في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 أودت الهجمات التي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنها في باريس بحياة نحو 150 شخصا، ومنذ ذلك الوقت غيّرت الحكومة الفرنسية منهجيتها تغييرا كاملا في مقاربتها لمسالة الأمن القومي ومكافحة الإرهاب.

وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس تخصيص 425 مليون يورو لاستحداث 2680 فرصة عمل جديدة متخصصة في مكافحة الإرهاب في أجهزة الشرطة والدفاع والعدل في الدولة. كما أعلنت الحكومة أيضا عن فرض حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة شهور، مانحة قوات الشرطة حزمة من الصلاحيات والإجراءات الجديدة التي تجيز عمليات اقتحام المنازل والاعتقال دون إشراف قضائي، وقد باتت الآن مسطرة في دستور البلاد.

في يناير/كانون الثاني 2016 قاد مسؤولو الحكومة مظاهرة كبيرة، داعين للوحدة الوطنية والتعاطف مع ضحايا هجمات باريس، لكن هذه المحاولات التي تم إخراجها بعناية عجزت عن استقطاب الملايين التي خرجت في أعقاب حادثة إطلاق النار على جريدة الكاريكاتير شارلي إيبدو عام 2015.

وأوضح وثائقي الجزيرة "فرنسا.. الرد الغاضب" الذي بث بتاريخ (2016/11/05) أن الشرطة الفرنسية قامت في الشهرين التاليين لهجمات باريس بتفتيش نحو أربعة آلاف منزل وفتح ما يزيد على 500 قضية جنائية، كما وضعت 382 شخصا رهن الإقامة الجبرية.

وفي فبراير/شباط 2016 صوت البرلمان الفرنسي لصالح تمديد فترة حالة الطوارئ حتى مايو/أيار 2016 وأظهرت استطلاعات الرأي مساندة الرأي العام لتلك الخطوة، لكن الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان حذرت من أن مداهمات الشرطة وإجراءات الإقامة الجبرية هي إجراءات تعسفية وتنطوي على تمييز واضح ضد المسلمين.

ضحايا
وكان أحد ضحايا تلك الإجراءات هو حليم عبد الملك الذي وضع رهن الإقامة الجبرية على خلفية الاشتباه في ضلوعه في التخطيط للاعتداء على أحد العاملين في جريدة شارلي إيبدو.

ويعد حليم واحدا من بين 20 ألفا آخرين في فرنسا نصفهم من المسلمين ممن وضعت الاستخبارات الفرنسية بطاقة "أس" على سجلاتهم الحكومية، وهذا يعني أن الحكومة تعتبره تهديدا للأمن القومي. وجعلت هذه الإجراءات العديد من الجاليات المسلمة يشعرون أنهم موصومون بوصمة تمييز ظالمة.

كما شرعت الحكومة الفرنسية بسلسلة من البرامج للحؤول دون وقوع الشباب المسلمين من الفرنسيين فريسة للتطرف. ويقول أخصائي رعاية الشباب جمال قسوم إن هناك مشكلة اجتماعية هي عدم توفير الوظائف للشباب، ولو حدث ذلك لتبخرت فكرة التوجه إلى سوريا من عقولهم.

وفي السجون عزلت السلطات الفرنسية النزلاء المسلمين بعيدا عن السجناء الآخرين. ويخشى أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التطرف لدى السجناء المسلمين.

ووفقا لتقارير الأمم المتحدة فإن عدد المقاتلين الفرنسيين في صفوف تنظيم الدولة يفوق سواهم من المقاتلين من أي بلد أوروبي آخر.

ويبدو أن الأرقام تعكس حجم الوباء الفرنسي المتفشي الذي أدى إلى إقصاء الجيلين الثاني والثالث من الفرنسيين المهاجرين الذين كانوا ربما مؤمنين بالقيم والمبادئ الأساسية للبلاد وقد تم إقصاؤهم لدرجة أنهم باتوا يفضلون المجازفة قتالا في سبيل قضايا متطرفة خارج فرنسا، واعتبارهم تهديدا للأمن القومي عندما يعودون.

لكن فرنسا ليست البلد الأوروبي الوحيد الذي يواجه هذا التحدي، فهناك دول أوروبية أخرى باتت أكثر نجاعة في ثني المجاهدين المحتملين عن عزمهم القتال مع تنظيم الدولة في سوريا والعراق، بل إعادة تأهيل العائدين منهم، ففي مدينة أورهوس الدانماركية تم عام 2007 إطلاق نموذج أورهوس لمكافحة التطرف والتواصل مع الشباب حيث حقق قدرا من النجاح.

وقد جعل تنظيم الدولة من فرنسا، بصفتها أكبر مشارك في التحالف الدولي ضد التنظيم، الهدف الرئيسي لهجماته، ورغم ذلك فإن الكثير بات الآن متخوفا من أن ردة فعل فرنسا على الهجمات المروعة مبالغ في عدوانيتها وأنها اتسمت بالتمييز والتعصب.

وقد يبدو إيجاد طرق لدمج الشباب المسلم والشباب عامة في المجتمع الفرنسي في النهاية الأكثر نجاعة في الحد من التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة، وهو أيضا أفضل بكثير من المجازفة بالانحراف عن مبادئ العدالة والحرية والمساواة التي قامت على أساسها الجمهورية الفرنسية.