبدء مشروع مخبزها، فعندها فقط سيكون بإمكانها إرسال أموالٍ إلى بلدها، بدأت سارة من لا شيء وعليها أيضاً تدريب العمال لديها من الصفر ومع ذلك وبصفتها عاملةً في هذا الاقتصاد المزدهر فهي متفائلةٌ بحظوظها بينما يُخيّم التشاؤم على أوروبا.

سارة مارتيمس/صاحبة مخبز: البرتغاليون حزينون الآن وهم يحاولون البحث عن فرصٍ جديدة، ليس الأمر سهلاً بالنسبة للبرتغاليين في هذه الأوقات لكن عليك اتخاذ خطوةٍ إلى الخلف ومن ثم التفكير بإيجابية، يجب أن تكون صاحب إصرارٍ وأن تُهاجر إذا كان ذلك ممكناً، لا يجب بأي حالٍ أن تفقد الأمل.

أنطونيا خورفي: نحن الأفارقة لا نعاني من الكآبة حتى عندما لا يكون لدينا شيءٌ نأكله، حزننا لا يكاد يُرى، كيف هو الأمر لديكم؟ الأوروبيون حزانى بسبب الأزمة ولكن كيف يتعاملون مع أعراض كآبتهم؟ إنّهم يلجئون إلى المخدرات أو إلى العلاج النفسي أو يرقصون، ماذا بإمكان الأوروبيين فعله أكثر من ذلك في خلاف أنّهم يتأثرون نفسياً بحالة الوضع العام؟ لقد مرّت عدّة سنوات على بداية الأزمة الاقتصادية ولم نرَ بعد أيّة إشاراتٍ على أنّ الوضع سيتحسّن، إذن فماذا أيضاً بإمكان الأوربيين فعله؟

[فاصل إعلاني]

احتجاجات بإسبانيا ضد قانون الرهن العقاري

تعليق صوتي: لنعد إلى اسبانيا، فمنذ بداية الأزمة ارتفعت معدلات الانتحار إلى 3 أضعاف بسبب البطالة أو لأنّهم كانوا تحت التهديد بانتزاع منازلهم لعدم سداد الديون التي عليهم. لقد فقد حوالي 400 ألف اسباني منازلهم بسبب العجز عن سداد الأقساط المتعلقة برهونهم العقارية، الحماية القانونية لا توجد حتى أنّ المحكمة الأوروبية رأت أنّ هذا النظام القانوني مخالفٌ لقوانين الاتحاد الأوروبي، صدر قرارٌ المحكمة الأوروبية هذا على خلفية احتجاجات شعبية لمبادرةٍ أطلقها عددٌ من المواطنين، حيث جمع النشطاء ما يزيد عن نصف مليون توقيع.

خافيير روميرو/مهندس كومبيوتر: سنوقع على العريضة من أجل تنقيح قانون الرهن العقاري، في الوقت الراهن إذا انتزع البنك بيت شخصٍ ما عند عجزه عن تسديد الأقساط فإنّ الديون لا يتم إعادة دفعها وسيكون ذلك الشخص مجبراً على مواصلة تسديد القرض، وهكذا فإنّه يبقى مستعبداً طيلة حياته.

تعليق صوتي: هناك غضبٌ لدى الناس بسبب تقاعس الحكومة عن معالجة القضايا التي يخلقها تطبيق قانون الرهن العقاري وعدم تصدّيها لمكافحة بطالة الشباب والنتيجة هي هجرة الأدمغة فقد وجد أكثر الأشخاص كفاءةً أنفسهم مجبرين على البحث عن مستقبلهم في أماكن أخرى وفقاً لهذا الناشط فإنّ وزير العمل الاسباني قلّل من المشكلة بقوله:

أحد الناشطين: "يُغادر الشباب البلاد بسبب روح المغامرة التي لديهم، هذا ما أعتقده".

ترحيب أرجنتيني بالمهاجرين الأوروبيين

تعليق صوتي: إذن هل يُعيد التاريخ نفسه؟ في منتصف القرن العشرين غادر ملايين الأوربيين بلدانهم بسبب الجوع والحرب والاضطهاد، وغادروا بحثاً عن بداياتٍ جديدةٍ لحياتهم في أميركا اللاتينية، وقد كانت الأوضاع الاقتصادية والسياسية في كامل القارة الأميركية أفضل من نظيراتها في القارة العجوز وكان ذلك في مواصلةٍ لخط الهجرة الذي كان قائماً لمئات السنين. اليوم نجد أن ثلثي الشعب الأرجنتيني ينحدرون من أصلاب المهاجرين الأوروبيين من الجيل الأول وهذا ما يُساعد في تفسير ترحيب الأرجنتينيين وتعاطفهم مع موجات الهجرة الأخيرة إلى بلادهم رغم أنّ 4% فقط من سكان الأرجنتين الحاليين هم من الجيل الأول للمهاجرين، حقُّ الجميع في طلب الهجرة مضمونٌ في الدستور، تصطف طوابيرٌ طويلة أمام مكتب الهجرة الوافدون الجدد لا يحتاجون أكثر من جواز سفرٍ وشهادة من الشرطة وتضمن لهم القوانين الجديدة الحق في العلاج والتعليم وتمنحهم الحق في الإقامة حتى إن لم يكن لهم عمل. خلال العقود القليلة الماضية كان أغلب المهاجرين يأتون من البلدان الجارة البارغواي والبيرو وبوليفيا والذين عادةً ما يُشكّلون فئة العمال، تزايد أعداد المهاجرين الأوروبيين هو ظاهرةٌ حديثة تُذكّرنا بالأزمنة التليدة. ترك كارلوس بلانكو اسبانيا خلفه بعد أن شهِد إفلاس المطاعم التي كان يعمل فيها رئيساً للطباخين واحداً تلو الآخر، وهو عازمٌ على تحقيق النجاح في العالم الجديد.

كارلوس بلانكو/رئيس طباخين: تصل هنا إلى مكتب الهجرة مع جواز سفرك تدفع وتحصل على إقامة عملٍ مؤقتة ثم تحصل على باقي الوثائق سريعاً، لا يوجد أي مشكلة لقد بدأت أعمل بشكلٍ قانوني بعد أسبوعٍ واحدٍ من قدومي، في اسبانيا كان يُسمح للمهاجرين بالعمل بشكلٍ غير قانوني في البداية لأنّ في ذلك استفادةً للاقتصاد ثم بعد ذلك تمت تسوية وضعيتهم لأنّ الحكومة كانت تريد أن تحولهم إلى دافعين للضرائب، الآن وبسبب الأزمة فهم يدفعون المهاجرين إلى مغادرة اسبانيا وهكذا فقد تم توظيف المهاجرين واستغلالهم.

تعليق صوتي: لا يشكو كارلوس من الحنين إلى الوطن، فاللغة المشتركة والعادات المتشابهة جعلت حياته أكثر يُسراً.

كارلوس بلانكو: عندما تتجوّل في شوارع بيونس أيرس تشعر وكأنك في اسبانيا، أنصح كل من يعانون في اسبانيا ولا يجدون لهم مستقبل هناك بالقدوم هنا، لماذا لا تهاجر؟ فبإمكانك متى أردت العودة إلى المكان الذي جئت منه.

أوضاع المهاجرين الأوروبيين

تعليق صوتي: الأمور أكثر صعوبةً في مونتيفيديو الواقعة على الضفة الأخرى من ريو ديغلاتا، لطالما كانت عاصمة الأورغواي ملاذاً آمناً للأوروبيين الذين يمرون بأوقاتٍ عصيبة، وتيرة الحياة هنا أقل سرعةً من مثيلتها في الجارة الأرجنتين، والوضع الاقتصادي مستقر ولكنّ تكاليف المعيشة أعلى والرواتب متواضعة، على المهاجرين الاقتصاديين الأوروبيين أن يقنعوا بالقليل هذا ما تقوله المهندسة الشابة باتريشيا بارتان.

باتريشيا بارتان/مهندسة: يبدو الأمر وكأنّه لا وجهةً ممكنةً أمامك فالعودة إلى اسبانيا غير ممكنة والأهل يقولون لنا لا تعودوا فالوضع مزرٍ، وفي نفس الوقت أنت هنا غريب ووحيد ولا تعرف أي أحدٍ ممكن أن يُقدّم لك العون.

تعليق صوتي: تعرفت هذه الكتالونية الأروغوانية إلى صديقها بمونتفيديو وهو لاعب كرة قدم محترف لكنّه حالياً بلا عمل.

أوروغوانية: نعيش في غرفةٍ في شقة مشتركة يذهب نصف راتبي بسبب الإيجار وهو حوالي 10 آلاف بيسز أي ما يعادل 400 يورو وغالباً ما ينفذ مالي قبل نهاية الشهر، وضعي هنا غير قانوني كنت دائماً أقبض أتعاب عملي نقداً في برشلونة، لم أكن أبداً مسجلةً في الدفاتر الرسمية لقد عملت مع المهندسين منذ أن كان عمري 18 عاماً ولم أُوقع على أي عقدٍ في حياتي، مرةً أخرى أجد نفسي هنا أعمل في السوق السوداء أنهيت فترة التجربة التي تدوم 3 أشهر ونظرياً كان يجب أن أتثبت في عملي، لكنّ فترة التجربة تم تمديدها إلى شهرين إضافيين.

تعليق صوتي: الأزمات موجودةٌ أيضاً في هذا الجزء من العالم فمنذ 10 سنوات كانت بلدان جنوب أميركية مكلفة اقتصادياً وأُجبر المئات من الأشخاص على المغادرة، وقد وجد بعضهم عملاً في أوروبا وبالأخصّ في اسبانيا، أما اليوم وبعد انتعاش الاقتصاد في الأورغواي فقد عاد بعض أولئك إلى هنا،  يُدرك إيرنستو ديليبياني بحكم تجربته الشخصية أنّ عجلة القدر قد تُغيّر سريعاً في اتجاه دورانها إنّه يصنع ساعات تعمل بأنماطٍ مختلفة عقاربها تدور في اتجاهٍ معاكس، في الوقت الذي تبدو فيه أميركا الجنوبية وكأنّها تتصدّر العالم، من قال إنّ قدر الجنوب أن يكون دائماً في المؤخرة. أجداد إيرنستو هاجروا من إيطاليا نحو أميركا الجنوبية في عشرينيات القرن الماضي وقد عمل هو لبضع سنوات في أوروبا وبعد عودته إلى وطنه ها هو يصنع سمعته من خلال منتجاته التي تعكس الوقت.

إيرنستو ديليبياني/حرفي: نعيش في زمنٍ حيث يبدو كل شيء يسير نحو الأفضل لكن على أوروبا خفض مستويات استهلاكها، وهو ما قمنا بعمله منذ زمنٍ بعيد وهكذا حققنا التوازن في كل شيء، نحتاج إلى توازن أفضل على هذا الكوكب واستهلاكٍ أقل، علينا أن نتذكر أنّ أقواماً آخرين ما زالوا يعيشون في فقرٍ مدقع.

تعليق صوتي: يوجد هنا في مونتيفيديو نقصٍ في الموارد البشرية المتمرسة والقادرة على بناء اقتصادٍ صناعي، وقد أطلقت حكومة الأورغواي حملةً لتشجيع المهاجرين الأوروغويين على العودة وقد بادر عددٌ كبير إلى مغادرة المناطق الأوروبية التي تمر بأزمةٍ اقتصادية وعادوا إلى بلدانهم الأصلية.

ياويو بيتانكور/عامل بناء: أُجبرت على العودة بسبب الأزمة فقد كنت عاطلاً عن العمل في اسبانيا.

تعليق صوتي: تملك مطعم الوجبات الخفيفة امرأةٌ أرجنتينية كانت قد هاجرت إلى اسبانيا وعادت حديثاً إلى أميركا الجنوبية.

سارة مارتينس: غادرت بيونس أيرس بحثاً عن مستقبل لعائلتي التي كانت تعتمد عليّ مادياً وبعد أن تمكنت من الاستقرار في اسبانيا أصبح بإمكاني دعوتهم للمجيء والعيش معي، ثم كانوا أن استقروا في أوروبا ولي أخٌ في إيطاليا، ما تزال أمي تقيم في اسبانيا لأنّها لا تستطيع توفير المال للعودة إلى الأرجنتين وأحياناً لا يكون لهم ما يكفي من المال لتوفير الطعام، والدتي هي التي تعمل أما الآخرون فعاطلون عن العمل إنّهم يمرّون بأزمةٍ مباشرةٍ أخرى.

تعليق صوتي: لكن لا يبدو أنّه يُمثل إجماعاً لدى هؤلاء المهاجرين الشبان هو عزمهم على عدم إعادة ارتكاب نفس الأخطاء التي وقع فيها الآخرون.

أوروغوانية: إنّ جيلكم هو الذي تسبب في الأزمة، أجد أنّه من العبث اتهام والدي وأعمامي وعماتي لجيل الشباب اليوم بأنّهم كسالى وإنّهم عادةً ما يعتمدون على السكن في بيت العائلة وغير قادرين على الصمود والكفاح وأنّهم لا يفهمون السياسة، إنّي أقول لهم تمهلوا قليلاً أنتم تنتقدوننا في حين أنّكم في حقيقة الأمر مسؤولون عن الأزمة أما نحن فبعد أن غادرنا العش فها نحن نواجه الفوضى.