أدى التقسيم والتصنيف الاستعماري البلجيكي لقبائل رواندا بين "هوتو" و"توتسي" إلى حدوث إبادة جماعية قبل عشرين عاما في هذا البلد، وتنامت العداوة بين القبيلتين بعد أن وضع البلجيكيون أقلية التوتسي في السلطة قبل نحو مائة عام، ثم تعمق الانقسام القبلي مع تولي الهوتو زمام السلطة، ومع استقلال رواندا عام 1962 حدثت فظائع لكنها لا تقارن بما حدث عام 1994.

فبين شهري أبريل/نيسان ويوليو/تموز 1994 استبدت موجة قتل مسعورة بهذا البلد لم يشهد العالم مثيلا لها، وكانت أسرع مذبحة للجنس البشري في التاريخ.

وبقيادة حكومة متطرفة، قتل الهوتو الروانديون نحو مليون من جيرانهم التوتسي، وجرى تقطيع أغلبية الضحايا بالسواطير حتى الموت.

وبينما كان الروانديون يذبحون على مدى ثلاثة أشهر وبمعدل نحو عشرة آلاف شخص يوميا، لم يفعل سائر العالم أي شيء، ولم ينته القتل إلا عندما تمكنت قوة متمردة تدعى "الجبهة الوطنية الرواندية"، ويقودها لاجئ من التوتسي اسمه بول كاغامي (36 عاما وقتها) من إلحاق الهزيمة بالحكومة المتطرفة والسيطرة على البلاد. وأول شيء فعله كان إلغاء النظام القبلي في البلاد.   

ولدت رواندا من جديد في العشرين عاما الماضية، وتحت قيادة كاغامي باتت من أكثر دول القارة الأفريقية أمانا، واقتصادها آخذ في النمو، ويحظى 98% من السكان برعاية صحية شاملة، وبتعليم مجاني، إضافة إلى تحقيق المصالحة بين الهوتو والتوتسي.   

وعن تجربته يصرح كاغامي لحلقة 12/10/2014 من برنامج "عالم الجزيرة" قائلا "كانت نقطة الانطلاق هي إعادة  شعب رواندا لرؤية نفسه كأمة واحدة، كنا بحاجة لتغيير الأمور، وكوننا مختلفين يمكن استخدامه في الواقع لتحقيق التقدم والتنمية".

قمع المعارضين
غير أن كثيرين في رواندا لهم رأي سلبي في أداء كاغامي، وتشير منظمات غير الحكومية وجماعات حقوق الإنسان إلى ترهيب الأصوات المنتقدة في البلاد، حيث تم بموجب سلسلة واسعة من القوانين إسكات أشخاص مخالفين في الرأي، بينهم سياسيون وصحفيون ومسؤولون حكوميون سابقون.

ستينلي غاتيرا، وهو رئيس تحرير واحدة من الصحف القليلة في رواندا، كان قد أودع السجن عام 2012 ولمدة عام بعد أن نشرت صحيفته تعليقا ألمح إلى أن الرجال يمكن أن يندموا لزواجهم من نساء توتسيات من أجل جمالهن فقط. وقضت المحكمة أن غاتيرا انتهك قوانين مناهضة العصبية القبلية الصارمة.

كما يتهم الرئيس الرواندي بقمع المعارضين السياسيين وزجهم بالسجون وحتى قتل البعض منهم، ففي يناير/كانون الثاني من العام الجاري قتل باتريك كاريغيايا في غرفة أحد فنادق جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا، وكان الضحية أحد كبار الضباط السابقين للرئيس كاغامي، وتحول إلى معارض في المنفى. 

واشتبه الكثيرون في أن الرئيس هو المسؤول عن مقتل كاريغيايا، ليرد هذا الأخير على سؤال "عالم الجزيرة" بالقول إنه استحق ما حل به، كما أن وزير دفاعه أجاب قائلا "عندما تختار المغادرة مثل الكلب فستموت كالكلب".

وقد جرت أيضا محاولة لاغتيال كايومبا نيامواسا، وهو جنرال سابق انشق عن الجيش الرواندي، كما أنه من أبرز منتقدي الرئيس كاغامي، وكان ذلك ثالث هجوم يستهدفه.

زد على ذلك يتهم الرئيس كاغامي بمواصلة التدخل في شؤون جارته الكونغو الديمقراطية، وأفاد مراقبو الأمم المتحدة العام الماضي بأن رواندا زودت أسلحة وتعزيزات لقوة "إم 23" الكونغولية المتمردة والتي تستخدم الأطفال كجنود.

اسم البرنامج: عالم الجزيرة

عنوان الحلقة: كاغامي.. بطل أم طاغية؟                           

مقدم الحلقة: سوريوس

ضيوف الحلقة:

-   بول كاغامي/رئيس رواندا

-   بليسي/ من قبائل التوتسي

-   فنسنت سيبومانا/ من قبائل الهوتو

-   وآخرين

تاريخ الحلقة: 12/10/2014

المحاور:

-   أسرع مذبحة للجنس البشري في التاريخ

-   قوانين صارمة ضد العصبية القبلية

-   تطور رواندا الاستثنائي

-   سجن للمعارضين وقمع للصحفيين

أسرع مذبحة للجنس البشري في التاريخ

سوريوس/مراسل صحفي: عاشت قبائل رواندا دون أي فظائع قبلية، ولم يحدث أن وقعت مطلقاً إبادةٌ جماعية فيها إلى أن تم تصنيف الروانديين عرقياً اعتماداً على طول الأنف وشكل العينيين، ووفق هذه القياسات البشرية قرّر المستعمرون البلجيكيون مَن هم الهوتو ومن التوتسي وهذا هو الذي أفضى وبشكلٍ مباشر إلى حدوث الإبادة الجماعية الرواندية قبل 20 عاماً. عندما وضع البلجيكيون أقلية التوتسي في السلطة قبل نحو 100 عام أدّى ذلك إلى عقودٍ من العداوة المتنامية بين القبيلتين، وتعمّق الانقسام القبلي مع تولّي الهوتو زمام السلطة، ومع استغلال رواندا عام 1962 حدثت فظائع لكنّها لا تقارن بما حدث عام 1994، فبين شهري أبريل/نيسان ويوليو/تموز من ذلك العام استبدت موجة قتلٍ مسعورةٍ بهذه الدولة الصغيرة المحاطة باليابسة لم يشهد العالم لها مثيلاً، وبقيادة حكومةٍ متطرفة قتل الهوتو الروانديين نحو مليونٍ من جيرانهم التوتسي إلى جانب قتل المعتدلين من الهوتو كانت تلك أسرع مذبحةٍ للجنس البشري في التاريخ، وجرى قتل غالبية الضحايا بتقطيعهم بالسواطير، هذا الموقع التذكاري للإبادة الجماعية واحدٌ ممن يذكر بالهول الذي حلّ بهذا البلد قبل 20 عاماً.

شاهدت مستوى الكراهية والوحشية هذا في بلدي، لكن مجرّد التفكير بأنّ نحو مليون شخصٍ قضوا نحبهم على هذه الشاكلة وفي غضون مئة يومٍ فقط، يا إلهي، على مدى ثلاثة أشهر وبينما كان الروانديون يُذبحون بمعدل نحو 10 آلاف شخصٍ يومياً لم يُحرك سائر العالم ساكنا ولم ينتهِ القتل إلا عندما تمكّنت قوةٌ متمردة تُدعى الجبهة الوطنية الرواندية ويقودها لاجئٌ من التوتسي اسمه بول كاغامي في الـ 36 من العمر من إلحاق الهزيمة بالحكومة المتطرفة والسيطرة على البلاد، وكان أول ما قاموا به إلغاء النظام القبلي، في الـ 20 عاماً الماضية وتحت قيادة بول كاغامي وُلِدت رواندا من جديد كواحدةٍ من أكثر قصص النجاح المستبعد حدوثها، فالبلد من أكثر دول القارة الأفريقية أماناً واقتصاده مزهراً ويحظى 98% من السكان برعايةٍ صحيةٍ شاملة وبتعليمٍ مجاني، كما تضاعف معدل متوسط الأعمار، وعليه يُنظر إلى الرئيس كاغامي على أنّه قائدٌ ملهم لكنّه أصبح أيضاً واحداً من أكثر الرؤساء إثارةً للجدل.

يعتقد كثيرون أنّ هناك جانباً مظلماً لهذه القصة، إذ ليس هناك صحافةٌ حرّة ولا معارضةٌ حقيقية وكثيرٌ من خصوم كاغامي فرّوا من البلاد وآخرون سُجنوا أو عُثر عليهم موتى، والحقيقة هي فإنّه لا يسعني سوى احترام هذا الشخص لما حققه، أودُّ معرفة الرجل نفسه وأن أكتشف ما يشعر به الروانديون اليوم تجاه بلدهم.

سأجري مقابلتين مع الرئيس كاغامي في الأولى سأسأله عن إنجازاته، وفي الثانية سأواجهه لأجيب عن أخطر المزاعم المُثارة ضدّه. سيدي الرئيس شكراً جزيلاً على إتاحة هذه الفرصة، نعرف أنّه مرّ على الإبادة الجماعية الآن حوالي 20 عاماً وقد ورثتم وضعاً فظيعاً، كيف كان؟ وما الذي حدث بالضبط؟ وكيف عرفتم بالتحديد من أين تبدؤون أولاً؟

بول كاغامي/رئيس رواندا: كان لدينا سكانٌ مشرّدون بكل ما في الكلمة من معنى وأناسٌ قتلوا، وكان لدينا ملايين آخرون يعبرون الحدود إلى الدول المجاورة، لم تكن لدينا مؤسسةٌ فاعلة فكل شيءٍ كان معطلاً تماماً إذاً كان هناك الخراب والفوضى، بالنسبة لي كانت إعادة شعب رواندا لرؤية نفسه أُمّةً واحدة وأنّه قادرٌ على العمل سويةً من أجل تنميته هي نقطة الانطلاق حقاً، كنا بحاجةٍ لتغيير الأمور، فالوحدة دائماً تؤدي إلى التقدم والنجاح، إنّه أمرٌ أساسي قمنا بصياغته على الدوام وأعتقد أنّه يترسّخ، إنّنا نتعلم من تجربتنا الخاصة ومن تاريخنا المؤلم، وإلى جانب ذلك فإنّنا نثبت كيف أنّه عندما نكون مع بعضنا البعض وعندما نعمل سوياً ونفكر سوياً وكوننا مختلفين يمكن أن يُستغلّ في الواقع لتحقيق التقدم والتنمية.

سوريوس: لكن هل ستدوم وحدة الشعب الرواندي هذه؟

بول كاغامي: إنّ حجم العمل المبذول لتغيير الأمور وتغيير العقلية وتفكير الناس والدروس ذاتها المستخلصة من المعاناة، وكل الأشياء الرهيبة التي حدثت لنا في الإبادة الجماعية، كل ذلك سيُسهم في ألّا تكون هناك أي عودةٍ إلى تلك الأيام العصيبة هذا هو اعتقادي.

سوريوس: مثل أفارقةٍ كثيرين من هذا الجيل فإنّ لي تجربةً في الحرب، ففي بلد سيراليون كابدنا نزاعنا الرهيب في تسعينيات القرن الماضي، وقد أعددت فيلماً عنه لكن وخلافاً لما عليه الحال هنا في رواندا فإنّ سيراليون لم تتقدّم إلى الأمام ولم تُجرَ أي عملية مصالحةٍ حقيقية ولم تحدث أي تنميةٍ هامة، ولا يزال الفساد متفشّياً، هناك دولٌ أفريقيةٌ كثيرة تُواصل مكابدتها كسيراليون، لكن هنا في رواندا حدث شيءٌ مختلفٌ تماماً، فقد أقصى بول كاغامي الروانديين عن العصبية القبلية التي أجّجت الإبادة الجماعية، وأصدرت حكومته قوانين صارمة تحظُر العصبية القبلية في الحياة العامة وأوصلت هذه القوانين كثيراً من قادة المعارضة والصحفيين إلى السجون، لكنّها فعلت الكثير أيضاً لإزالة الكراهية من بين القبائل، فهل اندثرت العصبية القبلية فعلاً؟

قوانين صارمة ضد العصبية القبلية

توجّهت للقاء مجموعة من الشبان شكّلوا منظمة شعبوية تُدعى مؤسسة الأمل والسلام، جميعهم إما أبناء ضحايا الإبادة الجماعية أو أبناء قتلة أو أبناء نساء اغتُصبن أثناء الإبادة الجماعية، بليسي من التوتسي وفنسنت من الهوتو كانا جارين متلاصقين كان والد فنسنت قد قتل والدي بليسي واليوم هما صديقان حميمان حتى أنّ فنسنت تزوج من شقيقة بليسي.

بليسي/ من قبائل التوتسي: ليس من السهل أن تتحدث لشخصٍ ينحدر من عائلةٍ اقترفت إبادةً جماعيةً بحقك، تحدثنا عن تاريخنا وعن الدور الذي لعبته أسرته في قتل عائلتي وأقربائي وحتى اليوم فإن الطريقة التي أعيش فيها مع فنسنت هي ذاتها التي أعيشها مع آخرين هنا.

فنسنت سيبومانا/ من قبائل الهوتو: زوجتي هي شقيقة بليسي ما يعني أن قلبي وقلب بليسي واحد، لقد اندملت جراحنا.

سوريوس: هؤلاء الشبان هم جميعاً ضحايا أبرياء لتاريخ رواندا الرهيب لكنهم جميعاً اعتنقوا رؤية الرئيس كاغامي بلدٍ موحد حيث لم يعد للقبيلة أي معنى فيه إنها عملية متواصلة، لكن ما شاهدته هنا هو الأساس لرواندا عام 2014، ذهبت في اليوم التالي لمقابلة بليسي وفنسنت في بيتهما في هذه المرة لمقابلة زوجة فنسنت جويس وطفلهما المولود حديثاً، لقد كان فنسنت وجويس على علاقة حتى قبل الإبادة الجماعية.

فنسنت سيبومانا: كان لديها جرحٌ غائر لأنّ والدي كان له دورٌ في قتل والديها ولذلك لم نعد صديقين.

جويس أويمانا/زوجة فنسنت: أحمد الله أنّنا تمكنا من التصالح، فقد صفحنا عن والده الذي هو حماي ولذلك أصبحنا شخصاً واحداً ولم تعد هنالك مشكلة.

سوريوس: كيف السبيل إلى ذلك؟ كيف تعلمتِ الصفح وتزوجتِ من فنسنت ابن الرجل المسؤول عن وفاة والديك؟ كيف استطعتِ فعل ذلك؟

جويس أويمانا: بسبب الطريقة التي أتى بها والده لطلب الصفح، وأيضاً بسبب الكيفية التي أظهر فيها فنسنت أنّه يُحبني حقاً ولذلك قرّرت أن أُبادله ذلك الحب.

تطور رواندا الاستثنائي

سوريوس: قصة المصالحة هذه التي لا تُصدق، هي ما يعنيه أن تكون رواندياً اليوم، فالألم الذي كابده هؤلاء الناس وروانديون آخرون كُثر ربّما هو ما حفزهم على التعاون وإعادة بناء بلدهم بسرعة ونجاحٍ مذهلين. هذا المكان يجعلني حقاً وفعلاً فخوراً بأن أكون إفريقيا، آمل لو تبدو سائر القارة الأفريقية على هذا الشكل، انظر كم هي مخضوضرة انظر إلى المدينة كل شيءٍ يحظى بالعناية، إنّهم يهتمون بالتفاصيل، عُمّال النظافة في كل مكانٍ مجتمعون ويعملون دون انقطاع، تراهم في سائر أنحاء المكان وعلى مدار الساعة، انظر إلى جميع هؤلاء الأشخاص مع دراجاتهم النارية جميعهم وهم يرتدون الخوذات، الركاب لديهم خوذاتهم أيضاً، هذا المكان يسوده النظام حتى على الطرقات كما لو أنك لست في أفريقيا. مع صعود رواندا منذ الإبادة الجماعية فإنّ آلاف الروانديين الذين كانوا يعيشون في الخارج قد عادوا، ألبرت أوردت سيندورا المستثمر في حقل الإعلام عاد من بلجيكا عام 1994. هلّا أخبرتني يا ألبرت ماذا يحدث هنا؟

ألبرت أوردت سيندورا: إنّه جزءٌ من حلم رواندا يتحقق، إنّها قناةٌ تلفزيونيةٌ جديدة، لأنّه لم يكن لدينا سوى تلفزيونٍ حكومي واحد وكان يعمل فقط من غرفةٍ صغيرةٍ في مكانٍ ما وكان لا يبثُّ إلا الأخبار وما شابه ذلك من مواد، فقلت لا لأنّ التلفزيون أكثر من ذلك فالتنمية لا تكون بالأمور الجادة وحسب، بل عندما يكون لدينا مجتمعٌ طبيعي يُروّح عن نفسه ويكون على تواصل.

سوريوس: يبدو هذا كله ممتعاً ومخالفاً للمعهود، وكإفريقي فهذه هي الاستثمارات التي ستراها تأتي من الخارج، فما الذي دفعك إلى النظر إلى هذا الاتجاه؟

ألبرت أورت سيندورا: بدأنا بإيقاعٍ بطيءٍ لأنّنا لا نريد أن ننشغل بأي شيءٍ يمكن أن يجعلنا ننظر في ذلك الاتجاه مجدداً، وبالتالي فإنّ الجميل بالأمر أن يكون لنا على الأقل ولحسن الحظ قيادةٌ تمهد الطريق ونحن حالياً في لحظةٍ باتت فيها رواندا فرصة حقيقية لأي شخصٍ وعلى جميع المستويات.

سجن للمعارضين وقمع للصحفيين

سوريوس: حقق تطور رواندا الاستثنائي احتراماً للرئيس كاغامي في سائر أنحاء أفريقيا والعالم وداخل البلاد، في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2003 وعام 2010 فاز كاغامي على التوالي بنسبة 95% وبـ 93% من الأصوات، إنّها أرقامٌ كبيرة لكن لا يعتقد الجميع أنّ وحدة البلاد صلبة، يشير كثير من المنظمات غير الحكومية وجمعيات حقوق الإنسان إلى ترهيب الأصوات المنتقدة في البلاد، وبموجب سلسلةٍ واسعةٍ من القوانين تم إسكات أشخاصٍ مخالفين في الرأي بينهم سياسيون وصحفيون ومسؤولون حكوميون سابقون، تدفع الحكومة بالقول إنّ أولئك الأشخاص ببساطة خالفوا القوانين، لكنّ جماعات حقوق الإنسان تقول إنّ كثيرين هم ضحايا لنظامٍ سلطوي لا يحتمل الانتقاد. على مدى أعوام ذاع صيت الرئيس كاغامي بقمعه للمعارضين السياسيين والصحافة الحرة وحتى أعضاء من حزبه السياسي، بعضهم فرّ من البلاد وآخرون أودعوا السجون وهناك حتى من يدّعي أنّ بعض الناس قتلتهم الحكومة، ستينلي غاتيرا رئيس تحرير واحدةٍ من الصحف القليلة في رواندا والتي تنتقد الحكومة انتقاداً مكشوفاً، في عام 2012 سُجن لمدّة عام بعد أن نشرت صحيفته تعليقاً ألمح إلى أنّ الرجال يمكن أن يندموا إن تزوجوا من نساءٍ توتسيات من أجل جمالهن فقط، قضت المحكمة أنّ غاتيرا انتهك قوانين مناهضة العصبية القبلية الصارمة، ويعتقد ستينلي وهو توتسي أنّه كانت هناك عوامل أخرى وراء اعتقاله.

ستينلي غاتيرا/مدير إداري صحيفة أموسينفي: بالنسبة لي السبب هو أنّ صحيفتي تنتقد الحكومة وكما قلت سابقاً فإنّ كثيراً من الصحفيين ممن عملوا في صحفٍ خاصة قد فرّوا من هذا البلد، أنا لم أهرب من هذا البلد بل بقيت فيه وهو ما دفعهم للزّج بي في السجن.

سوريوس: كان نيلسون شقيق ستينلي صحفياً أيضاً ومؤسس الصحيفة التي يُديرها ستينلي حالياً تعرّض للتهديد بالسجن وفرّ من البلاد قبل 3 أعوام، لا بُدَ وأنّكَ تفتقده؟

ستينلي غاتيرا: أجل، أفتقده كثيراً، حاولوا مضايقتي كي أفرّ أنا أيضاً من البلاد، لكنّني قلتُ لا قلتُ إنّني أُحبُّ هذا البلد، إنّه بلدي ولذلك أريد البقاء معهم وكل شخصٍ يفعل ما يفترض به أن يفعله لبناء هذا البلد.

سوريوس: مهما كانت ظروف سجنه فإنّ تجربة ستينلي وتجارب صحفيين روانديين آخرين كثيرين تكشف الجانب الأكثر ظلمةً من حكومة الرئيس كاغامي، وكوني صحفياً أفريقياً فقد أمضيت أنا نفسي فترةً في السجن وأُشاطر ستينلي رغبته في رؤية صحافةٍ حرّة تتطور مع سائر بلده، ربّما بدأ كفاحه يؤتي ثماره فقد صادقت الحكومة العام الماضي على سلسلة إصلاحاتٍ في حقل الإعلام أشارت إلى رغبتها في تخفيف قبضتها، لكنّ المشكلة لا تقتصر على الإعلام، فالرئيس كاغامي متهمٌ كذلك بالقمع السياسي، يقبع خلف القضبان حالياً اثنان من قادة المعارضة متهمان بشق الوحدة الوطنية، الحزب الوحيد الذي لم تُمس قيادته هو حزب الخضر الديمقراطي، قابلت زعيمه فرانك هابينيزا.

فرانك هابينيزا/مؤسس ورئيس حزب رواندا الخضر الديمقراطي: الأشياء المتعلقة بالديمقراطية كانت التحدي الأكبر بالنسبة له ولذلك أخذنا على عاتقنا واجب تسريع جلب الديمقراطية إلى هذا البلد من خلال تأسيس حزبٍ معارض.

سوريوس: استغرق الأمر 4 سنواتٍ فقط لتسجيل حزب فرانك، حاولوا ذلك أولاً خلال التحضير لانتخابات الرئاسة عام 2010 والتي شابتها مزاعم قمعٍ سياسي، أُوقف تسجيل حزب فرانك بينما وجد سياسيون معارضون آخرون أنفسهم داخل السجن، وعُثر على أندريه روسيريكا نائب رئيس حزب فرانك مقتولاً كان رأسه مفصولاً بالكامل تقريباً عن جسده.

فرانك هابينيزا: كانت وفاةً مروعةٌ جداً جداً، بعض أبناء شعبنا تم زجّهم في السجن مثل نائب الأمين العام لحزبي والذي سُجن عامين ذهب آخرون إلى المنفى وبعضهم لم يعد حتى الآن ولا نزال نحقق بشأن من توفي منهم.

سوريوس: سيد فرانك هل ترى بوادر بأنّك قد تكسب المعركة؟

فرانك هابينيزا: نعم، نعتقد أنّ هناك بعض التغييرات بالطبع لم يكن الوضع كما هو حالياً حتى قبل 5 أعوام، لم يكن هناك أي حزبٍ معارض على الإطلاق قبل 5 أعوام فقط، تصوّر، ولذلك فبالنسبة لهم فإنّه مجرد أن يسمحوا لنا بالحصول على فرصةٍ صغيرة فذلك تغييرٌ صغيرٌ يحدث.

سوريوس: لم يُسبّب الرئيس كاغامي جدلاً داخل البلاد فحسب، ففي الـ 20 سنةً الماضية كانت جمهورية الكونغو الديمقراطية في حالة اضطرابٍ متواصلة، وسبب ذلك وإلى حدٍ كبير الوصول الجماعي للاجئي الهوتو الروانديين عام 1994 وكثيرون منهم مرتكبو إبادةٍ جماعية فرّوا مع تقدم قوات بول كاغامي، أصبحت مخيمات اللاجئين الموجودة على الحدود قواعد للمتطرفين المنفيين الذين شنّوا تمرداً عنيفاً ضدّ الحكومة الجديدة للرئيس كاغامي، ولا يزالون نشيطين إلى يومنا هذا. أدّى اجتياحان روانديان في تسعينيات القرن الماضي إلى إفراغ المخيمات وعاد معظم اللاجئين إلى موطنهم، لكنّ الرئيس كاغامي يُتّهم بمواصلة التدخل في شؤون جاره العملاق، أفاد مراقبو الأمم المتحدة العام الماضي أنّ رواندا زودت أسلحةً وتعزيزاتٍ لقوة م23 الكونغولية المتمردة والتي تستخدم الأطفال جنوداً، سابقاً اتُهمت قواتٌ رواندية باقتراف فظائع خلال اجتياحاتها للكونغو وبنهب الموارد الطبيعية للكونغو الديمقراطية من أجل تعزيز الاقتصاد الرواندي، يعتقد البعض أنّ الرئيس كاغامي شخصٌ متصلب ومسببٌ لعدم الاستقرار في المنطقة، بينما كنا نحضر لإجراء مقابلتنا الأخيرة مع الرئيس أطلّ جدلٌ جديدٌ برأسه، فقد جرت محاولةٌ لاغتيال كايونباي يماوماسا هو جنرالٌ سابقٌ انشق عن الجيش الرواندي كما أنّه واحدٌ من أبرز منتقدي الرئيس كاغامي وهذا هو ثالث هجومٍ يستهدفه، في يناير/كانون الثاني من هذا العام قُتل باتريك كارغيايا في غرفة أحد فنادق جوهانسبرغ، وقد كان كارغيايا أحد كبار الضباط السابقين الذين تحولوا إلى معارضين في المنفى وهناك خصومٌ آخرون في ظروفٍ مماثلة، أجرينا لقاءنا الأخير مع الرئيس في اليوم التالي، قرّرت أن أسأله بشكلٍ مباشر ما إذا كان متورطاً في محاولة قتل قائد جيشه السابق، والجريمة الناجحة التي أودت بحياة رئيس استخباراته السابق في يناير/كانون الثاني.

بول كاغامي: حقاً لا أفهم أساس هذا التركيز وبشكلٍ رئيسٍ على هؤلاء الناس ومحاولة تبييض صفحاتهم وكأنّهم أبرياء من كل أنواع النزاعات ضدّنا، إنّني لا أفهم الأساس، ما هو مؤكّدٌ هو أنّ هناك أشخاصاً كهؤلاء ينفذون نشاطاتٍ إرهابيةً ضدّ بلدنا وقد عانى شعبنا على أيادي هؤلاء الناس، ولذا فإنّنا ننتظر من أي شخصٍ لديه أدنى دليلٍ على ذلك أن يتقدم به ويثبت ما يُزعم عن تورطنا.

سوريوس: عندما عُثر على رئيس استخباراتكم السابق باتريك كارغيايا مقتولاً في شمال أفريقيا اشتبه كثيرون في أنّك المسؤول عن مقتله، وعندما سُئل وزير دفاعكم عنه أجاب: عندما تختار المغادرة مثل الكلب فستموت كالكلب، ما الذي يعنيه ذلك؟

بول كاغامي: المقصود هو أنّ شخصاً ما كان يخدم البلد واختار أن يدعوه بلده ثم انقلب عليه وبدأ يتورط مع منظماتٍ تُمارس الترويع في هذا البلد وقُتِل على أيديها كثيرون وشُوّه آخرون، الشعور هنا هو استحق ما حلّ به، استحق الموت أيًّا كان السبب.

سوريوس: سيدي الرئيس كل طاغية وكل دكتاتور وكل نظامٍ سلطوي يُبرّر السياسات المناهضة للديمقراطية مثل سجن المعارضة وقمع الصحافة على أنّها إجراءاتٍ ضرورية لصيانة الأمن الوطني والصالح العام، ما الذي يجعلكم مختلفين عن سواكم من الحكام؟

بول كاغامي: أولاً وقبل كل شيء أنا لست مفروضاً على شعب رواندا، فأنا هنا لأنّ الشعب هو الذي اختارني وانتخبني وقبل بي قائداً له ويحترمني كزعيمٍ له، ولذلك فإنّ وصم كل شخصٍ بالدكتاتور والسلطوي والمستبد أنا حقاً لا أفهم ذلك.

سوريوس: لا تزال رواندا بلداً مسكوناً بأشباح ما اقترفه الجيران بحق جيرانهم بينما لم يكترث قادة العالم لما جرى، ما فتئ هذا البلد لـ 20 عاماً يرتق أوصاله كان ذلك إجراءً مؤلماً وصعباً بُذلت تضحياتٌ كبيرة وربّما هذا هو الثمن الذي يتعين علينا دفعه لجعل هذا البلد والقارة مكاناً أفضل، ما تزال بعض الأسئلة الهامة دون إجاباتٍ من قبل الحكومة هنا، لكن حكم الرئيس كاغامي غير المتسامح طيلة الـ 20 سنة الماضية قد نقل رواندا إلى موقعٍ بعيدٍ عن تلك المليون روحٍ التي زُهقت بوحشية في غضون مئة يومٍ فقط، والمستقبل قد يكون التقييم الحقيقي لفترة حكم بول كاغامي هو في الكيفية التي سيتقدم بها هذا البلد بعد ذهاب الرجل.