لم تكن ليلة 15 يوليو/تموز عادية في تركيا، بل كانت ليلة الانقلاب على حكومة منتخبة ديمقراطيا، انقلاب خاضته عدة قطاعات من الجيش.

الانقلاب فشل، غير أن اسما ما انفك يتداوله الأتراك ويؤكدون عليه، إنه فتح الله غولن المتهم بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية، لينفتح ملف أكثر وعورة حول تغلغل الرجل في مفاصل الدولة عبر تنظيم أطلق عليه اسم "الكيان الموازي".

في الفيلم الوثائقي الذي بثته الجزيرة الأحد (14/8/2016) إعادة قراءة لهذا الكيان ومؤسسه غولن وصولا إلى الانعطافة التاريخية في ليلة الانقلاب.

تأسيس الجماعة
ولد غولن في أرض روم سنة 1941، وبعد إنهائه الخدمة العسكرية كان له دور نشط في جمعية مناهضة الشيوعية. وترك عمله الوعظي ضمن الإطار الحكومى عام 1981 ليتفرغ لتأسيس "جماعة الخدمة" وإنشاء المدارس ومراكز التعليم الخاصة وبيوت الطلبة المعروفة باسم "منازل النور".

عرفت مختلف المدن التركية وأرجاء واسعة من العالم هذه المدارس والبيوت. أما أتباع غولن فجرى نصحهم بالابتعاد عن السياسة، لكن في الوقت نفسه كانت جماعته تشجع الطلاب على الانخراط في مدارس الشرطة والجيش والقضاء، فيما كان يسمى بـ"حركة الخروج".

شكلت الجماعة تنظيما سريا أطلق عليه اسم "الأئمة"، ويشير وزير الطاقة التركي بيرات البيرق إلى اعتماد الجماعة مبدأ التقية، بينما من أهم القواعد الإسلامية إما أن تكون كما تبدو أو تبدو كما تكون.

تقدر ميزانية الجماعة بنحو 150 مليار دولار أميركي ويتبعها 9000 شركة، بينها خمس شركات قابضة وعدد من البنوك أهمها بنك آسيا، إضافة إلى مئات المؤسسات التعليمية من جامعات ومدارس، والطبية والإعلامية والخيرية والوقف الخيري.

أسماء حركية
حسين غولارجه، رئيس تحرير سابق لجريدة زمان وخبير في شؤون الجماعة وصديق غولن لخمس وثلاثين سنة يقول إن غولن أعطى أسماء حركية لعناصر يتغلغلون في بنية الدولة على مدار 35 عاما.

وفي تسجيل صوتي لفتح الله غولن يقول إنه "لا بد من الوصول إلى كل مؤسسات الدولة، وإن كل خطوة قبل ذلك مبكرة، وعليه فالسر الذي تحتفظ به أسير عندك، وحينما تفشيه تصبح أنت أسيرا عنده".

في 28 فبراير/شباط 1997 انقلب العسكر على حكومة نجم الدين أربكان الذي حقق حزبه (الرفاه الوطني) الأغلبية وقاد ائتلافا مع حزب "الطريق القويم" برئاسة تانسو تشيلر.

عقب إجراءات العسكر التي تلت الانقلاب ضد كل التوجهات الإسلامية ومن ذلك منع الحجاب في الجامعات كان غولن يعلن أنه "إذا كان على بناتنا أن يخترن بين التعليم والحجاب فليخترن التعليم"، وأعلن استعداده للتنازل عن مؤسساته التعليمية للمؤسسة العسكرية.

لكن الدولة بدأت تضيق على غولن بعد تقارير عن تغلغل جماعته في مفاصلها، فتوجه إلى الولايات المتحدة عام 1999 بحجة العلاج، إلا أن حسين غولارجه لا يصدق حكاية العلاج بينما في تركيا مستشفيات متطورة.

إلى أميركا
ويرى أن التضييقات التي أعقبت الانقلاب دفعته للمغادرة، فحصل على الإقامة الدائمة في أميركا وكفلته شخصيتان من السي.آي.إيه.

يضيف إلى ذلك الكاتب والمحلل السياسي محمد زاهد غول أن الأشخاص الذين زكوا غولن وجعلوه الابن المدلل يمثلون مفاصل الدولة الأميركية وهم من اليمين واليمين المتطرف ومقربون من الحركة الصهيونية.

في 2001 أسس رجب طيب أردوغان حزب العدالة والتنمية، وبعد عام واحد وصل الحزب إلى الحكم منفردا، وبدأت فترة سميت بثورة الأناضول، تميزت فيها تركيا بالتطور والازدهار، فزاد نفوذها إقليميا وعالميا.

حرصت جماعة غولن على إبداء الولاء للحكومة وكسب الشارع من خلال مشاركتها في كشف عدد من المخططات العسكرية الانقلابية المفترضة.

انفراد أردوغان
يقول الكاتب في صحيفة الزمان التابعة للجماعة ممتظر توركونة إنه كان بين العدالة والتنمية وجماعة غولن تضامن في قضايا حقوق الإنسان الأساسية والديمقراطية وضد الوصاية العسكرية، لكن حزب أردوغان لم يعدها انتهاء للوصاية بل بداية الانفراد بالحكم.

لكن الرأي المقابل يقول إن جماعة غولن سيطرت على القضاء والشرطة وسعت للسيطرة على الجيش، ويقول المساعد السابق لرئيس الاستخبارات حنفي أفجه إن الجماعة بدأت تتخلص من معارضيها فردا فردا، وبدا أن القضاء يرزح تحت وطأتها.

في السياسة الخارجية كان لتركيا موقف لافت ضد عدوان إسرائيل على غزة في 2008، وضد حصارها، وفي 2010 اعتدت إسرائيل على سفينة مرمرة التركية المتوجهة إلى غزة.

ويلاحظ بعض المتحدثين في الفيلم أن غولن كان لا يتخذ موقفا مساندا من حركات التحرر ومساندة الشعوب الإسلامية المقهورة، ومن ذلك "بكاؤه" في درس وعظي على الضحايا الإسرائيليين نتيجة الصواريخ التي أطلقها صدام حسين، كما يقول محمد زاهد غول.

لكنه -يضيف- لم يستنكر قتل الفلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي، بل واعتبر إرسال سفينة مرمرة دون إذن إسرائيل تمردا.

النجاح المزعج
في عام 2013 حققت تركيا رفاها اجتماعيا لافتا ودفعت كل ما عليها من ديون بما فيها ديون صندوق النقد الدولي، إضافة إلى افتتاح مشاريع عملاقة شكلت إزعاجا للبعض في الداخل والخارج.

لكن عام 2013 أيضا سيشهد موجة احتجاجات على قطع أشجار في منطقة تقسيم بإسطنبول قيل إن جماعة غولن وقفت وراءها.

وفي أواخر هذا العام أعلنت الحكومة عن مشروع قرار لإغلاق مراكز التعليم الخاصة، مما شكل ضربة قاسية لجماعة غولن التي تعد المدارس مصدر دخلها الأكبر.

وصل التغلغل العميق للجماعة إلى حد تسريب اختبارات التوظيف للحصول على آلاف الوظائف في بنية الدولة، إلى أن جاء عام 2014 الذي ستأخذ فيه الدولة زمام المبادرة في المواجهة المكشوفة، إذ اتخذ مجلس الأمن القومي التركي قرارا بإعلان فتح الله غولن وجماعته تنظيما إرهابيا.

أما ليلة 25 يوليو/تموز 2016 فقد عرفت محاولة انقلابية عنيفة لكنها جوبهت بالشارع وعلى نحو فوري فاجأ الانقلابيين وحمى الديمقراطية التركية ودافع عن مقدراته ومنجزاته التي قادتها حكومة انتخبها الشعب.