في 27 مايو/أيار 1960، وعند الرابعة فجرا، بدأت مرحلة جديدة في تركيا، وخُط السطر الأول في نهاية قصة رئيس الوزراء عدنان مندريس أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي.

انقلاب عسكري بلا أي مقاومة من مندريس أو الرئيس جلال بيار، ثم محاكمات استمرت عاما يرى كثير من موثقي تلك المرحلة أنها كانت قاسية، إذ فارق أثناءها نحو عشرة أشخاص الحياة تحت التحقيق، بينما انتحر واحد لسوء المعاملة.

المشنقة كانت نهاية مندريس، التي لم يوافق عليها الشعب، الشعب ذاته الذي جرى استقطابه بحدة قبل الانقلاب، لكنه لم يتصور أن يعلق رئيس وزراء ذي شعبية واسعة بحبل المشنقة، ومع ذلك لزم الصمت.

فوز انتخابي كاسح
في الفيلم الوثائقي "تركيا.. الانقلاب الأول" الذي بثته الجزيرة الأحد 24/7/2016 سيرة سياسي مثل حضورا واضحا في انتخابات 1950، التي خاضها الحزب الديمقراطي واكتسح أصواتها، فتشكلت الحكومة والرئاسة معا من هذا الحزب.

بدأ مندريس مع حزب الشعب الجمهوري إثر إعجاب مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك بقدراته، لكن عام 1945 سيكون فاصلا مع تأسيس الأمم المتحدة ونشوء الحياة السياسية في تركيا.

يقول رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق داود ضورسون إن مفاهيم الحرية التي أطلقتها الأمم المتحدة الوليدة انعكست على تركيا التي عرفت بالتدريج معارضة، خاصة داخل الحزب الحاكم الذي انشقت عنه مجموعة كان مندريس من بينها وأسست الحزب الديمقراطي.

وقف الحزب في وجه تدخل الدولة في الاقتصاد مؤيدا اقتصاد السوق، أما سياسيا فكان ضد حزب الشعب وداعما لحرية الرأي، مما أكسبه دعما جماهيريا إضافة إلى دعم النخبة الليبرالية.

دستور وتنمية
الكاتب الصحفي مصطفى أرماغان تحدث عن انتخابات 1950 التي عبر فيها الشعب عن رفضه سياسات حزب الشعب الجمهوري المستمرة منذ 27 عاما، وانتخب الحزب الديمقراطي بأغلبية في البرلمان مكنته من تولي السلطة.

سعى مندريس إلى تأسيس دستور أكثر ليبرالية، وبدأ تنمية لا تقارن بالتنمية الحاصلة الآن في تركيا -كما يضيف كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي الأسبق- قائلا "لنفكر في من كانوا لا يستطيعون الحصول على الإسمنت أو السكر الذي بدأ إنتاجه في عهد الحزب الديمقراطي".

أما عن النمو الاقتصادي فقد وصل إلى نسبة 160% خلال عشر سنوات من حكم الحزب الديمقراطي، كما يبين حسام الدين جيندورك رئيس البرلمان التركي الأسبق.

الجانب الوحيد الذي أهمله مندريس -حسب جيندورك- كان الجانب الديمقراطي، ويلاحظ الكاتب الصحفي فايق بولوط أن آثار الخصخصة السلبية بدأت تظهر في المشهد الاقتصادي، أما في السياسة "فكان غوغائيا" وسريع الانفعال والتقلب، وكان إذا قال "افعل ذلك" وجب التنفيذ.

وتصف الإعلامية والبرلمانية السابقة ناظلي إليجاك تركيا قبل أول انقلاب بأنها كانت تعيش حالة عدم ارتياح بعد تأسيس لجنة للتحقيق مع الصحفيين وأعضاء حزب الشعب الجمهوري المعارض، مما أطلق حالة من الاستقطاب الشديد.

تحريض الجيش
شهدت تركيا في عهد مندريس عددا من الاضطرابات المتتالية، كان من بينها اعتقال معارضين وضباط بتهمة التآمر على قلب نظام الحكم، أما حالة الاستقطاب فدفعت قياديين بالمعارضة للتلويح للجيش كي يتخذ أمرا على غرار ما جرى في انقلاب كوريا الجنوبية بالقول "إن الجيش التركي لا يقل شرفا عن الكوري".

الضابط الطيار السابق مسعود حقي جاشن قال إن الحزب الديمقراطي كان صاحب الأغلبية الكاسحة في البرلمان واتخذ قرارات مخالفة للدستور.

في فجر ذلك اليوم من عام 1960 -تقول ناظلي إليجاك- كان جزء من الشعب يعتبر انقلاب الجيش نصرا له، حتى أن أعضاء في حزب الشعب الجمهوري تعاونوا مع الجيش للإبلاغ عن أعضاء الحزب الديمقراطي للقبض عليهم.

اليوم الأخير
وفي 15 سبتمبر/أيلول 1961، اليوم المفترض للمرافعة الأخيرة للدفاع عنه، فوجئ الجميع بإلغاء المرافعة وصدور الأحكام على 590 متهما، في مقدمتهم جلال بيار رئيس الجمهورية ومندريس رئيس الوزراء.

حكم بالإعدام على مندريس بين 15 متهما، لكن الرئيس بيار خفف الحكم عليه إلى المؤبد بسبب كبر سنه. وعلقت ناظلي إليجاك بأن الجيش فرض على القاضي أحكام الإعدام وإلا سيحاكم هو مع المتهمين.

لم يكن مندريس يعلم بالحكم حين كتب في يومياته داخل السجن "ليتني لم أترك مدينتي آيدين، وليتني لم أعمل في السياسة، لئن خرجت من هنا لأذهبن إليها وأترك السياسة، وأجلس تحت أشجارها وأقطف من ثمارها".

ختم الصحفي والإعلامي طه أقيول بأن أحدا لم يخرج للشوارع بمظاهرات غاضبة لأن المجتمع -في ذلك الوقت- لم يستطع القول هذا حقي، فإن ذلك يتم من خلال التعليم والتمدين والتطوير، لكن لا تنتظر ذلك من مجتمع قروي.