في 17 سبتمبر/أيلول 1948 حضر الكونت فولك برنادوت، ابن شقيق ملك السويد إلى القدس كوسيط للأمم المتحدة في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في فلسطين، لكن قبل أن تبدأ مهمته تم اغتياله من طرف مجموعة صهيونية متطرفة، حيث تعرض موكبه لكمين أثناء مروره على الجانب الإسرائيلي من المدينة.

"مقتل الرجل النبيل" هو عنوان الحلقة الثانية من برنامج "عالم الجزيرة"، وهي تروي قصة خذلان التطرف لجهود السلام، وتغيير الاغتيال لمجرى التاريخ، وعواقبه التي ما زالت تشوه وجه الشرق الأوسط.

وبشأن اغتيال برنادوت، يؤكد المؤرخ الإسرائيلي بارزوهار أنه تبين وقتها أن الكونت "كان عدوا لإسرائيل وللأحلام الصهيونية"، لكن آفي شلايم من جامعة أسكفورد ينفي ذلك، ويقول "لم يكن برنادوت عدوا لليهود، ولا يوجد في سجله ما يؤكد أنه كان عدوا للسامية".

ولد برنادوت عام 1895، والده هو الأمير أوسكار بيرناندوت، ابن الملك أوسكار الثاني ملك النرويج والسويد، تمتع بملكة خاصة في اللغات فأتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

ذاع صيت برنادوت بعدما قام بمهمة الوساطة لألمانيا النازية، في واحدة من أكثر المهمات الإنسانية شجاعة خلال الحرب العالمية الثانية، نجح خلالها في تحرير ثلاثين ألف سجين من معسكرات الاعتقال، كان ثلثهم من اليهود.

عام 1937 أصبح برنادوت رئيسا للحركة الكشفية السويدية، ثم باتت القضايا الإنسانية محورا لحياته، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في الأول من سبتمبر/أيلول 1939 عندما غزت الجيوش الألمانية بولندا، وفي صيف 1940 احتل النازيون النرويج والدانمارك.

في أكثوبر/تشرين الأول 1943، نظم الصليب الأحمر السويدي بقيادة برنادوت عملية تبادل للأسرى بين الحلفاء وألمانيا النازية في ميناء غوتنبورغ السويدي، وفي العام التالي وفي عملية مماثلة تم تبادل عشرة آلاف أسير.

نجح الكونت والصليب الأحمر في إرسال سبعين ألف طرد من الطعام والملابس للمعتقلين الإسكندنافيين في المعتقلات النازية، وفي فبراير/شباط 1945 وبعدما ساءت الأحوال في المعتقلات النازية تدخلت الحكومة السويدية، فتقرر إنقاذ كل المعتقلين بواسطة بعثة للصليب الأحمر السويدي وكان الكونت هو قائد المهمة.

نظم الكونت حملة لإنقاذ السجناء في مختلف المعتقلات النازية، وتم إخبار الحلفاء الذين كانوا يسيطرون وقتها على الأجواء الألمانية، فطلبوا منهم طلاء الحافلات التي خصصت لنقل المعتقلين بالطلاء الأبيض حتى لا يتم قصفها، وهو الاسم الذي أطلق لاحقا على الحملة.

وكللت العملية بإطلاق سراح 19 ألف شخص من السجون والمعتقلات، حسب ما أكد الكونت برنادوت نفسه.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: مقتل الرجل النبيل.. الحافلات البيضاء ج1

ضيوف الحلقة:

-   جوران بيرن/مؤلف كتاب مقتل برنادوت

-   ميخائيل بار زوهار/مؤرخ إسرائيلي

-   آفي شلايم/جامعة أكسفورد

-   برتيل برنادوت/نجل فولك برنادوت

-   أرند بيركيمبر/الجامعة الحرة- برلين

-   أولريك يانسن/مؤرخة ألمانية

-   ستيغ يالمارسون/متطوع في الصليب الأحمر السويدي

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 14/6/2014

المحاور:

-   أول زواج لنبيل أوروبي على الأراضي الأميركية

-   خطة السويد الدفاعية في الحرب العالمية الثانية

-   السويد وسيط محايد

-   برنادوت وقدرته على التفاوض

-   الإفراج عن المعتقلين الاسكندنافيين

-   مهمة محفوفة بالمخاطر

-   معسكر نوينغاما ومهام الحافلات البيضاء

تعليق صوتي: مهبط صغير للطائرات شمالي القدس واليوم مهمل ومهجور لكن لسنوات طويلة كان مطار قلنديا هو بوابة الدخول إلى فلسطين، في صبيحة السابع عشر من سبتمبر/ أيلول عام 1948 وصلت إلى هنا طائرة بيضاء تحمل علامات الأمم المتحدة والصليب الأحمر، في خضم الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في فلسطين حضر وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت إلى القدس، بعد ظهيرة ذلك اليوم وأثناء مروره في الجزء الإسرائيلي من المدينة وقع موكب الكونت في كمين نصب له.

جوران بيرن/مؤلف كتاب مقتل برنادوت: أغلقت سيارة جيب الطريق وترجل منها ثلاثة رجال مسلحين بالرشاشات، توجه اثنان منهم إلى السيارة الأولى وتقدم الثالث مباشرة إلى السيارة الثالثة وأطلق النار عبر النافذة.

تعليق صوتي: بحلول الخامسة مساء مات الكونت برنادوت، اغتالته مجموعة صهيونية متطرفة، "ليحي" مقاتلون من أجل تحرير إسرائيل.

ميخائيل بار زوهار/مؤرخ إسرائيلي: لا أظن أن أحداً في إسرائيل قد ذرف دمعة واحدة على موت برنادوت، لقد تبين أنه عدو لإسرائيل وللأحلام الصهيونية.

تعليق صوتي: لكن قبل ثلاث سنوات كان برنادوت قد قام برحلة أخرى ذهب فيها إلى ألمانيا النازية في واحدة من أكبر المهام الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية، نجح خلالها في تحرير 30 ألف سجين من معسكرات الاعتقال، كان ثلث المحررين من اليهود.

آفي شلايم/جامعة أكسفورد: لم يكن برنادوت عدو لليهود وليس هناك في سجله ما يوحي بأنه معاد للسامية.

تعليق صوتي: هذه قصة عن خذلان التطرف لجهود السلام، قصة عن تغيير الاغتيال لمجرى التاريخ، وعواقبه التي ما زالت تشوه وجه الشرق الأوسط، هذه قصة مقتل الرجل النبيل. فينا فسبورغ في ريفيرا الفرنسية المقر الشتوي للكونت برتيل برنادوت الابن الأصغر للكونت فولك برنادوت، يعشق بارتيل هذا المكان ففيه التقى والداه لأول مرة في أواخر عشرينيات القرن الماضي، كانت الريفيرا وما زالت الوجهة المفضلة للأثرياء وأصحاب الألقاب والأسر المالكة من جميع أنحاء العالم، في شتاء عام 1928 كان الملك غوستاف الخامس ملك السويد يقضي عطلته هنا، غير أن باله كان مشغولاً بابن أخيه فولك برنادوت.

أول زواج لنبيل أوروبي على الأراضي الأميركية

برتيل برنادوت/نجل فولك برنادوت: كان عمه  هو الملك وكان يزور الريفيرا كل عام وفي إحدى المرات تعرف على أسرة أميركية راقية لديها ابنة شابة، وكان والدي وقتها قد تجاوز الثلاثين وأعتقد أن عمه شعر أنه قد حان وقت لفولك أن يتزوج لذا أرسل في طلبه ليتعرف على هذه الفتاة، أخبرتني أمي أن الأمور لم تكن جيدة في اللقاء الأول ولكنها تحسنت مع الوقت وتقدم والدي لخطبتها ووافقت وكانت هذه هي البداية، في خريف تلك السنة عبر فولك الأطلسي برفقة الأصدقاء والأقارب من الأسرة المالكة السويدية، حظي الخبر بكثير من الاهتمام في الولايات المتحدة فهو أول زواج لنبيل أوروبي على الأراضي الأميركية، تزوج فولك برنادوت وأيستل مانفيل في الأول من ديسمبر عام 1928 في بليزنت فيل نيويورك، حضر حفل الزفاف أكثر من 1500 مدعو وأقيم في المنزل الخاص لوالدي أيستل أحد أغنى رجال الصناعة الأميركية، أقام والد العروس الحفل بحضور عدد كبير من أصدقائه إضافة إلى الأمير غوستاف أدولف وعدد من أشقائه وأصدقاء أبي وبالطبع حضر حفل الزفاف عدد كبير من الأميركيين.

تعليق صوتي: بعد الزواج أبحرت أيستيل برفقة فولك إلى أوروبا لتعيش مع عريسها في العاصمة السويدية ستوكهولم، كان هذا هو العالم الذي أفرز موهبة الوساطة الموهبة التي وضعته في قلب السياسة العالمية، في ذات المدينة وقبل 34 عاماً ولد الكونت فولك برنادوت في اليوم الثاني من عام 1895، كان والده الأمير أوسكار برنادوت ابن الأمير أوسكار الثاني ملك السويد والنرويج، خلال فترة الدراسة أظهر فولك ميولاً عملية أكثر منها ثقافية وتمتع بملكة خاصة في اللغات فأتقن الانجليزية والفرنسية والألمانية، كانت تلك الملكة دليله للتميز في حياته العملية فيما بعد، في عام 1918 تخرج من أكاديمية كارل بيرغ العسكرية، فارس بارع شق طريقه إلى رتبة رائد ضمن وحدة النخبة في سلاح الفرسان، لكن بعد فترة قصيرة من زواجه اضطر للاستقالة لأسباب صحية، بعد ذلك وعندما تم دمج سلاح الخيالة في الجيش السويدي قرر برنادوت أن يستأجر حديقة الفرسان مقر القيادة السابق لوحدته، حولت إيستيل ابنة المليونير المقر العسكري إلى منزل فخم يليق بأمير، لكن في عام 1934 كانت حياة الأسرة في حديقة الفرسان على موعد مع مأساة مفاجئة، مات الابن الثالث فريدرك بعد ولادته بشهور قليلة وبعدها بسنتين مات الابن البكر وساتف وهو ما يزال في السادسة من العمر. بعد فقدانه لاثنين من أولاده قرر فولك برنادوت أن يبحث عن هدف جديد لحياته، في عام 1937 أصبح رئيس للحركة الكشفية السويدية.

فولك برنادوت: كان يؤمن بمقولتين ويعتبرهما شعاراً لحياته الأولى هي نحن لم نأتِ لهذه الدنيا لنسعد أنفسنا ولكن لإسعاد الآخرين والثانية بعد أن انتهينا من الممكن لا بد من عمل المستحيل.

تعليق صوتي: وهكذا أصبحت القضايا الإنسانية محوراً لحياة برنادوت، ولكن ذلك العالم الفاضل الذي كان برنادوت والسويد يعيشان فيه صار على حافة الهاوية، في الأول من سبتمبر أيلول عام 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية عندما غزت الجيوش الألمانية بولندا، في السنة التالية تحول هتلر إلى جيران السويد، بحلول صيف عام 1940 احتل النازيون النرويج والدنمرك.

[شريط مسجل]

تعليق إذاعي: غوستاف ملك السويد وهو في سن الحادية والسبعين يحضر بنشاط مدهش مناورات جيشه العسكرية.

خطة السويد الدفاعية في الحرب العالمية الثانية

تعليق صوتي: وُضعت القوات المسلحة السويدية في حالة تأهب، استدعي برنادوت للخدمة العسكرية، وفي ظل حالة الخوف من الغزو بدأ في دمج الكشافة في خطة السويد الدفاعية وتدريبهم على مضادات الطائرات وتقديم الإسعافات، لكن دفاعات السويد لم تكن لتوضع قيد الاختبار.

أرند بيركيمبر/الجامعة الحرة- برلين: هناك سببان على الأقل لعدم غزو ألمانيا للسويد، أولهما لم تكن السويد ذا موقع إستراتيجي مهم والثاني أن السويد كانت مستعدة لتزويد الألمان بما يحتاجون إليه من المواد الخام اللازمة للصناعات العسكرية وخاصة الحديد، كما أن السويد على الأقل في الفترة الأولى من الحرب كانت تجنح للنازيين إلى الحد الذي سمحت به للبحرية الألمانية بعبور مياهها الإقليمية وللطائرات باختراق المجال الجوي السويدي إذاً فالسويد رغم حيادها المعلن كانت منحازة إلى الألمان وكان ذلك مرضياً للألمان ما داموا يحصلون على ما يحتاجونه دون قتال.

تعليق صوتي: لكن خلال العام 1943 تغير اتجاه الحرب بشكل درامي، عرّضت ألمانيا النازية والتي ظهرت من قبل على أنها لا تقهر للعديد من الهزائم على عدة جبهات، انتصر الحلفاء في شمال إفريقيا وقاموا بإنزال قواتهم في جنوب إيطاليا، من الجبهة الشرقية شّن الجيش الأحمر هجوماً مضاداً كبيراً دفع القوات الألمانية باتجاه الغرب.

أرند بيركيمبر: ابتداءً من عام 1943 وحالما استشعرت الحكومة السويدية أن ألمانيا ستخسر الحرب تحولت لتأييد الحلفاء وبهذا تغير الموقف السويدي.

تعليق صوتي: في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1943 نظم الصليب الأحمر السويدي تحت القيادة النشطة لفولك برنادوت عملية تبادل لأسرى الحرب بين الحلفاء وألمانيا النازية في ميناء غوتنبرغ السويدي، في العام التالي وفي عملية مماثلة وصل عدد الأسرى الذين تم تبادلهم إلى أكثر من 10 آلاف.

[شريط مسجل]

تعليق إذاعي: في طريق عودتهم إلى الديار شكرٌ من القلب للسويد لدورها الحيوي في تنظيم عملية التبادل.

السويد وسيط محايد

تعليق صوتي: نجح فولك برنادوت في التأسيس لدور جديد للسويد كوسيط محايد ولكن في ألمانيا كان هناك سجناء آخرون في أمس الحاجة لمواهب الكونت السويدي في التفاوض.

[شريط مسجل]

تعليق إذاعي: هذا الصباح بدأت بحرية الحلفاء مدعومة بقوات جوية كبيرة بإنزال جيوش الحلفاء على الساحل الشمالي لفرنسا.

تعليق صوتي: خلال زحف قوات الحلفاء من الشرق والغرب باتجاه برلين بدأت باكتشاف معسكرات الاعتقال النازية، وعشرات الآلاف من السجناء الذين يعيشون على حافة الموت في ظروف مستحيلة، في يناير من عام 1945 دخلت القوات السوفيتية "أوشفيتز" أكبر معسكرات القتل الجماعي النازية، تناثرت الشائعات بأن هتلر قد أعطى أوامره هاينريش هيملر قائد قوات الدفاع المعروفة اختصارا بالـ إس إس لتصفية المعتقلين في معسكرات الاعتقال، كان عليهم التخلص من كل الأدلة وقتل جميع الشهود، تطلب الأمر تحركاً حاسماً وسريعاً، خلال ست سنوات من الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية عاشت السويد في سلام وهدوء، على العكس من جارتيها النرويج الدنمرك.

[شريط مسجل]

تعليق إذاعي: لم يعد هناك ما يردع المقاومة الدنمركية قد يستمروا في تفجير المصانع وإشعال النيران وتخريب خطوط السكك الحديدية.

تعليق صوتي: كان كل من يعتقل وهو يقاوم الاحتلال النازي ينقل على الفور إلى معسكرات الاعتقال في ألمانيا.

أولريك يانسن/مؤرخة ألمانية: في مفهوم العنصرية النازية كانوا من الجنس الآري طالما أنهم ليسوا يهوداً، كان الأشخاص الذين أودعوا في معسكرات الاعتقال في ألمانيا لأسباب سياسية تتعلق بمقاومتهم للاحتلال في النرويج والدنمرك كانوا من الجنس الآري في عيون قوات ال إس إس لذا كانت لهم أفضلية على غيرهم من السجناء، العديد منهم يتحدثون الألمانية مما جعلهم أكثر آدمية بنظر قوات ال إس إس لأن بإمكانهم التحدث معهم وفهم الأوامر الموجهة إليهم.

برنادوت وقدراته على التفاوض

تعليق صوتي: استغلالاً لهذه المعاملة الخاصة نجح برنادوت والصليب الأحمر السويدي في إرسال 70 ألف طرد من الطعام والملابس للسجناء الاسكندنافيين في المعتقلات النازية.

أولريك يانسن: كان لدى الحكومة الدنمركية قوائم بأسماء السجناء الذين تم نقلهم إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، كانت تلك القوائم امتيازا للدنمركيين حيث كان بإمكانهم معرفة من كان معتقلاُ وفي أي معسكر وهذا يعني أن الأهالي كانوا يعرفون أماكن أحبائهم كما سهل على الحكومة إيصال الطرود إليهم، طرود الصليب الأحمر من الطعام والملابس بشكل شخصي، لو أرسلت طروداً لا تحمل اسما لمعسكرات الاعتقال فسيصادرها جنود الـ إس إس ولن يعطوها للسجناء، ولكن عندما تصل الطرود وعليها الأسماء عن طريق الصليب الأحمر عندها يقوم جنود الـ إس إس بتسليمها إلى المعتقلين، وهذا جعل الدنمركيين في حال أفضل من غيرهم من السجناء من حيث المأكل والملبس.

تعليق صوتي: بحلول فبراير شباط من عام 1945 وضع التهديد بالتصفية الجماعية حداً لكل أنواع الامتيازات، وعندما ساءت الأحوال في المعتقلات تدخلت الحكومة السويدية، فقرر إنقاذ كل المعتقلين الاسكندنافيين في معسكرات الاعتقال الألمانية بواسطة بعثة للصليب الأحمر السويدي، كان الكونت فولك برنادوت هو من سيقوم بالمهمة.

فولك برنادوت: تاريخياً كانت العلاقات بين السويد وألمانيا جيدة جداً قبل الحرب، وأعتقد أنهم كانوا إلى حد ما معجبين بأن يقوم أحد أفراد الأسرة المالكة بهذا العمل أعتقد أن هذا كان شعورهم.

تعليق صوتي: كان على برنادوت أن يثير إعجاب هاينريش هيملر قائد الـ إس إس أو قوات الدفاع المرعبة، كان هيملر عضواً بارزاً في الحزب النازي وارتقى لمنصب وزير الداخلية ومن ثم أصبح ثاني أقوى رجل في ألمانيا، بأوامر شخصية من هتلر كان هيملر هو من أشرف على إنشاء معسكرات الاعتقال الجماعي ومارس سيطرته عليها بقوات الـ إس إس، كان على برنادوت أن يتفاوض مع هذا الرجل لتأمين إطلاق سراح السجناء لكن كيف سيصل إليه؟ كان ذلك سؤالاً جوهرياً، كان فيلكس كارستون هو المدلك الشخصي لهيملر طبيب ألماني يعيش في ستوكهلم ويسافر باستمرار إلى ألمانيا لعلاج التشنجات المعوية المزمنة التي كان هيملر يعاني منها.

أرند بيركيمبر: لعب فليكس كارستون دور الوسيط بين بيرنادوت وهيملر وما إن تقدم برنادوت بهذا الاتفاق أحس هيملر بأنه قد يكون فرصة ليس فقط لإنقاذه شخصياً من الانتقام ولكن أيضاً للحفاظ على سلطاته وربما لزيادتها، كان ما زال لديه كثير من السلطات كانت لديه السلطة على أرواح السجناء.

تعليق صوتي: أعطى كارستون الضوء الأخضر لاستوكهلم وافق هيملر على أن ترسل السويد مندوبها إلى ألمانيا، في السادس عشر من فبراير شباط من عام 1945 بدأ برنادوت أكثر المهمات الإنسانية شجاعة في التاريخ، رافقت إيستيل زوجها إلى مطار بروما في ستوكهولم حيث صعد الكونت فولك برنادوت إلى طائرة ألمانية متجهة إلى برلين، كانت هذه رحلة إلى الجحيم.

أرند بيركيمبر: كان الوضع ميؤوساً منه بالنسبة للنخبة الألمانية الحاكمة وبالنسبة للنازيين، وبالطبع فكر برنادوت في استغلال ذلك الوضع للضغط على القيادة النازية للموافقة على إطلاق سراح السجناء.

تعليق صوتي: لكن لتحقيق ذلك كان على برنادوت أن يأخذ الخطوة الحاسمة، التفاوض مع هيملر شخصياً مع الرجل الذي يسيطر على معسكرات الاعتقال الألمانية.

[فاصل إعلاني]

تعليق صوتي: رافنس بورغ ألمانيا 90 كيلو متراً شمالي برلين، مدينة هادئة وجميلة، لكنه اسم سيء السمعة فهو مرادف لاسم واحد من أكثر معسكرات الاعتقال النازية رعباً، تم بناؤه خصيصاً للنساء والأطفال، بحلول عام 1945 كان ما يقارب من 130 ألف سجينة قد مرت من رافنس بورغ، كانت البولنديات أكبر المجموعات التي تم اعتقالها هنا، كان الكثير منهن من اليهود، ماتت أكثر من 90 ألف امرأة في رافنس بورغ، 70% ممن تم إرسالهن هنا، ليومنا هذا ما تزال البيوت المهجورة لقوات ال إس إس موجودة هناك، منازل لضباط خدموا تحت قيادة أحد أكثر الرجال رهبة في ألمانيا هاينريش هيملر، الرجل الذي كان على الكونت فولك برنادوت أن يتفاوض معه من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاسكندنافيين.

أرند بيركيمبر: من جهة أراد برنادوت أن يطلق سراح أكبر عدد من المعتقلين لكن جهة أخرى كان التفاوض مع قائد نازيٍ بحجم هيملر يوحي أنه يعترف به شريكاً، وهذا هو المأزق الذي وضعه بين حجري الرحى.

الإفراج عن المعتقلين الاسكندنافيين

تعليق صوتي: لكن لم يكن هناك أي خيار آخر أمام برنادوت، في التاسع عشر من فبراير شباط بعد ثلاثة أيام من وصوله إلى برلين تمَّ اصطحابه إلى ما كان وقتها مصحة في هونليخن غير بعيد عن رافنس بروغ لقد تمَّ إحضاره إلى هذا المكان للقاء هيملر في فيلته الواقعة داخل أراضي المصحة، على طاولة المفاوضات رفض هيملر رفضاً قاطعاً عرض برنادوت المبدئي بتسليم جميع المعتقلين الاسكندنافيين إلى السويد، لكن برنادوت نجح في انتزاع تنازل يقضي بنقل كل السجناء النرويجيين والدنمركيين إلى أحد المعسكرات حيث يكون بإمكان الصليب الأحمر السويدي رعايتهم بطريقة أفضل كان اسم المعسكر نوينغاما.

أولريك يانسن: نوينغاما كان المعسكر الأقرب للحدود الدنمركية، وكان برنادوت يأمل أن يوافق هاينريش هيملر على الإفراج عن كل المعتقلين الاسكندنافيين وعودتهم إلى بلادهم كان يريد أن يكونوا جميعاً في أقرب نقطة للحدود الدنمركية لهذا تمَّ اختيار نوينغاما كمكان للتجمع.

تعليق صوتي: بعد ثلاثة أيام من لقائه بهيملر عاد برنادوت إلى السويد بذل مجهوداً مضاعفاً لترتيب حملة الإنقاذ تمَّ اختيار 300 متطوع على وجه السرعة ضباط وجنود من الجيش السويدي أطباء وممرضات من الصليب الأحمر بينهم شقيقة برنادوت، كان سيسمح للحافلات السويدية بالدخول إلى ألمانيا لنقل المعتقلين الاسكندنافيين من مختلف معسكرات الاعتقال وتجمعيهم في نوينغاما تم إحضار قوات الحلفاء التي كانت تسيطر حين ذاك على الأجواء الألمانية بتفصيلات الخطة، كان ردهم هو ما سيمنح الحملة كلها الاسم الذي عُرِفَت به.

مهمة محفوفة بالمخاطر

أولريك يانسن: اتصل برنادوت بأحد قادة الحلفاء وأخبره عن حملة الإنقاذ طالباً منهم عدم قصف الحافلات غير أن القائد العسكري أجابه بأنهم لا يضمنون ذلك وأنه من الأفضل أن يتم طلاء الحافلات باللون الأبيض ليسهل عليهم رؤيتها عن الجو ومعرفة أنها تتبع حملة الإنقاذ، فتم طلاء الحافلات باللون الأبيض وتمَّ رسم العلم السويدي على سطوحها ليتسنى للطائرات تمييزهم بأنها حافلات اسكندنافية وليست تابعة للألمان.

تعليق صوتي: في الثامن من مارس/ آذار من عام 1945 تمَّ تحميل الحافلات وطلائها الأبيض لم يجف بعد على إحدى العبّارات في ميناء مالمو السويدي، بعد أربعة أيام كانت طلائع الحملة قد وصلت إلى المكان الذي اختاره برنادوت كمقر للقيادة في ألمانيا قلعة فريدر شروه، كانت القلعة مملوكة للأمير أوتو فون بسمارك حفيد المستشار الألماني الأشهر والمتزوج من السويدية آن مارتنغ بون.

فرديناند فون بسمارك/نجل الأمير أوتو فون بسمارك: كانت أمي صديقة لعائلة برنادوت وخاصةً لفولك برنادوت والذي حضرَ إلى هنا كثيراً وذلك للتفاوض مع ممثلي الرايخ الثالث حينها كان دائماً يقيم هنا وكان يحب التعامل مع والديه.

تعليق صوتي: كان موقع قلعة فون بسمارك مثاليا فهي قريبة من الحدود الدنمركية وعلى بعد عشرين كيلومتراً فقط من نوينغاما.

فرديناند فون بسمارك: كان مقر قيادة الحافلات البيضاء في غابة زاغسنبورت هنا في فريدر شروه، ومن هنا انطلقت إلى مناطق مختلفة من ألمانيا لجمع السجناء من معسكرات الاعتقال وذلك لإعادتهم إن أمكن إلى اسكندنافيا.

تعليق صوتي: بدأت المرحلة الأولى من الإنقاذ في الخامس عشر من مارس/ آذار بعد أن تم تقسيم الحافلات البيضاء إلى فريقين، رافق الحملة أربعون ضابط اتصال من قوات الـ إس إس والغيستابو، توجه الفريق الأول شرقاً إلى معسكر زاخسنهاوزن على بُعد حوالي 300 كيلومتر رافق ستيغ يالمارسون المتطوع في الصليب الأحمر السويدي الفريق على دراجته البخارية.

ستيغ يالمارسون/متطوع في الصليب الأحمر السويدي: عندما وصلنا إلى زاخسنهاوزن، فُتِحَت البوابات وخرج منها الكثير من النرويجيين بطريقة منظمة، وعندما أخذوا الخطوة الأولى نحو الحرية كان هذا مشهداً مؤثراً، مؤثراً جداً حقيقة.

تعليق صوتي: اتجه الفريق الثاني من الحافلات البيضاء جنوباً إلى داخاو شومبيرغ وماتهاوزن كان في حوزتهم قوائم مفصلة بأسماء الدنمركيين والنرويجيين المعتقلين في السجون النارية.

أولريك يانسن: ساعدت تلك القوائم مسؤولي حملة الإنقاذ في تحديد أسماء السجناء وأماكنهم في أي معسكر لذا أخذوا القوائم ودخلوا معسكرات الاعتقال وكانوا يقرؤون الأسماء السيد أناس والسيد يانسن وآخرون لا بد أن يكونوا هنا ونحن نبحث عنهم ولا بد أن يتقدموا ليستقلوا الحافلات لنأخذهم معنا ساعد وجود قوائم بالأسماء أعضاء الحملة.

معسكر نوينغاما ومهام الحافلات البيضاء

تعليق صوتي: لكن بعد أسبوعين كانت الحافلات البيضاء قد سقطت ضحية لنجاحها، فمع نهاية مارس/ آذار كان أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة من السجناء النرويجيين والدنمركيين قد نُقِلوا إلى معسكر نوينغاما لقد كان المعسكر مكتظاً حتى قبل أن تصل أولُ حافلةٍ بيضاء.

أولريك يانس: تمَّ إنشاء معسكر نوينغاما لاستيعاب ألفين وخمسمائة سجين ولكن في النهاية وحتى قبل وصول الاسكندنافيين كان المعسكر يأوي أربعة عشرة ألف معتقل لذا كان المكان مزدحماً إلى حد أن الكثيرين ماتوا بسبب نُدرة الطعام وعدم وجود أماكن للنوم.

تعليق صوتي: أصر الألمان على أنه إذا أراد السويديون استكمال مهمتهم فلا بد أن تقوم حافلاتهم بإخلاء ألفي معتقل من نوينغاما إلى معسكرات أخرى، في السابع والعشرين من مارس آذار رَضَخَ السويديون للطلب الألماني، قامت الحافلات البيضاء والتي صُمِمَت لإنقاذ السجناء الاسكندنافيين بنقل المئات غيرهم إلى مصير مجهول.

أولريك يانسن: في حدود المعلومات المتوفرة لم يستطع الكثيرون منهم إكمال الرحلة لأن معظمهم كانوا بحالة صحية سيئة والكثيرون منهم لقوا حتفهم أثناء نقلهم بالحافلات البيضاء للمعسكرات الأخرى، وقد سبب ذلك أزمة لدى السجناء الاسكندنافيين لأنهم كانوا يعرفون أنهم السبب في إخلاء هؤلاء إلى معسكرات أخرى ليحصلوا على أماكنهم، هم لم يطلبوا ذلك ولم يكونوا مخطئين لكنهم أحسوا بالذنب لأن نجاتهم تسببت في موت آخرين.

تعليق صوتي: انتهت المهمة البشعة وحينها كان بإمكان الحافلات البيضاء استكمال مهمتها في جمع المزيد من السجناء الاسكندنافيين من المعسكرات والسجون المنتشرة في أنحاء ألمانيا، ومع بداية أبريل/ نيسان من عام 1945 كان سبعة آلاف معتقلٍ من النرويج والدنمرك قد تجمعوا في معسكر نوينغاما لكن الهدف النهائي لم يكن قد تحقق بعد، إجلاء كل السجناء الاسكندنافيين بأمانٍ من ألمانيا إلى السويد، مرة أخرى عاد الكونت فولك برنادوت العقل المدبر للحملة إلى ألمانيا، وافق هيملر هذه المرة على إخلاء كل المرضى والنساء من السجناء الاسكندنافيين، بحدود الثامن عشر من نيسان/ أبريل تمَّ نقل ألف ومائتي سجين مريض إلى السويد، في اليوم التالي وصلت طلائع القوات البريطانية إلى نهر الألبا على مرمى حجر من معسكر نوينغاما وحينها تبخرت السيطرة الألمانية على المعسكر.

ستيغ يالمارسون: أتذكر أن الجنود الألمان هربوا أو اختبئوا كانت الحرب تلفظ أنفاسها الأخيرة ولم يكن بإمكانهم فعل أي شيء، لم يكن أمراً سهلاً أن تكون جندياً ألمانياً وقتها، كانوا ينزعون أي علامة تفيد بأنهم تابعون للجيش الألماني.

تعليق صوتي: في خِضَم الفوضى التي سيطرت على ألمانيا كان إخلاء المعسكر لا يحتاج إلى تصريح بل إلى مزيد من الإمكانيات، كانت حافلات من الدنمرك قد انضمت إلى المتطوعين السويديين المنهكين، وبحلول العشرين من أبريل عيد ميلاد هتلر الأخير كان أربعة آلاف و800 من المعتقلين النرويجيين والدنمركيين قد تمَّ إنقاذهم من معسكر نوينغاما، تمت استضافة أغلبهم في مركز استقبال أُقيم في أحد المنتجعات في مدينة راملوزا السويدية، اليوم يُخَلِّدُ هذا النصب التذكاري الموجود في نفس المنتجع ذكرى حملة الحافلات البيضاء لكن متطوعي الحافلات البيضاء لم يكونوا قد انتهوا من مهمتهم بعد.

أولريك يانسن: قال لنا سائقو الحافلات الذين قدموا من السويد أو الدنمرك إنه كان شيئاً بمنتهى القسوة أن يروا سجناء آخرين من غير الاسكندنافيين وهم يقفون هناك وهم يضحكون ويهللون لرؤية الحافلات البيضاء والصليب الأحمر ويعتقدون أنه سيتم إنقاذهم لكن المتطوعين كانوا يقولون لهم نعتذر لكم سنأخذ السجناء الاسكندنافيين فقط.

تعليق صوتي: أراد برنادوت إنقاذ كل الذين أُجبروا على تركهم غير أن العودة إليهم كانت محفوفة بالمخاطر، كان طيران الحلفاء يقصف كل شيء يتحرك على الطرق الألمانية، في الخامس عشر من أبريل/ نيسان غادرت الحافلات البيضاء فريدر شروه لتنفيذ المهمة الأخطر، رحلةٌ طويلة إلى الجنوب إلى تريزينشتاد الواقعة اليوم داخل حدود جمهورية التشيك.

ستيغ يالمارسون: أمضيت الليلة في تريزينشتاد وكان هناك أربعمئة من اليهود وهم مجموعة من العائلات التي كنا سنقوم بإخلائها، وخلال الليل قاموا بتحميل الحافلات بأمتعتهم وأصبح كل شيء جاهزاً لكن كان هناك بعض التذمر لعدم وجود أماكن لعربات الأطفال التي اضطررنا إلى إلقائها من الحافلات، أتذكر هذا جيداً.

تعليق صوتي: بعد رحلة عودة محفوفة بالمخاطر تمَّ إنجاز ما كان مستحيلاً قبل أسابيع إخلاء أربعمائة وأربعة وعشرين يهودياً دنمركيا.

فولك شيمانسكي/صحفي سويدي: لم يأتِ اليهود في المقدمة هذه حقيقة يجب أن نفهم الأوضاع التي كانت سائدة في ألمانيا آنذاك لم يكن بمقدور برنادوت أن يذهب إلى هيملر وقوات الـ إس إس ويقول لهم أريد إنقاذ اليهود لم يكن بمقدوره فعل ذلك ولكن في النهاية تمَّ إنقاذ الكثير منهم.

تعليق صوتي: كان هدف برنادوت التالي هو رافنس بورغ وإطلاق سراح النساء الفرنسيات المحتجزات هناك، ومع تقدم القوات السوفيتية إلى مسافة قريبة من المعسكر وافق هيملر بشكل مفاجئ على إخلاء المعسكر من كل النساء اللائي كنّ ينتمين إلى أكثر من عشرين جنسية.

ستيغ يالمارسون: كان هناك الكثير من البولنديات ومن ضمنهن ثلاثٌ في أيام حملهن الأخيرة، سأل أحدٌ من حملتنا الحراس عن سبب وجود عدد كبير من النساء الحوامل، فرد أحد الجنود الألمان إن ذلك بفعل الروح المقدسة، كان بيننا ضابطٌ هو طبيب كبير اسمه آن هولسن قال للشخص المسؤول إن إحدى النساء قد تلدُ أثناء الليل فبدؤوا عندها بتجهيز إحدى الحافلات كجناحٍ للولادة، أطلقنا عليها اسم بير ألبن وتم إيداع النساء الثلاث فيها وبالفعل وضعت إحداهن صبياً تلك الليلة.

تعليق صوتي: في الأيام الأخيرة من أبريل/ نيسان تمكنت الحافلات البيضاء من نقل عشرة آلاف امرأة إلى السويد، ومع نهاية الشهر وبينما كانت القوات السوفيتية تقتحم برلين انتحر أدولف هتلر، لم يتبقَ على نهاية الحرب في أوروبا إلا بضعة أيام، في اليوم التالي عاد متطوعو الحافلات البيضاء إلى بلادهم إلى مالمو كلهم عدا واحد.

[شريط مسجل]

فولك برنادوت/رئيس الصليب الأحمر السويدي: اليوم اكتملت مهمة بعثة الصليب الأحمر السويدي في ألمانيا وقد تمَّ خلالها نقل حوالي تسعة عشرة ألف شخص من جنسيات مختلفة إلى السويد بأمان، بعد أن تمَّ تجميعهم من معسكرات اعتقالٍ وسجونٍ متفرقة في ألمانيا، بالنسبة لي كانت الشهور الماضية تجربة غير عادية وإنني لممتنٌ كوني كنت حلقةً في سلسلةٍ من الذين ساعدوا على تخفيف آلام المعذبين، تلك الأشهر الماضية جعلت مني إنساناً سعيداً.

تعليق صوتي: بعد استسلام ألمانيا عادت الحافلات لنقل عشرة آلاف سجين آخرين إلى السويد، من بين الثلاثين ألفاً الذين تم إنقاذهم بواسطة الحافلات البيضاء كان هناك عشرةُ آلاف يهودي على الأقل، خلال الأشهر التالية تمَّ تكريم الكونت برنادوت من قِبَل الدول التي أُنقِذَ رعاياها بواسطة الحافلات البيضاء، كانت المنظمات اليهودية في مقدمة المحتفلين بإنجازه، صار برنادوت وقتها نجماً عالمياً، بعد ثلاثِ سنوات من ذلك التاريخ كان برنادوت على موعد مع مهمة جديدة، هذه المرة بالذهاب إلى الشرق الأوسط المشتعل بنيران الحرب، كانت طائرة بيضاء تحمل علامات الأمم المتحدة والصليب الأحمر هو ما سيحمل الكونت الشجاع ابن أخ ملك السويد ومنظم حملة الحافلات البيضاء لمهمة ستحدد مصيره، كان فولك برنادوت في طريقه إلى فلسطين وإلى موته على يد مجموعة من المتطرفين اليهود.