شهدت المملكة العربية السعودية في الأعوام الثلاثة الماضية جملة من التحولات شدت انتباه المراقبين، وأثار بعضها حالة من الجدل لما حملته من دلالات سياسية ومجتمعية، أبرزها: إنشاء هيئة الترفيه، وإقامة العديد من حفلات الغناء والموسيقى في عدد من المدن، وتخفيف القيود عن المرأة والسماح لها أخيرا بقيادة السيارة.

ورغم ما لقيته هذه القرارات من ترحيب في الداخل إجمالا، فإن مظاهر الاختلاط التي شهدتها احتفالات العيد الوطني، وما صاحبها من أجواء فرح غيرِ معهودة هناك، قوبلت بنقد شديد من بعض الأوساط السعودية المحافظة.

في هذه الأثناء، تسعى السلطات لتقليص نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاولة ضمها تحت عباءة وزارة الأوقاف. 

كل ما سبق، يشير إلى أن المملكة تسعى نحو مجتمع أكثر انفتاحا، خاصة مع ما تردد بشأن مزيد من الحقوق قد تحصل عليها السعوديات خلال الفترة المقبلة.. فهل باتت المملكة على أعتاب مرحلة جديدة؟

سعودية جديدة
تقول الدكتورة مضاوي الرشيد أستاذة علم الاجتماع السياسي الزائرة بكلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية "نحن أمام سعودية جديدة أبرز ملامحها القمع الذي حدث مؤخرا.. هناك ضغط على المجتمع لا يطاق، ولكن كل هذا يأتي تحت إطار منظومة الإصلاح الشامل الذي يروج له ولي العهد الأمير محمد بن سلمان".

وأضافت أن هذا الإصلاح الشامل لا يتعدى الإصلاح الذي يريده الغرب من السعودية، لافتة إلى أن المجتمع السعودي أو بعض شرائحه متعطشة إلى نوع من الانفتاح والحريات الشخصية.

واعتبرت مضاوي أنه من المؤسف أن يصل المجتمع في القرن الحادي والعشرين لأن تكون مطالبه وسقفها يندمج تحت الترفيه أو ما يسمى هيئة الترفيه.

وقالت "هناك مشكلة ومعضلة أن محمد بن سلمان يحكم المملكة الآن وحيدا، ولا يستطيع أن يضمن ولاء الأمراء الآخرين، ناهيك عن الشعب المتعدد بأطيافه وقبائله وفكره أيضا، لذلك هو مضطر للخوف من ظله، خاصة أنه بدأ مشروعا خطيرا جدا تحت ضغوط خارجية".

وترى مضاوي شبها وتقاربا بين محمد بن سلمان ودونالد ترمب، فهو نسخة صغيرة عن الفكر الذي يمثله ترمب، والذي مفاده أنه بالمال نستطيع أن نشتري العالم كله.

تماهٍ وضرورة
من جهته، يرى الكاتب والحقوقي أنور مالك أن كل العالم العربي مقدم على تحولات، والمنطقة كلها تشهد تحولات، ولذلك لا يمكن استثناء السعودية من هذا التحول الذي يعتبر أكبر تحول بانتقال الحكم من الأبناء إلى الأحفاد، الذي بالتأكيد سيمر بصعاب كبرى بحكم الطبيعة القبلية والاجتماعية والثقافية والفكرية للمجتمع السعودي.

ويضيف أن هذه التحولات التي تقبل عليها السعودية ستحدث سلبيات وإيجابيات، معتبرا أن هناك استقرارا إلى حد ما في هذه المرحلة، فلا صراعات بين الأسرة الحاكمة، أو بين الجناحين الديني والسياسي.

ويرى مالك أن هذا التحول كان ضرورة حتمية، ولا يمكن أن نقول إنه جاء بضغط من دول خارجية، فالدولة يجب أن تتماهى مع معطيات دولية وتحسن صورتها في الخارج والداخل، وهذا الذي يحدث الآن في السعودية.

حالة انفصام
أما أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا الدكتور عبد الوهاب الأفندي فلا يرى جديدا في هذا النوع من الانفتاح، لكن اللافت أن هناك ما يشبه حالة الانفصام، ويبدو أن هناك مواجهة بين المجتمع المخفي الذي يحاول الظهور على السطح ويريد التحرر.

ويضيف أن ما يحدث في السعودية الآن يمثل ثورة المجتمع المترف، وهي ثورة جاءت بقرار سياسي، وإذا استمرت بهذا الاتجاه فربما تشكل ثورة حقيقية، فالمجتمع السعودي محافظ والنظام كان يستخدم هذه المحافظة كإستراتيجية، والآن انحاز النظام انحيازا تاما إلى النخبة الليبرالية التي تكمن طموحاتها في الحرية بعيدا عن السياسة.