كان آخر تقرير للزميل عمرو الحلبي من حلب أواخر عام 2016 يودع به مدينته مع آلاف من الحلبيين الناجين من محرقة قل نظيرها.

يروي الفيلم الوثائقي "حلب.. آخر الشهود" تفاصيل الإبادة التي وقعت للمدينة تحت القصف الصاروخي والمدفعي الروسي والتابع لنظام بشار الأسد.

دُمرت المدينة، لكن الكاميرا تقدمت بمثابرة والتزام تحت تهديد الموت كل ثانية لنقل أنفاس الناس، ومحاولات المسعفين لمنع الموت بآمال شبه معدومة.

أم يزن
قد لا يعرف الكثيرون اسم "أم يزن" الممرضة في مستشفى الحكيم للأطفال بحي الشعّار، لكن صوتها الذاهل تحت القصف وهي تصيح "الحواضن.. الحواضن" صارت معروفة.

كان مستشفى الأطفال هدفا لضربة صاروخية مباشرة، وكان سعي الطاقم الطبي حثيثا لإنقاذ المواليد الرضّع.

أم يزن التي دافعت عن الرضع في الحواضن، وتمنت العودة إلى مدينتها، فاجأها انفجار سيارة مفخخة على مقربة، فأصيبت بجروح خطيرة، ونقلت إلى مستشفى بتركيا.

غزل تحت الحطام
يروي عمرو الحلبي أن واحدا من الأهالي اعتذر عن عدم التحدث، مشيرا إلى أن الخوف العميق من سطوة النظام تمنعه من قول كلمة.

إلا أن الخوف وحده قد لا يكفي لقرار رجل فقد 35 من أهله وأقاربه الموجودين في شقة بعمارة استهدفها صاروخ، وصار همه بعد أن أحصى الجثث كلها العثور على ابنته "غزل" كي يدفنها.

ولكن البنت وبعد أيام كانت تتنفس، وخرجت إلى الوجود في مشاهد مؤثرة نقلها الحلبي ورفاقه، وخصوصا حين كانت تنادي والدها من تحت الحطام.

تابع فريق الجزيرة حياة الناس حين سيطر النظام وقوات حماية الشعب الكردية على طريق الكاستيلو، فأصبحت أحياء حلب الشرقية التي تحتضن الثوار السوريين وأهاليهم محاصرة كليا.

ومع استبسال الثوار، انفتحت ثغرة في الطريق من جهة حي الراموسة في الطرف الجنوبي الغربي، إلا أن كسر الحصار لا يذكر دون بطولة الأهالي، خاصة الأطفال الذين أشعلوا عددا كبيرا من إطارات السيارات حتى تعيق استهداف الثوار بالغارات الجوية.

لم تمض سوى أيام قليلة حتى عادت القوات الروسية والإيرانية وقوات النظام لقطع الطريق ثانية، ولكن هذه المرة بتوسع أكثر حتى تضمن عدم عودة الثوار لفتحه.

المحرقة
هنا يسرد الحلبي كيف بدأت المحرقة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حين ضاقت جغرافيا حلب الشرقية شيئا فشيئا لصالح النظام وأعوانه، وأطبق الحصار، وبدأت الصواريخ والبراميل وقذائف المدفعية والدبابات تدك كل شيء.

أيقن الناس أن القوات المحاصرة لا تتردد في إحراق الأرض والتمهيد لاقتحام حلب الشرقية.

يقول الحلبي إن كاميرا الجزيرة التي نقلت تفاصيل ما يجري أسهمت بشكل ما في عدم تكرار سيناريو مجزرة حماة التي تمت بصمت بعيدا عن أي صوت أو صورة إعلامية.

الرحيل
استعد الأهالي لتسليم أنفسهم لقوات النظام في حلب الغربية، وهو ما يعني أن احتمالات الإعدام الانتقامية قوية ولا يمنع وقوعها شيء.

ما أن جاء الفجر حتى تأكد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، وكانت الجزيرة أول من أعلن الخبر، وكان وقف إطلاق النار يتضمن ترحيل أهالي حلب الشرقية إلى نزوح جديد.

ما أن يرى السوري حافلات خضراء حتى يعرف فجأة أنها آخر دقائق له في مكانه الذي كان يسمى وطنا، ولكنه في معجم النظام الدامي مطرود من "سوريا المفيدة".