تتبع الفيلم الوثائقي "اقتلوه خارج دمشق" الذي بثته الجزيرة الأحد (2018/1/21) خيوط عملية اغتيال الموساد الإسرائيلي لمؤسس حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية فتحي الشقاقي الذي صنفته إسرائيل بالخطير، وعدّته العقل المدبر لعدة عمليات نفذتها الحركة.

"هو مرجعية روحية وتنفيذية في فلسطين"، وفق ما يقوله رونين بيرغمان مؤلف كتاب "نقطة اللاعودة" عن اغتيال الشقاقي، مضيفا أنه تحديدا من بدأ الهجمات ضد المستوطنين والجنود الإسرائيليين، ومن هنا أصبحت حركة الجهاد أهم التنظيمات "الإرهابية" التي تعمل ضد إسرائيل.

منير شفيق: نقل الشقاقي الصراع إلى عمق فلسطين مباشرة (الجزيرة)

تأكد حضور الشقاقي في سردية النضال الفلسطيني لدوره الريادي في نقل الصراع مع الاحتلال إلى عمق فلسطين، كما يقول المفكر منير شفيق، مضيفا أن الحركة انطلقت عام 1981 في المرحلة التي شهدت انحدار الفصائل الفلسطينية، ليبدأ صعود هذه القوة الإسلامية من الداخل الفلسطيني.

جاءت الانتفاضة الأولى عام 1987 لتؤجج المشاعر الوطنية الفلسطينية، وكانت الشوارع تموج بالمتظاهرين، وكان الشقاقي في سجن الاحتلال يقود ويحرك الدفة. وفي عام 1988 اتخذت إسرائيل قرارها القاطع بإبعاده خارج فلسطين.

إبعاد الشقاقي في نظر بيرغمان كان خطأ إستراتيجيا، فالخطر الذي أرادت إسرائيل تلافيه تضاعف بخروجه إلى بيروت التي أمن فيها التمويل والتدريبات على يد الحرس الثوري الإيراني، لكن المحطة التي استقر فيها كانت دمشق.

احتضنت سوريا الشقاقي، حيث فتح مكتبه الرئيسي في مخيم اليرموك واستمر في إدارة الحركة بالطريقة ذاتها التي تعني أولا العمل العسكري ضد إسرائيل. لكن كل ذلك تزامن مع مرحلة سياسية جديدة على أرض فلسطين ستعرف بمرحلة أوسلو.

عملية "بيت ليد" النوعية سرعت بقرار إسرائيل اغتيال الشقاقي (الجزيرة)

وقف الشقاقي في وجه اتفاقية أوسلو لإفشالها بأي طريقة، ونفذت الحركة عدة عمليات ضد الاحتلال للضغط على سلطة أوسلو، قبل المفاجأة الكبرى في تاريخ الحركة، التي تمثلت في عملية "بيت ليد" التي قتل فيها أكثر من عشرين جنديا إسرائيليا.

اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين بعد اجتماعه مع قائد الموساد قراره النهائي، ووقع -كما يذكر بيرغمان- ما يسمى في الموساد بالورقة الحمراء، أي قرار اغتيال الشقاقي.

في دمشق لم يكن الشقاقي يتحرك بترتيبات أمنية، بل كان مكتبه مفتوحا، مما سهل لإسرائيل اختراق الدائرة الضيقة المحيطة به، تمهيدا لعملية الاغتيال التي أرادتها خارج سوريا لاعتبارات أمنية وسياسية.

جند الموساد شخصا يدعى عبد القادر صالح الذي كان عميلا لإسرائيل في قبرص يرصد أنشطة الطلاب المنتمين لمنظمة التحرير الفلسطينية. صالح غدا أحد المقربين من الشقاقي وحاز على ثقته.

هذا الاختراق زود الموساد بكافة تحركات الشقاقي من دمشق إلى طهران إلى بيروت وأحيانا إلى طرابلس، وهي الوجهة الأخيرة التي اتجه إليها قبيل اغتياله.

كان على الشقاقي ومجموعة من القياديين الفلسطينيين بدمشق التوجه للقاء معمر القذافي الذي طرد 300 ألف فلسطين نحو الحدود المصرية، هذا اللقاء أسفر عن إعادة الفلسطينيين إلى ليبيا.

خط سير رحلة الشقاقي كان من دمشق إلى العاصمة المالطية فاليتا، ثم بحرا إلى ليبيا التي مكث فيها ثلاثة أسابيع، والعودة ثانية إلى فاليتا بجواز ليبي وباسم مستعار هو إبراهيم الشاويش.

في اليوم الموعود 26 أكتوبر/تشرين الأول كان عميلان للموساد بانتظاره على دراجة نارية، ومن مسافة قريبة اخترقت خمس رصاصات رأس الشقاقي.

جنازة الشقاقي في مخيم اليرموك بدمشق (الجزيرة)

لماذا كانت العملية بهذه البساطة؟ وكيف بدا الشقاقي لقمة سائغة؟

تتحدث ملفات التحقيق المالطية عن تسهيلات ليبية، متهمة طرابلس بتقديم معلومات تفصيلية عن مكان إقامته.

ويقول مسؤول الطب الشرعي في الشرطة المالطية أنطوني بيلا "لا نستبعد دور المخابرات الليبية، إذ تفيد المعلومات بأن علاقة الشقاقي في تلك الفترة كانت متوترة مع القذافي".

ويضيف رئيس مركز موشيه دايان للدراسات الأمنية عوزي رابي أن القذافي كان يرغب في التعامل مع الشقاقي كعميل مزدوج، لذا يمكن القول إن له دورا بارزا في الاغتيال عبر توفير معلومات عن السفينة المبحرة إلى مالطا.

أخيرا يقول السياسي الليبي أسامة كعبار إن للقذافي نفوذا قويا جدا في مالطا التي تعتبر في نظر الكثيرين امتدادا لليبيا، وعليه فمن غير المستبعد أن تكون له يد في ذلك.