على بعد مئة عام من اتفاقية بين موظفين الأول بريطاني وهو مارك سايكس والثاني فرنسي وهو جورج بيكو، تقف المنطقة العربية شرق المتوسط أمام احتمالات الأسوأ.

باتت سايكس بيكو التي قسمت شعوبا رغما عنها حلما تدافع عنه اليوم أمام تدهور الدول إلى دويلات والأوطان إلى هويات طائفية ومذهبية.

الجزء الثاني من فيلم "خطوط على الرمال" الذي بثته الجزيرة الخميس (26/5/2016) تابع فصول التاريخ الذي رسمته القوتان الاستعماريتان بريطانيا وفرنسا، اللتان نظرتا إلى الأرض فقط بوصفها آبار نفط ومنافذ بحرية.

لي ولك
يعيد أستاذ التاريخ في جامعة كولمبيا رشيد الخالدي تذكيرنا بالمشهد على النحو التالي: يمشي ضباط فرنسيون بين فلسطين ولبنان -على سبيل المثال- من قرية إلى قرية وكل منهم يطلب من الآخر "هذه المنطقة لي، وهذه المنطقة لك".

التفاهمات بين بريطانيا وفرنسا لم تكن تسير دون هواجس متبادلة بين طرفين على وشك الانتصار في الحرب العالمية الأولى، وأمامهما تركيا رجل أوروبا المريض بأراض شاسعة يفقدها بسهولة ومهدد مباشرة في عقر داره.

البريطانيون أغضبوا الفرنسيين حين ساعدوا الهاشميين في الوصول إلى دمشق التي هي من حصة فرنسا بحسب الاتفاق، لكن الهاشميين خسروا أمام الجيش الفرنسي، فكانت لهم إمارة شرق الأردن بانتداب بريطاني.

تدبير لندن
هكذا سينسحب الأمر على لبنان الذي تأسس تحت الانتداب الفرنسي، وهكذا تأسست ثلاث دويلات داخل سوريا. أما فلسطين فسيكون منحها إلى اليهود تدبيرا بريطانيا.

في التنافس الاستعماري بين البريطاني والفرنسي سيأتي وعد بلفور، بعيد اتفاقية سايكس بيكو، جزءا من اللعبة البريطانية، ويقول المؤرخ بشير نافع إن الحركة الصهيونية لو لم تؤسس أواخر القرن 19 لأسستها لندن دون شك.

وإذ يسجل التاريخ الرسمي السياسي ميلاد دولة إسرائيل عام 1948 فإن المؤرخ آفي شليم يعيد الأمر إلى عام 1939 حين قضت بريطانيا على القدرة العسكرية الفلسطينية بعد ثورة امتدت ثلاث سنوات.

استعرض الفيلم كل التحولات التاريخية على أثر سايكس بيكو، وكيف ترسخت الحدود ضد إرادة شعوب المنطقة ثم أصبحت الهويات الوطنية لهذه الحدود رخوة خارجيا أمام تهديد الكيان الإسرائيلي.

ما دون الدولة
لكن العقود التي توالت على سايكس بيكو ستصل بالمنطقة إلى ما لم تحسب حسابه، وهو تحول الدول السايسبيكوية إلى ما دون فكرة الدولة.

احتلال العراق عام 2003 سيؤسس لاندلاع حروب بين أبناء الوطن الواحد على أساس عرقي ومذهبي وطائفي.

المفكر الأميركي نعوم تشومسكي تحدث عن اندماج واسع بين العراقيين، إلى أن جاء الاحتلال وفجّر صراعا طائفيا لا مفر من مروره في موجة عنف.

شيعي سني
لا يذكر الاحتلال الأميركي والبريطاني للعراق دون الحاكم بول بريمر. غسان سلامة مستشار الأمين السابق للأمم المتحدة كوفي عنان يحكي ما كان يجري عيانا، فقد كان بريمر يسأل العراقي: شيعي أنت أم سني؟

وأضاف أن المشهد كان عسيرا لمن يعجز عن تحديد هويته حين يكون أبوه سنيا وأمه شيعية. كان بريمر لا يحفل به ويذهب إلى من يعرفون بالضبط هوياتهم المذهبية.

هذا ما سينسحب بذات القسوة وبدماء غزيرة في سوريا. أما الثابت الوحيد حتى الآن فهو الاستيطان الذي تتوسع فيه إسرائيل وتجتهد لتقديمه حقيقة ثابتة على المجتمع الدولي احترامها.