هنا أمستردام.. مدينة الزهور الجميلة والقنوات المائية الساحرة والأزقة القديمة.. ألوان ساحرة وأصوات صاخبة.. وهنا أيضا مدينة الجنس والمخدرات، حيث كل شيء مباح وفي حماية القانون.

وفي حي "الضوء الأحمر" وسط العاصمة الهولندية، زحام دائم لمعاينة فتيات في مقتبل أعمارهن، دفعهن الفقر والعوز والحاجة إلى المال، ليصبحن كأنهن تحف توضع خلف أقفاص زجاجية، يعاينها عشرات الآلاف من قاصدي أمستردام وأزقتها، الباحثين عن إشباع رغباتهم الجنسية.

يشعر بعض الهولنديين بالعار لما يحدث في حي "الضوء الأحمر" تحت حماية أجهزة الأمن، حيث تتعرض الكثير من الفتيات العاملات في الدعارة لجرائم توصف بالوحشية، مع الكثير من القصص المروعة عن تعرضهن للإساءة والعنف.

نسبة كبيرة من الفتيات العاملات في "الضوء الأحمر" هن من ضحايا الاتجار بالبشر، بينما تدفع الحاجة المادية الكثيرات منهن إلى القدوم من دول شرق أوروبا ودول أخرى حول العالم.

التحقيق الاستقصائي "أمستردام.. الأزقة الحمراء" حاول التقصي فيما إذا كانت التشريعات التي أقرتها الحكومات الهولندية المتعاقبة منذ سنوات طويلة والتي تجيز تجارة الدعارة، تشكل غطاء للعديد من انتهاكات حقوق الإنسان ولعذابات آلاف الفتيات العاملات أم لا، في مجال يعدّ -وفق القانون الهولندي- مهنة كغيرها من المهن.

يقع حي "الضوء الأحمر" في قلب أمستردام النابض، واشتهر لمئات السنين بتجارة الجنس وبيع المخدرات وتعاطيها، ويضم نحو 400 واجهة تعرض فيها نحو 700 فتاة أجسادهن أمام ما يزيد عن 35 ألف زائر يقصدون هذا المكان أسبوعيا.

وخلال التحقيق تحدثت فتيات يعملن في هذا الحي عما يواجهنه يوميا من معاناة ومخاطر، وتحدثت إحداهن كيف يدفع هذا العمل الكثير من الفتيات للتفكير في الانتحار.

تقول إحداهن: أدفع إيجارا شهريا 1600 يورو، إضافة إلى فاتورة الكهرباء وقدرها 200 يورو، كما أدفع كل ثلاثة أشهر قرابة 1200 يورو، وللمحاسب نحو 90 يورو شهريا.

وتعتبر الحكومة الهولندية حي "الضوء الأحمر" أهم معلم سياحي في المدينة، وتنظم إليه رحلات مختلفة بعضها من طلاب وطالبات المدارس الهولندية.

في عام 2011 قررت الحكومة الهولندية فرض ضرائب على الفتيات العاملات في الدعارة، وألزمتهن بدفع 33% من دخولهن كحد أدنى. ورغم أن القرار لاقى معارضة من قبل بعض السياسيين والحقوقيين، فإن الحكومة مضت في تطبيق هذا القرار الذي أنعش اقتصاد البلاد.

ورغم تعدد الأطراف المستفيدة من تجارة الجنس في هذا الحي، فإن المستفيد الأكبر من معاناة هؤلاء الفتيات هي الحكومة الهولندية، حيث تشير التقارير إلى أن تجارة الجنس والمخدرات تمد الميزانية العامة بنحو 2.5 مليار يورو سنويا، الأمر الذي يفسر تمسك الحكومة بجعل تجارة الجنس والمخدرات شرعية في هذا البلد.