أصبحت إسرائيل خلال السنوات الخمس الماضية أكبر مصدّر للطائرات بدون طيار، وتستعمل ستة من جيوش حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أفغانستان طائرات بدون طيار إسرائيلية الصنع، كما استعملتها القوات الإسرائيلية في تنفيذ عمليات اغتيال ضد ناشطين فلسطينيين مثل صلاح شحادة الذي كان أحد كوادر حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وقد سلطت حلقة 2/11/2014 من برنامج "عالم الجزيرة" الضوء على موضوع الطائرات بدون طيار.

استعملت إسرائيل لأول مرة طائرات بدون طيار أثناء غزوها لبنان عام 1982، ومن ثم بيعت هذه الطائرات إلى الولايات المتحدة التي استعملتها في حرب الخليج الأولى، لكن استعمال إسرائيل هذه الطائرات لم يبدأ فعلا إلا بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، وقد كان لها دور مهم في تنفيذ البرنامج العسكري الإسرائيلي للاغتيالات.

ويقول وزير الدفاع الإسرائيلي في فترة 2000-2001 بنيامين بن إليعازر إن تل أبيب قررت استخدام الطائرات بدون طيار استخداما مكثفا جدا جدا لأول مرة، وأكد أنهم اغتالوا عددا من الأشخاص بينهم شحادة الذي اغتالته القوات الإسرائيلية في 23 يوليو/تموز 2002 بقصف جوي للمبنى الذي كان فيه، واستشهد معه 14 مدنيا، كان 11 منهم أطفالا.

وأشار داني بتشمان -وهو من الصناعات الجوية الفضائية الإسرائيلية- إلى ازدياد استعمال طائرات بدون طيار من طرف إسرائيل في العقد الماضي، وأكد وجود ارتباط واضح بين تلك العمليات وبين الطلب العالمي على تلك الطائرات "فقد أثارت الطائرات بدون طيار اهتمام الزبائن خلال استعمالها في حرب لبنان وعملية "الرصاص المصبوب" وعمليات القتل المحددة الأهداف".  

وتعد عملية "الرصاص المصبوب" خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009 مثالا واضحا على ذلك، لأن الاستعمال الواسع للطائرات بدون طيار قد وثق وشاعت أخباره، وكانت هذه الطائرات قد استعملت من قبل، لكن الترويج لها كان أقل.

وعلى مدى العقد الماضي تزايدت الدلائل على أن إسرائيل لا تستعمل طائرات بدون طيار للاستطلاع فحسب، بل تجعل منها أيضا منصات لإطلاق أسلحة هجومية من قبيل إطلاق صواريخ "سبايك" المضادة للدبابات على أهداف بشرية، ومع ذلك دأب المسؤولون الإسرائيليون على نفي ذلك، بل حتى أنهم لا يؤكدون أن لدى القوات المسلحة الإسرائيلية أصلا أي طائرات بدون طيار هجومية.

وقد نقل موقع ويكليكس في وقت سابق عن مسؤول في الجيش الإسرائيلي أنه اعترف بأن إسرائيل استعملت طائرات هجومية بدون طيار في عملية "الرصاص المصبوب"، وأنه أبلغ السفير الأميركي في تل أبيب بأن طائرة بدون طيار قد أطلقت النار على مقاتلين تابعين لحركة حماس.

وبحسب الصحفي الاستقصائي كريس وودز، فإن برنامج الطائرات الإسرائيلية بدون طيار لا يزال مصنفا على أنه سري جدا، ولا تزال الحكومة الإسرائيلية ترفض حتى يومنا هذا مجرد الاعتراف بوجود هذا البرنامج.

استخدام قاتل
ولم تكتف إسرائيل بتصدير تكنولوجيا الطائرات بدون طيار، بل بينت للعالم أيضا كيفية استعمالها بفعالية قاتلة، ففي عام 2004 بدأت وكالة المخابرات الأميركية (سي آي أي) برنامجا للاغتيالات في باكستان باستعمال طائرات بريديتور، وقد كانت عملياتها تقليدا لعمليات إسرائيل في قطاع غزة.

ورغم أن الولايات المتحدة وبريطانيا وحليفاتهما -يواصل الصحفي- كانت تندد ببرنامج إسرائيل للقتل المستهدف الذي بدأته في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2000 فإنه بعد الـ11 من سبتمبر/أيلول عدلت الولايات المتحدة عن موقفها وبدأت برنامج قتل مستهدف خاصا بها. 

ومنذ عام 2004 وحتى يومنا هذا شنت الولايات المتحدة أكثر من 380 غارة بطائرات بدون طيار في باكستان قتل فيها أكثر من 2400 شخص، أربعمائة منهم على الأقل من المدنيين، ومنذ ذلك راحت الولايات المتحدة وحليفاتها تستعمل طائرات بدون طيار على هذا النحو ليصمت بعدها الانتقاد الرسمي من أميركا وأوروبا لبرنامج القتل المستهدف الإسرائيلي.

وكانت شركة "إيرونوتك إندسترز" الإسرائيلية أول شركة في العالم تبتكر طائرات بدون طيار في السبعينيات، وبحلول عام 2005 كانت أربعون دولة تستخدم طائرات بدون طيار على نطاق ما، أما اليوم فقد ازداد هذا العدد إلى 75.

والحروب التي شنت من مكان بعيد على غزة وأفغانستان وباكستان يجري الآن تصديرها إلى بقاع أخرى من العالم، وهو ما يعمل على تغيير طبيعة النزاع المسلح ويثير قضايا أخلاقية وقانونية مهمة.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: تجارة الموت.. الطائرات بدون طيار إسرائيلية الصنع

ضيوف الحلقة:

-   مارتن فان كرفلد/مؤرخ عسكري

-   بنيامين بن إليعارز/وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق

-   داني بتشمان/الصناعات الجوية الفضائية الإسرائيلية

-   كريس وودز/صحفي استقصائي

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 2/11/2014

المحاور:

-   إسرائيل أكبر مُصدّرٍ للطائرات بلا طيار

-   تنفيذ عمليات اغتيال ضد ناشطين فلسطينيين

-   تعاون تكنولوجي بين واشنطن ولندن وتل أبيب

-   أدلة دامغة على إسرائيل

تعليق صوتي: خلال السنوات الخمس الماضية أصبحت إسرائيل أكبر مُصدّرٍ للطائرات بلا طيار مع زيادة مبيعاتها عالمياً وتستعمل 6 من جيوش حلف الناتو في أفغانستان طائراتٍ بلا طيارٍ إسرائيلية الصنع، وقد أنفقت بريطانيا وحدها أكثر من مليارٍ وربع مليار دولارٍ على طائراتٍ بلا طيار من طراز هرمس تُصنّعُها الشركة الإسرائيلية Elbit systems، أما فرنسا فأنفقت أكثر من نصف مليار دولارٍ على طائرات بدون طيار من طراز هيرون تُصنّعُها شركة IAI.

إسرائيل أكبر مُصدّرٍ للطائرات بلا طيار

مارتن فان كرفلد/مؤرخ عسكري: كانت إسرائيل أول من جرّب فعلاً طائراتٍ بلا طيار وبينما استعملنا بعضاً منها في لبنان عام 1982 كانت الولايات المتحدة لا تزال في مراحل مبكرةٍ في ذلك المجال، وهكذا فقد كنا سبّاقين.

تعليق صوتي: كانت شركة Irontic industries الإسرائيلية أول شركةٍ في العالم تبتكر طائراتٍ بلا طيار في السبعينيات وهي الآن تجني ثمار ازديادٍ مفاجئٍ وكبيرٍ في الطلب عليها عالمياً.

موظف في شركة لصناعة الطائرات: طائراتنا تُحلّق الآن في أفغانستان ولدينا هناك 5 زبائن هم: سلاح الجو الكندي وأسلحة الجو الأسترالية والإسبانية والألمانية والفرنسية، تُباع هذه الطائرات بالعلامة التجارية هيرون، أما في إسرائيل فنُسمّيها شوفال ويمكن لهذه الطائرة أن تمكث في الجو من 20 إلى 30 ساعة، جهاز التحسس هذا هو كاميرا بإمكانها التصوير نهاراً وليلاً وهي متقدمةٌ جداً، يمكن أن نرى الأفراد ويمكن أن نرى ويمكن حتى أن نرى السيارات ويمكن حتى أن نرى أشياء أصغر من البشر، قبل 15 عاماً كنت أحتاج أن أُقنع الزبائن لشرائها كان الأمر صعباً لأنهم لم يستوعبوا ذلك، يستغرق الأمر زمناً أما في هذه الأيام فلا نحتاج إلى أن نشرح أي شيء، سوق طائراتنا رائجةٌ جداً في الوقت الحاضر والمبيعات في ازديادٍ كل سنة.

تعليق صوتي: ثمّة 3 شركاتٍ إسرائيليةٍ كبرى وعدّة شركاتٍ صغيرةٍ تبيع طائراتٍ بلا طيار إلى دولٍ أخرى ويتدرب الزبائن الأجانب في قواعد عسكريةٍ إسرائيلية.

أحد المدربين: نُدرّب مجموعاتٍ كثيرةٍ من أوروبا وكندا وأستراليا ولدينا زبائن بطبيعة الحال في الشرق، وبالطبع فمعظم الزبائن لا يُطلعوننا على أي معلوماتٍ تشغيلية ولا نريد نحن أن نعرف ما الذي يفعلونه بتلك الطائرات.

أحد العاملين: لعلكم تعلمون أننا نُشارك حالياً في عمليات قوة المساعدة الأمنية الدولية أيسا في أفغانستان، ويستعمل سلاح الجو الألماني طائرات هيرون حالياً في شمال أفغانستان، هذه طائرةٌ قادرةٌ فعلاً وقد أثبتت نجاعتها وهي تزودنا حالياً بالقدرات الأساسية التي نحتاجها.

تعليق صوتي: الدول الأوروبية التي تُقاتل في أفغانستان تشتري أكبر عددٍ من الطائرات بلا طيار التي تُصنّعُها إسرائيل حيث تشتري أكثر من نصفها، وقد اشترت البرازيل منها بـ300 مليون دولار بينما اشترت الهند بـ500 مليون، ما يجتذب كل هؤلاء الزبائن هو التكنولوجيا التي تستند إلى خبرةٍ وإنجازاتٍ علميةٍ ثبتت نجاعتها، لقد استعملتها القوات الإسرائيلية في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني.

[شريط مسجل]

أحد المتحدثين الإسرائيليين: وفي أوضاعٍ مماثلةٍ في أوروبا والولايات المتحدة كانت تقوم في العادة مظاهرات احتجاجٍ على ما سُمّي الروبوتات القاتلة، ويبدو أنّ الناس في إسرائيل يُدركون الحاجة إلى هذه الطائرات، ولذا فلا نشهد مظاهراتٍ من هذا القبيل ولن نشهد أيًّا منها.

آيدو نيخوشتان/قائد سابق في سلاح الجو: نحن نشطون في السوق وسبّاقون ولدينا الحلول، لدينا يا أصدقاء أولاً وقبل كل شيء خبرةٌ ثابتةٌ ومؤكدة، لكن الاعتبار الأول هو أننا نعرف كيف نستفيد من خبرتنا.

جندي إسرائيلي: سكاي لارك هي طائرةٌ صغيرةٌ بلا طيار تستعملها مجموعةٌ يتكون طاقمها من قائدٍ وثلاثة أفرادٍ يُشغّلون هذه الطائرة.

أحد العاملين: كما ترى فإنّ الجنود يجدون قبولاً لدى المشترين الأجانب أكثر مما يجدوه مندوبو المبيعات المعتادون، وأول سؤالٍ يسأله كل مشترٍ يستفسر به عمّا إذا كان الجيش الإسرائيلي يستعمل هذه الطائرة أم لا، وهذه هي أفضل وسيلة ترويجٍ لأي نظام من أنظمة التسلُّح.

تعليق صوتي: استعمال إسرائيل لطائراتٍ بلا طيار لم يبدأ فعلياً إلا بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 وقد كان لها دورٌ مهمٌ في تنفيذ البرنامج العسكري الإسرائيلي للاغتيالات.

بنيامين بن إليعارز/وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق: وفجأةً تهيّأت لنا معلوماتٌ استخباريةٌ محددة قُدّمت أمام القائد على الطاولة وقد أُشير إليها بأبسط عبارةٍ وهي كما ترون ها هو هنا ها هو هناك، ترونه ذاهباً أو سائقاً سيارته عندئذٍ قررنا استخدام طائرات بدون طيار استخداماً مكثفاً جداً جداً لأول مرة وقد وفّرت لنا غطاءً تاماً وتمكنا من تنفيذ العمليات العسكرية.

صحفي استقصائي: ما الذي تعنيه بالغطاء التام؟

بنيامين بن إليعارز: هناك مقاتلاتٌ نفاثة وطائرات الهليكوبتر وهناك القوات.

إيتان بن إلياهو/قائد سابق في سلاح الجو الإسرائيلي: إذا ما واجهنا إرهابياً أثناء تنفيذه عمليةً يكون قد فات الأوان، الفكرة هي الحيلولة دون أن يبدأ الإرهابي عملياته أصلاً، وهذه الأشياء لا يمكن إنجازها بطائراتٍ نفاثة بل ولا حتى بطائرات هليكوبتر وقد دفعنا ذلك إلى البحث عن وسيلةٍ تُمكننا من ملاحظة مثل هذه الأهداف في منطقةٍ مكتظةٍ بالسكان، والاعتبار الآخر يتعلق بالأهداف الصغيرة والمتحركة التي كان علينا أن نُتابعها ولم يقتصر الأمر على اقتناص الأهداف المتنقلة بل تعداها إلى الأهداف التي تتحرك طيلة الوقت.

تنفيذ عمليات اغتيال ضد ناشطين فلسطينيين

بنيامين بن إليعارز: بالطبع ليس سراً أنه اغتِيلَ عددٌ من الأشخاص في ذلك الوقت، ما اسمه؟ شحادة الذي كان قائداً للجناح العسكري لحماس، إنها قصةٌ جديرةٌ بالاهتمام لأنني عندما كنت في الطريق لركوب الطائرة بعد زيارةٍ إلى لندن أبلغوني عدّة مرات قائلين ها هو هناك، كيف عرفوا؟ بطائرةٍ بلا طيار، تساءلت ومَن معه، مدنيون؟ قلت ثلاث مراتٍ لن أُصدِرَ الأمر باغتياله وفقط في آخر مرة عندما كنت في الطريق إلى مطار هيثرو قالوا معه زوجته، وقد كانت زوجته أيضاً إرهابية عندئذٍ قُلت عليكم به.

صحفي استقصائي: لكنّ هذه العملية واجهت انتقاداتٍ واسعة فقد قُتِلَ 14 مدنياً كان 11 منهم أطفالاً.

بنيامين بن إليعارز: بالتأكيد لأنني لم أكن أعلم أنّ المنزل المجاور كان مأهولاً ولو علمت فلربما منعت العملية، لكنني لا ألوم أحداً لأنني أفترض أنه لو لاحظت الطائرات بلا طيار الحركة لكانوا قد أبلغوني بأنّ لديهم مشكلة.

تعليق صوتي: انتهزت القوات الإسرائيلية المسلحة الاغتيالات والعمليات العسكرية الإسرائيلية الأخرى لعرض منتجاتٍ واجتذاب زبائن فيما بعد.

داني بتشمان/الصناعات الجوية الفضائية الإسرائيلية: في العقد الماضي ازداد استعمال طائراتٍ بلا طيار في دولتنا الصغيرة، وثمّة ارتباطٌ واضحٌ بين تلك العمليات وبين الطلب العالمي على تلك الطائرات، فعندما يسمعون بهذه التكنولوجيا الرائعة فإنهم يرغبون في الحصول عليها، ففي حرب لبنان وعملية الرصاص المصبوب وعمليات القتل محددة الأهداف والعمليات التي رأوا أنه استُعمِلَت فيها طائراتٌ بلا طيار أثارت بلا شك اهتماماً لدى الزبائن، وتُعدُّ عملية الرصاص المصبوب مثالاً واضحاً على ذلك لأنّ الاستعمال الواسع لطائرات بلا طيار قد وُثِّق وشاعت أخباره وكانت هذه الطائرات قد استُعمِلَت من قبل، لكن الترويج لها كان أقل.

تعليق صوتي: على مدى العقد الماضي تزايدت الدلائل على أنّ إسرائيل لا تستعمل طائراتٍ بدون طيارٍ للاستطلاع فحسب، بل تجعل منها أيضاً منصاتٍ لإطلاق أسلحةٍ هجومية من قبيل إطلاق صواريخ سبايك المضادة للدبابات على أهدافٍ بشرية، ومع ذلك دأب المسؤولون الإسرائيليون على نفي ذلك حتى أنهم لا يؤكدون أنّ لدى القوات المسلحة الإسرائيلية أصلاً أي طائراتٍ بلا طيارٍ هجومية.

داني بتشمان: لا أستطيع التحدث عن مسألة القدرة الهجومية برمّتها، لكن ما أستطيع قوله هو إنّ الولايات المتحدة نشرت بياناتٍ عن قدرتها الهجومية قالت فيها أنها سلّحت طائراتٍ بلا طيار اشترتها منا.

إيتان بن إلياهو: أقول لك لا يمكننا أن نتحدث عن هذا الموضوع وأعتقد أنه كان عليّ أن أُبلّغك بذلك من قبل.

بنيامين بن إليعارز: قرأت أنهم يصنعون طائراتٍ مسلحة بلا طيار وأتساءل هل هذا يتجاوز القدرة الإنتاجية لدى إسرائيل؟ وهنا أُجيب بالنفي لأنّ إسرائيل قادرةٌ على ذلك.

صحفي استقصائي: لكنّ الأنباء أفادت أيضاً بأنّ إسرائيل استعملت طائراتٍ بلا طيار هجومية في عمليتي الرصاص المصبوب وعامود السحاب.

بنيامين بن إليعارز: لك أن تقتبس ما شئت من المكتوب في أي مكان.

تعليق صوتي: في عام 2009 نقلت Wikileaks عن مسؤولٍ في الجيش الإسرائيلي اعترافه بأنّ إسرائيل استعملت طائراتٍ هجوميةٍ بلا طيارٍ في عملية الرصاص المصبوب وأنه أبلغ السفير الأميركي في تل أبيب بأنّ طائرةً بلا طيارٍ قد أطلقت النار على مقاتلين تابعين لحماس.

كريس وودز/صحفي استقصائي: برنامج الطائرات الإسرائيلية بلا طيار لا يزال مصنفا على أنه سريٌّ جداً، ولا تزال الحكومة الإسرائيلية ترفض حتى يومنا هذا مجرد الاعتراف بوجود هذا البرنامج، وحسب ما أعلم لم تُنشر صورةٌ واحدةٌ لطائرةٍ إسرائيلية مسلحة بدون طيار، ومن المذهل أنّ الإسرائيليين تمكنوا حتى الآن من إبعاد طائراتهم هذه عن أعين المراقبين كل هذه السنين، لكنّ ما نعرفه أن ثمّة طائرتين بلا طيارٍ تستعملهما إسرائيل مزودتين بأسلحة وهما هيرون وهرمس وما أعرفه هو أنّ كلتيهما قد سُلّحت واستُعملت في غاراتٍ ربما تعود إلى عام 2014، وما عدد الغارات التي نفذتها طائراتٌ بلا طيار منذئذٍ، هل هي بالعشرات أم بالمئات؟ لا توجد بياناتٌ موثوقةٌ بذلك، لقد راقبت مؤسسات رصدٍ إعلامية عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في باكستان واليمن، لكن لم يفعل أحداً الشيء ذاته بالنسبة لعمليات إسرائيل في غزّة وفي غيرها.

تعليق صوتي: لم تكتفِ إسرائيل بتصدير تكنولوجيا طائرات بلا طيار بل بيّنت للعالم أيضاً كيف استعمالها بفعالية قاتلة، عام 2004 بدأت CIA برنامجاً للاغتيالات في باكستان باستعمال طائرات بريديتور وقد كانت عملياتها تقليداً لعمليات إسرائيل في قطاع غزّة.

إيتان بن إلياهو: ما طوّره الأميركيون كان تقليداً خالصاً للإسرائيليين تقريباً، إذاً فقد نفذوا الاغتيالات باسم التقنية نفسها وإن بمواصفاتٍ مختلفة قليلاً.

كريس وودز: بدأت إسرائيل برنامج التصفيات باستخدام طائراتٍ بلا طيار في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2000 بعد شهرين فقط من بدء الانتفاضة الثانية، لقد كان برنامج قتلٍ مُستداماً، دأبت الولايات المتحدة وبريطانيا وحليفات إسرائيل الأخريات على التنديد به، وبعد الـ11 من سبتمبر عدلت الولايات المتحدة عن موقفها وبدأت برنامج قتلٍ خاصٍ بها، وما إن حدث هذا التغيُّر كان من الطبيعي أن تتحدث الولايات المتحدة عن ذلك إلى إسرائيل.

تعليق صوتي: منذ عام 2004 وحتى يومنا هذا شنّت الولايات المتحدة أكثر من 380 غارةً بطائراتٍ بلا طيارٍ في باكستان قُتِل فيها أكثر من 2400 شخصٍ 400 منهم على الأقل من المدنيين ليصمت بعدها الانتقاد الرسمي من أميركا وأوروبا لبرنامج التصفيات الإسرائيلي، لكنّ الاحتجاجات الشعبية في العالم ازدادت على الغارات التي تُشنُّ بطائراتٍ بلا طيار، كما ازداد الغضب من شراء تكنولوجيا هذه الطائرات المعروفة بإيقاعها إصاباتٍ بالمدنيين، أما في بريطانيا التي أنفقت أكثر من مليار دولارٍ على شراء طائراتٍ من طراز هرمس وهي الطائرة الهجومية الرئيسية بلا طيار التي استعملتها إسرائيل في قطاع غزّة فقد تعالت أصوات الاحتجاجات أكثر فأكثر.

تعاون تكنولوجي بين واشنطن ولندن وتل أبيب

جيريمي كوربين/نائب عمالي بريطانيا: أعتقد أنّ بريطانيا ندّدت عدّة مراتٍ بسياسة الاستيطان وهي محقةٌ فعلاً في ذلك، وندّدت بعمليات القصف في قطاع غزّة وهي محقةٌ جداً في ذلك أيضاً، لكنها في الوقت ذاته تعاملت مع إسرائيل تجارياً بدرجةٍ كبيرة فاشترت منها أسلحة، بل إنّ بريطانيا تعترض نظرياً على كثيرٍ من السياسات الإسرائيلية تجاه غزّة ومع ذلك فثمّة قدرٌ كبير من التعاون التكنولوجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، وثمّة سوقٌ رائجةٌ لتكنولوجيا الطائرات بلا طيار بينهما حيث تُصنع بعض قطع تلك الطائرات في بريطانيا بل وتُصنع بالكامل تقريباً في بريطانيا، وتُستغلُّ غزّة كفرصة ترويجٍ لمن يجنون أموالاً طائلةً من الطائرات بلا طيار.

مارك بريتشارد/نائب محافظ بريطاني: ليس ثمّة تعارضٌ بين إعراب بريطانيا عن قلقها بحقٍ من بعض جوانب السياسة الإسرائيلية الداخلية والخارجية وشرائها معداتٍ عسكريةٍ من إسرائيل لأغراضٍ تتعلق بالأمن الاستراتيجي والقومي البريطاني.

صحفي استقصائي: أشعر بشيءٍ من القلق من أنها الطائرة بلا طيار ذاتها التي تنتقد بريطانيا بعض العمليات التي تُنفّذ بها.

مارك بريتشارد: لا أشعر بأي قلقٍ من شرائنا هذه الطائرات المتقدمة، هندستها التطبيقية راقية وهي تفي بالغرض المناط بها وتحمي قواتنا المسلحة في البر وتوفر لنا مزيّةً تكنولوجيةً وعسكرية، أما بالنسبة إلى أنّ إسرائيل تُصنّعها وأنها قد تستعملها أو لا تستعملها بطريقةٍ مختلفة فهذا أمرٌ مردُّه إلى إسرائيل.

أدلة دامغة على إسرائيل

تعليق صوتي: ثمّة دليلٌ دامغٌ على أنّ استعمال إسرائيل طائراتٍ هجوميةً بلا طيار قد تصاعد على مدى السنوات الخمس الماضية، استعرضت منظمة هيومان رايتس ووتش 6 غاراتٍ شنّتها طائراتٌ بلا طيار خلال عملية الرصاص المصبوب عام 2009 فوجدت أنها أسفرت عن مقتل 29 مدنياً 8 منهم أطفال، وفي تحقيقٍ مماثل أُجري بعد عملية عامود السحاب 2012 تبيّن أنّ 6 غاراتٍ شُنّت بطائراتٍ بلا طيارٍ قد أسفرت عن قتل 12 مدنياً، وحيث إنّ المسؤولين الإسرائيليين يرفضون التحدث عن استعمال طائراتٍ بلا طيارٍ في هذا النوع من الهجمات كان لا بد من البحث عن دليل ٍ على الأرض، وقد فحص كرس كوب سميث وهو ضابط مدفعيةٍ بريطانيٌ سابقٌ وخبير أسلحةٍ عشراتٍ من المواقع التي استُهدفت بطائراتٍ بلا طيارٍ في غزّة.

كرس كوب سميث/خبير أسلحة: ذهبت إلى غزّة مع منظمةٍ غير حكومية خلال عمليتي الرصاص المصبوب وعامود السحاب وفي الحالتين كنا هناك قبل انتهاء العمليات القتالية، حيث أجرينا أول التحقيقات فيما اعتقدنا أنها أهم الحوادث، يُمكنني عادةً أن أدخل منطقةً ما وأن أُحلّل الموقع وأُحدّد بدقّةٍ مقبولة ما حدث فيها ونوع منظومة الأسلحة والذخيرة المستخدمة وسلاح تلك المنظومة الذي استُعمل في الإطلاق على ذلك الهدف والبصمات التي تركتها تلك الضربات، أول البصمات تكون عادةً حفرةً صغيرة لكنها عميقةٌ جداً جداً وهناك علامةٌ واضحةٌ على قوة الحركة التي يندفع بها هذا الصاروخ، المساحة التي تتأثر بالانفجار صغيرةٌ نسبياً ويكون هناك أثرٌ انشطاريٌّ ولكن ليس دائماً لكن عندما يكون للقذيفة حاوية شظايا فإنّ التأثير يتمثل في صورة عشراتٍ إن لم تكن مئاتٍ وربما آلافاً من المكعبات الفولاذية، تستعمل المكعبات لتعزيز الأثر التدميري للصاروخ ويكون لها بالتأكيد أثرٌ كارثيٌّ على الجسم البشري، هذا صاروخٌ إصابته متناهية الدّقة يمكن استعماله للحد من أي نوعٍ من الأضرار التي تلحق عن غير قصدٍ بالمدنيين، لكن السؤال لدي هو لماذا يُستعمل هذا الصاروخ استعمالاً متكرراً ضد من لا يحمل السلاح.

تعليق صوتي: رفضت السلطات الإسرائيلية أن يدخل كرس كوب سميث إلى غزّة للاشتراك في تصوير هذا الفيلم، لكننا تمكنا من الوصول إلى هذا الموقع في خان يونس الذي أصابه صاروخٌ أطلقته طائرةٌ بلا طيارٍ خلال عملية عامود السحاب 2012، وقد انفجر الصاروخ في حقل زيتونٍ فقتل صاحبه إبراهيم أبو ناصر ذا الـ79 عاماً وحفيدته ذات الـ14 عاماً أميرة أبو ناصر ولا يُعرف حتى يومنا هذا على وجه التحديد لماذا استُهدف هذا الموقع.

أمير أبو ناصر/عائلة الضحية: كنا نلم زيتون، كان في شجرة هنا خلصنا قلنا ننقل لهنا، عمي طلع على السيبة قلته تعال نروح بعدين نقبها غير يوم قلت في زنانة بدها تقصف قال لا بدي أخلص الزيتون يا عم بعدين أجي قلت له بد آخذ كيس وأروح مش راجع لك بالمرة قلت في زنانة بدها تقصف الحين، أخذت الكيس ووصلت عند الزيتونة الي قدامي الزنانة واقفة هناك تحوّم قلت بدي أروح خفت قلبي صار يدق يدق هذه الزنانة بدها تقصف فينا أكيد، بعدين روحت الزنانة قصفت هنا، قصفت العم كان يصلي قال الله أكبر على رأسه بعدين ضلّت الحتة هذه ضلّت هذه.

محمد أبو ناصر/عائلة الضحية: أنا كنت فوق وهو كان تحت وبنت أخوي كانت على جنبه واقفة تناديه تقول له بدنا نروح نتغدى حطوا الغداء، تفاجأت أنه هي لسه ما كملت تستنا فيك عمتي الغداء جاهز إلا الصاروخ كان نازل، صاروخ زنانة أول شيء، ما شفت أنا منه أول شيء إلا غبرة قعدت أقول زي هيك من الضباب ما شفت..

أمير أبو ناصر: وقعت هنا وبعدين قال الله يرحمها بعدين حط عليها بطانية على رأسها قلت بدي أشيلها شلتها لقيتها بتقول هيك طلع من فمها دم، بعدين قلت عايشة عايشة بعدين قالوا شيلوها شيلوها وجابوا بطانية وأخذوها.

محمد أبو ناصر: هذه هي شظايا الصواريخ.

كرس كوب سميث/خبير أسلحة: من المؤكد أنّ هذه الثقوب نجمت عن المكعبات الفولاذية التي انطلقت من حاوية الشظايا المركبة بأحد هذه الصواريخ، هذه الشظايا لها شكلٌ مميز وقد رأيتها عشرات المرات، وأعتقد أنّ هذا دم وأنّ هذه أعضاءٌ من ضحايا هذه الغارة، لقد وقعت أحداثٌ كثيرةٌ جداً استُعمل فيها هذا الصاروخ واتضح أنها استخدمت مدنيين وغير مقاتلين، مجموعاتٌ من النساء والأطفال كانت تمشي في الشارع وطفلٌ يلعب كرة القدم وآخر يركب دراجةً هوائية كان خارجاً من منزله عندما أصابه أحد هذه الصواريخ بدقةٍ متناهية، الأمر الذي يدلُّ دلالةً قاطعةً أنه كان الهدف المقصود، ومهما تخيّل المرء فلا يمكن أن يكون هذا هدفاً مشروعاً ولا بد من معالجة هذه المشكلة فلِمَ يُستهدف هؤلاء المدنيون؟ أهو خطأ، أم أنّ ثمّة خطأ في جمع المعلومات الاستخباراتية؟ وهل هناك مشكلةٌ في النظر أم إنّ وراء ذلك شيءٌ أكثر خُبثاً؟ ثمّة قلقٌ بالغٌ هنا حيال الاستعمال الأخلاقي لبعضٍ من هذه التكنولوجيا.

تعليق صوتي: بحلول عام 2005 كانت 40 دولةً تستخدم طائراتٍ بلا طيار، أما اليوم فقد ارتفع هذا العدد إلى 75 وسيكون لدى كثيرٍ منها قدراتٌ هجوميةٌ قريباً، والحروب التي شُنّت من مكانٍ بعيدٍ على غزّة وأفغانستان وباكستان تُصدّرُ الآن إلى بقاعٍ مختلفة، وهو ما يعمل على تغيير طبيعة النزاع المسلّح ويُثير جدلاً أخلاقياً وقانونياً، إنه شيءٌ يثير قلقاً بالغاً لدى مارتن فان كرفلد أحد أكثر المؤرخين العسكريين الإسرائيليين صراحةً في التعبير عن آرائهم.

مارتن فان كرفلد: تعرّف الحرب بأنها وضعٌ يكون القتل فيه متبادلاً، أما عندما لا يكون القتل متبادلاً فلا يمكن أن نعد ذلك حرباً بل نعده تقتيلاً من قبيل ما حدث في أوتشفيدز هذا هو تعريف أوتشفيدز حيث لم يكن بمقدور الناس أن يقاوموا حيث كان طرفٌ واحدٌ يقترف القتل والطرف الآخر يسمح بأن يتم قتله أو أنه يُجبر على أن يسمح لنفسه أن يُقتل.

صحفي استقصائي: تقول أنه لا يكفي قتل الناس في غزّة بطائراتٍ بلا طيار وإنّ عليك أن تقتل نفسك لكي تستطيع أن تحظى بلقب محارب.

مارتن فان كرفلد: نعم بالضبط وإلا فإنّ المرء يكون سفاحاً ذبّاحاً، هذا هو بالضبط الفرق بين الجندي والسفّاح، أليس كذلك؟ فالجندي يُجازف بتعريض حياته للخطر أما السفّاح فلا يفعل.