عندما كان صغيرا حلم عامل التعدين النيبالي كارما بأن يصبح طيارا، لكن حلم هذا الفتى (16 عاما) تلاشى داخل حفر الفحم في ولاية "ميغالايا" بشمال شرق الهند، حيث تطور استخراج الفحم هناك إلى تجارة قيمتها ملايين الدولارات، لكن بكلفة بشرية وثمن باهظ يدفعهما أطفال حرموا من حقوقهم وبراءتهم.

معاناة هؤلاء الأطفال تتطرق إليها حلقة 23/11/2014 من برنامج "عالم الجزيرة".

يقوم كارما بمهمة الحفر وقطع الفحم وسحبه للخارج، ويقضي سبع ساعات يوميا في الزحف داخل ما يطلق عليه السكان "حفرة الجرذان"، فالنفق مليء بغاز الكبريتيك، وكي يعثر على الفحم عليه أن يذهب للعمق في الداخل.

يعمل كارما مع أخيه الأكبر، وكذلك عمل والدهما هناك قبل وفاته بالسل، ويجنيان نحو 160 دولارا أسبوعيا.

أما رام كومار راي -الطفل النيبالي الآخر- فكاد أن يدفن حيا في "جحر الجرذان" عندما سقطت عليه الصخور، وقد تعرض للعديد من الآلام في ظهره وصدره، لكنه لم يتلق أي علاج أو تعويض من قبل من يقومون بتشغيله.

يعيش كارما في مقاطعة "جاينتيا هيلز" بولاية ميغالايا على الحدود مع بنغلاديش، وهو الإقليم الغني بالثروة الطبيعية، وتشير تقديرات وزارة التعدين والجيولوجيا إلى أن هناك نحو ستمائة مليون طن من احتياطيات الفحم تحت هذه التلال، وقد كان هذا الاكتشاف فاتحة خير بالنسبة للجماعات القبلية التي تملك الحقوق الحصرية لاستثمار هذه الأرض.

غير أن ناشطين في مجال حقوق الأطفال يقولون إن آلاف الأطفال أمثال كارما يتم استغلالهم في هذه المناجم المربحة، فهم يحفرون يدويا لاستخراج الفحم لأن مالكي الأراضي لا يريدون الاستثمار بالمعدات المكلفة فيعملون دون أبسط وسائل الأمان كشرب الماء أو التأمين الصحي.

وبحسب هسينا كاربهيه -وهي ناشطة بارزة في إدارة حملات حقوق الأطفال- لا أحد يعلم بالتحديد عدد الأطفال العاملين في جحور الجرذان، وأشارت إلى أن هؤلاء الأطفال يعانون من سوء التغذية، والكحة المزمنة وأمراض الجلد.

كما يؤكد نشطاء أن الشاحنات المحملة بأطنان من الفحم -والتي تذهب إلى القطاع الصناعي الهندي المتعطش للطاقة ومن ثم لموانئ بنغلاديش المجاورة لتصديرها- غالبا ما تعود محملة بشحنة من المهاجرين غير الشرعيين من نيبال وبنغلاديش ليعملوا في المناجم بمن فيهم الأطفال. 

استغلال الأطفال
وتقول كاربهيه إن جاينتيا هيلز نقطة ساخنة بالاتجار المشبوه بتشغيل الأطفال، وتشير إلى أن الأغلبية العظمى من أصحاب المناجم هم من القادة السياسيين أنفسهم، سواء كانوا الأصحاب المباشرين للمناجم أو من خلال أسماء زوجاتهم أو عائلاتهم.

مع العلم أن تشغيل الأطفال غير الشرعي دام لأكثر من ستين عاما في الهند، لكن العديد من القوانين والدساتير الوطنية منعت عمل الأطفال تحت سن الـ18 في حال الأعمال الخطرة كالتعدين، وهي القوانين التي لا تطبق في ولاية ميغالايا من طرف أصحاب الأراضي والمناجم.

وتؤكد ديبا ديكسيت -وهي محامية وعضوة سابقة في اللجنة الوطنية لحماية حقوق الطفل- أن حكومة ميغالايا تجاهلت عمدا استغلال الأطفال لصالح صناعة التعدين والأرباح التي تولدها. ودعت ديكسيت حكومة الولاية إلى فرض عقوبات سريعة على مالكي المناجم الذين ينتهكون القوانين الوطنية.

في المقابل، تنفي وزيرة العمل إمبارين لينجدوه ميجهاليا عمل الأطفال في التعدين، وتقول إن انخراط طفل أو اثنين أو ثلاثة في أعمال التعدين لا يعني أن جميع العاملين في مناجم الولاية هم من صغار السن.

كما أن هينسون لينجدوه -مالك منجم فحم- ينفي تشغيل الأطفال في المناجم، ويقول إن الدولة بحاجة ماسة لوضع سياسة رسمية للتعدين وتوحيد المعايير الصناعية، وأن تجبر أصحاب المناجم على استخدام الآلات بدلا من الرجال.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: الصبية الضائعون

مقدمة الحلقة: كاريشما فياس

ضيوف الحلقة:

-   كارما/عامل تعدين

-   حسينة كاربهيه/ناشطة في مجال حقوق الأطفال

-   رام كومار راي/عامل تعدين نيبالي

-   أمبارين لينغدوه ميجهاليا/وزيرة العمل

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 23/11/2014

المحاور:

-   مخاطر عمل الأطفال في مناجم الفحم

-   الاتجار بالبشر وبائعات الهوى

-   آثار مترتبة على عمالة الأطفال

كاريشما فياس: يعملون في أشدّ أعماق الأرض إظلاماً، فلا يُبصرهم العالم من فوقهم ولا يسمع بهم.

عامل تعدين: أتخيّلُ أنّ بإمكاننا الدخول من هذه الجهة، أما هذه الجهة فخطرةٌ جداً إنها رطبةٌ جداً في الداخل.

كاريشما فياس: الهواء سامٌّ هنا والجدران قد تنهار في أي لحظة، لكنّ الأطفال يزحفون داخل هذه الأنفاق يوماً بعد يوم يبحثون وينقّبون عن ما يُسمُّونه الماس الأسود.

كارما/عامل تعدين: الفحم، الفحم يستخدم الناس الفحم في كل مكان لكنّهم لا يعرفون من أين يأتي، ترَون إنّه يأتي من هنا.

كاريشما فياس: في ولاية ميغالايا في شمال شرقي الهند تطوّر التنقيب عن الفحم إلى تجارةٍ قيمتها عدّة ملايين من الدولارات مدفوعاً بتعطُّش العالم للطاقة، لكم ما هي الكلفة البشرية لهذا التطوّر؟ وهل الثمن باهظٌ أكثر مما ينبغي؟ أنا كاريشما فياس وفي هذا الفيلم الوثائقي سنغوص عميقاً داخل فورة التعدين في ميغالايا للتحقيق في التقارير المتعلقة بعمالة آلاف الأطفال في حفر الفحم القاتلة هذه.

كارما: أستيقظ في السادسة صباحاً أُنظّفُ أسناني أتناول وجبة الإفطار وأذهب للعمل، عملٌ لـ6 أو 7 ساعات مهمتي هي استخراج الفحم وتكسيره كذلك سحبه إلى الخارج.

مخاطر عمل الأطفال في مناجم الفحم

كاريشما فياس: يعمل كارما عامل منجم منذ أكثر من عام بعد غادرت أُسرته منزلها في ولاية آسام بحثاً عن عمل، احتفل توّاً بيوم ميلاده الـ16 لقد أمضاه هنا زاحفاً داخل ما يُطلق عليه السكان المحليون اسم منجم "جُحر الجُرذ"، النفق مليءٌ بغاز الكبريتيك وعلى كارما أن يُوغل عميقاً في الحفر ليصل الفحم، واليوم يحمل كارما إحدى كاميراتنا لتصوير أجزاءٍ من المنجم هي ببساطة أصغر بكثير من أن تستوعبنا، تحت الأرض يؤدّي جحر الجرذ هذا إلى شبكةٍ مترابطةٍ من الجحور، من المفترض أن تحول هذه الدعائم الاصطناعية دون انهيار الأنفاق لكنّها غالباً ما تفشل في منعه لأنّ العُمّال هنا لا يتلقوّن تدريباً، يعمل كارما مع أخيه الأكبر الذي يُغنّي في المنجم ليدرأ عنه الضجر والخوف، والدهما عمل هنا قبل أن يُتوفّى بمرض السُّل.

كارما: عندما دخلت جحر الجرذ أول مرة تملّكني الذعر، اعتقدت أنّ السقف سينهار فوقي فقد تبعت أخي للداخل ولكنّي كنت حقًّا مرعوباً، كان سحب العربة أمراً في غاية الصعوبة تقرّحت ركبتاي بكاملهما لكن بعد أسبوعين اعتدت على الأمر، تورّمت يداي من فعل هذا.

شقيق كارما: مؤلمة؟

كارما: نعم مؤلمة، أدخل لنحو 250 متراً الدخول سهلٌ لكنّ الخروج ليس يسيراً، العربة ثقيلةٌ فعلاً وسحبها شاق فأنا أسحبها للخارج أُفرّغها ومن ثم أعود للداخل، لا قِبَل لسنّي بهذا العمل لكنّي مع ذلك ما زلت أُزاوله، ما حيلتي؟

كاريشما فياس: يعيش كارما في مقاطعة جينتيا هيلز في ولاية ميغالايا في شمال شرقي الهند المتاخمة لبنغلادش، وهو إقليمٌ يتمتّع بجمال خلّاب وبثروةٍ طبيعيةٍ وفيرة، تُشير تقديرات وزارة التعدين والجيولوجيا إلى حوالي 600 مليون طن من احتياطيات الفحم تحت هذه التلال، وقد كان هذا الاكتشاف لحظةً فارقة للجماعات القبلية التي تملك الحقوق الحصرية لاستثمار هذه الأرض، فخلال جيلٍ واحدٍ فقط تحوّل بعض مُلّاك الأراضي من مزارعين معدمين إلى أُمراء تعدينٍ من أصحاب الملايين لكنّ الخير لم يعُمَّ الجميع، يقول ناشطو حقوق الإنسان إنّ الآلاف من الأطفال أمثال كارما يتمُّ استغلالهم في هذه المناجم التي تدرُّ أرباحاً طائلة فهم يُنقّبون عن الفحم يدوياً لأنّ مالكي الأراضي لا يريدون الاستثمار في المعدات المُكلفة فيعمل الأطفال دون توفير وسائل الأمن والسلامة أو ماءٍ صالحٍ للشرب أو تأمينٍ صحي.

حسينة كاربهيه/ناشطة في مجال حقوق الأطفال: ترجع الحاجة إلى عمالة الأطفال هنا إلى أُسلوب التعدين التقليدي وغير العلمي الذي يستدعي عمل الأطفال وذلك لكون جحور الجرذان هذه تُناسب فقط أحجام الأطفال.

كاريشما فياس: لا أحد يعلم بالتحديد عدد الأطفال العاملين هنا، لكنّ كثيراً منهم يُعانون من سوء التغذية وكُحّةٍ مزمنة وأمراضٍ جلدية، زحفت نحو 10 أمتارٍ داخل منجم الفحم هذا هذه هي المناجم التي يعمل فيها الأطفال وكما تَرَون وبلا مبالغة لا يوجد أيُّ فسحةٍ للتحرُّك فيها، هذه أقل من متر وهذا هو المكان الذي يتعيّن على الأطفال أن يجلسوا فيه أو ينحنوا لـ7 ساعاتٍ يوميًّا منتزعين الفحم من الجدران التي ترونها حولي، موضعٌ ضيّقٌ للغاية هنا وظلامه حالك، الجدران والأرضيّة رطبة كما أنّك تستطيع حقًّا أن تشعر بثقل الجبل في الأعلى يجثم عليك، الحوادث شائعة الوقوع في هذه الأنفاق التي كثيراً ما تغمرها المياه وغالباً ما تنهار الأسقف والجدران على عُمّال المناجم لتدفنهم أحياءً. التعدين يجري في عروق كارما فكثيرٌ من أقاربه يعملون أيضاً في التعدين، فهو يعمل مع شقيقه الأكبر كفريق ويجنيان نحو 160 دولاراً أُسبوعياً وهي ثروةٌ مقارنةً بمعدل أُجور الهنود، لكنّ الدخل الموسمي لا يكفي أُسرةً مكونة من 7 أفراد لكي تُوفّر وتُغادر هذا المكان.

كارما: نعمل لتوفير القليل من المال ولكن ينتهي الأمر بإنفاقه عند مرض أو وفاة أحد، ببساطة لا نستطيع توفير أي شيء، نعمل 6 أيام ولكن ما نجنيه يُصرف في السوق.

كاريشما فياس: على بعد مئات الأمتار عن المنجم فقط بنى عُمّال المناجم أكواخاً من الطين وقماش القنّب ليعيشوا فيها، لا يملكون الماء ولا الكهرباء ولا المراحيض، عليهم الدفع مقابل الأحذية الطويلة المطاطية والمشاعل التي يستخدمونها في المناجم، على الأقل لا تزال أُسرة كارما مع بعضها الأطفال الآخرون ليسوا محظوظين مثل كارما، ليل نهار تشقُّ مئات الشاحنات المحمّلة بأطنان الفحم طريقها إلى القطاع الصناعي الهندي المتعطّش للطاقة وإلى موانئ بنغلادش المجاورة لتصديرها، ولكنّ نشطاء اجتماعيون يقولون إنّ الشاحنات غالباً ما تعود محمّلة بالمهاجرين غير الشرعيين بمن فيهم الأطفال من نيبال وبنغلادش ليعملوا في المناجم. حسينة كاربهيه ناشطةٌ بارزة في حقوق الأطفال تقول بأنّ جينتيا هيلز بؤرةٌ موبوءةٌ للاتجار بعمالة الأطفال، وغالباً ما يقوم وكلاء أصحاب المناجم بإقناع الأُسر المعوزة أنّ بإمكان أطفالها أن يجنوا أُجوراً عالية بقدومهم إلى هنا، لكنّهم لا يتحدثون عن واقع الظروف المرعبة.

حسينة كاربهيه: يُؤتى بالأطفال من نيبال على وجه الخصوص عن طريق وسطاء، أما الأطفال من بنغلادش فيأتون بواسطة الشاحنات التي تذهب إلى بنغلادش لتصدير الفحم أو تفريغه، لذا فهناك تنسيقٌ كبير بين الوسطاء ومدراء المناجم.

الاتجار بالبشر وبائعات الهوى

كاريشما فياس: لعدّة سنوات قامت منظمة حسينة التي تُدعي إمبولس بإنقاذ أطفال وتسجيلهم في المدارس لكنّ حملتها ضدَّ الاتجار بالبشر وعمالة الأطفال أكسبتها عداوات.

حسينة كاربهيه: كلُّ ذلك بدأ بمكالماتٍ هاتفية فالعديد من الناس يُهاتفونني ويُهاتفون المكتب، أول ما يقولونه ألّا أفعل ما أقوم به وألّا أتدخّل فيما أُحاول القيام به وأن أبتعد عنه، وقالوا لي أيضاً أنتم منظمةٌ صغيرةٌ جداً يمكن إغلاقها بكل سهولة، وفي بعض الأحيان وصل الأمر إلى توجيه تهديداتٍ شخصية إذ نصحوني أن أُفكّر في عائلتي التي هناك.

كاريشما فياس: لكنّ حسينة رفضت التراجع حتى في مواجهة القوى المتنفّذة.

حسينة كاربهيه: الغالبية العظمى من أصحاب المناجم هم من القادة السياسيين أنفسهم، فإما أن تكون المناجم مسجّلةٌ بأسمائهم أو بأسماء زوجاتهم أو عائلاتهم، لذلك فالسلطات بالتأكيد في صفّهم.

كاريشما فياس: تزور حسينة مساكن عُمّال المناجم في نيبال، التقت مصادفةً بصبي عمره 11 عاماً يقول الجيران إنّه يعمل بحفرة الفحم المجاورة.

حسينة كاربهيه: ألا تعمل أي عملٍ؟

الصبي: لا، لا أعمل.

حسينة كاربهيه: ولكن ذلك الرجل يقول أنك تعمل وحتى تلك السيدة تقول أنك تعمل، لا تخف أخبرني.

الصبي: لا أعمل.

كاريشما فياس: الصبي متوترٌ لكنّ والدته أكّدت شكوك حسينة.

حسينة كاربهيه: هل يعمل ولداكِ؟

والدة الصبي: نعم إنّهما يعملان.

حسينة كاربهيه: وهل هذا يعمل أيضاً؟

والدة الصبي: مَن هذا الطفل؟ نعم.

كاريشما فياس: أخبرت حسينة والدتهم بعدم قانونية عمل أولادها وعرضت عليها المساعدة بتسجيلهم في المدرسة. في الهند سُنَّ قانون عدم جواز تشغيل الأطفال منذ أكثر من 60 عاماً وفي حالات الأعمال الخطرة كالتعدين لا يُسمح بعمل الأطفال تحت سن الـ18 ذلك وفقاً للعديد من القوانين والدساتير الوطنية لكنّ هذه القوانين لا يبدو أنّها تُطبّق في ولاية ميغالايا.

[نص مكتوب]

القوانين التي تحظر عمل الأطفال في المناجم:

*مرسوم تنظيم عمل المناجم لعام 1952.

*قوانين عمل المناجم لعام 1955.

*عمالة الأطفال (مرسوم حظر وتنظيم عمالة الأطفال) لعام 1986.

*مرسوم العدالة للقاصرين (للعناية وحماية) الأطفال لعام 2000.

كاريشما فياس: استمر تشغيل أطفال المناجم هنا لسنوات لكن لم تتم إدانة أحدٍ لقيامه بتوظيفهم، يقول نُشطاء إنّ مردَّ ذلك هو وجود المناجم في أرضٍ مملوكة للقبائل، جميع الأراضي الشاسعة التي تراها حولي تملكها تجمُّعاتٍ قبلية وفي الواقع فإنّه بموجب الفقرة السادسة من الدستور الهندي فإنّ مناطق قبلية مثل جينيتا هيلز تتمتّع بحكمٍ ذاتي محدود لكي تتمكن من حماية تقاليدها واستخدام أراضيها بالطريقة التي تُريدها، وحالياً لا تزال القوانين والاتفاقيات الوطنية مطبقة هنا لكنّ أصحاب الأراضي ومُشغلي المناجم يتجاهلون قوانين البيئة وعمالة الأطفال لأنهم يقولون إنها لا تنطبق عليهم، القوانين تنطبق عليهم لكنّ الحكومة فشلت في وضعها موضع التنفيذ وفي الواقع فإنّ الحكومة لا تعرف حتى عدد المناجم الموجودة هنا ولا عدد أصحابها، فبمقدور أي مالك أرضٍ قَبَلي أن يبدأ التعدين دون التسجيل لدى الحكومة أو تلبية معايير السلامة والعمل، وقد أدّى غياب التنظيم الكامل هذا إلى ظروف عملٍ متزايدة الخطورة، المهاجر النيبالي رام كومار راي يعمل هنا منذ عامين ويقول إنّ هذه الحوادث شائعة، في الواقع كاد هو نفسه أن يُدفن حيًّا في جحر الجرذان هذا قبل أسابيع قليلة.

رام كومار راي/عامل تعدين نيبالي: عندما بدئوا بتكسير الصخور ودون سابق إنذار تساقطت الصخور عليّ، شعرت وكأنها تزن 400 كيلوغرام كان يمكن أن تُسويّني بالأرض لو أنها كانت أثقل.

كاريشما فياس: بعض العمال قاموا بسحب راي خارج الأنفاق وهو مغمىً عليه ومنذ ذلك الحين لم يعمل وذلك لآلامٍ حادة في ظهره وصدره، لم يكن هناك أيُّ تعويضٍ أو أيُّ مالٍ للعلاج ولم يُجرَ حتى أي تحقيق.

رام كومار راي: إن متنا نموت ويدفنوننا هنا وإن عشنا نعاني ولا نكسب قوتنا نتعفّن هنا ونموت، أما من كان لديه المال أو أصدقاء أو عائلة هنا فيُرسل جثمانه إلى نيبال وأما من لا أحد له فيُلقى جثمانه هنا أو هناك، عندما يموت أحدهم يُخبئون الجسد حتى لا يعرف أحدٌ عنه وبهذه الطريقة لا يحتاج المالك لئن يدفع أي تعويضٍ لعائلة المتوفّي ولا حتى سنتاً واحداً، فقط مراقب العُمّال هو الذي يُساعدنا.

كاريشما فياس: يقول رام بأنّه يعرف عن أطفالٍ ماتوا بحوادث في المنجم بعد أن غُمِرَت جحور الجُرذان بالماء أو انهارت، لكنّ أصحاب منجمٍ أمثال هينسون لينغدوه يتبرّؤون من هذه الادّعاءات.

هينسون لينغدوه/مالك منجم فحم: لا لا الأطفال لا نُدخلهم، لا نسمح لهم حتى بأن يذهبوا هناك، أنتِ تعرفين السبب ففي الأمر خطورة لا يمكنهم أن يلعبوا هناك ولا نتيح لهم فرصةً اللعب أيضاً.

كاريشما فياس: أطلعني لينغدوه على صورٍ لمنجمه الذي يقع على بُعد بضع ساعاتٍ بالسيارة عن المكان الذي يعمل فيه كارما ورام كومار راي، تبدو الأنفاق واسعةً بالقدر الكافي للبالغين ويقول بأنّه يُعوّض العاملين عن إصاباتهم، لكنّ لينغدوه يُقرُّ ويعترف بأنّ الدولة بحاجةٍ ماسّة لوضع سياسةٍ رسمية للتعدين تُوحّد المعايير الصناعية وتُجبر أصحاب المناجم على استخدام الآلات بدلاً من الرجال.

هينسون لينغدوه: أطفالٌ يعملون في المناجم قلت لا، ولكن مَن يدري عندما تكون هناك سياسة يكون هناك قانون.

كاريشما فياس: ليس فقط الصبية الصغار مَن يقعون ضحايا لازدهار مناجم ميغالايا، فالتدفق الجامح من مال الفحم في جينتيا هيلز أحدث تجارةً مزدهرة للجنس تشمل فتياتٍ محلياتٍ قاصرات، داري وهذا ليس اسمها الحقيقي ذات الـ23 سنة تعمل بائعة هوى منذ 4 سنوات، زبائنها غالباً من أصحاب المناجم والمدراء الذين يدفعون لها 200 دولار في الزيارة الواحدة، تقول بأنه يمكنها أيضاً جني الأموال بتشغيلها للبنات الأصغر منها سنًّا بالرذيلة.

داري/بائعة هوى: الفتيات بعمر الـ17 يمكنهم كسب 300 دولار حتى 400 دولار، فإن وجدت فتياتٍ صغيرات أكسب أيضاً وأحصل على 160 دولار عمولة، الفتيات الأصغر تتراوح أعمارهن بين الـ16 والـ18.

كاريشما فياس: تُقرُّ داري بأنّ مهنتها خطيرة، والفتيات الصغيرات بائعات الهوى هُنَّ الأكثر عرضةً للاعتداء، غالباً ما يُصرُّ الزبائن على عدم استعمال الواقي الذكري الأمر الذي يترك الفتيات معرضاتٍ لعدوى الأمراض الجنسية ومرض الإيدز، الأمان مشكلةٌ رئيسيةٌ أيضاً.

داري: عندما تذهب الفتيات مع الزبائن لتناول الشرب فغالباً ما يجمح الرجال ويخرجون عن طورهم، يأخذون الفتيات إلى الغابة ويُمارسون الجنس معهن ويتركوهن هناك، نتلقّى مكالماتٍ هاتفيةً من الفتيات في منتصف الليل فنذهب للبحث عنهن.

آثار مترتبة على عمالة الأطفال

كاريشما فياس: في العاصمة الهندية نيودلهي ديبا ديكشيست محاميةٌ وعضوٌ سابق في اللجنة الوطنية لحماية حقوق الطفل، وعلى الرغم من تقارير دامغة من فريقها تقول ديكشيست إنّ حكومة ميغالايا تجاهلت عمداً استغلال الأطفال لصالح صناعة التعدين والأرباح التي تجنيها.

ديبا ديكشيست/مدافعة عن حقوق الأطفال: ما مفقودٌ حقًّا هو الحزم لدينا معايير مزدوجةٌ كثيرةٌ جداً، وما هو غير مقبولٍ لأطفالنا يكون مقبولاً لأطفال أُناسٍ أقل حظًّا بامتيازاتهم من امتيازاتنا، فقد كان للتعدين على الأقل هنا آثارٌ سلبيةٌ فظيعةٌ على الأطفال، وإن نظرتِ إلى الأولويات التي تُصنّفها الولاية عندما تتعامل مع التعدين فلا يندرج الأطفال ضمن الأولويات.

كاريشما فياس: تقول ديكشيست بأنّه يجب على حكومة الولاية أن تُنفّذ عقوباتٍ سريعةً على مالكي المناجم الذين ينتهكون القوانين الوطنية.

ديبا ديكشيست: أعتقد جازمةً أنّه إذا قمت بربط عقود إيجار التعدين مع وضع الجماعات السكانية وأطفالها وحقيقة أنكِ ستُلغين تراخيص إذا لم تُلبَّ متطلباتهم الاجتماعية فستقطعين شوطاً طويلاً في ضمان رعاية الأطفال.

كاريشما فياس: ولكن في شيلونغ عاصمة ميغالايا يقول مسؤولون حكوميون بأنهم لم يُشاهدوا بعد أي دليلٍ ملموسٍ عن أطفال المناجم.

أمبارين لينغدوه ميجهاليا/وزيرة العمل: قمت بالعديد من الزيارات فزرت لادرن باي ونانغلبيبرا كما أخبرتكِ لم أزر إقليم كهاسي هيلز لم أجد أطفالاً هناك خلال زيارتي، ربّما أجد أطفالاً إن قررت التخييم هناك لأيامٍ متواصلة.

كاريشما فياس: ولكن عندما سألنا وزيرة العمل عن بعض الصور التي صورناها قالت ما يلي:

أمبارين لينغدوه ميجهاليا: عليكِ أن تتحققي من عمر مَن تُسمّينهم أطفالاً فأفراد مجتمعنا دقيقو التكوين، فلو نظرتِ إلى وجهي لن تستطيعي تحديد عمري، أتحداكِ بذلك ربّما أبدو لكِ بعمر الـ16 وفي كل مرةٍ ننقذ أولئك الذين تُسمينهم أطفالاً نراهم يأتون إلى المسؤول الطبي ويتحايلون للحصول على شهادةٍ بأنهم فوق العمر.

كاريشما فياس: ولتحسين تنظيم صناعة التعدين فإنّ حكومة الولاية كما تقوم لينغدوه تضع مسوّدة لأول سياسة تعدينٍ في الولاية لتحديد ما ينبغي على مُلّاك المناجم القيام به، المسوّدة تحظر عمالة الأطفال لكن ما لم تتضمنه هو حظر التعدين في جحور الجرذان وهو السبب في استخدام الأطفال في المقام الأول وتنتظر هذه التوجيهات المصادقة النهائية ومن المتوقع تطبيقها في وقتٍ لاحق من العام الحالي.

أمبارين لينغدوه ميجهاليا: هذا عارٌ على ولايتي ولكن آمل أيضاً بأن يتم نشر الرسالة الصحيحة في الخارج، فإن ضبطتِ طفلاً أو 2 أو 3 أطفالٍ منخرطين في أعمال التعدين لا تقولي للعالم إنّ جميع العاملين في مناجمنا هم من صغار السن.

كاريشما فياس: ولكنّنا في جينتيا هيلز شاهدنا الكثير من أطفال المناجم.

كارما: أُحسُّ رأسي ثقيلاً جداً لا أستطيع رفعه، الأمر مؤلم.

كاريشما فياس: كارما ذو الـ16 لم يُفكر بعدد الأطفال الذين يعملون في هذه المناجم هو فقط يعرف لماذا يعمل هو.

كارما: أتمنّى الحصول على فرصة التعلُّم لكن حينها سيعمل أخي وحده وهذا ما لا قِبَل لنا به ماديًّا، وإذا حاولت أن أُزاول عملاً آخر سيكون الدخل قليلاً جداً ولذا هل نأكل أم أذهب إلى المدرسة؟.

كاريشما فياس: حتى فترةٍ غير بعيدة كان لدى كارما خطّةٌ مختلفة لحياته كان يريد أن يُصبح طيّاراً.

كارما: كان حلم طفولتي منذ صغري فعندما كنت أنظر إلى السماء وأرى طائرةً تُحلّق كنت أقول في نفسي كيف تطير الطائرة؟ كانت لي رغبةٌ في الجلوس على متن الطائرة والطيران بها، كنت دائماً أقول لوالدي بأنّي أُريد أن أكون طيّاراً.

كاريشما فياس: أحلام كارما كأحلام الكثيرين تلاشت داخل حُفر الفحم هذه، لقد نسوا طفولتهم منذ زمنٍ بعيد والأمر الوحيد الذي يحمله لهم المستقبل هو كفاحهم من أجل البقاء.