جوبر.. الحي المحاصر شرق العاصمة دمشق للسنة السادسة من الحرب في سوريا، أي صورة من أي جانب فيه ستحيل المشاهد لأعنف صور الدمار في ذاكرة الحروب.

أكثر من 250 ألف إنسان كانت تضج بهم شوارع ومباني الحي، لم يبق منهم سوى بضع مئات يعيشون بين ركام هائل شوكة في حلق نظام يريد اقتلاعهم بأي ثمن.

الفيلم الوثائقي "جوبر" الذي بثته الجزيرة الأحد (2018/2/4) قدم تفاصيل المكان والناس المرابطين بين الحطام وترابط فيهم إرادة الحياة.

بداية القصة
بدأت قصة جوبر حين خرج الناس في ربيع الكرامة ومنذ الأيام الأولى للثورة السورية السلمية مطالبين برحيل الدكتاتور بشار الأسد الذي رد بنار كثيفة ليسكت حناجر غنت للحرية.

لكن الاحتجاجات تصاعدت، فأرسل النظام أرتالا من الدبابات والجنود المدججين، وشيئا فشيئا تحول الحي الذي يبعد ثلاثة كيلومترات عن دمشق إلى هدف مستباح لطائرات ومدفعية النظام.

ينظر الجوابرة إلى حيهم فلا يجد إلا قليلا منه يصلح للسكن الآدمي.

شارع الأصمعي
أبو عدنان الحلبي -وهو تاجر عقارات سابق من أهالي جوبر- يتحدث بحسرة عن شارع الأصمعي الذي يقول إنه كان أفضل من سوق الحميدية الشهير، ويضيف أن سائق الدراجة لا يمكنه عبور الشارع في شهر رمضان والأعياد بسبب الازدحام.

أبو حفص رئيس بلدية جوبر وإمام الحي الثائر يجول متفقدا أحوال الناس ومتحدثا عن خدمات مجانية تقدمها البلدية، إضافة إلى مواصلة المدارس عملها بما هو متاح من إمكانيات.

يشير أبو حفص باتجاه منطقة النظام المقابلة، إنهم في جوبر يبعدون خمسمئة متر عن ساحة العباسيين ثانية الساحات الكبرى في دمشق.

هدايا قاسيون
أما قاسيون فلم يعد الجبل الذي يطل بحنو على جوبر والغوطة، لقد أصبح مربضا للصواريخ العنقودية والمكان الذي أهدى الغوطة الشرقية مجزرة السارين في 2013. 

تمثل الغوطة الشرقية أكبر معقل للمعارضة قرب دمشق ويشكل جوبر نقطة التماس الأولى لها، وعليه صار انتزاع الحي منذ 2012 هدفا للنظام بأي ثمن.

يستعرض الفيلم لوحات إنسانية نابضة بمحبة المكان الذي كان دائما ملعب أرواحهم: أم محمد التي تقدم الطعام لمن تراهم أبطالا يدافعون عن وطنهم، وتعوض في رؤيتهم ابنها ذي الـ18 عاما الذي قتله جيش النظام.

وأبو فهد حفار مقبرة جوبر منذ عشرات السنين، يعدد أكثر من عشرين من أفراد عائلته دفنهم بيديه، وفي مشهد مؤثر بنهاية الفيلم ينقش الرجل شاهد قبر ابنه.

نحن سوريون
صدام جوبر المسؤول الأمني في الحي كان صاحب محل بقالة، حاله حال مقاتلين آخرين كانوا يسعون إلى رزقهم في حي يحفظونه عن ظهر قلب، لكنهم اليوم متهمون بأنهم إرهابيون قادمون من الشيشان وغيرها، يقول صدام "نحن سوريون، كل ما فعلناه أننا رفضنا الذل".

يؤمن الجوابرة بالثورة في كل سوريا إلا أن معظم من بقي منهم بقوا ليذودوا عن أرض جوبر وليصدوا الجيش الذي يلح على اقتحام الحي ويفشل.

تحت الأنقاض تستلقي بيوتهم ومحالهم وحيواتهم وما زالوا يؤمنون بأنهم منتصرون وسيبنونها من جديد.