الطوارق هم السكان الأصليون للصحراء الكبرى التي تعد الأكبر في العالم، وهم أحد أفقر الشعوب في العالم، وأكثرهم عزلة وتسليحا.

تشرذم شعب الطوارق عبر تاريخ من الاستعمار بين مالي والجزائر وليبيا والنيجر وبوركينا فاسو، ولعقود مضت كان القذافي هو من احتوى طموحات هذا الشعب بفتحه أبواب ليبيا أمامهم تسهيلا لهجرتهم الجماعية، وقد درّب أبناءهم ليكونوا مرتزقة في حروبه الخاسرة.

رحلة خروج الطوارق من ليبيا كانت بمثابة "درب الآلام" كونهم محسوبين على نظام القذافي، فقد تم احتجازهم وتعذيبهم في الصحراء الليبية، كما تمت مصادرة كل ممتلكاتهم. وتم رميهم خارج أرض عاشوا فيها كل حياتهم.   

محمد أغدالي كان عاملا في ليبيا وقد أجبر على المغادرة مع عائلته، ويقول إنه تعرض للضرب حتى تمنى الموت "إنهم يكرهوننا بسبب القذافي.. إنهم يكرهون شعب الطوارق".

أما حمد حسن، جندي ليبي سابق، فيقول "لا يوجد مكان أنتمي إليه، حيث إني لا أعرف الكثير عن النيجر لأني لم أترعرع في هذا البلد، بل كبرت في ليبيا.. أنا فعلا تائه ولا أعرف ماذا أفعل".

في مالي المجاورة، وفي صيف عام 2011 كان الآلاف من مقاتلي الطوارق يعودون من ليبيا إلى وطن غارق في الفقر، لكن طوارق مالي كانت لديهم أسلحة القذافي ولديهم خطة لإنشاء بلد مستقل، وكانوا قد اختاروا له علما واسما من أسماء الطوارق القديمة.

كان القائد المخضرم إبراهيم بهانغا -الذي قتل في حادث سيارة غامض في جوف الصحراء- قد أقنع الطوارق المنخرطين في الجيش الليبي بترك القذافي والانضمام إليه في كفاحه لنيل استقلال دولته المسماة "أزواد". واستجاب لندائه المئات من الطوارق.

ويقول قائد في "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" مولاي سيدي محمد إن أكثرهم قد عاد من ليبيا ولديه خبرات عسكرية عالية جدا في التدريب ودورات القوات الخاصة والقتال البري واستخدام الأسلحة الثقيلة والدبابات. ويضيف قائلا "نحن أساسا لم نذهب إلى ليبيا لمساندة القذافي، بل سعيا إلى تحقيق هدفنا السامي وذلك من خلال التدريب، وبالتالي خدمة قضيتنا".

يؤكد موسى أحمد الصادق، جندي في حركة تحرير أزواد، أن مطلبهم الوحيد هو الانفصال عن حكومة مالي، ويضيف بلال بن شريف -رئيس دولة أزواد غير المعترف به، إن مسألة حق شعب أزواد في تقرير مصيرهم هي مسألة حياة أو موت.

فقر وجفاف
في شمال النيجر.. قلب موطن الطوارق يقع أحد أغنى مناجم اليورانيوم في العالم، ولكن شعبها آخر من يستفيد منه، وهي بيئة ينخرها الفقر وتحيط بها المخاطر كونها تستخدم كمنطقة مرور لمهربي المخدرات حيث من المعتاد أن يخطف الأجانب ويتم بيعهم لتنظيم القاعدة من أجل تحصيل الفدية.

يعيش عمر -وهو أحد متمردي الطوارق السابقين- مع عائلته في شمال النيجر، وعندما كان طفلا شهد أباه وهو يموت جوعا، والآن هو الذي يقوم بدور الأب، وهناك خمسة عشر شخصا يعتمدون عليه من أجل البقاء على قيد الحياة.

يكافح شعب هذه المنطقة بشكل يومي من أجل تأمين أبسط أساسيات الحياة، وقد تدفع رحلة البحث عن الماء البعض إلى الجنون في الصحارى القاحلة، كما أن الآبار التي يحفرونها بحثا عن الماء غالبا ما تنهار عليهم وتدفنهم أحياء.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: أيتام الصحراء

ضيوف الحلقة:

-   محمد اغدالي/عامل مهاجر

-   محمد حسن/جندي ليبي سابق

-   مولاي سيدي محمد/قائد في الحركة الوطنية لتحرير أزاواد

-   بلال آغ شريف/رئيس دولة أزاواد غير المعترف بها

-   عمر سيد الناس شهباني/راعي

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 3/7/2014

المحاور:

-   الخروج من ليبيا.. درب الآلام

-   الطوارق في النيجر بين فكي الفقر والجفاف

-   الحركة الوطنية لتحرير أزاواد

-   أوضاع معيشية سيئة

-   رحلة البحث عن الماء

تعليق صوتي: إنهم أحد أفقر الشعوب في العالم وأكثرهم عزلة والأكثر تسليحاً، جيشٌ من الفقراء في أرضٍ تسخو بالثروات الطبيعية، شعبٌ يمتهن الرعي في أرضٍ يقتلها الجفاف.

الخروج من ليبيا.. درب الآلام

الطوارق هم السكان الأصليون للصحراء الكبرى، أكبر صحراءٍ في العالم، شعب شُرذم عبر تاريخٍ من الاستعمار بين مالي والجزائر وليبيا والنيجر وبوركينا فاسو، وطنٌ يمتد فوق أكبر مخزونٍ للطاقة في إفريقيا، إنّ حلمهم بإقامة دولةٍ مستقلة في الصحارى يشكل تهديداً لخمس دول وللمصالح الحيوية لقوةٍ عظمى، لعقودٍ مضت كان الزعيم الليبيّ معمر القذافي هو من احتوى طموحات الطوارق بفتحهِ أبواب ليبيا أمامهم تسهيلا لهجرتهم الجماعية، وقد قام بتدريب أبنائهم ليكونوا مرتزقة له في حروبه الخاسرة، والآن فقد رحل الرجل الذي كانت له القدرة على السيطرة عليهم، لقد عاد الطوارق إلى ديارهم، عاد ربع مليون عامل ومقاتل إلى النيجر أفقر دولةٍ في العالم، معدمين بلا مأوى حاملين كل ما يملكون، لقد وصلوا إلى وطنٍ معظمهم لم يروهُ منذ عقود، مهللين لأنهم نجوا من رحلة الهروب من ليبيا، رحلةُ من يسقط فيها يترك في الصحراء إلى الأبد، رحلةُ خروج الطوارق من ليبيا كانت بمثابة درب الآلام كونهم محسوبين على نظام القذافي، لقد تم احتجازهم وتعذيبهم في الصحراء الليبية كما سُلبوا كل ما ملكوا، وتم رميهم خارج أرضٍ عاشوا فيها كل حياتهم، لقد كانوا الخاسرين في الحرب، محمد اغدالي كان عاملا في ليبيا وقد أُجبر على الفرار مع عائلته.

محمد اغدالي/عامل مهاجر: لقد فتحوا النار علينا من كل صوب، صرخوا فينا انبطحوا انبطحوا وإلا سنقتلكم جميعاً، ما إن أنزلونا من الشاحنة حتى بدؤوا بضربنا وجلدنا بأحزمتهم وكسروا ساق أحدهم في حين أُصيب آخرون في رؤوسهم، ثم استجوبوني من أنتم، لماذا لا تغادرون؟ ما الثورة الجديدة التي تخططون لها؟ ثم ضربوني تكراراً حتى تمنيت الموت، إنهم يكرهوننا بسبب القذافي، إنهم يكرهون شعب الطوارق.

محمد حسن: الله ومُعمَّر وليبيا وبس..

تعليق صوتي: قضى محمد حسن ذو الخامسة والعشرين حياته كلها في ليبيا حتى أنه تصور نفسه ليبياً وانضم إلى جيش القذافي، لكن محمد حسن ليس من أبناء ليبيا.  نادراً ما منح القذافي الجنسية للمهاجرين الأفارقة بغض النظر عن عدد حروبه التي خاضوها أو عدد السنين التي عاشوها في ليبيا، والآن فإن مرتزقته قد ملئوا شوارع أغادير عاصمة الصحراء الشمالية للنيجر بلا مأوى وبلا عمل. هناك الآلاف مثل محمد حسن ممن وجدوا أنفسهم فجأة في وطنٍ لم ينشئوا فيه، يتفرجون على سباق سياراتٍ سُرقت من ليبيا محاولين نسيان الحرب.

محمد حسن/جندي ليبي سابق: عندما أرى سعادة الناس هنا أتذكر ليبيا وينتابني الحزن، كتيبتي كانت كبيرة وفيها الكثير من الناس، بعض رفاقي هربوا ولكن أغلبهم ماتوا، لقد تركت أبي في البيت مع ممتلكاتنا وسيارتي وعندما عدت كان كل شي قد أصبح رماداً ولم أستطع تمييز شيء، أبي مات في القصف وكانت تلك صدمةً كبيرة لي ولم أعد أستمتع بالحياة، لا يوجد مكانٍ أنتمي إليه حيث أنني لا أعرف الكثير عن النيجر لأني لم أنشأ في هذا البلد بل كبرت في ليبيا، أنا فعلاً تائه ولا أعرف ماذا أفعل.

تعليق صوتي: لعقودٍ مضت كان أهل الصحارى يتطلعون لشمال إفريقيا على أنها المنقذ، هذه أفقر بقاع الأرض على الإطلاق ومصادر الرزق القادمة من ليبيا تعيل مئات الآلاف من الأنفس.

أحد الطوارق: كل الطوارق الذين تراهم هنا أفادوا من القذافي، نحن نبكي فقداننا له لأن كل الذي بنيناهُ هناك كان بفضل القذافي.

الطوارق في النيجر بين فكي الفقر والجفاف

تعليق صوتي: الطوارق يعيشون على الماشية والرعي في حياتهم، معتمدين كليةً على الأمطار لكن التغييرات المناخية جعلت صحرائهم أكثر جفافاً وأقل حياةً عاماً بعد عام. ليبيا القذافي فتحت لهم الحدود وأسواق العمل مما مكنّهم من استعادة القطعان التي أبادتها عقودٌ من الجفاف.

أحد الطوارق: من هرب من ليبيا إلى النيجر أفقر الآن حتى من الأرض التي نقف عليها، هل تعرفون ما هي النيجر، انظروا إلى الغبار تحت أقدامكم، إنه عقيم لا حياة فيه، هذا هو وجه الفقر لقد جاءنا اليوم الذي لم يعد لدينا فيه أي خيارات، لم يتبق لنا الآن غير الله لقد أصبحنا أيتاماً.

تعليق صوتي: بعد وفاة والديه لم يعد لدى محمد حسن إلا قريبة واحدة على قيد الحياة، وها هو يتوجه الآن إلى أرض الأسلاف بحثاً عن قريبته، إنها رحلةٌ إلى عالمٍ لم يرهُ منذ أن كان في السادسة من عمره، لقد اعتاد على خيرات ليبيا ولهذا فإنّ صدمته كبيرة من مستوى المعيشة هنا.

محمد حسن: عرفتيني يا جدتي؟

الجدة: من أنت؟

محمد حسن: محمد.

الجدة: أيُّ محمد؟

محمد حسن: محمد حسن

الجدة: مَن؟

 محمد حسن: محمد حسن أنا حفيدك.

الجدة: أنا جدتك؟

محمد حسن: نعم.

الحفيدة: أيتها الجدة ألا تعرفين محمد؟

الجدة: محمد؟ محمد ابن مَن؟

الحفيدة: حسن، إنه ابن حسن وزينب ما زلتِ لا تتذكرين.

الجدة: لا بل إني لا أتذكر من تكونين أنتِ نفسك.

محمد حسن: ترعرعت في خير ليبيا وكنت أظن أن كل شعبنا كانوا يعيشون في ظروفٍ مشابهة، أبي لم يخبرني بالحقيقة أبداً، إنه الجوع المطبّق هنا حياة الصحراء قاسيةٌ وصعبةٌ جداً حتى على الشباب، فكيف سيتحملها كبار السن؟ لا أطيق ظروف العيش التي يعانيها أهلنا هنا، إنهم محرومون حتى من الاستحمام، لا يوجد ضوء ولا كهرباء ولا شبكة هواتف للتواصل مع بقية العالم، البرد قارصٌ في الليل هنا، الناس الذين يعيشون في الصحراء يمرضون دائماً بشتى الأمراض، لا يوجد مستشفيات والتحاليل الطبية معدومة، الناس يتعودون على كل هذا ولكن يا الهي هذه الصحراء قاسية، هذه الصحراء قاسية.

الحركة الوطنية لتحرير أزاواد

تعليق صوتي: في مالي المجاورة وفي صيف عام 2011 كان الآلاف من مقاتلي الطوارق يعودون من ليبيا إلى وطن غارقٍ في الفقر لكن طوارق مالي كان لديهم أسلحة القذافي ولديهم خطة لإنشاء بلدٍ مستقل وكانوا قد اختاروا له علماً واسماً من أسماء الطوارق القديمة. ومن عمق الصحراء كان هناك رجلٌ يسابق الريح كي يلتقيهم، إنّه العقل المدبر لحركة المقاتلين والأسلحة من ليبيا، إنّ لديه القدرة على توحيد مقاتلي الطوارق وهو بصدد بدء أكبر ثورة تشهدها الصحارى منذ قرنٍ من الزمن، لا يعير إبراهيم بهانغا أيُّ اهتمامٍ لجواز سفره الماليّ بل إنه لا يعترف بالدول والحدود التي فرضها الفرنسيون، بالنسبة له فإن الصحارى هي أرض الطوارق وهم في طريقهم لاستعادتها الآن. ولكن من خلال مربضه في الصحراء كان قد توقع أمراً ما سيحصل، فالطوارق لن يكونوا الوحيدين الذين سيخرجون من ليبيا المنهارة ومعهم الكثير من الأسلحة ولديهم خطة عمل، كان تنظيم القاعدة يستعد أيضاً لتحقيق حلم بن لادن في أفغانستان الجديدة في الصحارى، لم يصل بهانغا إلى اجتماعه مع المتمردين أبداً فقد وافته المنية قبل الاجتماع بساعاتٍ قليلة. قبل أن يوافيه الأجل كان القائد المخضرم إبراهيم بهانغا قد أقنع الطوارق الذين المنخرطين في الجيش الليبي بترك القذافي والانضمام إليه في كفاحه لنيل استقلال دولته المسماة أزواد، لقد استجاب لندائه المئات من الطوارق ووصلوا إلى جبال زكاك النائية والمحاذية لحدود مالي الشمالية مع الجزائر وذلك استعداداً للحرب المقبلة.

مولاي سيدي محمد/قائد في الحركة الوطنية لتحرير أزاواد: لدينا أعداد هائلة أتوا من ليبيا من بلاد الحرب إلى الآن يأتون، كثيرون تلقوا تدريبات على مستوى راقي من التدريب، دورات صاعقة أو دورات متخصصة مشاة والمدفعية والدبابات والى آخره، نحن بالأساس لم نذهب لمناصرة القذافي، نحنا ذهبنا لقضيتنا لدينا قضية ولدينا هدف من التدريب والتكوين، وهي قضيتنا، من طرابلس أتينا بالمعدات العسكرية وهي غير موجودة من قبل وسنستفيد منها إن شاء الله في هذه الحرب.

أحد الطوارق: نحنا تعلمنا في الغربة، ما قرينا في مالي ما فهمنا في مالي ما تعلمنا في مالي قرينا غير في الغربة نحنا خرجنا من مالي خرجنا أولاد صغار مال الواحد 7 سنين 8 سنين رحنا الغربة حتى اليوم بس رجعنا لبلادنا هنا رجعنا بس نحرر بلادنا بش أي إمكانية نحنا نحرره.

موسى أحمد الصادق/جندي في حركة تحرير أزاواد: ما عندنا طلب غير الانفصال إنهاء الحكومات المالية هذا يتطلب انتفاض شعب أزاواد كامل. 

تعليق صوتي: أطلق متمردو الطوارق على أنفسهم اسم الحركة الوطنية لتحرير أزاواد، وهي مجموعة تستهوي الطوارق في خمس دولٍ من المنطقة من أجل تسويق مفهوم الانفصال عن مالي، وفي حوزتهم كميات من الأسلحة غير مسبوقة لتحقيق ذلك. أصبح قائدهم إبراهيم بهانغا يشكل خطراً على الحكومات الإقليمية وعلى بزوغ تنظيم القاعدة في الصحارى، فقبل ساعاتٍ قليلة من اجتماع قمة موحد ومهم كان سيجمع كل قادة المتمردين قُتل إبراهيم بهانغا في حادث سيارةٍ غامض في جوف الصحراء. كان ضربةً موجعةً لأعضاء الحركة خاصةً أن ثورتهم لم تبدأ بعد، ولكن قائدهم السياسي الشاب كان مصمماً على الاستمرار.

بلال آغ شريف/رئيس دولة أزاواد غير المعترف بها: حق تقرير المصير للشعب الآزاوادي مسألة حياة أو موت، اليوم القرار الآزاوادي قرار نهائي في ما يتعلق باستعمار حقوقهم التاريخية، حق إقامة كيان يخصهم، حق إقامة دولة ليس مطلب اليوم، بدءا منذ عام 1957 عندما وقعت مجموعة شخصيات آزاوادية عريضة تقدموا بها الحكومة الفرنسية، منطقة آزاواد لا يربطها بمالي سوى وجود الجيش المالي وقوات الأمن المالية في منطقة آزاواد، وهذا الجيش لم يعد له أي دور فيما يتعلق بحماية استدامة الأمن أو الاستقرار في المنطقة، لم يعد له أي دور سوى اضطهاد الناس وزرع الخوف والإرهاب في نفوس سكان منطقة آزاواد.

تعليق صوتي: كان شباب الطوارق يلتحقون بحركة التحرير قادمين من كل القرى الواقعة في صحارى مالي، لقد عاد شيخو لتوه من العاصمة الوطنية هارباً من التظاهرات ضد شعب صحراء الشمال، ففي مالي يشكل الطوارق أقلية في حين كان الشعب في الجنوب غاضباً من محاولة الطوارق تقسيم البلاد.

شيخو الكبير/منتسب في حركة تحرير أزاواد: كانوا يبحثون عن الأشخاص ذوي البشرة الفاتحة ولذا فقد اضطررت أن اختبأ، لقد كنت محظوظاً لأنهم لم يجدوني، لو وجدوني لحاولوا قتلي، عندما عدت إلى هنا وجدت ماشيتنا على وشك النفوق جوعاً، لم تكن تقوى حتى على الوقوف، كنا نساعدها كي تقف على قوائمها ماشيتنا تنفق عن بكرة أبيها، لا يوجد أي شيءٍ تقتات عليه.

في مالي تستمد الدولة قوتها من القبائل الصراعية في المناطق الجنوبية شبه الصحراوية، أما الصحارى الشمالية الشاسعة فهي مناطق غير متطورة وبعيدة عن كل أشكال الخدمات ومراكز اتخاذ القرار، لقد انتفض الطوارق 7 مرات ضد مالي والنيجر منذ الاستقلال عام 1960 حيث أن قرىً نائية مثل هذه هي التي تمد المتمردين بالمقاتلين المشاة، 7 عائلات هنا فقدت آبائها الذين قتلوا من قبل الجيش في إحدى الانتفاضات السابقة للطوارق في حقبة التسعينات.

شيخو الكبير: الجيش قتل أبي لقد كان بريئاً ولم يشترك أبداً مع المتمردين، كان في طريقه للسوق بصحبة أقاربنا لكي يبيعوا بعض الماشية، ما إن رآهم جيش مالي حتى فتح النار عليهم وقتلهم، دولة مالي لم توفر لنا شيئاً، كل المطلوب منا هو أن ندفع الضرائب دون أن يقدموا أي شيء في المقابل، لا يوجد ما يكفي من الطعام الحكومة لا تقدم أي إمدادات لا للناس ولا للماشية، لا التنمية ولا برامج المساعدات تصل إلى مناطقنا أبداً، الفقر يكاد يقضي علينا وعندما تصل إمدادات الطوارئ يحتفظون بها لأنفسهم في الجنوب، لا توجد مشاريع تنموية ولا تطوير لا شيء لنا بتاتاً ولهذا فقد انتفضنا لم نعد نرغب بالعيش معهم بعد الآن.

تعليق صوتي: قرر شيخو ورفاقه الانضمام إلى حركة التحرير للقتال من أجل دولةٍ مستقلة في شمال مالي، لكن الصحراء اليوم تُخبأ متمردين آخرين بأجندات مختلفة كلياً، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قوات عسكرية سرية بالغة القوى في الصحارى، القاعدة أيضاً كان لديها تصورها الخاص في شمال مالي ولكنهم ليسوا بحاجة إلى وطنيين علمانيين، ما تريده القاعدة هو إمارة إسلامية تقوم على تعاليم الشريعة ولقد وجدوا لهم مغيثاً محلياً من الطوارق أنصار الدين، إنها مليشيا إسلامية صغيرة تكونت للوقوف بوجه حركة التحرير، أنصار الدين كانوا أيضاً منهمكين في تجنيد رجال المنطقة لتنظيمهم.

صحفي استقصائي: لماذا تريد أن تكون أحد المجاهدين؟ قل لأنك تريد ترسيخ الإسلام وتطبيق الشريعة. لماذا؟ قل لأن النظام الكاسر منعنا من ممارسة ديننا.

أحد الطوارق: لأني أريد تطبيق الشريعة الإسلامية، لأن الكفار استبدلوا الإسلام فانخرطت لكي أعيد الإسلام.

وفيما استعدت حركة التحرير لشن حرب الاستقلال، بدأ تنظيم القاعدة بأخذ مواقعه للاستفادة من الفوضى القادمة، في يناير من عام 2012 كانت مالي تجلس على فوهة بركان، دولةٌ على وشك الانفجار.

[فاصل إعلاني]

تعليق صوتي: نحن هنا في شمال النيجر قلب موطن الطوارق إنها بيئةٌ ينخرها الفقر وتحيط بها المخاطر كونها تُستخدم كمنطقة مرورٍ لمهربي المخدرات، حيث من المعتاد أن يُخطف الأجانب ويتم بيعهم للقاعدة من أجل تحصيل الفدية، هناك حدودٌ مشتركة طويلة بين شمال النيجر وشمال مالي وهي حدودٌ لا تعني شيئاً لطوارق تلك المنطقة إنها على مرمى حجر من آزاواد الدولة التي يحلمون بها في شمال مالي والتي يعرفها الناس باسم آزاواغ، كما هو الحال في شمال مالي فإن منطقة أزاواغ في شمال النيجر تعج بالمتمردين السابقين والجنود العائدين من ليبيا، قوم ﻻ يتقنون شيئا غير القتال ولا يحلمون بشيء إلا دولة الطوارق، عمر هو أحد متمردي الطوارق السابقين يعيش مع عائلته في شمال النيجر، هذه المنطقة تحوي أحد أغنى مناجم اليورانيوم في العالم، ولكن ﻻ يصل الشعب إلا الفتات. ﻻ يوجد في هذا المكان خدمات الماء ولا الكهرباء ولا مدارس ولا مستشفيات ولا وظائف، آخر وظيفة عمل بها عمر هي القتال كمرتزق للقذافي ضد قوات الناتو وضد الثورة الليبية.

أوضاع معيشية سيئة

عمر سيد الناس شهباني/راعي: أخبرونا بأننا لو نجحنا في أداء المهمة فسوف يدفعون لنا مبالغ طائلة وعدونا بأربعين ألف دولار لكل منا، وصل بنا البأس إلى الحد الذي لم يعد يهمني كيف سأموت، سيان عندي إن عشت أو قتلت، لكنني لو حصلت على المال فسوف أتمكن من حل مشاكلنا لقد تجاهلت كل شيء آخر أمامي كما لو كنت أعمى.

تعليق صوتي: عندما كان طفلا شهد عمر أباه وهو يتضور جوعا والآن هو الذي يقوم بدور الأب وهناك خمسة عشر شخصا يعتمدون عليهم للبقاء على قيد الحياة، والدته أماماتو مريضة لكن العائلة ﻻ تملك المال اللازم لعلاجها، في حين عاد عمر من الحرب في ليبيا خالي الوفاض.

أماماتو بنت تيغزالي/أم عمر: قصة ابني قصة رجل يطارده الفقر والجوع وكما ترون من منظر النساء والأطفال من حولنا لقد أجبر على الذهاب إلى ليبيا، مكره أخاك ﻻ بطل، الحياة في الصحراء هي معاناة دائمة مع الجوع فالطعام قليل الذي تجده اليوم لن تجده غدا كما أنك قد تنام عطشانا اليوم وستجد شربة ماء غدا هذا هو نمط حياتنا اليومية منذ الجفاف الكبير الذي ضرب بلادنا عام 1984.

تعليق صوتي: يقوم عمر برحلة يومية تستمر أربع ساعات إلى البئر من أجل أن يوفر الماء لعائلته، أما العشب الذي يقيم أود الماشية فينمو في مكان أبعد بكثير عن البئر إن شعب هذه المنطقة يكافح بشكل يومي من أجل تأمين أبسط أساسيات الحياة. إن رحلة البحث عن الماء في الصحارى قد تدفع ببعضهم إلى الجنون كأحمد شقيق عمر الذي لا يتحدث إلا همسا، وهذا عمه محمد الهائم في الصحراء وغالبا ما يختبئ في الآبار الجافة.

رحلة البحث عن الماء

أماماتو بنت تيغزالي: فقدا عقليهما معا في ذات اليوم حينما كانا يبحثان عن الماء في واحدة من أقسى سنين الجفاف في الصحاري، كان ذلك قبل حوالي ستة عشر عاما حينما تعطلت مضخة الماء في البئر القريب منا وعانينا من عطش لا يوصف، كانت درجات الحرارة عالية جدا ذلك العام لدرجة أن حكماءنا تنبئوا بأنها ستؤثر على عقول الرجال، لقد أمضينا أياما وليال في الصحراء بحثا عن شربة ماء وعندما عادا كان الجنون قد تمكن منهما.

تعليق صوتي: إن الماشية هي مصدر الرزق الوحيد للعائلة وعمر هو الوحيد من يقوم بالرعي لأنه آخاه العاقل الوحيد يقضي عقوبة بالسجن لمحاولته الدخول بطريق غير شرعي إلى ليبيا من أجل العمل، ولهذا فإن عمر مسؤول عن عائلته بالإضافة إلى عائلة أخيه عدا عن بعض الأفوه الإضافية التي يجب إطعامها أيضا خصوصا بعد الحرب في ليبيا، فالإخوان عبد الله وحميد أرسلا للعيش مع ابن عميهما عمر بعد أن توفيت والدتهما في قصف لطائرات الناتو لطرابلس، قيل للولدين بأن أمهما تتلقى العلاج في إحدى مستشفيات ليبيا إنهما ﻻ يعرفان بحقيقة موت الوالدة لكنهما يشكان في الأمر، يسير الوالدان لمدة ساعة يوميا فوق التلال للوصول إلى المدرسة الوحيدة المتوفرة في منطقتهم، ما يتعلمانه هنا من آيات سيشد أزرهما في مواجهة قسوة الحياة، تعلمهما الصبر وتقبل ما لا يمكن تغييره وإنهما في خضم المجهول والموت مرتبطان بقوة خالدة أبدية، ومع توفر هذا النوع من التعليم فقط سيبقون كلهم أميين، في ليبيا بدأ حميد بتعلم القراءة والكتابة والآن فهو يعيد تهجئة الحروف المرة تل والأخرى دون أن يتمكن من تكوين كلمة، وجوده الآن في الصحراء قد وضع نهاية لمسيرته التعليمية، عندما يحل المساء فإن عمر ورفاقه يبذلون جهدهم مع الولدين وذلك بمحاولة تعليمهما بعض الكلمات التي التقطوها خلال بعض الرحلات إلى ليبيا والجزائر، لكن من الصعب تذكرهم فكل جيل هنا يعاني من الأمية كمعظم شعب النيجر.

عمر سيد الناس شهباني: ﻻ يمكن إنشاء مدرسة بدون ماء، والماء مفقود هنا نحتاج إلى بئر حاولنا حفر بئر وجمعنا بعض الأموال من جهود سنوات عمل طويلة في ليبيا لكننا تعبنا ومن ثم استسلمنا نحن ببساطة عاجزون عن تحقيق ذلك.

تعليق صوتي: في غياب المساعدة من الدولة لحفر آبار مناسبة يضطر الناس إلى حفر أنفاق في الصحراء بأيديهم بحثا عن الماء، يحفرون آبارا عميقة بطرق بدائية غالبا ما تنهار عليهم وتدفنهم أحياء.

عمر سيد الناس شهباني: هل ترى ذلك الرجل داكن البشرة ذا العمامة البيضاء؟ لقد ابتلعه البئر الذي يقف بجانبه بشكل كامل فاختفى تحت الرمال وعندما ناديت على الرجال لدخول البئر لكي ينقذوه رفضوا خوفا من انهيار البئر عليهم حيث إن هذه الآبار تنهار باستمرار ومن ثم علينا الحفر لإنقاذ الضحايا. كان أخي في قاع البئر جاثيا على ركبتيه يحاول تثبيت جوانب البئر عندما بدأ الرمل ينهار من الأعلى دُفن تحت الرمال في غضون ثوان ولم يكن هناك شيء يمكنني عمله لإنقاذه لقد مات. إن حفر بئر قد ينهار عليك هو تماما مثل مواجهتك لقوات بندقية أنت تعرف أنك مستهدف لكنك ﻻ تعرف إن كنت ستقتل أم ﻻ، الحاجة الماسة هي ما يدفع شبابنا إلى الآبار التي قد تنهار عليهم أن ذلك ما يدفعهم إلى الحرب.

تعليق صوتي: في السابع عشر من يناير عام 2012 بدأت انتفاضة جديدة في مالي باشر متمردو الطوارق من خلال حركة تحرير الشمال حربهم من أجل أزاواد الدولة المستقلة التي كانوا ينوون إنشاءها في شمال مالي، لكن المتمردين الانفصاليين لم يكونوا وحدهم في هذه الحرب فكل خطوة تأخذها الحركة كان تنظيم القاعدة لها بالمرصاد، وذلك عن طريق حليفهم المحلي أنصار الدين الذين كانوا ﻻ يقلون شراسة عن الطوارق في الحرب على حكومة مالي وكانوا متأهبين لفرض نفوذهم على أي أرض يطالونها، تحت مطرقة الانفصاليين الطوارق وسندان المجاهدين المخضرمين بدأ شمال مالي يسقط في يد المتمردين واستسلم جيش مالي أو هرب باتجاه الجنوب، كان مقاتلو حركة التحرير يؤملون في أن يشاركهم القتال طوارق النيجر خصوصا لأن قائدهم الأخير إبراهيم بهانغا كان قد زرع منذ سنوات فكرة انتفاضة جماعية لطوارق المنطقة لكن موته حرم القضية من قائدها المُوحد، بعدها جاء أسوء فصل جفاف عرفته النيجر في سنوات ناسفاً في ذلك أي أمل في انتفاضة إقليمية كبرى، عندما انخرطت مالي في حربها في شمال النيجر كان المتمرد السابق عمر عاجزا عن الالتحاق بالانتفاضة كان تأثير الجفاف كارثيا على عمر وعائلته، فقد نفقت مئات آلاف من الماشية في المنطقة في حين خسر عمر وعائلته نصف قطيعه، هذا القطيع الذي تم جمعه من جهود عشر سنوات من العمل في ليبيا وعندما هطلت الأمطار أخيرا كان الوقت متأخرا بعض الشيء.

أماماتو بنت تيغزالي: لقد أصيبت الماشية بالضعف والأمراض بسبب الحر والجفاف، في البداية نفق صغار الماعز ومن ثم نفقت أمهاتها، لقد تغيرت بيئتنا بكل معنى الكلمة كان مختلف أنواع النباتات ينتشر هنا ولكنها الآن اختفت كلها لم نعد نقوى على شيء ﻻ ماء ولا مرعى ﻻ نستطيع فعل شيء.

 تعليق صوتي: مع تغير الفصول كان هناك خبر سعيد واحد للعائلة لقد أطلق أخيرا سراح شقيق عمر الذي سجن بسبب محاولته دخول ليبيا بطريقة غير شرعية، وقد جاء ببعض الحلويات للأطفال على سبيل الاحتفال، لكن عبد الله وحميد ﻻ تهمهما الحلوى القادمة من ليبيا بل يريدان أخبارا عن والدتهما وليس هناك أي أخبار، ومرة أخرى فقد هام العم محمد المجنون بعيدا وشقيق عمر والوالدة أماماتو يبحثان عنه في الصحراء.

أماماتو بنت تيغزالي: هو يذهب إلى الآبار ويدخلها ﻻ أحد يعرف كيف يفعل ذلك، نقتفي آثار أقدامه فنعثر عليه في الداخل، بدأ يفعل ذلك منذ أن أصيب بالجنون يذهب إلى هناك حتى في منتصف الليل.

تعليق صوتي: محمد الذي أصيب بالجنون بعد أن خرج يوما للبحث عن الماء لعائلته لم يراه أحد بعد اليوم.

أماماتو بنت تيغزالي: القلق والخوف هما السبب وراء إصابتي بالمرض أخاف أن يختفي أحبائي وأن ﻻ يعودوا وأنا أريدهم أن يضلوا هنا معي إلى الأبد، ما أن يبتعد أحدهم حتى يصيبني ألم مستمر في قلبي، وجودهم بقربي فيه الشفاء من كل علة.

تعليق صوتي: ولكن مع نفوق الماشية وعودة شقيق عمر ينبغي أن يذهب أحدهم للحصول على المال ويعلم عمر بأن الدور عليه هو.

عمر سيد الناس شهباني: إن بقينا معا هنا سينفذ مخزون غذائنا وسيتضور الأطفال جوعا بين أيدينا، أنا في وضع صعب جدا حيث ضاع عمي ونحن في بحث دائما عنه هذا عدا عن أخي المجنون الهائم في الصحراء أيضا كما أنه علي أن أعتني بأقربائي من المرضى والعديد من الأطفال، علي أن أعتني بالكثير من الناس، عليك أن تقبل بكل ما يأتي به القدر ولكن ﻻ توجد حياة أقسى من هذه ولا أراني أجد مخرجا إلا بالعودة إلى ليبيا ﻻ مخرج لي إلا ليبيا.

تعليق صوتي: لمقارعة الجفاف القاتل فإن الأمة ستدب بها الحياة ثانية، اختار الآلاف من طوارق النيجر الهجرة عوضا عن الحرب، ورغم عدم امتلاكهم لأي مستندات أو جوازات سفر مخاطرين بأرواحهم بمحاولتهم العودة إلى ليبيا لأنهم ﻻ يستطيعون أن يقيموا وتد أنفسهم في بلدهم.