تأتي 80% من صادرات كمبوديا من صناعة المحيكات التي تعتمد ديمومتها على اليد العاملة الرخيصة جدا، كما يقول أولئك الذين قرروا تحدي الوضع الراهن، وتسليط الضوء على الجانب المظلم من ظروف العمل في المصانع الكمبودية الخاصة بالمحيكات والأحذية.

يقول أحد المحتجين ويدعى پرووم فيروم لحلقة 14/12/2014 من برنامج "عالم الجزيرة" إنهم يحتجون لأن الطعام والإيجارات والكهرباء كلها كانت في السابق رخيصة، وبالتالي كانوا يوفرون  ثلاثين إلى أربعين دولارا. أما اليوم فلم يعد بإمكانهم حتى الايفاء بمتطلبات معيشتهم وعوائلهم.

ويؤكد الشاب ابن الثانية والعشرين عاما أن الشرطة أطلقت النار عليه عندما حاول سحب جسد متظاهر آخر قتل في الأحداث، ما اضطره إلى صرف مبلغ سبعمائة دولارا لمعالجة ساقه المصابة، وهذا ما يعادل أجره في نصف عام.

ويعمل سبعمائة ألف عامل لساعات طويلة مقابل أجر محدد لا يتجاوز ثلاثة دولارات في اليوم، لكن هؤلاء العمال يطالبون الآن بتحسين ظروفهم وأجورهم من خلال احتجاجات عنيفة تهز قطاع المحيكات والأحذية، حيث يطالبون بمضاعفة الحد الأدنى للأجور إلى مائة وستين دولارا في الشهر، بينما الحكومة وافقت فقط على زيادة طفيفة لتصل إلى مائة دولار.

ويقوم القيادي النقابي اث ثورن بحملة من أجل مساعدة العمّال لنيل حقوقهم في أجور عمل أفضل، ويؤكد أن العمال غير راضين عن الراتب الشهري الذي قدره مائة دولار، ولكنهم يخافون أن يؤدي رفضهم إلى مشاكل مماثلة لما حدث في السابق، حيث مات الكثير من العمال خلال الاحتجاجات.

غير أن كين لوو من اتحاد مصنعي المحيكات في كمبوديا يقول إن مطالب النقابة تعتبر سخيفة، فما من دولة في العالم تستطيع مضاعفة الأجور بين ليلة وضحاها، ويعتبر أن مائة دولار كحد أدنى للأجور شهريا هو أمر منصف.

ويمثل لوو حوالي خمسمائة وخمسين من أصحاب مصانع الألبسة الجاهزة والأحذية في كمبوديا، ويقول إن الزبائن من العلامات التجارية سيقومون فقط بتحميل الزيادة في الأجور للمصانع.

بالنسبة للبعض مثل شيف سارون -وهي عاملة خياطة وأرملة- ورغم عملها لعشر أو اثنتي عشرة ساعة يومياً فإن ذلك لا يضمن لها حياة أفضل. سارون تعمل في مصنع ملابس منذ ثمانية أعوام، مات زوجها (24 عاما) في إطلاق نار أثناء احتجاجات يناير/كانون الثاني الماضي. ولم تتم إدانة أحد بمقتل زوجها.

ويشكل العنصر النسائي ما نسبته 90% من القوى العاملة في قطاع المحيكات وبينهن قاصرات، وكحال سارون فإن معظمهن تركن بيوتهن في الريف وقدمن إلى مصانع العاصمة لكي يتمكنَّ من إرسال الأموال إلى عوائلهن لإعالتهن.

موقف المعارضة 
وتنحى المعارضة والنقابات باللائمة على الحكومة، ويقولان إن الجيش والشرطة استخدما القوة المفرطة التي أفضت إلى سقوط قتلى، وذلك خلال الاحتجاجات التي عرفتها البلاد والتي جوبهت بالعنف ورافقتها اعتقالات واسعة، والعشرات من المصابين، بالإضافة إلى مقتل خمسة أشخاص.

وتقول مو سوكوا -العضو البارز في المعارضة- إن حزبها يساعد عوائل الضحايا على المطالبة بتعويضات، وأكدت أنهم يعملون على قضية يطالبون فيها بمحاكمة القيادة الكمبودية الهرمة في المحكمة الجنائية الدولية. وتضيف أن لديهم ما يكفي من الأدلة التي جمعت منذ عام 2002 على استخدام القوة المفرطة والوحشية.

فالنظام يستخدم -بحسب ما تؤكد سوكوا- المليشيات المحلية من ذوي الأشرطة الحمراء في التخريب، وكذلك مَنْ يسمون أصحاب الرؤوس السوداء الذين يرتدون خوذا سوداء تغطي وجهوهم من ذقونهم حتى رؤسهم. يصدرون لهم الأوامر التالية: صوّبوا، فاجرحوا واقتلوا.

وبحسب سوكوا -وهي مشرعة  قانونية منتخبة في المعارضة- فهناك ربيع كمبودي، حيث هناك شعب يطالب بالعدالة ونبذ العنف والسلام، وهناك السيد هون سين الذي يحكم البلاد منذ ثلاثين عاما ولا يعترف بالمفاوضات، ووسيلته الوحيدة في التفاهم هي السلاح. 

أما الحكومة من جانبها فترد على لسان ممثلها جييم ييب بأنها تحقق في قضايا العنف والقتل، وتتهم المعارضة بالتحريض على الاحتجاج.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة                         

عنوان الحلقة: الموت من أجل الموضة

مقدمة الحلقة: يارا أبو ملحم

ضيوف الحلقة:

-   كين لوو/اتحاد مصنعي الأزياء الكمبودي

-   موين تولا/المركز الثقافي القانوني للمجتمع

-   تشيم ييب/ممثل الحكومة

-   مو سوكوا/مشرعة قانونية منتخبة في المعارضة

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 14/12/2014

المحاور:

-   أجر محدد لا يتجاوز 3 دولارات في اليوم

-   80% من صادرات كمبوديا تأتي من صناعة الملابس

-   أعمال عنف تتخلل احتجاجات عمال كمبوديين

-   تشغيل الأطفال دون السن القانوني

يارا أبو ملحم: إنها إحدى منافذ التصدير الأكثر ربحاً في كمبوديا، صناعةٌ تُدرُّ 5 مليارات دولار في السنة من خلال إنتاج الملابس والأحذية لكبرى العلامات التجارية في العالم مثل: أديداس وأشنام وبوما.

أجر محدد لا يتجاوز 3 دولارات في اليوم

كين لوو/اتحاد مصنعي الأزياء الكمبودي: إنها صناعةٌ تبحث دوماً عن اليد العاملة الرخيصة.

يارا أبو ملحم: 700 ألف عاملٍ يكدحون ساعاتٍ طويلة مقابل أجرٍ محدد لا يتجاوز 3 دولاراتٍ في اليوم، الآن يطالبون بتحسين ظروفهم وأجورهم.

موين تولا/المركز الثقافي القانوني للمجتمع: يمكننا اعتبار الأمر نوعاً من العبودية الحديثة لأنّ الناس يرضخون نفسياً لهذه الظروف نظراً لعدم قدرتهم على رفضها.

يارا أبو ملحم: ومع الاحتجاجات العنيفة التي تهز هذه الصناعة والبلد، فإنّ الحكومة تقول إنّ الاضطرابات التي تقودها المعارضة والعمال ما هي إلا رهاناتٌ ضمن التوازنات السياسية.

تشيم ييب/ممثل الحكومة: إنّ أسبوعين من الإضرابات كلّف الدولة وكذلك المصانع خسائر تقدر بـ200 مليون دولار.

مو سوكوا/مشرعة قانونية منتخبة في المعارضة: ملخص مطالبنا العدالة الاقتصادية وحقوق الإنسان وتقدير عُمالنا حق قدرهم، ولن نتخلى عن هذه المطالب بسهولة.

يارا أبو ملحم: قد يكون هذا أكبر اختبارٍ تمر به صناعة الملابس، أنا يارا أبو ملحم نتساءل في هذا الفيلم الوثائقي: هل سيلقى عمال مصانع كمبوديا المعاملة العادلة أم هل سيبقون ضحايا الموضة؟ هذا هو مصنع أبسارا الذي يقع على أطراف بنوم بنه عاصمة كمبوديا إنه المصنع الوحيد الذي سُمح لنا بدخوله، تأخذني مديرة الموارد البشرية فانسوفانري بالمصنع في جولةٍ استطلاعية، كم عامل لديكم هنا؟

فانسوفانري/مديرة الموارد البشرية في مصنع أبسارا: لدينا 740 عاملاً.

يارا أبو ملحم: الملابس التي يصنعها العمال ضمن هذا الخط البشري يتم تصديرها إلى اليابان، على العمال الإيفاء بإنتاج عددٍ معين من القطع فليس لديهم الوقت للتحدث إلينا عن ظروف عملهم.

عامل في المصنع: في أماكن عمل أخرى كنت أضطر إلى العمل أوقات إضافيةً ولكنني هنا أعمل إلى السادسة مساءً فقط.

عاملة 1: العمل هنا سهل وليس صعباً.

عاملة 2: لم تكن لدي وظيفة ولهذا رغبت في العمل في المصنع.

80% من صادرات كمبوديا تأتي من صناعة الملابس

يارا أبو ملحم: يعملون في إحدى أكثر الدول فقراً في العالم وليس لديهم الكثير من الخيارات، 80% من صادرات كمبوديا تأتي من صناعة الملابس التي تعتمد ديمومتها على اليد العاملة الرخيصة، رخيصةٌ جداً كما يقول أولئك الذين قرروا تحدّي الوضع الراهن وتسليط الضوء على الجانب المظلم من ظروف العمل في المصانع الكمبودية الخاصة بالملابس والأحذية، سيد آث ثورن هل هذا هو مكان الاحتجاجات؟

آث ثورن/قيادي في النقابة: نعم في هذا الشارع شارع فينكس رينغ حيث اشتبك الجيش مع العمال في حدود هذه المنطقة.

يارا أبو ملحم: ترأس القيادي النقابي آث ثورن الاحتجاجات الأخيرة التي أجبرت عجلة الصناعة على التوقف.

آث ثورن: الوضع مشابهٌ للحرب تماماً فمن جهةٍ هناك القوة المتمثلة في الشرطة العسكرية والشرطة ومن جهةٍ أخرى هناك العمال حيث إنّ بعضهم لم يعجبهم ذلك فبدئوا برشق الشرطة بالحجارة مما جعل الشرطة ترد بالبنادق.

أعمال عنف تتخلل احتجاجات عمال كمبوديين

يارا أبو ملحم: بعد عقدين من الهدوء النسبي فإنّ هذا أول امتحانٍ حقيقي للحكومة الكمبودية منذ الحرب الأهلية الدامية في أواخر السبعينات، عمال صناعة الملابس المحبطون يطالبون بمضاعفة الحد الأدنى للأجور إلى 160 دولارٍ في الشهر، بينما وافقت الحكومة على زيادةٍ طفيفة فقط لتصل إلى 100 دولار لكن الثمن كان باهظاً الاحتجاجات التي جُوبهت بالعنف رافقتها اعتقالاتٌ واسعة والعشرات من المصابين بالإضافة إلى مقتل 5 أشخاص، التقيت ببرووم فيروم أحد عمال المصانع الذي أُصيب خلال الاحتجاجات، قال إنه نزل إلى الشارع لأنه كان يُكافح من أجل إعانة عائلته.

برووم فيروم/محتج مصاب: لقد قمنا بالاحتجاج لأنه سابقاً كان الطعام والإيجارات والكهرباء كلها رخيصة وبالتالي كنا نوفر 30 إلى 40 دولاراً، أما اليوم فلم يعد بإمكاننا حتى الإيفاء بمتطلبات معيشتنا وعوائلنا.

يارا أبو ملحم: يقول الشاب ابن الـ22 عاماً بأنّ الشرطة أطلقت النار عليه عندما حاول سحب جسد متظاهرٍ آخر.

برووم فيروم: صرخ علينا رجال الشرطة بأنّ من سيحاول سحب الجثة ستُطلق عليه النار بنفس الطريقة، سمعت 3 طلقات ظننت أنّ الشرطة كانت تُطلق النار في الهواء ولم أكن أتصور بأنهم كانوا يطلقون النار علينا.

يارا أبو ملحم: يقول إنها كانت تجربته الاحتجاجية الأولى وقد تبيّن بأنها كانت مصيرية، حياته الآن حبيسة 5 أمتارٍ مربعة يسميها بيتاً، يقول أنه اضطر إلى صرف مبلغ 700 دولار حتى الآن لمعالجة ساقه المصابة وهذا ما يعادل أجره في نصف عام، رغم أنّ جرحه قد التأم فإنه يقول بأنّ العظم قد تهشّم ولن يلتحم أبداً.

برووم فيروم: لقد فقدت الأمل بالعودة للمصنع لأني أخاف أن أفقد ساقي.

يارا أبو ملحم: هذه المصيبة حلّت في ظروفٍ حرجة تمر على برووم وعائلته، فطفلته ذات الـ19 شهراً تشرب الشاي بدلاً من الحليب وكذلك فهم بانتظار ولادة طفلٍ آخر قريباً، إنهم يعتمدون على التبرعات النقدية البسيطة والأطعمة المعلبة لكنهم يخشون بأنّ منبع الكرم هذا قد يبدأ بالجفاف.

برووم فيروم: لو توفر لي مبلغٌ بسيطٌ في المستقبل فسوف أشتري بعض المعدات لتصليح الدراجات النارية والهوائية من أجل إعانة عائلتي، يستبد بي القلق أن أرى التعاسة باديةً على زوجتي وطفلتي بسبب عدم قدرتي على إيجاد حل.

يارا أبو ملحم: يقوم القيادي النقابي آث ثورن بحملة من أجل مساعدة العمال على نيل حقوقهم في أجور عملٍ أفضل.

آث ثورن: أتعرفون رأي النقابة فيما يخص أوقات العمل الإضافية؟

يارا أبو ملحم: سرعان ما يتجمع حوله العمال عندما يتحدث عن ظروفهم القاسية وعن الإغماءات الجماعية بسبب ارتفاع درجات الحرارة والانبعاثات الكيميائية السامة.

آث ثورن: يقولون عمالنا راضون بـ100 دولار شهرياً.

عامل: أحصل على 95 دولار فقط.

عاملة 3: نحنا لسنا راضين بل خائفين بأن يقودنا رفضنا إلى مشاكل مماثلة، رأينا كثيراً من العمال يموتون خلال الاحتجاجات.

يارا أبو ملحم: يقول إنّ دراسةً حكومية لتكاليف المعيشة أقرت بأنّ 160 دولاراً تكفي كحدٍ أدنى للأجور، وبغير ذلك فإنّ العمال مجبرون على العمل ساعاتٍ إضافية للتعويض عن الفرق.

آث ثورن: أقر لباحثون بحدٍ أدنى بين 157 إلى 177 دولاراً في الشهر، ولهذا فإنّ العمال بحاجةٍ إلى مالٍ أكثر لسد الفرق.

يارا أبو ملحم: هل مطالب النقابة تُعتبر عدائية؟

كين لوو: ما من دولةٍ في العالم تستطيع مضاعفة الأجور بين ليلةٍ وضحاها ولهذا فإنه من السخف الإصرار على هذا المطلب.

يارا أبو ملحم: يمثل كين لوو حوالي 550 من أصحاب مصانع الألبسة الجاهزة والأحذية في كمبوديا ويقول إنّ الزبائن سيقومون فقط بتحميل الزيادة في الأجور للمصانع.

كين لوو: لقد صرّح المشترون بأنهم يساندون مطالب العمال في آليةٍ لحساب الأجور بشكلٍ أكثر شفافيةٍ وواقعية، إنهم يتحدثون عن الآلية لم ينطقوا بكلمةٍ واحدة قط تنمُّ عن موافقتهم على رفع الأجور، إن تضاعفت الأجور فسيقفون التصنيع في كمبوديا نهائيا؟ لا، هل ستتناقص طلبياتهم هنا بشكلٍ كبير؟ نعم.

يارا أبو ملحم: يقول لوو إن 100 دولار كحدٍ أدنى للأجور شهرياً هو أمرٌ مُنصف، هل يكفيك أن تعيش بـ100 دولار في الشهر؟

كين لوو: أنا لا لكن هم نعم.

يارا أبو ملحم: لماذا من المناسب لهم العيش بهذا المبلغ؟

كين لوو: ليس من المناسب ولكن في كمبوديا كما في كل دول العالم هناك الأغنياء وهناك الفقراء وهناك من يكسب أكثر ومن يكسب أقل، من الواضح أنّ الذين يكسبون أكثر لهم نمط حياةٍ مختلف أما من يكسب أقل فعليه التأقلم.

يارا أبو ملحم: أنا متأكدة بأنه لو في استطاعتهم لرغبوا في الحياة بنفس طريقتك.

كين لوو: بالتأكيد، إذاً فليسعوا جاهدين لذلك إنّ الأمر ليس مضموناً بالقانون، ولماذا يضمن القانون لهم ذلك أصلاً؟

يارا أبو ملحم: بالنسبة للبعض مثل سارون ورغم عملها لـ10 أو 12 ساعة يومياً فإنّ ذلك لا يضمن لها حياةً أفضل، سارون تعمل في مصنع ملابس منذ 8 أعوام ومؤخراً فقط صارت تذهب إلى المصنع بمفردها.

جيف سارون/عاملة خياطة وأرملة: كان زوجي رجلاً صالحاً كان يساعدني في أعمال البيت عندما أمرض كان من أولئك الرجال الذين يراعون زوجاتهم.

يارا أبو ملحم: تأخذني الشابة ذات الـ24 ربيعاً إلى موقع إطلاق النار ين ريثي أثناء احتجاجات يناير، المكان لا يبعد سوى كيلومتراتٍ قليلة عن مصنع الملابس الذي عملا فيه سويةً.

جيف سارون: في حدود الـ10 صباحاً تم نقله من هنا إلى المستشفى.

يارا أبو ملحم: توفي بعد ذلك بقليل، الأمر الأكثر مرارة في مصيبة فقدانها لزوجها هو أنه كما تقول كان بريئاً ويقف في المكان الخطأ.

جيف سارون: كان أصدقائنا يتحدثون عن الاحتجاجات وبأنهم سمعوا أصوات إطلاق نارٍ وأنهم يودون الذهاب لاستطلاع الأمر، سمع زوجي بذلك فركب دراجته النارية وذهب إلى مكان الحدث، كان الجنود يطلقون النار عشوائياً وفجأةً بدأ زوجي ينزف أُطلقت عليه النار أُردي قتيلاً ببندقية.

يارا أبو ملحم: تسافر سارون أسبوعياً في يوم إجازتها إلى قريتها لزيارة طفلتها البالغة من العمر 21 شهراً، إنها رحلةٌ وعرة ومزعجة وتستغرق ساعةً ونصف، يشكل العنصر النسائي ما نسبته 90% من القوى العاملة في قطاع الملابس، وكحال سارون فإنّ معظمهن تركن بيوتهن في الريف وقدمنا إلى مصانع العاصمة بنوم بن لكي يتمكن من إرسال الأموال إلى عوائلهن، ولكن مع وفاة زوجها فإنّ سارون بالكاد تكسب ما يكفي لقمة عيشها وتترك طفلتها برعاية العائلة لتربيتها، لكنها حتى الآن لم تجد الشجاعة الكافية لتقول لابنتها بأنها لن ترى أباها مرةً أخرى.

جيف سارون: تسألني دوماً عن أبيها فأقول لها ذهب إلى بنوم بن.

يارا أبو ملحم: بالنسبة لسارون أيضاً فإنّ وضع حدٍ للحزن أمرٌ صعب، وهي تستمر بطقوس حياتها اليومية حيث إنّ العوز يمنعها من أخذ إجازة من العمل والتفرغ للأحزان، هنا فقط تجد سارون السلام تمضي بعد اللحظات الهادئة مع ما تبقى من زوجها ذي الـ25 ربيعاً، لكن ما يحزنها هو الواقع المر في اضطرارها لتربية طفلتها دون معين.

جيف سارون: أعمل جاهدةً وأبذل ما في وسعي لكي أُوفر لابنتي التعليم، لا أريد لها أن تعمل في مصنع، حياتي صعبة جداً لكوني وحيدة وراتبي ضئيلٌ ومجبرةٌ أن أقوم بتربية طفلتي وحدي وهذا ما يزيد من صعوبة الأمر، كما أنني أفتقده كل يوم إذ أذهب للعمل.

يارا أبو ملحم: لم تتم إدانة أحد بمقتل زوجها، لقدر راهن حزب الإنقاذ الوطني الكمبودي المعارض على الاستياء المتنامي بين أوساط العاملين في صناعة الملابس، وضمن حملته الانتخابية العام الماضي طالب الحزب بمضاعفة الحد الأدنى للأجور، قالت مو سوكوا العضو البارز في المعارضة إنّ حزبها يساعد عوائل الضحايا على المطالبة بتعويضات وأكدت أنهم يعملون على قضيةٍ يطالبون فيها بمحاكمة القيادة الكمبودية الهرمة في المحكمة الجنائية الدولية.

مو سوكوا/مشرعة قانونية منتخبة في المعارضة: نريد أن نأخذهم إلى المحكمة الدولية لدينا ما يكفي من الأدلة التي جُمعت منذ العام 2002 على استخدام القوة المفرطة والوحشية، فالنظام كما ترين يستخدم المليشيات المحلية من ذوي الأشرطة الحمراء في التخريب، وكذلك من نسميهم أصحاب الرؤوس السوداء الذين يرتدون خوذاً سوداء تغطي وجوههم من ذقونهم حتى رؤوسهم يصدرون لهم الأوامر التالية: صوبوا اجرحوا واقتلوا.

يارا أبو ملحم: ومن تودون محاكمته في لاهاي؟

مو سوكوا: كل من كان مسؤولاً عن الأمن وأيًّا كان مسؤولاً عن الجيش وكذلك الشرطة وهؤلاء الذين أطلقوا النار دون وجل على عمالنا ونسائنا ومزارعينا.

[فاصل إعلاني]

يارا أبو ملحم: يقول ممثل الحكومة تشيم ييب إنهم يحققون في قضايا العنف والقتل غير أنه يتهم المعارضة بالتحريض على الاحتجاج.

تشيم ييب: عندما خسرت المعارضة في الانتخابات لجأت إلى كل الوسائل لإقناع الناس بالاحتجاج.

يارا أبو ملحم: المعارضة والنقابات يتهمون الحكومة ويقولون إنّ الجيش والشرطة استخدموا القوة المفرطة التي أدّت إلى سقوط قتلى.

تشيم ييب: كان على أفراد الشرطة الدفاع عن أنفسهم أمام قنابل المولوتوف والمقاليع ذات الكرات المعدنية والحجارة والعصي، لقد كانت احتجاجاتٍ عماليةً عنيفةً يقودها الحزب المعارض.

يارا أبو ملحم: من ناحيتها تنفي المعارضة الكمبودية أن تكون وسائلها عنيفة وقاطعت البرلمان واعتبرت انتخابات العام الماضي التي أبقت على رئيس الوزراء هون سن مجرد خدعة، لقد ربطت بين الاحتجاجات ومثيلاتها التي اجتاحت العالم العربي عام 2011.

مو سوكوا: لديك شعبٌ يطالب بالعدالة ونبذ العنف والسلام وهناك السيد هون سن الذي يحكم البلاد منذ 30 عاماً ولا يعترف بالمفاوضات ووسيلته الوحيدة في التفاهم هي السلاح، كلا شعبنا يستحق أفضل من ذلك.

تشيم ييب: لقد قاطع الحزب المعارض الجمعية الوطنية، إذاً فهم يحتجون علينا لأنهم يقتدون بدولٍ مجاورة مثل تايلاند وكذلك أوكرانيا ومصر وتونس وسواها ويقتدون بكل تلك الدول، لكن الحالة الكمبودية مختلفة.

يارا أبو ملحم: هل الحكومة تتفق أنّ هذه قد تكون نهاية لحكم رئيس الوزراء الذي دام 30 عاماً؟

تشيم ييب: رئيس الوزراء هون سن عمل رئيساً للوزراء 32 عاماً بناءً على انتخاباتٍ عامة ولم يُنصّب نفسه رئيساً للوزراء.

تشغيل الأطفال دون السن القانوني

يارا أبو ملحم: هذا هو سيهانو فيل المعلم السياحي الشهير وهو موقع أكبر ميناء في كمبوديا، معظم صادرات البلاد من الملابس والمنسوجات البالغة قيمتها 5 مليارات دولار تمر من هنا، وفي الوقت الذي تجذب فيه هذه الصادرات المستثمرين والتجار من كل أنحاء العالم تستهين بعض المصانع هنا بالقانون رغم التحذيرات المتكررة، التقيت بشقيقتين تعملان في أحد مصانع سيهانو فيل للأحذية، لا نستطيع كشف هويتهما خشية أن تخسرا عمليهما، سندعو الصغرى نايري هل كان الحصول على الوظيفة سهلاً؟

نايري: ببساطة استخدمت شهادة ميلاد أختي.

يارا أبو ملحم: إذاً هناك اثنتان من العاملين في المصنع تحملان الاسم ذاته؟

نايري: نعم الاسم نفسه.

يارا أبو ملحم: تبلغ نايري من العمر 13 عاماً فقط وقد أخبرتني أنّ عملها هو إحداث ثقوبٍ في الجلود في مصنع New Star للأحذية وهو مصنع الماركة اليابانية العالمية أسيكس، هل تعتقدين أنّ المصنع يعرف بأنّ أختك قاصر؟

الأخت الكبرى: ربما يعرفون ذلك لأنه عندما يحضر ضيفٌ دائماً ما يطلبون منها الذهاب إلى الحمام.

يارا أبو ملحم: هل حصل أن أخبروكِ في المصنع أن تختبئي أو تمكثي في المنزل؟

نايري: عندما يزورهم ضيفٌ يطلب مني المسؤول أن أذهب إلى الحمام لأنهم لا يريدون أحداً أن يراني.

يارا أبو ملحم: باعتقادك لماذا يطلبون منك الاختباء؟

نايري: لأني صغيرة السن ولا يريدون لأحدٍ أن يعرف بعملي هنا، وربما يطلبون مني أن أذهب إلى المدرسة.

يارا أبو ملحم: تنحدر الأختان من عائلةٍ مزارعة فقيرة تعيش في منطقةٍ ريفية وقد أنهتا الدراسة الابتدائية فقط.

الأخت الكبرى: أشعر بالأسى لأنني لا أكسب ما يكفي من المال وأشعر بالحاجة إلى البكاء، لا أريد لأختي أن تعمل هنا أريدها أن تدرس، في كل عطلةٍ أبعث بأختي إلى بيتنا لأنها دوماً تشتاق لأهلنا أكثر مما أشتاق لهم أنا.

نايري: أشتاق لوالدي أشتاق دوماً إليهما منذ أن بدأت العمل هنا.

يارا أبو ملحم: إنّ الحد العمري الأدنى للعمل في صناعة الملابس والأحذية هو 15 سنة، وقد تحققت الجزيرة بشكلٍ مستقل من أنّ نايري في الـ13 من العمر وتقول إنها تعمل بين 10 و 16 ساعة يومياً.

موين تولا/المركز الثقافي القانوني للمجتمع: ما يحصل بالغ الخطورة هذه الفتاة ما تزال بحاجةٍ إلى وقت وهي بهذه السن الصغيرة تحتاج إلى النوم أكثر لكي يكتمل نموها البدني والعقلي كذلك.

يارا أبو ملحم: موين تولا ناشطٌ في هيئة دفاعٍ قانونية يقوم بالتحقيق في قضايا تخص عمل القُصّر في مصنع New Star منذ حوالي 3 سنوات.

موين تولا: لماذا يعمل الأطفال القُصّر في المصنع؟ أولاً: لأنّ العائلة تكون بحاجةٍ إلى الدعم المادي، وثانياً: إدارة المصنع التي تفضلهم لأنهم يفعلون ما يُطلب منهم ولا يتذمرون.

يارا أبو ملحم: يقوم موين تولا بالمرور على كل البيوت لتثقيف العمال بحقوقهم للتحقيق في سوء ممارسات المهنة من قبل المصنع، اليوم يتحدث تولا إلى عمال مصنع New Star الذين يخبرونه بأنّ بعضاً من زملائهم في المصنع لا تزيد أعمارهم عن العاشرة.

موين تولا: سمعت أنّ شهادة ميلادٍ واحدة يستخدمها أكثر من شخص؟

عاملة في مصنع New Star: نعم وعندما تأتي إحدى منظمات المجتمع المدني للتحقق من وضع المصنع يُطلب من الفتيات في سن الـ10 والـ12 أن يختبئن.

كين لوو: نعم إنّ الأمر وارد بلا شك، وإن وقع مثل هذا الأمر فإنه يُدلّل على نوايا أصحاب المصانع أو على الأقل يُدلل أنهم على علمٍ بأنّ قُصّراً يعملون لديهم وأنهم يسمحون بذلك عمداً.

يارا أبو ملحم: توجهنا أنا وتولا إلى مصنع New Star، إذاً سنحاول مواجهة أصحاب المصنع لنتعرف على ردّة فعلهم حيال قضية عمل القُصّر في مصنعهم، هل لك أن تزودنا برقم المدير؟

موين تولا: إذاً غير مسموحٍ لنا أن نأخذ صورةً هنا.

يارا أبو ملحم: إذاً يطلب منا حارس الأمن أن نغادر المكان لكننا ما زلنا نحاول التحدث لأي من المسؤولين عن قضية عمل الأطفال تحت السن القانونية هنا.

موين تولا: قال بأنه يجب أن نصور من مسافةٍ بعيدة لتفادي وقوع إشكال.

يارا أبو ملحم: أخيراً حصلنا على رقم مدير الأمن، مرحباً أنا يارا من قناة الجزيرة كيف حالك؟ هل لنا أن نتحدث مع مسؤولٍ هنا عن ادعاءاتٍ تتعلق بعمل القُصّر هنا؟ لقد حولنا إلى قسم الإدارة.

موين تولا: لا يوجد أحد في قسم الإدارة.

يارا أبو ملحم: يتم تحويلنا على الأقسام الواحد تلو الآخر وما من أحد مستعد للتحدث إلينا، لذا لا يبدو أننا سنحصل على أي أجوبةٍ من مصنع New Star هذا اليوم، لقد انضم مصنع New Star إلى برنامج أفضل المصانع في كمبوديا التابع للأمم المتحدة في يناير ومهمة البرنامج رصد ظروف العمل.

جيسن جد/برنامج مصانع أفضل لكمبوديا: التهديد بفضحهم أمام الجمهور حفّز العاملين في مصانع لم يكن لهم الحق من قبل في هذه القضية.

يارا أبو ملحم: يدير جيسن جد عملية التدقيق وأخبرني أنّ هذه هي المرة الأولى منذ عقدٍ من الزمن التي يُصدر فيها البرنامج نتائج أبحاثه، سابقاً كان يطلع على التقرير فقط أصحاب المصانع والشركة صاحبة العلامة التجارية.

جيسن جد: لقدر زرنا بعض هذه المصانع 6 و8 و10 مراتٍ خلال العقد الماضي ووجدنا أنهم على درايةٍ تامة بالشروط القانونية.

يارا أبو ملحم: هم يعلمون أنهم غير ملتزمين بالقانون لكنهم لا يأبهون، هل تعتقد أنّ هذا التقرير الشفاف سيدفعهم للتغيير؟

جيسن جد: نعلم أنهم يستشعرون الضغط عليهم والعديد من هذه المصانع اتصلت بنا لتنقية صفحتها فيما يخص المتطلبات القانونية ومعرفة ما ينبغي عليها القيام به للانصياع للقانون وهذه هي الدينامية التي نريدها، إنّ إجبار هذه المصانع على تحسين ظروف العمل مفيدٌ للعاملين.

يارا أبو ملحم: يقول جد إنهم سينشرون التقرير عن تقييمهم لمصنع New Star لكن عمل القُصّر أمرٌ يتعاملون معه بجديةٍ تامة.

جيسن جد: لكن القضية حساسةٌ للغاية وعليه فإننا نتحرك فوراً إلى المصانع للتعامل معها، وعندما نلفت انتباه الإدارة إلى المشكلة عادةً ما تستجيب الإدارة بإصلاح الوضع كأن تعيد الطفل إلى المدرسة أو تخضعه إلى برنامجٍ تدريبي وهذا ما نصبو إليه، نحن نريد المصنع أن يكون جزءاً من الحل.

يارا أبو ملحم: إنّ مصنع New Star عضو في جمعية صُناع الملابس، لقد سمعنا أنّ مصنع New Star للأحذية يُشغّل قُصّراً ما هي الخطوة التالية؟

كين لوو: سنتحدث إلى الإدارة وسنطلب منهم الالتزام ووضع حدٍ لذلك وسنعمل على أن تنطبق عليهم كافة بنود الاتفاق الموقع بيننا وبين الـBFC.

يارا أبو ملحم: في تصريحٍ للجزيرة قالت شركة أسيكس التي تشغل مصنع New Star إنها على دراية بأنّ المصنع يشغل عمالاً قُصّراً، وفي تصريحٍ من المتحدث باسم مصنع New Star أكد على أنهم عملوا على توفير التعليم للأطفال المذكورين، بعد التحقيقات التي أجرتها الجزيرة أقر مصنع New Star بأنّ الطفلة نايري و80 طفلة أُخريات تحت السن القانونية تم إيقافهن عن العمل والتكفل بدفع أجور دراستهن، غير أنّ نايري فضلت الذهاب إلى قريتها والعمل في مزرعة العائلة، وبينما لا يرى برووم أي مستقبلٍ له في صناعة الملابس يقول إنه لن يتخلى عن الدفاع عن حقوق عمال المصانع.

برووم فيروم: أنا ملتزمٌ بالمشاركة بأي احتجاج قد يجري في المستقبل.

يارا أبو ملحم: أما سارون فتقول أنها ستنشد العدالة والتعويض عن مقتل زوجها وستواصل تربية ابنتها بمفردها.

جيف سارون: أُصلّي وسأعمل جهدي من أجل أن تكبر ابنتي وتذهب إلى المدرسة.

يارا أبو ملحم: يتفق الجميع على أنّ اقتصاد كمبوديا يقوم على صناعةٍ تعتمد على تشغيل العمالة الرخيصة لإنتاج الأزياء للعالم، لكن مع إصرار المعارضة والعمال أنفسهم على تحسين الأجور فإنّ التحدي الآن هو في إحداث توازنٍ يكون في صالح كل الأطراف.