بين أنقرة وواشنطن فتور وتوتر وتصعيد كلامي غير مسبوق. في ظاهر الأمور خلاف دبلوماسي عنوانه أزمة تأشيرات، وفي المسكوت عنه الكثير من الملفات الخلافية التي عمقت الفجوة بين الطرفين وخلقت حالة من الشك وعدم الثقة بينهما، رغم كل التصريحات الدبلوماسية الودية المتبادلة.

لكن رغم تضارب الأهداف واختلاف الأولويات بين الحليفين القديمين في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية، يحرص الطرفان على الرغبة في عدم توسيعٍ أكثر للهوة بينهما.

فهل تكون الأزمة الراهنة فرصة لمراجعة المواقف وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين حليفين تجمعهما مصالح مشتركة وعلاقات إستراتيجية؟ أم أن أي تأخر في احتوائها قد تكون له تداعيات على مستقبل هذه العلاقات؟

تركيا جديدة
حول هذا الموضوع، قال كبير مستشاري رئاسة الوزراء التركية عمر فاروق كوركماز إن تركيا لها علاقات قديمة جدا مع الولايات المتحدة ولديها اتفاقيات كثيرة، وهي تعتبر أن الولايات المتحدة حليف مهم وجيد، وبناء على هذا تعاملت لعقود طويلة مع واشنطن في سياسات كثيرة داخل تركيا وفي المنطقة وفي العلاقات الدولية.

وأضاف المسؤول التركي أنه في الآونة الأخيرة لوحظ أن واشنطن تريد أن تغير سياساتها نحو تركيا في مجالات كثيرة، بل تنزعج من الموقف التركي في بعض القضايا المتعلقة بالمنطقة وبالإقليم، أبرزها الأزمة السورية والدور التركي في الأزمة الخليجية.

ويرى كوركماز أنه على واشنطن أن تتعود على تركيا جديدة تتحرك بكل حرية، مشيرا إلى أن الأزمة الأخيرة تتعلق بالتأشيرات، لكن لها سوابق، وواشنطن لديها إشكالية كبيرة، واختلافات بين تصريحات مسؤوليها.

وبشأن الأزمة السورية قال إن تركيا منذ بداية الثورة لم تؤيدها لمدة ستة أشهر، بينما حرضت الدول الغربية وأميركا عليها، وبعدما وصلت الأمور إلى مراحل كبيرة وخطيرة بدأت تركيا تأييد الثورة.

وتابع "لكن مع مرور السنين بدا كأن الثورة السورية على عاتق تركيا، في حين تخلت الدول الغربية عن الشعب السوري، بل إنهم سلموا الأسلحة الأميركية لتنظيم الدولة الإسلامية في الموصل بالعراق، وبالتالي انتقل من الموصل وسيطر على مساحات كبيرة في العراق وسوريا، وبالتالي الثورة السورية أفشلت من قبل تنظيم الدولة بأسلحة أميركية".


حالة احتقان
من جهته، اعتبر الدكتور خليل العناني أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا أن الأزمة بين تركيا والولايات المتحدة عبارة عن تراكم لاحتقان استمر خلال السنوات الخمس الماضية، واتساع للفجوة بسبب الخلافات حول ملفات كثيرة، ولذلك فكلما تأتي أزمة صغيرة تنفجر حالة الاحتفان هذه، كما حدث مؤخرا في موضوع التأشيرات.

وأكد أن الخلافات بين الجانبين هي "حالة احتقان تحت السطح" وليست أزمة عاصفة، وهناك انقسام داخل أميركا نفسها حول التعامل مع تركيا، فهناك الرأي الرسمي الذي تمثله الإدارة الأميركية، وهناك الموقف غير الرسمي الذي تمثله مراكز الإعلام والأبحاث.

مسؤولية ثنائية
أما سفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا روس ويلسون فأوضح أنه من منظور واشنطن هناك عدد من الأشياء التي ساءت فيما يتعلق بالعلاقات بين البلدين، ففي الظاهر تبدو عوامل تسيطر عليها الحكومة الأميركية، لكن هناك أيضا بعض الخطوات التي اتخذتها السلطات التركية، منها احتجاز عدد من الموظفين في البعثة الأميركية، كما أن هناك ملفات تتعلق بالوضع في سوريا وما يجري في الحرب على تنظيم الدولة، وبعض مباعث القلق بالنسبة للتطورات التي تجري في تركيا.

واعتبر أن فشل السياسة الأميركية في سوريا تعود إلى فترة بعيدة جدا، وكذلك الأمور المتعلقة بالعلاقات بين البلدين، لافتا إلى أن تركيا تعتقد أن الولايات المتحدة كانت وراء محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا، ما أدى إلى كثير من الصعوبات في العلاقات بين البلدين.