عاشت تركيا اثنتي عشرة ساعة لم تعرف لها مثيلا منذ إنشاء الجمهورية التركية. كانت تلك ساعات الانقلاب الفاشل الدامي في 15 يوليو/تموز الماضي.

غير أن الانقلاب لم يصل مبتغاه، لجملة أسباب؛ من أبرزها أن الشعب خرج يدافع عن مكتسباته وعن ديمقراطيته، رغم المقاتلات الخمس والثلاثين والمروحيات السبع والثلاثين التي لم تتردد في قصف الشعب بل حتى قصف بيت الشعب: البرلمان.

الفيلم الوثائقي "ليلة الانقلاب" الذي أنتجته الجزيرة وبثته يوم الأحد (4/9/2016) تتبع الساعات الاثنتي عشرة بكل ما فيها من تفاصيل، بدءا من وصول أولى المعلومات للمخابرات التركية عن تحرك مريب في عدد من القواعد العسكرية.

غرفة العمليات
غير أن قاعدة قرب أنقرة وهي قاعدة أكينجيلار كانت بعينها غرفة العمليات، وفيها احتجز الانقلابيون رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار وبقية الضباط.

في البدء لم تتوقع المخابرات وهيئة الأركان أن حجم الانقلاب بهذا القدر، وعليه لم يخبروا الرئيس ولا رئيس الوزراء، وفسر ذلك رئيس الاستخبارات العسكرية السابق سونير بولاط بالقول إنهم خشوا من سؤال الرئيس "لماذا لم تعرفوا ما يجري مسبقا؟".

أما المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية التركية إبراهيم كلن فقال إن عدم إخبار الرئيس خطأ، ولكن الجميع سعوا إلى عمل ما يمكن عمله. وكانت المعلومات التي نقلتها المخابرات كافية لإجبار الانقلابيين على تقديم موعد انقلابهم ست ساعات، أي إلى العاشرة مساء بدل الثالثة فجرا.

اعتقال رئيس الأركان
قدم الفيلم اللحظات المفصلية في تلك الليلة، ومنها حين اقتحم الانقلابيون غرفة رئيس الأركان وأشهروا الأسلحة في وجهه لإجباره على توقيع البيان رقم واحد، لكنه رفض وقال "إنكم ترتكبون جريمة ستدفعون ثمنها غاليا"، علما بأن الاقتحام كان بقيادة سكرتيره وهو برتبة مقدم.

أما رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان فقد كان يقضي إجازته السنوية برفقة العائلة في فندق بمدينة مرمريس الساحلية. وكان الانقلابيون في الأثناء قد قطعوا جسر البوسفور لرمزيته الكبيرة ولإحداث أكبر قدر من الضجيج.

كان أردوغان قد قرر الذهاب إلى إسطنبول، وقبل ذلك عقد مؤتمرا صحفيا، لكنه لم يصل إلى وسائل الإعلام، بسبب ثقل الملف وبطء الإنترنت.

سيطر الانقلابيون على التلفزيون الرسمي التركي، لكن العقلية القديمة في إدارة الانقلابات وقفت عند خبرة انقلابية مفادها احتلال التلفزيون والإذاعة لينتهي الأمر.

مقابلة على الجوال
تابع مئات الملايين في العالم المذيعة هندة فيرات التي استطاعت الحصول على موافقة أردوغان لإجراء مقابلة عبر تطبيق فيس تايم في الهاتف الجوال. وهنا يقول وزير الطاقة براءة البيرق إن الشعب كان بحاجة لرسالة من الرئيس ولأن يطمئن إلى أنه بصحة جيدة.

أردوغان في مقابلة الفيس تايم دعا الشعب إلى النزول إلى الميادين، ثم صلى ركعتين وتوجه إلى إسطنبول.

يروي البيرق أن مدير الفندق الذي كان يستقبل الرئيس قال إن ثمة زوارق سريعة تستطيع الوصول بسرعة إلى جزر يونانية قريبة حتى يكون الرئيس بمأمن من أي مكروه، فرد أردوغان مستنكرا "ماذا تقول" واعتذر الرجل عما قال.

بدوره كان رئيس الوزراء علي يلدرم متوجها من إسطنبول إلى أنقرة. ويقول نائب رئيس حزب العدالة والتنمية ياسين أقطاي إنه تعرض لإطلاق النار من نقطة تفتيش للدرك، ولكن السائق بمهارة استطاع النفاذ إلى نفق قيد الإنشاء، ومن هناك كان يلدرم يدير العمليات لنحو ساعتين.

صعود المدرعة
أما الشعب فكانت له كلمة حاسمة في شارع الوطن بإسطنبول، حيث صعدوا على أول مدرعة، ونشرت الصورة، مما رفع المعنويات ودفع بمزيد من الحشود.

يقول الممثل نجاتي شاشماز إنه كان دائما يفكر لماذا لم يخرج الناس ويقفوا في وجه العسكر حين أعدموا الرئيس التركي مندريس، لكنهم هذه المرة وبعد خطاب أردوغان تجاوزوا الحاجز النفسي وانتصروا على أنفسهم.

حين يذكر دور الشعب، فإن الساعة الثانية عشرة ستحمل أول رد من ممثلي الشعب عبر اتصالين تلقاهما يلدرم من رئيسي أكبر حزبين في المعارضة الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري، للإعراب عن رفضهما القاطع للانقلاب.

قصف بيت الشعب
عمد الانقلابيون إلى قصف القوات الخاصة في الشرطة لعلمهم بأنها ذات تسليح جيد، لكن أحدا لم يصدق أن البرلمان سيتعرض للقصف.

يصف النائب عن حزب الحركة القومية المعارض روحي إيرصوي هذا القصف بالجنون الذي لم يحدث في تاريخ الانقلابات في تركيا.

وكان البرلمان انعقد في منتصف الليل، وخاطب الشعب بينما كانت القنابل تضرب المبنى، وهنا بدأت تلوح معالم انتهاء المحاولة الانقلابية مع فقدان السيطرة على مفاصل الدولة والشعب.

يقول النائب عن الحزب الجمهوري المعارض محمد بكار أوغلو إن الانقلاب فشل، لأنه لم يخطط له من قيادات عليا في الجيش، ولعدم نجاحهم في الوصول لأردوغان الذي نجح بدوره في الحديث للشعب.