لم تزل هزات ما بعد زلزال تصويت البريطانيين لصالح خروج بلدهم من الاتحاد الأوروبي مستمرة.. مسؤولون أوروبيون وصفوا الأمر بالطلاق المؤلم لكلا الطرفين، وشددوا مع هذا على سرعة إتمام إجراءاته، وعلى أن تطرح لندن تصورها لعلاقاتها المقبلة مع الاتحاد.
غير أن بريطانيا نفسها بدت بعد إعلان نتائج استفتاء الخميس أكثر انقساما من أي وقت مضى، فقد أظهرتها هذه النتائج دولة منقسمة جغرافيا وطبقيا وعلى أساس الأجيال، وربما تنشطر إلى قسمين. فقد صوتت إنجلترا وويلز لصالح الخروج من الاتحاد, بينما فضلت أسكتلندا وإيرلندا الشمالية البقاء فيه. وكان الشباب أيضا مع خيار البقاء، مقابل كبار السن الذين اختاروا المغادرة.

في البداية قال النائب في البرلمان الأوروبي عن حزب العمال البريطاني كلود موراياس إن نتائج الاستفتاء جاءت متباينة، وهو ما أدى إلى مشكلة دستورية، ولذلك فهناك دعوة في أستكلندا إلى استفتاء ثان على البقاء ضمن المملكة المتحدة سيؤدي على الأرجح إلى استقلالها، ولذلك فتبعات الاستفتاء لا تقتصر فقط على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

video

من جهته، أوضح الأستاذ المحاضر بجامعة إكستر البريطانية عمر عاشور أن هناك انقساما حقيقيا على مستوى المناطق والأجيال، فبينما صوت أغلبية الشباب لصالح البقاء فإن الجيل الأكبر صوت لصالح الخروج، وكذلك فإن المناطق المؤيدة لحزب العمال صوتت لصالح الخروج رغم موقف الحزب الداعم للبقاء في الاتحاد، أما المدن الجامعية كلندن وغيرها فصوتت للبقاء.

وأشار موراياس إلى أن هذا الانقسام سيكون له تبعات اقتصادية أيضا على إنجلترا، وستظهر ذلك سريعا بسبب وجود النفط وكثير من الصناعات في أسكتلندا رغم أن سكانها أقل عددا.

وعاد عاشور ليشير إلى أن محاولة حزب المحافظين وقف نزيف المصوتين لصالحه المؤيدين لدعوات يمين اليمين بالخروج من الاتحاد هو ما أدى إلى هذا الاستفتاء منذ البداية. وأوضح أن حملة الداعين للخروج من الاتحاد ضمت اليمين المعتدل مع أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهو ما سيقوي الأحزاب اليمينية الداعية للانفصال في بلدان أخرى كفرنسا والسويد وغيرهما.

video

 

علاقات متشعبة
وعن العلاقات الروسية مع أوروبا وبريطانيا، قال الكاتب والمحلل السياسي الروسي يفغيني سيدوروف إنه يجب النظر إلى مستقبل هذه العلاقات، فربما تتغير السياسات البريطانية تجاه روسيا، خاصة إذا قويت علاقات لندن بأميركا، وهو ما سينعكس سلبا على موسكو.

من جانبه قال الكاتب والمحلل السياسي التركي محمد زاهد غل إن هناك ترقبا تركيًّا حذرا لما يحصل في أوروبا، مشيرا إلى أن العلاقات التركية البريطانية جيدة في المجمل رغم بعض المواقف السلبية.

أما مدير مركز الدراسات البريطانية في جامعة هامبولد بألمانيا جيرهار دنمان فيرى أن المهمة الرئيسية أمام ألمانيا الآن هي المحافظة على الاتحاد الأوروبي الذي يمر بأزمة كبيرة، وهي مهمة ليست سهلة.

وأبدى دنمان استغرابه لتكرار اسم تركيا في الأيام التي سبقت الاستفتاء رغم أن بريطانيا كانت من الداعين لانضمامها إلى الاتحاد على عكس فرنسا وألمانيا، لكنه عاد وأرجع ذلك إلى محاولات التخويف من الهجرة والإسلام في حملات الداعين للخروج من الاتحاد.

وعما إذا كان البرلمان البريطاني بإمكانه التصويت على الخروج من الاتحاد من عدمه، قال موراياس إن ذلك أمر صعب لأنه لا بد من احترام نتيجة الاستفتاء، مشيرا إلى أن ذلك قد يُولّد توترا ستستفيد منه الأحزاب اليمينية.

من جهته اعتبر عاشور أن بريطانيا والاتحاد الأوروبي خاسران جراء هذا الاستفتاء، مشيرا إلى أن الديمقراطية لها آلية تصحيح ذاتي، فربما يسعى البرلمان البريطاني للتوصل إلى آلية شراكة مع الاتحاد تبقي على بعض المميزات للطرفين رغم الفراق.

وعن العقوبات الأوروبية على روسيا، قال سيدوروف إن الاتحاد الأوروبي في الغالب لن يغير سياسته في هذا الشأن بسبب خروج بريطانيا، رغم أنها الأكثر دعما لاستمرار هذه العقوبات.

وقال دنمان إن الدول الأوروبية ستفكر في الاستفادة من هذه الأزمة دون منح بريطانيا صفقة خروج جيدة تشجع دولا أخرى على مغادرة الاتحاد.

ولفت غل إلى أن هناك خطابا محافظا ذا نزعة "يمينية كنسية" يسيطر على الأجواء السياسية في أوروبا، بعدما ابتعدت الليبرالية نسبيا، وهو ما ينعكس سلبا على تركيا.