في حادثة شغلت الرأي العام السعودي هذا الأسبوع، خرج متظاهرون في مدينة حائل رفضا لعقد قران فتاة من قبيلتهم على شاب من قبيلة أخرى بسبب ما اعتبروه عدم تكافؤ في النسب.

هذا الموقف أثار جدلا واسعا وانتقادات لما اعتُبر تصرفا عنصريا مخالفا لمبادئ الشريعة الإسلامية، مما دفع السلطات إلى شن حملة اعتقالات بتهمة إثارة الفتنة والنعرات القبلية لزعزعة الأمن في البلاد.

المفارقة هنا أن السلطات السعودية وهي تتعامل مع هذه الحالة التي قد تعتبر فردية أو محدودة، إنما تواجه الآن إحدى التداعيات الأولية لنفخها -هي نفسها- في الورقة القبلية عندما زجت بها في أتون أزمتها مع جارتها قطر.

لقد حذر كثيرون من أن لجوء الرياض إلى ورقة القبيلة وإذكاء نعرتها في خلافها مع الدوحة، لن يمر دون ارتدادات أو أثمان عاجلة أو آجلة. فلماذا تشهر دولة تقول إنها تسعى للانفتاح والحداثة؛ سلاح القبلية في خلافات سياسية يفترض أن لها منطقها الخاص؟

القبيلة والدولة
يقول الأستاذ بجامعة قطر الدكتور نايف بن نهار إن محاذير استدعاء القبيلة في المجال السياسي هي نفسها محاذير استدعاء الزيت في وجود النار، لاسيما في المجتمعات القبلية بالدرجة الأولى.

وأضاف أن قبائل السعودية على اختلافها لديها صراعات سابقة قبل توحيد المملكة، ولا توجد قبيلة إلا ولها تاريخ صراع مع قبائل أخرى، وبالتالي فإن استدعاءها استدعاء للصراعات ويضر في المقام الأول المملكة العربية السعودية.

ويرى بن نهار أن الدولة إذا كانت جزءا من المجتمع تفقد دورها السيادي كدولة، وكلما تضخم دور القبيلة تقزّم دور الدولة، وما تفعله السعودية قد يعيد دور القبيلة كفاعل سياسي في الدولة.

واعتبر أن منطق القبيلة يعارض منطق الإسلام ومنطق الدولة، وبالتالي فإن الإسلام يرفض منطق القبلية. 

تهديد الوحدة
من جهته، يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت الدكتور فيصل أبو صليب أن القبيلة لها دور سياسي في منطقة الجزيرة العربية وما حولها، لكنه يختلف من دولة لأخرى ومن مجتمع لآخر، ففي النموذج اليمني يختلف دور القبيلة عن السعودية، فالقبيلة تعاملت مع المستعمر البريطاني والفرنسي وكذلك حدث الأمر في العراق بعد الغزو الأميركي.

ويضيف أن الأمر في السعودية مختلف، فالقبيلة تعتبر جماعة وظيفية، بمعنى أنها تقوم بأدوار محددة وخلال فترات زمنية محددة، كما حدث بالنسبة لتأسيس السعودية، لكن ما يختلف في هذه الأزمة أن القبيلة وظفت في أزمة سياسية بين دولتين.

وحذر أبو صليب من أن استخدام ورقة القبيلة يعزز النزعة الانفصالية عن الدولة المركزية في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم هذه النزعة، وبالنسبة لدول مركبة مثل السعودية أو الإمارات، أي تكونت نتيجة لضم بعض الأقاليم، وهذا الأمر خطير.

فشل وانتكاسة
بدوره، رأى أستاذ علم الاجتماع الدكتور عادل الشرجبي أن توظيف القبيلة أمر واقع في الدول العربية جميعا تقريبا، وبالنسبة للسعودية هناك أزمة في توجهات الدولة تجاه القبيلة، فهي تريد أن تضعفها على المستوى الاجتماعي وتقويها على المستوى السياسي، وهذا أمر غير ممكن.

ولفت إلى أن السعودية في أزمتها مع قطر وظفت أدوات الدولة من حصار اقتصادي ومقاطعة طيران وغير ذلك، لكنها لم تؤد إلى نتائج كما كانت تتوقع، ولم يبق أمامها من أدوات الدولة سوى استخدام الجيش لإسقاط النظام وهذا غير متوقع، فلم يبق أمامها سوى استخدام القبيلة لإيجاد بلبلة في المجتمع القطري.

السياسي الكويتي وعضو مجلس الأمة السابق ناصر الدويلة أكد من جهته أن فكرة الحداثة في السعودية غير أصيلة، وهي تستخدم بشكل آني لأغراض خاصة، واستدعاء القبيلة انتكاسة للحداثة وتراجع عن الحضارة والمدنية، ويدل على هشاشة فكرة الحداثة وعدم أصالتها في الرؤية السعودية.

وأضاف أن الدولة التي تستدعي النعرة القبلية مفلسة في طرحها وليس لديها ما تقدمه، وأن من يستعمل هذه الورقة سيصطلي بنارها.