كان كتاب "النظرات" لمصطفى لطفي المنفلوطي هو الأول الذي يشتريه الكاتب والمفكر المصري محمد عمارة، ذلك الكتاب الذي فتح له منفذ وعي فسيح على عوالم غامضة لم يكن ليدرك حدودها إلا بعد حين.

يقول عمارة في حلقة الاثنين (13/7/2015) من برنامج "وحي القلم" إنه يعتز بقراره الذي اتخذه بالتفرغ للعمل الفكري، ويعتبره من أهم القرارات التي اتخذها في حياته "فنحن أمة تعيش مرحلة تاريخية تحتاج إلى كتائب من الذين يشتغلون بالعمل الفكري".

في قرية صروة بمركز قلين في محافظة كفر الشيخ شمالي مصر ولد الكاتب والمفكر محمد عمارة عام 1931، وبدأ حفظ القران في السادسة من عمره، ومنذ ذلك بدأت مسيرته مع العلم تحقيقا لنذر والده بأن يهبه للعلم الشريف.

شرارة الفكر
الشرارة التي أوقدت الفكر والقراءة والاطلاع ومن ثم الكتابة لدى عمارة كان الشيخ محمد كامل الفقي الذي كان يعمل بالسياسة ونفته الحكومة إلى مدينة دسوق، فهو الذي شجعه على القراءة والاطلاع خارج إطار الكتب المدرسية.

اندفع عمارة إلى شراء مكتبة بالتقسيط تضم أربعة آلاف كتاب، جمعها الشيخ عبد التواب الشناوي الذي تخرج في الأزهر وتوفي في السنة التي تخرج فيها في نفس القرية التي نشأ فيها عمارة، ليتعرف على أعرق المجلات التاريخية كالرسالة والأزهر والعروة الوثقى وليقرأ فيها ألوانا من العلوم الإسلامية والمترجمات عن الفكر الغربي.

انضم عمارة لحزب مصر الفتاة الذي كرس نشاطه للدفاع عن العرب ومكافحة الاستعمار والاقطاع ثم تحول لاسم "الحزب الاشتراكي"، وبعد ثورة يوليو 1952 وحل الأحزاب السياسية في مصر، التحق عمارة بالفكر اليساري من باب القضية الاجتماعية والثورية وكان ذلك سببا في فصله من الجامعة لمدة عام.

خلوة إجبارية
كان اعتقال محمد عمارة في أواخر الخمسينيات بمثابة إرهاصات لتحول فكري جديد، فكان سجنه خلوة فكرية تأمل خلالها ذاته وأفكاره فراجع مواقفه وتوجهاته.

 كان يتعهد إخلاصه لأفكاره ويقوم ما انحرف منها، وكان يأسره في الأشخاص الذين تأثر بهم الجانب الخلقي والمرابطة الفكرية أكثر من الكتابات نفسها، فتأثر بكبرياء وعملقة العقاد، وعصامية طه حسين، وروحية وصلابة الشيخ محمد الغزالي فضلا عن إصلاحية محمد عبده ومدرسته.

خلال سجنه بدأت بواكير مرحلة البعد عن اليسار بعد أن اكتشف أن حل المشكلة الاجتماعية هو في الإسلام وليس في الصراع الطبقي واليسار والماركسية، فتفرغ بعد خروجه من السجن عام 1964 للمشروع الفكري. 

اسم البرنامج: وحي القلم

عنوان الحلقة: محمد عمارة.. الاعتكاف في محراب الفكر

ضيف الحلقة: محمد عمارة/كاتب ومفكر

تاريخ الحلقة: 13/7/2015

المحاور:

-   النشأة والتربية والتعليم الأكاديمي

-   أهم ما يميز فكره

-   الإسلام هو الحل

-   مشروع فكري ممتد

-   الدفاع الفكري عن الدين الإسلامي

محمد عمارة: على سبيل المزاح الواحد يقول الإنسان يعني ينطبق عليه إنه تجوز وقعد في البيت لأنه قُطع العمل الفكري، هذا يحرمنا حتى من الرياضة من الواحد يطلع عشان يتريض حتى على شاطئ النيل القريب منا يعني، إنما يعني هذا أنا أقول إحنا أمة تعيش مرحلة تاريخية تحتاج إلى كتائب من الذين يشتغلون بالعمل الفكري وأنا أشعر بعزة لأنني تفرغت للعمل الفكري، وأحمد الله على أن وفقت لهذا وكثير من أصدقائنا لديهم إمكانات فكرية قد تكون أكبر من الإمكانات التي لدي لكن الوظائف والأعمال المهنية شدتهم وأخذت منهم الكثير من سنوات عمرهم ومن وقتهم ولذلك أنا العكوف الذي عكفته على العمل الفكري أعتبره من أهم القرارات التاريخية التي اتخذتها في حياتي، ولو أن لدينا عشرة عشرين ثلاثين أربعين خمسين مائة مفكر في العالم الإسلامي كله عكفوا على العمل الفكري لتغير وجه الحياة الفكرية في واقعنا المعاصر.

النشأة والتربية والتعليم الأكاديمي

هنا في هذه القرية في صروة مركز قلين محافظة كفر الشيخ ولدت ١٩٣١ وهنا تحت هذه الشجرة شجرة الجميز على شاطئ هذا الفرع من فروع النيل بدأت حفظ القرآن وأنا في السادسة من عمري، والدي عليه رحمة الله أحضر لي محفظّاً خاصاً لحفظ القرآن الكريم ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرتي مع العلم الشريف تحقيقاً لنذر والدي عليه رحمة الله أن يهبني لي العلم الشريف، وكانت فترة القرية هي فترة التكوين الفكري والتكوين الروحي والدراسة والتعليم في الأزهر الشريف.

الشرارة التي يعني أوقدت موضوع الكفر والقراءة والاضطلاع وما يسمى الكتابة كان عليه رحمة الله الشيخ محمد كامل الفقهي كان رجل يشتغل بالسياسة وفدي وكان المفروض بعد تخرجه أن يدرس في كلية اللغة العربية في التعليم العالي في الأزهر لكن كانت حكومة سعدية نفته إلى مدينة دسوق، فجاء كان متميزاً كشيخ أنيقاً يقرأ الصحف والمجلات وهذا كان غريباً على المشايخ في ذلك التاريخ، كان يدخل كنا في السنة الثانية الابتدائية يدرس لنا النحو يقرأ لنا المقال الافتتاحي في جريدة النصر وفي يوم من الأيام سأل يا أولاد مين منكم يقدر يشتري كتاب غير الكتب المقررة؟ فأنا ذهبت واشتريت كتاب النظرات للمنفلوطي وده أول كتاب اشتريته في حياتي خارج الكتب المقررة، قال لي هاته معك وبقيت أطالع وأقرأ في الفصل، في آخر العام الدراسي من حبنا لهذا العالم عملنا له حفلة جبنا له علبة بنبوني "ندلر" أهديناها له وأنا جربت حظي فعملت قصيدة شعر مدحاً في هذا الشيخ، أول إبداع لي في السنة الثانية الابتدائي، طبعاً لجأت إلى الشيخ عبد الرحمن جلال ليصحح لي العروض في ذلك التاريخ، هذا الكتاب الذي اشتريته لفت نظري إلى القراءة الحرة، قراءة غير الدراسية.

تعليق صوتي: سؤال بسيط طرق مسامع طفل صغير ففتح له منافذ وعي فسيح على عوالم غامضة لم يكن ليدرك حدودها إلا بعد حين، فمحبة لأستاذ ولدت محاولة كتابة قصيدة في مدحه وكتاب صغير هو النظرات أورث مكتبة ضمت أربعة آلاف كتاب، هي مكتبة عظيمة جمعها الشيخ عبد التواب الشناوي الذي تخرج في الأزهر، وشاء الله أن يتوفى في السنة التي تخرج فيها، في نفس القرية التي نشأ فيها كاتبنا في وسط أسرة أمية لم تقدر للمكتبة قدرها، وكان كتاب المنفلوطي قد فعل فعله في نفس وعقل الصبي محمد عمارة؛ فاندفع لشراء تلك المكتبة بالتقسيط ليتعرف فيها على أعرق المجلات التاريخية كمجلة الرسالة ومجلة الأزهر ومجلة العروة الوثقى وليقرأ فيها ألواناً من العلوم الإسلامية والمترجمات عن الفكر الغربي.

محمد عمارة: هذه المكتبة هي التي كونتني يعني شوف عيون الفقه الإسلامي عيون الأصول عيون الآداب العربية حفظت دواوين شعر، يعني مثلاً المعري المتنبي البحتري مُحرم حتى في التصوف كان فيها كتب، أنا قرأت حكم بن عطاء الله في هذه المكتبة، كل ده مطبوع على الورق الأصفر في ذلك التاريخ، كتاب جواهر الأدب، النصوص في المراسلات في النصوص الأدبية حفظت كثير من هذه النصوص، أنا كنت تحت هذه الجميزة التي تحدثنا عنها، أنا كنت نظري في ذلك التاريخ ٦ على ٦ عينيَ الاثنين أقرأ إلى أن تتوه السطور في الصفحات أمامي، يعني تختلط ببعضها فاسترح قليلاً وأغمض عيني ثم أعاود القراءة من جديد، هذه المكتبة يعني أنا قرأت فيها نهج البلاغة بشرح الإمام محمد عبده ومجلد يعني مكتبة كان فيها كنوز من الفكر وأيضاً وهذا كان غريب إنه كان فيها كثير من المترجمات الأوروبية يعني مثلاً قرأت نظرية داروين من هذه المكتبة كان فيها أشياء أيضاً في الاشتراكية كل هذه المكتبة عندما قرأتها وحفظت كثير من الأشعار والدواوين هي التي كونتني التكوين، أيضاً كنت أقرأ الصحف، أنا أذكر كان صحيفة المصري تتطلع عمود عن الكتب عنوانه ظهر حديثاً، فأنا كنت أريد أن أشتري كتابا من القاهرة وأنا فاكر اشتريت كتاب عن مصطفى كامل باشا من هذه المكتبة، لم أكن أعرف إنه أعمل حوالة بريدية كنت أضع الفلوس في داخل الظرف وأرسل الجواب إلى المكتبة فكانت المكتبة ترسل إلي الكتاب في الريف، يعني كيف كان التعامل في هذا المجال في هذا التاريخ، طبعاً هذه الثقافة جعلتني من وقت مبكر أبدأ أخطب لجمعة، أنا كنت أدرب نفسي على الخطابة، كنت أطلع في المزارع هنا في المكان الذي نحن فيه الآن فوسط الذرة وكان المكان هادي أدرب نفسي على الخطابة يعني أعمل خطبة وأنا في الغيط في الحقل لكي أخطب في المسجد.

تعليق صوتي: في عام ١٩٤٦ طُرح مشروع معاهدة صدقي بيفن حول جلاء الإنجليز عن مصر والتحالف بين مصر وبريطانيا، فهاج الشعب المصري واستنكرت الأحزاب والقوى السياسية للمشروع وخرجت المظاهرات المنددة به وحين طرح في الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين بين العرب والصهاينة عام ١٩٤٧ تحول انتباه الشعب المصري إلى هذا الحدث الجلل وبدأت المعارضة الشعبية لقرار التقسيم بإضراب دعا إليه الحزب الوطني وحزب مصر الفتاة والإخوان المسلمون وكان الإخوان ومصر الفتاة على رأس التنظيمات السياسية المصرية التي تؤيد الكفاح المسلح ضد الصهيونية.

انضم الشاب محمد عمارة إلى مصر الفتاة الحزب الذي نشأ في الثلاثينيات وعرف بتوجه عروبي ومنزعٍ ثوري وكرس الحزب نشاطه للدفاع عن العرب ومحاربة الاستعمار والإقطاع ثم تحول في عام ٤٩ إلى مسمى الحزب الاشتراكي الذي يؤمن بأن الاشتراكية أساسها الدين وأن العبادة أكثر ما تتجلى في خدمة الشعب.

في عام ١٩٤٨ وقعت هزيمة العرب في معركة فلسطين التي أسفرت عن تفكك النظام برمته لتأتي ثورة يوليو عام ١٩٥٢ التي قادها الضباط الأحرار لتحطم ما تبقى من صورة ذلك النظام وتلغي الأحزاب السياسية في مصر عام ١٩٥٣ وهنا التحق كاتبنا بعد ذلك بالفكر اليساري.

أهم ما يميز فكره

محمد عمارة: طبعاً صادف وأنا في السنة الأولى الابتدائية والثانية كانت الحركة الوطنية في مصر سائرة ضد مشروع معاهدة صدقي بيفن فشاركت في أول مظاهرة في حياتي ضد مشروع معاهدة صدقي بيفن لم يكن لدي وعي سياسي في ذلك التاريخ لكن شاركت في المظاهرة مع الذين تظاهروا، لكن في العام التالي في 1947 حمي الوطيس حول معركة قضية فلسطين وأنا مارست الخطابة في المساجد ضد اليهود ودفاعاً عن قضية فلسطين وعن المسلمين في فلسطين، كنت أقرأ بقى صحيفة مصر فتاة وأعرف أخبار الفدائيين الذين دخلوا من مصر ومن سوريا إلى فلسطين قبل دخول الجيوش العربية في مايو سنة 1948 فكتبت أول مقال في حياتي لقضية فلسطين بعنوان جهاد، أتحدث فيه عن قضية فلسطين وعن المجاهدين في فلسطين. عندما ألغيت الأحزاب ونحن نحارب الإقطاع لم يكن أمامنا بعد إلغاء الأحزاب ومصر الفتاة والحزب الاشتراكي ليسندنا في مواجهة الإقطاع إلا اليسار، اليسار في ذلك التاريخ كان فارس القضية الاجتماعية والعدل الاجتماعي وأيضاً اليسار كان له موقف من القضية الوطنية وكان ضد القواعد العسكرية وضد الوجود الأجنبي، كان له وجه مشرق في ذلك التاريخ فأنا دخلت اليسار من باب القضية الاجتماعية من باب القضية الثورية لأن أن هناك قضيتان في حياتي لزماني من البداية حتى هذا التاريخ؛ قضية الحرية وتحرير الوطن، وقضية العدل الاجتماعي، لأني أنا رأيت رغم أن بلدنا فيها ثروات لم تكن فيها لم يكن فيها إقطاع كبير لكن كان هناك الظلم الاجتماعي كان يستنفر الإنسان ليقف مع الفقراء ومع المساكين. كان من تبعات الارتباط باليسار أنني فصلت من الجامعة لمدة سنة لمؤتمر وطني وقومي تزعمته وأيضاً الاعتقال لمدة خمس سنوات ونصف يعني قرابة ست سنوات وهذا أدى إلى تأخر تخرجي بدلاً من سنة ١٩٥٨ إلى ١٩٦٥، فترة السجن والاعتقال رغم ما كان فيها من تعذيب وفيها من سلبيات كثيرة وحرمان من الحرية لكنني استفدت فيها من القراءة والكتابة، أنا كتبت أربع كتب في هذه المرحلة، أنا طبعاً قبل فترة السجن كنت كتبت أول كتاب لي عن القومية العربية ومؤامرات أميركا ضد وحدة العرب وكنت طالب في دار العلوم وكتبته في مواجهة فكر يساري يمكن وجود أمة عربية وأنا بتراثي الإسلامي أدرك أن الأمة العربية تكونت بظهور الإسلام فعكفت أسبوعاً كتبت هذا الكتاب القومية العربية وكان أول كتاب ينشر في مصر عن القومية العربية بعد وحدة مصر وسوريا، وطبع طبعتين وترجم إلى الروسية، يعني كتبت في 1957 وترجم وطبع في 1958 عندما دخلت السجن واستقرت الأمور عكفت على القراءة لتطوير هذه الدراسة فكتبت كتاب فجر اليقظة القومية، العروبة في العصر الحديث، الأمة العربية وقضية الوحدة، إسرائيل هل هي سامية؟ وهذه دراسة عن إسرائيل تقارن بين المشروع الصليبي والمشروع الصهيوني حتى بالخرائط ونشرت هذه الكتب بعد أن خرجنا من السجن، فاستثمرت هذه الفترة في القراءة في الكتابة أيضاً في التأمل.

منير شفيق/كاتب ومفكر: دكتور عمارة في الحقيقة عندما تراجع بعض كتبه في تلك المرحلة كنت أذكر أن الكثير من الشباب يتابعون كتاباته خصوصاً في التاريخ عندما كان يبرز المعارك التي خاضها العرب المسلمون في تلك المراحل التاريخية فكان في تلك الكتابات إلهام كما أذكر لشباب المقاومة الفلسطينية باعتبار أن المقاومة التي يمارسونها هي استمرار لتجربة تاريخية مرت بها الأمة ويمكن أن يفيدوا منها إفادة كبيرة.

الإسلام هو الحل

تعليق صوتي: حمل اعتقاله في أواخر الخمسينيات إرهاصات لتحول فكري جديد، فكان سجنه خلوة فكرية تمكن سجانوه من حبس جسده لكن لم يفلحوا في احتباس فكره وقلمه عن أن يستمر في القراءة والكتابة، تأمل ذاته وأفكاره فراجع مواقفه وتوجهاته فقد كان يتعهد إخلاصه لأفكاره ويقوّم من حرف منها، وكان يأسره في الأشخاص الذين تأثر بهم الجانب الخُلقي والمرابطة الفكرية أكثر من الكتابات نفسها فتأثر بكبرياء وعملقة العقاد وعصامية طه حسين وروحية وصلابة الشيخ محمد الغزالي فضلاً عن إصلاحية محمد عبده ومدرسته.

محمد عمارة: في هذه المرحلة بدأت بواكير إدارة ظهري لليسار لماذا؟ لأنه أنا دخلت اليسار للقضية الاجتماعية بالقراءة والتأمل وأنا في السجن أدركت أن حل المشكلة الاجتماعية هو في الإسلام، وفي نظرية الاستخلاف في الإسلام وليس في صراع الطبقي وفي اليسار والماركسية وهذا هو الذي جعلني بعد الخروج من السجن سنة 1964 والحصول على الليسانس سنة 1965 أتفرغ للمشروع الفكري منذ منتصف الستينيات.

منير شفيق/ كاتب ومفكر: أنا أعرف الدكتور محمد عمارة وأتابع كتاباته منذ فترة السبعينيات من القرن الماضي وربما كنا نمر في تلك المرحلة بموقف سياسي وفكري مشترك وهو الموقف من القومية العربية ومن حاجة الأمة للتحرير وللنهضة، وكان دكتور محمد عمارة قائدا في تلك المرحلة وكان مناضلاً في تلك المرحلة أيضاً وما زال وبتصوري أنه يعني عندما انتقل أو عمق الموقف وعبأه بالمرجعية الإسلامية لم يكن قد أحدث انتقال كبيراً لأنك عندما تكون وطنياً فأنت ضد الاستعمار وأنت تريد استقلال البلاد وعندما تكون قومياً يكون هدفك الأساسي هو وحدة الأمة وإنهاض الأمة وعندما تتحول إلى المرجعية الإسلامية تجد في الموقف الوطني وفي الموقف القومي نواة قوية لدعمهما ولاغنائهما وإعطائهما روحاً لم تكن موجودة بهما بتلك القوة.

محمد عمارة: أيضاً مما عمق الموقف الإسلامي هو ظهور الصحوة الإسلامية، أيضاً ظهور وتعالي التحديات الغربية والتغريبية للصحوة الإسلامية وللحل الإسلامي وللعالم الإسلامي وبالذات منذ الثمانينيات وتصاعد بعد سقوط الإتحاد السوفييتي في سنة ١٩٩١، كل هذا جعلني أفردت العديد من الكتب لمواجهة الفكر التغريبي وللرد على غلاة العلمانيين، فهذا أيضاً عمق الموقف الإسلامي لكن ظلت الدائرة القومية والعربية ملحوظة في كتاباتي، ظلت قضية العدل الاجتماعي وقضية الثورة على الظلم الاجتماعي قضية ملحوظة في كتاباتي، ظلت الدائرة الإنسانية أيضاً والعلاقة والتفاعل مع الحضارات المختلفة أيضاً موجودة في مشروعي الفكري، في كتب أدركت أنها إعادة طبعها ليس مفيداً فهي تحتاج إلى إعادة نظر فهذه أوقفت طبعها وأشرت في قائمة كتبي إلى هذا، في أشياء أنا كتبتها يمكن لم أعد النظر فيها إلا أني كتبت ما يصححها في يمكن قد بعض الأحيان استندت إلى بعض المصادر ووجدت أن هذه المصادر لم تكن موثوقة ولا يعني مثلاً زي كتاب الإمامة والسياسية يعني لكن صححت هذه الكتابات وبالتالي الكتب الإنسان في مسيرة طويلة من هذا النوع أنا بدأت أكتب من سنة ٤٨ بدأت أول كتاب في 1957 طبيعي إنه يكون في مراجعات، طبيعي إنه يكون في تطور وأنا دائماً أؤكد على أن الذين لا يراجعون أفكارهم هم الجمادات والموتى، يعني الإنسان يظل دائماً وأبداً يراجع أفكاره طالما عنده حيوية وطالما عنده جديد يقدمه بدلاً من السابق ولذلك أنا أنظر إلى المراجعات الفكرية والتطور الفكري والتجدد الفكري باعتباره موجزاً باعتباره فضيلة، يعني ما كتبته عن الطابع القومي للإسلام أنا دائماً كنت أؤكد على إنه التوحيد الديني وجه لعملة الوجه الآخر هو الوحدة وحدة الأمة وحدة القومية إن كان ركزت على الوحدة القومية الآن نركز على الوحدة الإسلامية، هذه فكرة من أفكار الإنسان يعني راجعها، يمكن التأثر بفكرة الصراع الطبقي في تلك المرحلة أصبح له نظرية استخلاف ونظرية الأمة ونظرية التوازن والعدل الاجتماعي في المنظور الإسلامي والأمن الاجتماعي أو التكافل، كل ده أصبح بالجديد الذي حل محل هذه الأفكار التي راجعها.

[فاصل إعلاني]

محمد عمارة: كوني بدأت أنشر من فترة مبكرة منذ كنت في الابتدائي سنة 1948 في الصحف هذا أعطاني إحساس بأن هذا هو المكان الطبيعي لي لمستقبلي، أجمل مكان يوضع فيه اسمي في صحيفة أو في كتاب، جاءني إحساس كأنني دعوت الله سبحانه وتعالى ألا أكون موظفاً وأنا كنت أعتبر الوظيفة نوع من الرق فكنت عزوف عن هذا المجال، بعد تخرجي طبعاً كان لا بد إن الإنسان يرتبط بوظيفة ليأكل ليعيش، أنا بعد خروجي من السجن طبعاً كان اليساريين الذين خرجوا من السجن عينوا منهم ناس كثيرين في الصحافة في الثقافة حتى عمال عينوهم في الصحافة، الحكومة يعني كصفقة يعني إلا أنا رغم أنني كنت ناشر لكتاب ترجم قبل ذلك وكاتب فيه العديد من الصحف لكن لأنني تركت اليسار فلم أعين في هذه المجالات، أنا أدركت أن تعييني في الجمعية الاستهلاكية هي محاولة للقتل المعنوي فقلت أحارب بسلاحي، عندي فكر وعندي قلم وكان مرتبي ٢٠ جنيه المفروض بعد الضرائب آخذ ١٧ جنيه كنت آخذ إجازة بدون مرتب لأذهب إلى دار الكتب وأنا بعمل دراسات عليا وأنا أشتغل بالتأليف، وأنا أشتغل ١٨ ساعة في اليوم في المنزل في العمل الفكري لدرجة إنه أحياناً كنت أقبض ٧ جنيه في الشهر، كان والدي عليه رحمة الله يبعث لي العيش والفطير والسمنة والجبنة وحتى السكر والشاي كان يبعثه لي وبالقطار يجيء لحد البيت، أعانني على هذا إنه عندما تزوجت كانت زوجتي متفهمة لطموحي الفكري حتى أنها تركت دراستها العليا في الزراعة وتفرغت للمنزل، حملت عبء المنزل، منزلي عبارة عن مكتبة، أنا كونت مكتبتي بعد أن نهبت المكتبة نهبها التتار عند الاعتقال، كنت أجمع المبالغ من المال لأن يأتي معرض الكتاب، كل أيام معرض الكتاب أذهب يومياً إلى المعرض وأرجع كل يوم محمل تاكسي ما عندي سيارة طبعاً محمل تاكسي، نمت مكتبي من مكتبة صغيرة إلى أن غطت جميع جدران المنزل.

تعليق صوتي: حياة ملئها الكتب ففيها انطوى العالم الأكبر وصحبتها ألذ من وصل غانية وصرير القلم على صفحاتها كامرأة حبلى تضع مولودها الذي يبشر بفجر جديد ويزيح عن كاهلها حملاً ثقيلاً، حياة تعج بالأفكار وترى في العمل الفكري خمراً لذة للشاربين فسكره الحلال ينتشلك من قاع الحياة ورذائلها.

محمد عمارة: الكتابة بالنسبة لي مثل القراءة مثل العمل الفكري بشكل عام هي رسالة هي لون من العبادة يعني أنا أتصور أنا في هذا المكان مكتبتي مكتبي محرابي، فالكتابة بالنسبة لي هي رسالة وأنا أتصور إنه في عالمي الفكري فكرة الإخلاص لما أعتقده، الإنسان منا يجتهد وقد يكون مخطئ لكن القضية هي قضية الإخلاص، نحن نخوض معركة شرسة، حرب عالمية معلنة على الإسلام ولذلك أنا أعيش في مواجهة التحديات، أنا عندي مشاريع كتب ركنت ارتكنت سنوات طويلة لأنه في تحديات تواجه الإنسان فتغير الأولويات، المشروع الفكري والعمل الفكري والاستغراق في العمل الفكري هو علاج حتى الأمراض العضوية التي يعاني منها الإنسان، الإنسان يغرقها في العمل الفكري ولذلك لا أتأثر كثيراً طبعاً التأثر وارد لكن لا أتأثر كثيراً بما يحيط بالإنسان بسبب الاستغراق الكامل في العمل الفكري، يعني إذا كان الصوفية يتحدثون عن الخمر الحلال والسكر الحلال فأنا رأيي أن العمل الفكري هو السكر الذي يبعدك عن منغصات الحياة. قديماً كنت أكتب بدون مسودة يعني على طول أحضر مادة الكتاب فيش زجاجات ثم أكتب، أخيراً وجدت نفسي أعمل مسودة ثم أراجعها ثم أبيضها، أنا أكتب المسودة على زجاجات صغيرة من الورق وأكتب بقلم أحمر، قلم جاف أحمر، ثم أكتب على ورق مسطر يعني الجميل وأعمل له هامش في المسطرة من الجانبين وأكتب بحبر أسود لأنه أصور فالحبر الأسود في التصوير يطلع صور نسخة أو أكثر من الكتاب.

تعليق صوتي: كتبت كثيراً كيف تفسر ذلك؟

محمد عمارة: شوف لأني يعني ولا انقطعت انقطاعا كاملاً لهذا العمل واشتغلت وأنا كنت أشتغل ١٨ ساعة في اليوم ودفعت ثمناً ذلك من الحياة الصحية الغضروف والفقرات العنقية وإلى آخره وأيضاً يعني قطيعة مع العلاقات الاجتماعية، يعني أنا حتى أقربائي وحتى أولادي يعني يزورونني أكثر مما أزورهم والناس تعارفت على هذا إنه يعني أنا مش مطلوب مني إنه أنا أقوم بهذه الواجبات يعني من ناحية الوقت يعني، الأمر الآخر إنه طبعاً الناس تدهش عندما ترى عدد الكتب يعني أكثر من ٢٠٠ كتاب لكن هو في جزء من هذه الكتب كتيبات يعني قائمة الكتب ممكن نقول إنه أنا كتبي قاربت من ٢٤٠ كتاب ممكن نقول فيهم مئة كتيبات صغيرة أو مستلات من الكتب.

فهمي هويدي/ كاتب ومفكر: أنا أظن أنه وهو يبذل جزء كبير في التجميع هذه مسألة ليست هينة وسيُحسب له أنه كرس قدر كبير من وقته في تجميع شغل الكواكبي محمد عبده والأفغاني ويعني اشتغل في هذا شغل جيد يعني ولهذا يعني حفر مكاناً بين الباحثين ولكنني لا أظن أنه يمكن يضاف إلى فئة المجتهدين.

مشروع فكري ممتد

محمد عمارة: أنا لا أنكر إنه في مشروع فكري كبير، التكرار أحياناً يكون وارداً إذا كانت القضية واحدة يعني أنت ترد على واحد من غلاة العلمانيين وأنت تستخدم ما كتبته عن واحد آخر من غلاة العلمانيين في الرد على هذا، يعني هذا ليس تكبيراً لحجم المشروع وإنما هي أشياء طبيعية في العمل الفكري.

تعليق صوتي: مشروع فكري ممتد بامتداد الصراعات والخصومات الفكرية ومتسع باتساع الخصوم والمتربصين بالإسلام والمسلمين يسعى إلى الوقوف حجر عثرة في وجه الكتابات الهدّامة التي يرى أنها لا يمكن السكوت عليها فهو قد اصطحب منزعه الثوري القديم منذ نشأته وفي كل تحولاته فأصبح بحق ثائراً فكرياً في وجه التحديات أو ما يراه كذلك.

محمد عمارة: ما هو إسلامنا؟ ما هو الواقع الذي نحن بحاجة إلى فقهه وإلى أسلمته؟ وما هي التحديات التي تواجه هذا الإسلام؟ هذه هي معالم المشروع الفكري.

منير شفيق/ كاتب ومفكر: أعتقد أنه كان محقاً من حيث الجوهر ومن حيث الأساس في الرد على كل ما يراه انحرافاً عن الإسلام أو انحرافاً سياسياً وبصورة خاصة أنا أركز أكثر وأهتم أكثر بتصديه للاتجاهات المنحرفة عن الموقف الوطني عن الموقف القومي عن الموقف الإسلامي، الاتجاهات يعني المسايرة والتي سارت باتجاه المؤامرات وخدمة المؤامرات الخارجية، ولذلك أعتقد أن المشكلة ليست مشكلة نظرية ولا مشكلة فقهية بقدر ما هي مشكلة سياسية.

تعليق صوتي: اتسعت كتاباته وتنوعت مجالاته وتعددت ساحات معاركه وقد حمل له ذلك كله تهماً شتى، فمن ناقم عليه قوميته القديمة ومن متهم له بالاعتزال ومن ملاحظ أن خطابه تجاه الغرب قد يبدو عدائياً أحياناً ومن قائل إنه مال إلى المحافظة بعد أصلاحيته واقترب في انشغالاته وخطابه من السلفية التي كان من أشد خصومها ولكن له ولغيره في كل كلمة.

محمد عمارة: تهمة الاعتزال هي لا تزال موجودة حتى الآن لكن أنا أقول يعني تصحيحاً لهذا أنا لم أتخندق في فرقة مثلى لكن أنصفت المعتزلة كفرسان للعقلانية الإسلامية ولا زلت إلى الآن أدرك أنهم لعبوا هذا الدور وكانوا فرسان نشر الإسلام في الحواضر التي فتحت وكان فيها مدارس فلسفية فكان لا بد من فكر عقلاني يواجه هذه المدارس ليس بقال الله وقال الرسول كحال في الأفكار الأخرى لكن هذا لم يعني أنني تخندقت في خندق المعتزلة لأن الوقت الذي كنت أدرس فيه المعتزلة وأكتب بالماجستير والدكتوراه عن المعتزلة كنت أنشر القهطاوي وأنشر محمد عبده وأنشر الأفغاني وأنشر الكواكبي وأنشر قاسم أمين، أنا عندما أكتب عن غلاة العلمانيين والمتغرين يبدو أنني محافظ وعندما أكتب في نقد الجمود والتقليد يبدو أني ثوري وتقدمي هي هذه القضية تتعلق بالموضوع الذي أكتب فيه، لكن هناك معالم أساسية لا تتغير يعني هي الحفاظ على رؤيته للإسلام ولمعالم الإسلام وعملي الدؤوب لإنهاض الأمة وإخراجها من عنق الزجاجة الذي وقعت فيه ومواجهة التحديات الغربية والشرسة والحرب الصليبية المعلنة عن الإسلام.

راشد الغنوشي\ كاتب ومفكر: إذا كانت المحافظة المقصود بها المحافظة على أصول الإسلام فهي فهو وصف حميد وتاج لكل المفكرين المسلمين أنه لا يتنازلوا أمام الضغوط العلمانية لا يتنازلوا أمام الضغوط العلمانية لا يتنازلوا لصالح الفكر الوارد لأن هذا الرجل محرر ويقوم بدور تحريري للفكر الإسلامي من هيمنة الفكر الغربي الذي خالطه ويقوم بعملية تصفية وتنقية لما اختلط من فكر إسلامي بفكر غير إسلامي فهو على هذا الصعيد جدير بوصف الرائد الإسلامي الحديث الذي لا يخدع ولا يخون قومه ولا يخذلهم.

فهمي هويدي/ كاتب ومفكر: كلمة التعبير متشدد أحياناً تطلق على من يخالفك يعني من لا يتفق معك في الرأي ولا ينصاع لما تريد يصبح متشدداً، هذا أحد التعريفات ولكن إذا تابعته في كتابات في مسائل مهمة في قضايا الديمقراطية والشورى والفنون و و إلى آخر لا تجد أثراً لهذا التشدد يعني فكونه في معارك صحفية تطرأ هذا لا ينبغي أن يطغى على المواقف الأساسية أو المجرى الأساسي الذي يتحرك فيه الدكتور عمارة كونه شديد مع المخالفين لأنهم هم أكثر شدة وبالتالي تعبير التشدد يحتاج إلى ضبط ومراجعة.

تعليق صوتي: التنصير وكتبه أحد الساحات التي يعمل عليها قلم محمد عمارة كما أنه خاض في سجالات مع الكنيسة القبطية في مصر التي شنت هجوماً عليه وعلى غيره أكثر من مرة لدرجة أنها مارست ضغوطاً لمنع مقاله الذي كان ينشره في جريدة أخبار اليوم وحين عاد للنشر فيها أثارت عودته ذعر عدد من أبناء الكنيسة، فلماذا يثير كاتبنا غضب الكنيسة؟

محمد عمارة: لأني أنا سألت السؤال الذي لم يسأله أحد؛ لماذا لم تكن بمصر فتنة طائفية قبل مجيء البابا شهودا في أواخر 1971 كان غضبهم بالنسبة لي، وأيضاً لأنني كتبت ردود على كتب تنصيرية منشورات تنصيرية توزع في مصر وكتبتها بحكم عضويتي في مجمع البحوث الإسلامية الدولة الأمن النيابة تطلب من المجمع الرد أو بيان الرأي الشرعي في هذا فأنا أكتب ردود وتنشرها مجلة الأزهر كملحق لها، كل هذا هو الذي أثار الغضب، ما كتبته عن الفتنة الطائفية والمشروع العنصري الذي يريد إحلال اللغة القبطية محل اللغة العربية والذي يقول بالنص إنك إذا قلت للقبطي إنك عربي فهذه إهانة، فإذا هذا هو الفكر ولذلك أنا أشدت بمكرم عبيت عندما كتب في الهلال في ابريل ٣٩ مسلمون عرب أثبت عروبة المصريين حتى قبل الفتح الإسلامي وكان يدافع في المحاكم يقرأ القرآن ويقول أنا مسيحي ديناً ومسلم وطناً.

الدفاع الفكري عن الدين الإسلامي

فهمي هويدي/ كاتب ومفكر: هو اختار جبهة الدفاع عن الإسلام وعن المشروع الوطني وعن القضية الفلسطينية وهناك جبهة هو يشتغل فيها وأنا لست شديد الحماس لها وهي جبهة التنصير له معارك فيها ومشغول بها كثيراً وأنا رأيي أنها لا تستحق يعني مجهوده لو صرفه في غير ذلك لكان أنفع.

منير شفيق/ كاتب ومفكر: كل صراع يأخذ شكل فكري هو صراع سياسي وأعتقد أن الخط السياسي الأساسي للدكتور عمارة هو خط ضد الهيمنة خط مع تحرير الأمة مع استقلال الأمة مع وحدة الأمة وليس يعني قابلاً أن تحدث الانقسامات الداخلية أو يحدث الاختراقات في الوضع الداخلي.

تعليق صوتي: يحسب محمد عمارة على من يسمون بالإسلاميين المستقلين وقد مكنه استقلاله هذا من توجيه انتقادات عديدة للحركة الإسلامية كما أن المسافة التي تفصله عن الإخوان المسلمين وتقاطعه الفكري معهم في الوقت نفسه كل ذلك جعله يحظى بثقتهم بل وصل الأمر إلى أن يحمله المرشد الرابع للإخوان مأمون الهضيبي رسالة إلى الشيخ يوسف القرضاوي يعرض عليه فيها منصب المرشد العام.

راشد الغنوشي: لا أعلم أنه ملتزم بحركة إسلامية معينة ولكنه يدب عن الإسلام بكل حركاته وبكل اتجاهاته القويمة ويدرؤوا عنه أنواع التشدد والتطرف والتكفير ويشهد لأصوله ومبادئه وسيرة نبيه.

فهمي هويدي: أظن أنه هو اختار أن يقف في صف الباحثين المستقلين وربما كان أميل إلى العمل من خلال المؤسسة ما يسمى بالمؤسسة الدينية بحكم عضويته لمجمع البحوث الإسلامية وبالتالي فهو يتحرك في هذا المجرى الذي يتوازى ولا يتقاطع بالضرورة مع مسار الحركة الإسلامية ولهذا هو يحسب على يهد الباحثين في الإسلام الوسطي ولكن لا أكاد أرى له تأثيراً كبيراً على الحركة الإسلامية.

محمد عمارة: الإخوان يثقون فيّ ويحبونني وأنا أعتبر الإخوان أكبر حركة من حركات الإسلاميين وفي ظل التشرذم في الحركة السياسية وفي الأحزاب ليس لدينا رصيد في الشارع إلا الإخوان ومع ذلك أنا كتبت نقد للحركات الإسلامية بشكل عام ومنهم الإخوان تركيز على السياسة بالمعنى الدارج وإهمال المشروع الإصلاحي، إهمال الحديث عن الاحتلال الذي تعيشه الأمة والقواعد العسكرية التي تنتشر في كل بلاد الأمة والأساطيل التي تنتشر في البحار والمحيطات، أيضاً قضية العدل الاجتماعي يعني أنا كتبت عن حسن البنا وجدته يطالب بالإصلاح الزراعي قبل الحزب الشيوعي المصري، عنده برنامج اجتماعي ثوري، شيخ الغزالي معركته ضد الظلم الاجتماعي حتى سيد قطب ضد الظلم الاجتماعي، كل هذا غاب من الحركة الإسلامية، أنا الإخوان رصيد كبير يجب ألا نفرط فيه.

تعليق صوتي: مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف أحد الساحات التي يخوض فيها كاتبنا معاركه؛ فالقانون المصري يعطي لمجمع البحوث الإسلامية الولاية على الشأن الديني وبحكم عضوية محمد عمارة في المجمع راجع العديد من الكتب وكتب تقارير عنها وبعضها أثار جدلاً لم ينتهي وهو يخبرنا بأنه أول من اقترح في المجمع الرد على الكتب المخالفة بالحجة والبرهان.

محمد عمارة: لا أحبذ مصادرة الكتب أنا النهاردة لما بفحص الكتب أفحصها وأضع نفسي أمام المؤلف، أمام صاحب الفكر، أنا أنقذت مؤلفين أنا قعدت سنوات طويلة أراجع الكتب الإسلامية في الهيئة العامة للكتاب أنقذت مؤلفين من الدمار يعني كان مشطوب عليه فاكتشفت فيهم عبقرية حتى عندما تكون لي ملاحظات أقول ملاحظات والمؤلف يعيد النظر في هذه الملاحظات وإنجاز الكتاب ولذلك يعني أنا عندي في ضمير المؤلف ضمير المبدع ضمير الكاتب في التعامل مع الكتب وفي فحص الكتب، فده يعني قصتي مع عملية فحص الكتب.

تعليق صوتي: قلم فياض وجهد لا ينقطع ورجل لا يكل، أنجز مكتبة وحده، عزف عن متع الدنيا وأطماعها، اعتكف في محراب الفكر ولم يخرج منه، حمل قلمه وخاض معارك كثيرة وله في كل ساحة أثر حتى وصفه طارق البشري بأنه بلدوزر ووصفه راشد الغنوشي بأنه كاسحة ألغام.

راشد الغنوشي/ كاتب ومفكر: ممكن اعتباره كاسحة من كاسحات الألغام في أمام الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية فهو شديد البأس على أعداء الإسلام، على العلمانيين الاستئصاليين وهو فحل في هذا المجال وعون لكل باحث في الفكر الإسلامي ولكل شاب يريد أن يضطلع على الإسلام في موارده الصافية، أنا أعتبر نفسي تلميذاً من تلاميذه في جوانب  كثيرة في خاصة في مرحلته الثانية.

فهمي هويدي: حين أطلق المستشار البشري على الأستاذ دكتور عمارة البلدوزر فهذا التعبير دقيق لأنه بالفعل أولاً ممتلئ يمتلئ حماساً ويعني الذي يتابعه في خصوصاً في أحاديثه التلفزيونية يجده دائماً متدفق يطلق يعني قذائفه باستمرار وهو ليس هيناً مع المعارضين ولا المخاصمين يعني شديد معهم يعني وأظن أن هذا كان أظهر في العشر سنين الأخيرة، قبل هذا كان يمارس النقد ربما بسبب خلفياته ساعدته على أن يرى يعني المشروعات الفكرية المختلفة فكان قادراً على تصيد أو يعني التصويب لثغراتها ورؤية ما فيها من قصور.

محمد عمارة: آخر لقاء بيني وبينه كان في منزله كنا نسجل حلقتين لبرنامج روضة الإسلام في التلفزيون المصري وبعد ما خلصنا أردت أن أستأذن قال لي لأ استني لما يمشوا بتوع التلفزيون وبعدين دخل جابلي آخر كتاب من كتبي اللي هو نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم سور القرآن الكريم، وكتب لي إهداء أحسست أنه يحملني أمانة، كتب لي إلى أخي الحبيب الدكتور محمد عمارة داعية الإسلام وحارس تعاليمه مع الدعاء محمد الغزالي. في حقبة الستينيات عندما على صوت الفكر المادي فجأة ظهر الشيخ الشعراوي يعني أنا أعتبر دي من التوفيقات الإلهية إنه في حقبة الستينيات وبالذات في مصر طبعاً عندما على صوت الفكر المادي واليسار ظهر الشيخ الشعراوي، التقيت به في عندما في ٩٢ عندما أقمنا لجنة لعمل صلح بين وزارة الداخلية والحكومة وبين جماعات العنف السياسي توثقت العلاقة بيني وبينه فكان يعلق علي آمالاً كبيرة وأنا أذكر آخر لقاء معه يوم العزاء بتاع الشيعي جاد الحق عليه رحمة الله الشيخ الأزهر كان في ميدان الحسين والناس يستقبلون المعزين وهو يجلس على كرسي في الآخر وأنا دخلت سلمت عليهم عليه فهو شافني فانتفض واقفاً وأخذني بالحب وأخذ يقبلني ورفع يديه للسماء ويقول ربنا يجعل فيك العوض ربما يجعل فيك العوض ربنا يجعل فيك العوض.