دأب التونسيون على الاحتفال بذكرى 14 يناير/كانون الثاني منذ خمس سنوات، واختلفت مظاهر الاحتفال في كل عام حسب متطلبات السياسة، لكنه تاريخ كان وسيبقى محطة فارقة في تاريخ تونس والأنظمة العربية.

نصف عقد من الزمن على هروب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي.. دموع وآمال.. جدل واحتقان.. فحوار واتفاق.. فما الذي ميّز التجربة التونسية وجعلها مضرب الأمثال من بين دول الربيع العربي؟

وبمناسبة الذكرى الخامسة للثورة بثت الجزيرة وثائقيا بعنوان "تونس.. ثورة التوافق"، سلط الضوء على تلك الثورة التي تجاوزت آثارها حدود بلد ضاق شبابه ذرعا، فالموت حرقا أهون عندهم من بطون خاوية وحاكم جائر وأفق مسدود.

وأجريت انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 التي شهدت أطراف دولية بنزاهتها، لتكون أول انتخابات ديمقراطية وتعددية وحرة في تونس بعد الثورة، وتسلم الأمين العام لحركة النهضة في ذلك الوقت حمادي الجبالي رئاسة الحكومة في أول تداول سلمي للسلطة في البلاد.

وبدأ المجلس الوطني التأسيسي في مناقشة دستور تونس الجديد، ووصف تحالف الترويكا بالفريد حيث جمع تيارات فكرية وسياسية مختلفة لتنطلق معه مطالبات باستقالة الحكومة بعد أيام معدودة من مباشرة مهامها.

يقول الأمين العام الحالي لحركة النهضة علي العريض إنه منذ أجريت الانتخابات، بدأت أطراف حراكها للانقلاب على الديمقراطية وبدأ السعي لإفشال الحكومة، في حين يرى الناطق باسم الجبهة الشعبية همة الحمامي أن تونس خلال عامي 2012 و2013 كادت تنحرف عن مسار ثورتها في اتجاه يعيد الاستبداد بغلاف ديني.

وفي عام 2012 أطلق اتحاد الشغل ورابطة المحامين ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان مؤتمرا وطنيا للحوار شاركت فيه أحزاب عدة، بينما رفضت النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية المشاركة باعتباره بديلا للمؤسسات المنتخبة.

وكانت عملية اغتيال المعارض شكري بلعيد بمثابة رصاصة الرحمة التي أطلقت على حكومة الجبالي الذي استقال يوم 13 فبراير/شباط 2012 بعد رفض مطلبه بتشكيل حكومة كفاءات، وتسلم علي العريض رئاسة الحكومة.

ودعا الرئيس المنصف المرزوقي إلى التهدئة والحوار بين مختلف الأطراف السياسية للوصول إلى اتفاق، وانطلق الحوار بمشاركة النهضة ونداء تونس قبل أن يعلق مشاركته لاحقا. وفي 16 مايو/أيار 2013 انطلقت جولة جديدة من الحوار برعاية اتحاد الشغل.

انقلاب مصر
كان انقلاب الجيش في مصر على الرئيس المنتخب محمد مرسي يوم 3 يوليو/تموز 2013 بمثابة جرس إنذار لتونس، ضاعف منه اغتيال النائب محمد البراهمة.

وقد رمى انقلاب مصر بظلاله على تونس وطمعت بعض الأطراف السياسية في الانقضاض على الحكم. وتحدث المرزوقي لاحقا في أكثر من مناسبة عن إحباط محاولات انقلابية.

وشكل ما عرف باسم "لقاء باريس" بين زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وزعيم نداء تونس الباجي قايد السبسي بداية للتوافق في البلاد.

وكان على السبسي إقناع جبهة الإنقاذ بفض اعتصام الرحيل والعودة إلى المجلس التأسيسي، كما كان على الغنوشي إقناع حلفائه بالاستقالة وتسليم السلطة لحكومة كفاءات والتنازل عن قانون تحصين الثورة. لكن الأهم كان التوافق على العودة تحت مظلة اتحاد الشغل واستئناف الحوار الوطني وتنفيذ خارطة الطريق.

واستقال العريض ليخلفه المهدي جمعة في رئاسة الحكومة، كما تم التوافق على الدستور، قبل أن تجرى انتخابات تشريعية ورئاسية في نهاية العام فاز فيها نداء تونس بأغلبية مقاعد البرلمان، كما فاز رئيسه السبسي برئاسة الجمهورية، واعتبر مختلف الفرقاء أن الفائز الأول هو تونس بنجاتها من شبح الثورة المضادة وانتقالها الديمقراطي إلى مؤسسات منتخبة.

توافق قاد إلى تتويج الرباعي الراعي للحوار الوطني بجائزة نوبل للسلام لعام 2015 تقديرا لجهوده في جمع الفرقاء السياسيين وإيصال المرحلة الانتقالية في تونس إلى بر الأمان.