انفجار كبير في العاصمة اللبنانية بيروت صباح السبت 8 يوليو/تموز 1972، وكان المستهدف الأديب والكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، الذي كان عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ومع قوة الانفجار تحول جسد الشاب البالغ من العمر 36 عاما إلى أشلاء، لكنه ظل بعد 45 عاما من استشهاده أحد أبرز أعلام الأدب والثورة الفلسطينية.

حلقة (2017/7/16) من برنامج "الجريمة السياسية"، تناولت تفاصيل اغتيال الاحتلال الإسرائيلي لكنفاني، الذي ولد في 9 أبريل/نيسان 1936 في عكا لعائلة متوسطة الحال، وبينما كان يطفئ شموع عيد ميلاده الثاني عشر وقعت مذبحة دير ياسين وتتالت المجازر في يافا وحيفا، ليشهد هذا الطفل النكبة الفلسطينية في 15 مايو/أيار 1948.

هرب كنفاني مع عائلته سيرا على الأقدام إلى المخيمات المؤقتة في لبنان، ومنها انتقل إلى دمشق قبلة الفلسطينيين، واضطر للعمل، فنال البكالوريا السورية (الثانوية) بالانتساب الليلي، ليعمل بعدها في مدارس وكالة الغوث مدرسا لمادتي الرسم والرياضة، وفي تلك الفترة انضم إلى حركة القوميين العرب.

بدأ كنفاني يكتب القصة القصيرة في عمر التاسعة عشرة، وقد دفعه شغفه بالكتابة لدخول كلية الأدب العربي في جامعة دمشق، لكن سعيه لتأمين لقمة العيش أجبره على السفر إلى الكويت حيث عمل في التدريس الابتدائي، وفي عام 1960 ترك التعليم في الكويت للعمل في بيروت في صحيفة الحرية التابعة لحركة القوميين العرب.

وفي بيروت، وجد كنفاني لنفسه مكانا بين المثقفين والأدباء، وحصل على الجنسية اللبنانية ولمع اسمه في عالم الكتابة.

كان كنفاني يؤمن بتربية الجيل الجديد على الفكر الثوري، لذا كتب العديد من قصص الأطفال، وخلال عمر أدبي قصير نسبيا ألف 18 كتابا بين قصة قصيرة ورواية وعمل مسرحي وبحث.

النضال السياسي
انتقل الكاتب النشيط من كونه صحفيا ليصبح رئيس تحرير جريدة المحرر اليومية، وعرف باهتمامه بالمواهب الشابة، فهو من نشر لناجي العلي رسوماته الأولى بعد لقائه به في مخيم عين الحلوة.

وبعد النكسة العربية عام 1967 انتقل كنفاني إلى رئاسة تحرير مجلة "الهدف" التي أصبحت منبرا للإعلام الثوري، ينادي بالوحدة ونبذ كل مشاريع التسوية والاستسلام.

وبعد عام 1969، ازداد نشاطه السياسي فأصبح عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية، وقد عرف عنه أنه لم يكن منضبطا في العمل الحزبي أو يشارك في الاجتماعات لكن دوره السياسي كان أساسيا، فقد ساهم في وضع الإستراتيجية السياسية والبيان التأسيسي للجبهة الذي أكد على أهمية العمل الفدائي والكفاح المسلح.

شهدت نهاية الستينيات قفزة نوعية في عمليات المقاومة ضد المصالح الإسرائيلية، وكان الهدف لفت انتباه العالم أجمع نحو القضية الفلسطينية.

وفي سبتمبر/أيلول 1970، أجبرت مجموعة من الجبهة الشعبية ثلاث طائرات على الهبوط في مطار دوسن فيلد العسكري في منطقة صحراوية في الأردن، وقامت باحتجاز 310 رهائن للمطالبة بإطلاق صراح ليلى خالد والمعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل، وقد كان كنفاني في واجهة الحدث كونه المتحدث باسم الجبهة الشعبية حينها.

ومع بداية السبعينيات، كانت بيروت بؤرة للحركات التحررية العالمية، وكان لكنفاني علاقات شخصية بالثوريين العالميين في تلك الفترة، واعتمدت الجبهة الشعبية على بعضهم في عملياتها ضد إسرائيل، وكان أبرز تلك العمليات قيام ثلاثة عناصر من الجيش الأحمر الياباني مساء 30 مايو/أيار 1972 بإطلاق النار في قاعة الانتظار بمطار اللد في تل أبيب.

تفاصيل الاغتيال
وبعد نحو شهرين، اغتال عملاء الموساد الإسرائيلي كنفاني. وبحسب نتائج لجنة التحقيق التي شكلتها الجبهة الشعبية، فقد كان منزله في ضواحي بيروت مكشوفا ومحاطا بالبساتين مما سهل مراقبته، واستنتجت الجبهة أن الانفجار ناتج عن عبوة ناسفة قدرت زنتها بتسعة كيلوغرامات وضعت تحت مقعد السيارة وانفجرت عند تشغيلها.

وكان اغتيال كنفاني بداية لسلسلة طويلة من الاغتيالات بحق المناضلين الفلسطينيين، استخدمت فيها إسرائيل وسائل عدة من إطلاق الرصاص واستعمال السم وزرع العبوات الناسفة في السيارات وأجهزة الهاتف والطرود البريدية.

الخبير في الشؤون الإسرائيلية حلمي موسى، قال إن "الجهات التي قامت بالاغتيالات في إسرائيل جهات متنوعة، فهناك وحدة تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهذه الوحدة نفذت عمليات تفجير بألغام وعبوات ناسفة في لبنان، وهناك وحدة مشهورة في الموساد الإسرائيلي لملاحقة من تعتبرهم إسرائيل خطرا عليها، وهذه الوحدة سميت في وقت من الأوقات: كيدون، وأعتقد أنها التي نفذت عملية اغتيال الشهيد غسان كنفاني".

أما المؤرخ الإسرائيلي الخبير في شؤون الموساد رونين برغمان، فأكد أن إسرائيل لم تعترف بمسؤوليتها لسنوات عديدة عن اغتيال كنفاني أو غيره من الناشطين الفلسطينيين، مشيرا إلى أنه سينشر في كتابه الجديد لأول مرة في تاريخ إسرائيل أقوال الذين ساهموا في تلك الاغتيالات، وهم يعترفون بمسؤوليتهم عما حدث.