لا يفتح كتاب مراكش المغربية إلا ويقرأ القارئ فيها اسم الروائي الإسباني الشهير خوان غويتسولو. استقر الكاتب فيها حتى يسترد هدوءه ويقرأ من بعد بعقله وقلبه دون أن تضطهدهما الذاكرة الأليمة، وحتى يكون حرا قدر الإمكان.

لم تكن مراكش بطبيعة الحال سوى خيار حر لكاتب لم يكف عن الرحيل في البلاد، والكتابة ثم الكتابة، ولا شيء سوى ذلك يراهن عليه، ولا شيء يريد أن يفلح وينجح في إتقانه. فالكتابة تمنحه شجاعة استثنائية.

عادت حلقة من سلسلة "وحي القلم" بثت في 22/6/2015 مع الكاتب تستعرض صورا مضى عليها ثمانون عاما، هي الحرب الأهلية في إسبانيا (1936-1939).

في باريس تعرف غويتسولو إلى شخصين يقول إنه كان لهما بالغ الأثر في حياته، وهما مونيك لانج التي ستصبح زوجته، والكاتب الفرنسي الشهير جون جونيه

طفولة دامية
عادت لتستذكر أرشيف هذه الحرب التي لم تخلف فقط ما يقرب مليون قتيل، بل تركت ندوبا في الأحياء عاشوا عقودا بعدها في محاولة للشفاء منها. وكان غويتسولو (1931) واحدا من الذين عاشوا في طفولتهم الصراع الدامي بين الجمهوريين والقوميين بقيادة فرانشيسكو فرانكو الذي نفذ انقلابا تسبب في إشعال فتيل الحرب.

انتصر فرانكو بمساعدة هتلر وموسوليني وحكم إسبانيا لست وثلاثين سنة حتى وفاته سنة 1975، وفي هذه المرحلة تفتح وعي غويتسولو وما أن بلغ العشرين من عمره حتى أدرك أنه لا مستقبل له في إسبانيا.

تحدث ضيف "وحي القلم" عن حسمه الواضح لعلاقته مع الانقلاب وكذلك مع الكنيسة الكاثوليكية التي لم يعد يؤمن بها لأنها ناصرت الانقلاب، بل أكثر من ذلك سمت حرب فرانكو على الإسبان "حربا صليبية" مقدسة.

في الثانية والعشرين يقرر الكاتب الرحيل إلى فرنسا بعد أن حصل على جواز سفره وتخلص من الخدمة العسكرية. في باريس سيتعرف إلى شخصين يقول إنه كان لهما بالغ الأثر في حياته، وهما مونيك لانج التي ستصبح زوجته، والكاتب الفرنسي الشهير جون جونيه.

شجرة الأدب
عاش في باريس بين اليساريين وأخذ يفضح بكتاباته سياسات فرانكو ديكتاتور إسبانيا، وتبدلت حاله من لاجئ ثقافي إلى لاجئ سياسي. قرر أن يترك البلاد لينتسب إلى وطن جديد يسميه "شجرة الأدب"، بدل الوطن بالمعنى السياسي التاريخي التي قال "إنني لا أستسيغها".

يرى غويتسولو أن الثقافة لا يمكن أن تزدهر إذا انغلقت، مشيرا إلى أن الثقافة العربية تشربت من الآشورية واليونانية مما جعلها تزدهر، وكما هي الحال في إسبانيا في العصور الوسطى مع مدرسة طليطلة للترجمة، ولكن بدءا من محاكم التفتيش انحسرت الثقافة لحساب البحث عن النقاء الديني.

"مزيج من هويات" هكذا يصف نفسه، لكنه في كل ما يكتب لا بد أن نلمح انتماءه إلى طيف بعيد هو أمه التي قتلت في قصف بالحرب الأهلية. أما مونيك لانج زوجته التي توفيت قبل 12 عاما فقد دفعته ليكتب عن الألم والنسيان.

يحفظ المغاربة لخوان غويتسولو  أنه دافع بشدة عن "ساحة الفناء" في مراكش ضد العولمة، وكان السبب في إدخالها ضمن التراث الإنساني العالمي

سي خوان
"سي خوان" هكذا ينادي المغاربة كاتبنا، وهو الذي قرر السكن بينهم وشراء بيت في مراكش منذ أكثر من عشرين عاما.

يحفظ له المغاربة أنه دافع بشدة عن "ساحة الفناء" في مراكش ضد العولمة، وكان السبب في إدخالها ضمن التراث الإنساني العالمي.

لا يطيق غويتسولو الانغلاق القومي، ولكنه يستطيع المغامرة ويسافر إلى مناطق نزاع، ويكتب شهادات عن ألم الإنسان. حدث هذا في سراييفو والشيشان. أما فلسطين ففيها الكثير من الحكايات التي تروى منذ زارها في الانتفاضة الأولى 1987، حتى ما بعد أوسلو 1993، مسجلا أن معاناة الفلسطينية لم تتغير والاحتلال لم يتغير.

اسم البرنامج: وحي القلم

عنوان الحلقة: غويتسولو: الوطن كلمة لا أستسيغها

ضيف الحلقة: خوان غويتسولو/ أديب من إسبانيا

تاريخ الحلقة: 22/6/2015

المحاور:

-   طفولة مؤلمة

-   شجرة الأدب

-   هوية ثقافية متعددة

-   كاتب لا يفلح في شيء آخر

-   نصير القضية الفلسطينية

-   محب للثقافة العربية

تعليق صوتي: لم يكن ضحايا هذه الحرب من الموتى فقط الذين قاربوا المليون، بل إن شناعة الحرب الأهلية التي نشبت في إسبانيا بين عامي 1936 و 1939 من القرن الماضي تركت أثراً بالغاً في الأحياء أيضاً، كثيرون عايشوا الصراع الحاد بين الجمهوريين والقوميين بقيادة فرانشسكو فرانكو الذي قاد انقلاباً تسبب في إشعال فتيل الحرب وطال عنفه الكثر من المدنيين، انتصر فرانكو بمساعدة هتلر وموسوليني وحكم إسبانيا لمدة 36 عاماً حتى وفاته عام 1975 في هذه الأجواء تفتح وعي كاتبنا خوان غويتسولو الذي أدرك وهو لم يبلغ العشرين بعد أنه لا مستقبل له في إسبانيا.

طفولة مؤلمة

خوان غويتسولو/ أديب من إسبانيا: ولدت في برشلونة عام 1931 في السنة التي أعلن فيها قيام الجمهورية وكنت ضحية من بين ضحايا كثر للحرب الأهلية، عندما أدركت واقع إسبانيا صرت متمرداً وفقدت الإيمان بالكاثوليكية وكرهت النظام وحينما كتبت ثلاثة روايات وأنا حينها ابن العشرين حذفت الرقابة مقاطع من اثنتين منها، الكنيسة الكاثوليكية قامت بدور سلبي فقد دعمت منذ البداية التمرد العسكري الذي قاده الجنرال فرانكو بل سمته حرباً صليبية، إن مباركة الكنيسة لقتل الأسبان في الحرب الأهلية أمر محسوم ولا غبار عليه ثم إنها دعمت الدكتاتور فرانكو إلى حين مماته.

تعليق صوتي: "العالم بيتُ من لا يملك بيتاً" هكذا نقرأ في ألف ليلة وليلة، لكن الذين لا يملكون البيت أو لا يتحملون حدوده الضيقة تعلموا السفر والترحال وتحولوا إلى أشخاص مختلفين، لذا اتجهت أنظار كاتبنا نحو الخروج إلى باريس التي سيتنفس فيها ثقافة طمح إليها ورحل باحثاً عنها.

خوان غويتسولو: بعد أول زيارة لي إلى باريس في سن الثانية والعشرين اكتشفت عالماً ثقافياً حراً ومنفتحاً وبدت لي فكرة العودة إلى إسبانيا غير محتملة، وبعد حصولي على جواز السفر وتخلصي من الخدمة العسكرية قصدت باريس حيث تعرفت خلال مأدبة عشاء على شخصيتين كان لهما بالغ الأثر في حياتي الأولى هي مونك لانك التي أصبحت زوجتي لاحقاً والثانية هي الكاتب جان جنيه الذي أكن له تقديراً كبيراً، كان هذا الحدث بالنسبة لي كليلة القدر لأن حياتي تغيرت بعده تماماً فقد تزوجت مونك لانك التي توفيت قبل 22 سنة وعلاقتي الوثيقة بجنيه أفادتني كثيراًن فقد علمني جنيه التخلص من زهو الشباب والبحث عن الأدب والتمييز بين النص الأدبي والنصوص التجارية أو ذات الأهداف الربحية، في منتصف الستينيات تخليت عن أي طموح في أن أكون كاتباً تحقق كتبه نسبة مبيعات كبيرة وسعيت إلى البحث عن جذور شجرة الأدب هذا الأمر كان حاسماً بالنسبة لي، في باريس عاشرت كُتّاباً من مشارب مختلفة كجون بول سارتر وسيمون دي بوفوار كما عاشرت كتاباً آخرين معروفين كانوا على طرفي نقيض من العالم الثقافي والفكري المقفر في إسبانيا في تلك الفترة.

تعليق صوتي: في باريس عاش خوان في وسط يساري مناهض لفرانكو وكتب يفضح سياساته القمعية فتحول من لاجئ ثقافي إلى لاجئ سياسي بل لم يقف عند هذا الحد فقد دفعه اغترابه الطويل إلى أن يجعل من كلمة الوطن أم الرذائل فهو قد وجد بيته في هذا العالم الفسيح واستعاض عن الوطن بالانتساب إلى ما يسميه شجرة الأدب.

شجرة الأدب

خوان غويتسولو: الوطن كلمة لا أستسيغها أنا مناهض للقوميات، فالقومي يعتمد على السرد التاريخي لبلاده بما يتضمنه من أساطير وتخيلات ولا يرى تعددية العالم، موقفي كان دائماً معاكساً لهذا التصور أنا مع نقد ما هو ذاتي واحترام ما هو جدير بالاحترام لدى الآخرين، موقفي يتناقض مع موقف القومي الذي يدافع عن خصوصياته ويتواجه مع الآخرين، صديقي المخرج لويس بوناويل كان يقول إن الوطن هو أم الرذائل فهو عاش أيضاً تجربة اغتراب طويلة كتلك التي عشتها أنا. الانتماء إلى عالم النشر والأدب في غاليمار Gallimard كان هدية كبيرة لأنه لم يتح لي إمكانية الاحتكاك بالثقافة الفرنسية فحسب؛ وإنما بالثقافات الأميركية والألمانية والبريطانية من جهتي قمت بإشراف في دار النشر غاليمار على مجموعة ورائية ضمت أعمال كتاب أسبان معاصرين بما فيهم الروائيون الكتالونيون وكانت أعمالهم جديرة بالترجمة، وإلى جانب هذا كانت هناك وسيلة أخرى للتربية والتعليم فمونيكلونج كانت تعيش في باريس في حي لوسنتيه المكتظ بالمهاجرين، حيث لا يشكل الفرنسيون سوى جزء من سكانه، كان هناك أسبان وإيطاليون وأرمن وعرب خصوصاً من منطقة المغرب العربي، هناك تلقيت تكويناً ما كنت لأتلقاه في أي جامعة، كان الأمر شبيهاً بما صادفه ميغيل دي ثربانتس في الجزائر أي صار لي عالم مختلف ومحفز، بالنسبة لي كان أساسياً لأنه مكنني من رؤية ثقافتي ولغتي في ضوء ثقافات ولغات أخرى وجعلني أتموقع بالهامش لأن رؤية الهامش من المركز أهم بكثير من رؤية المركز من الهامش، ليست هناك ثقافات خالصة ومتجانسة، كل ثقافة هي نتاج تأثيرات خارجية تلقتها وكلما ارتبطت هذه الثقافة بثقافات أخرى ازدادت ثراء وغنى، فازدهار الأدب العربي مثلاً جاء نتيجة تلاقح الثقافة العربية مع الآشورية والفلسفة اليونانية وضمها عناصر هذه الثقافات داخل الثقافة العربية، وهذا ما جعلها ثقافة مزدهرة لأنها لم تكن منغلقة على نفسها بل كانت تنهل من مَعين الثقافات الأخرى، كذلك هي الحال بالنسبة للثقافة الإسبانية في العصور الوسطى فقد كان مشروع الملك ألفونسو العاشر يكمن في ترجمة الفلسفة اليونانية بعد أن نقلها المترجمون اليهود في طليطلة إلى العربية، وفي الوقت نفسه كان يمارس الانفتاح على الثقافات الناشئة في باقي أوروبا لقد كانت طليطلة مصب ومركز التيارات الأدبية كافة في ذلك الوقت، لكن حينما سعت إسبانيا أيام محاكم التفتيش والملوك الكاثوليك إلى البحث عن النقاء الديني والأيديولوجي انحسرت الثقافة الإسبانية إلى أن تلاشى دورها تماماً في القرن السابع عشر.

تعليق صوتي: العالم مسلسل مستمر من الهدم والبناء، هكذا يرى خوان الصورة فهو قد احترف التنقل وشاهد الانتقال المستمر للأشخاص واللغات والألبسة والعادات وحتى فنون الطبخ، بل إنه يرى في باريس وبرلين ونيويورك مصداقية العبارة القائلة "إن الروحانيات ليست وليدة الاجتماعات الدينية بل هي منبثقة من صلب حياة الإبداع والحركية".

هوية ثقافية متعددة

خوان غويتسولو: أنا مزيج من هويات تأثرت بإقامتي في فضاءات وأمكنة متعددة اعتبر نفسي ابنا لبرشلونة وباريس ونيويورك حيث درست لمدة 6 سنوات وتعلمت أشياء كثيرة، كما أعتبر نفسي ابن برلين وطنجة ومراكش إلى آخره، يصعب علي تحديد هويتي لأنها تتغير من سنة لأخرى بموازاة تغير اهتماماتي وقراءاتي، موت أمي في الحرب الأهلية أثر فيّ وفي أخوتي بشكل دائم خصوصاً الطريقة العنيفة التي لقيت بها مصرعها في قصف جوي كانت الغاية منه ترويع المدنيين، ثمة أمور كثيرة في حياتي أصبحت جزء من كياني صورة الأم تظهر دائماً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في رواياتي، موت مونكلانش دفعني للكتابة عن الألم وعن النسيان ورعب النسيان.

[فاصل إعلاني]

تعليق صوتي: إنها المدينة التي سحرت سي خوان كما يناديه أهل المغرب فجعلته يشتري فيها بيتاً على الطراز المغربي منذ أكثر من عقدين على الزمان، ويحفظ له المغاربة أنه دافع عن ساحة جامع الفناء أمام زحف العولمة وكان السبب في إدخالها ضمن التراث الإنساني العالمي، أتقن خوان اللهجة المحلية الدّارجة وكون صداقات مع بعض العامة من المغاربة الذين يجالسهم كل يوم في المقهى المطل على الساحة الذي يعتبره مكتبه بل إنه تشبع بالثقافة المغربية حتى أصبح أو كاد يصبح مراكشياً.

إبراهيم الخطيب/مترجم بعض أعمال خوان غويتسولو: هو يعرف المغرب معرفة جيدة جداً وفي فترة إقامته تعلم اللغة الدارجة وعاشر العشرات من أناس شعبيين يجلسون في مقاهي شعبية ويحس براحة كبيرة عند الاستماع إلى هذا الكلام الشعبي ويعرف نبل هؤلاء الأشخاص ويقدر هذا النبل، واستعمل في روايته أيضاً كثير من الوقائع التي يعيشها في المغرب خصوصاً في أسابيع الحريقة وفي الأربعينية وحتى في حصار الحصارات بعض المشاهد من مراكش أدخلها في إطار روايته عن حصار سراييفو، فمن هذه الناحية يعتبر خوان مثقفاً استثنائياً في إسبانيا ربما أيضاً حتى في العالم لأنه ليس هناك مثقف يعني اعتقد أنا يعني يهتم بالعالم الإسلامي ويدافع عن قضاياه مثل اهتمام خوان، وبصرف النظر عن العالم الإسلامي هناك اهتمامه أيضاً بقضية الهجرة، قضية الهجرة وقضية انغلاق الاتحاد الأوروبي ضد هجرة الأفارقة وغير الأفارقة إلى أوروبا وهو عاين أيضاً المآسي التي عايشها هؤلاء المهاجرون في مناطق مختلفة من أسبانيا وخصوصاً في منطقة فلينسيا وفي الايكيدو وكتب عن هذا.

كاتب لا يفلح في شيء آخر

خوان غويتسولو: تملكني عشق الكتابة في سن مبكرة ولم أتخيل نفسي يوماً إلا كاتباً، بدأت الكتابة في سن التاسعة أو العاشرة، في العطل المدرسية كنت أكتب رواية تلو الأخرى وحياتي ارتبطت على الدوام بالكتابة، بدأت الكتابة بأسماء مستعارة في صحف فرنسية كـ  France Observateur  والـ Express وفي عام 1963 نشرت لأول مرة باسمي الحقيقي ومنذ ذلك الحين مُنعت أعمالي في إسبانيا وتعرضت لسيل من الانتقادات والسّباب، ظلت أعمالي ممنوعة في إسبانيا من عام 1963 إلى عام 1976، فعل الكتابة فعل طبيعي اعتقد أنني أحمل في داخلي جينات الكتابة ولا أفلح في شيء آخر هذه هي الحقيقة الخالصة، لقد عشت دائماً محاطاً بأشخاص عمليين يعوضون عجزي عن التعاطي مع مشاكل الحياة اليومية، أحياناً تأتي المسألة بشكل تلقائي تعن لي جمل لا أفكار وتدريجياً تبدأ ملامح النص في التشكل، أنا قارئ نهم للشعر وأحرص دائماً على أن تكون النصوص النثرية على القدر نفسه من قوة العبارة كما في الشعر، أنا أتحدث هنا على الكتابة الشعرية التي غالباً ما تكون سخيفة بل أعني نثراً ديناميكياً يفرض إيقاعه الخاص ولعله إيقاع وراثي لا أدري.

تعليق صوتي: يتساءل خوان ما الذي يدفع بكاتب في الستينيات من عمره يكره المغامرة المرتبطة بالحروب إلى التدخل كشاهد في أكثر النزاعات الأكثر صلابة، ويجيب إنها الرغبة في معرفة الحقيقة، لقد أدرك خوان بعد حرب الخليج حجم التلاعب الهائل والأخبار الملفقة والصور والمزيفة التي وقع هو ضحيتها، فقرر أن يكون هو في موضع الشاهد لأهم النزاعات وأكثرها صعوبة فوسع دائرة كتابته وعمل صحفياً وانتزع شهادات مؤثرة من ممالك دمار عديدة كالبوسنة والهرسك.

خوان غويتسولو: ذهبت إلى البوسنة بتشجيع من صديقتي الكاتبة الأميركية سوزان سونتاك التي سبق أن زارت سراييفو، الرحلة الأولى كانت تجربة مرعبة بالنسبة لي فقد وقفت على حقيقة النزاع المرعب وعلى التواطؤ بين المحاصرين وقوات حفظ السلام الدولية المكونة أساساً من قوات فرنسية وبريطانية ضد المحاصرين، في الشيشان صادفت رعباً وقساوة أكثر إيلاماً كنت ملماً بتاريخ روسيا وعرفاً بتفاصيل الحروب ضد القياصرة والبشافين والتهجير القسري الذي تعرض له الشيشان في عهد ستالين.

نصير القضية الفلسطينية

تعليق صوتي: أما فلسطين فله معها حكايا تروى ففي سنة 1988 قطع الضفة الغربية وقطاع غزة مع فريق من التلفزيون الإسباني من أجل تصوير الانتفاضة الأولى وعاد إليها بعد أوسلو عام 1995 موفداً من صحيفة إلباييس وكتب أن الوضع ازداد سوءاً ووصف بتفصيل روائي معاناة شعب تحت الاحتلال، لم يكف عن زيارة فلسطين فقد عاد إليها في زيارة شهيرة مع نخبة من الكتاب العالميين في ظل حصار الإسرائيليين لعرفات في رام الله، لم تكن زيارة عرفات مدرجة ضمن جدول الزيارة لهؤلاء الكتاب لكن حين عرض عليه الأمر أفصح عن عدم موافقته لأنه لا يهوى مقابلة الرؤساء والسياسيين إنهم لا يقولون شيئا مهما كما أن الكاتب والسياسي يعبران عن نفسيهما في مستويات مختلفة لكنه في نهاية المطاف نزل عند رغبة أغلبية من كان معه من الكتاب، وأثناء الزيارة وحين جاء دوره في إلقاء الكلمة نطق مجدداً بشجاعته المعروفة ودفعاً لأي التباس إنني أزوره باعتباره فلسطينياً أسيراً محروماً مثل الآخرين من حقوقه وحريته في الحركة لا بوصفه رئيس سلطة.

خوان غويتسولو: أنا علماني وكوني ومع ذلك أرى أن حماس كانت على حق فيما قامت به في غزة من فضح لفساد السلطة الفلسطينية وسعي إلى تلبية حاجات الشعب الفلسطيني وهذا لا يعني أنني أتعاطف مع أيديولوجية.

إبراهيم الخطيب: يعتبر خوان أكثر الكتاب الأسبان تجديداً على صعيد الرواية والتجديد جاء من طريقة التحول التي حصلت من رؤيته القديمة باعتباره كاتباً اجتماعياً يهتم بتاريخ إسبانيا وبوضعها المعيشي في فترة تاريخية محددة إلى كاتب منفتح على العالم وإلى عطاءات الثقافات الأخرى وفي نفس الوقت يتأمل هذا العالم وهو يتحول ويتعاطف كثيراً مع القضايا العادلة وهذا معروف عنه في كل المواقف التي كتبها فهو بالإضافة إلى كتاباته ومؤلفاته وأيضاً يكتب في الصحافة وعن طريق الصحافة يستطيع المرء أن يكتشف يعني حدة نظرة هذا الكاتب ومدى تعاطفه مع القضايا العادلة في العالم.

تعليق صوتي: وبالرغم من حرص خوان على الالتصاق بالناس ومعايشتهم وخصوصاً العامة منهم إلا أنه يميز بوضوح بين الكتابة الصحفية التي تهدف إلى الإبلاغ والبيان والكتابة الإبداعية التي تتطلب بعض التعقيد ونصب الكمائن وزرع الألغام.

خوان غويتسولو: حينما أنجز تقريراً احرص على تحري الوضوح والبساطة حتى يفهمني الجميع لأنني أتوجه إلى جمهور واسع من القراء، لكن متى تعلق الأمر بعمل إبداعي فالأمر يختلف؛ بالنسبة لحصار سراييفو على سبيل المثال كتبت في زيارتي الأولى دفاتر سراييفو حيث بسطت مشاهدتي بطريقة بسيطة وواضحة قدر الإمكانّ، لكن في رحلتي الثانية واجهت وضعاً أكثر سوءا وعجزت عن كتابة دفتر ثان ولم ينقذني من هذا الوضع إلا الإبداع فكتبت رواية حصار الحصارات التي كانت الوسيلة الإبداعية للتعبير عما شكله رعب الحصار بالنسبة لي وللناس هناك، يتعلق الأمر بمحاصرة القارئ وجعله يعتقد أنه أمسك في لحظة من لحظات السرد بتلابيب الحقيقة ثم جعله يكتشف فيما بعد أنه كان يلاحق نوعاً من السراب الأمر شبيه بمتاهة حوصر القارئ بداخلها مثلما كان سكان سراييفو محاصرين.

لم أكتب يوماً لكسب قوتي بل أحاول كسب قوتي لكي أستمر في الكتابة وهذا أمر على قدر كبير من الأهمية اشتغلت في دار للنشر ثم درست في جامعات أميركية وحالياً أحاضر في الجامعات والمعاهد وهذا يسمح لي بكتابة ما أشاء دون الخضوع لدكتاتورية دور النشر التجارية، أنا كاتب أقليات وهذا أمر يروق لي كنت أبحث دائماً عن قراء يعيدون قراءتي وليس عن أكبر عدد من القراء، عندما ينقصني التحفيز لا أكتب بل أذهب في نزهة أو أسافر أو أقوم بأي شيء آخر قد أكتب مقالات لها علاقة بالأحداث الجارية لكن فيما يتصل بالجانب الإبداعي أنا صارم للغاية أكتب إذا كان لدي شيء جديد أقدمه أو ألوذ بالصمت، هدف كل كاتب هو إضافة شيء لشجرة الأدب التي أنتمي إليها وإثراء أدب بلاده بحمولة جديدة، الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس يقول: "إن هدف الكاتب هي تلك الأمتار اليسيرة من الأرض التي يسرقها الهولنديون بكل صبر من البحر" أي إضافة شيء جديد لشجرة الأدب، الأهم بالنسبة لأي كاتب هو أن يعيد للثقافة وللغة التي ينتمي إليها لغة مغايرة لتلك التي تلقاها قبل دخوله لُجة الإبداع لقد حاولت خلق شيء مغاير لما تلقيته وهذا برأيي هو الإسهام الحقيقي في الثقافة سعيت إلى ذلك باهتمامي وانفتاحي على ثقافات أخرى كالثقافة الفرنسية من خلال كتاب مثل رابيليه وديدي روه وفلوبير وبروست الذين اعتبرهم أساتذة لي وبتشبعي بثقافات أخرى كالإيطالية والألمانية والإنجليزية والشيء نفسه بالنسبة للثقافة العربية ولا سيما تراثها الصوفي كالحلاج وعمر بن الفارض ورابعة العدوية والقائمة طويلة، حينما قرأت هذا العمل الرائع الذي هو ألف ليلة وليلة لأول مرة اكتشفت أنها أم الكتب كل الابتكارات السردية موجودة هناك والتعامل معها على أنها رواية شعبية هو جهل بتلك العلاقة الكثيفة بين الثقافة الشفهية والأدب الرفيع والراقي، لقد ألقيت محاضرات في الجامعة عن ألف ليلة وليلة واكتشفت أن الأدوات السردية التي أسست الرواية الأوروبية متضمنة في ألف ليلة وليلة، لا تلزم ألف ليلة وليلة نفسها بهوية معينة فهناك قصص تبدأ من الهند وتمر إلى إيران فبغداد ثم القاهرة ثم تأخذ في التحول وتزرع بذور الشك في كل شيء، ما يبهرني هو أنه ما من حقيقة مؤكدة إذ إن كل حكاية تناقض سابقاتها إنك في عالم من الشك وأنا أنتمي إلى تلك الفئة من الكتاب المتشككين، وولتر بنجامين وهو أحد الكتاب الذين أقدرهم كثيراً يقول: "إن المتاهة هي وطن المتشككين"، وهذا هو الوطن الذي أقبل به.

تعليق صوتي: ولخوان مع الجوائز حكاية تطول فقد أثار رفضه لجائزة معمر القذافي العالمية للآداب جدلاً كبيراً في الصحافة ونفياً مقابلاً من اللجنة المنظمة وقد أوضح في بعض حواراته الصحفية أن سبب الرفض هو مصدر الجائزة والجهة المانحة للجائزة لا شيء آخر، وحين سألناه عن القصة رفض التعليق.

خوان غويتسولو: لم أسع يوماً وراء الجوائز الأدبية لقد منحوني عدة جوائز خارج إسبانيا ولا أظنني فعلت شيئا يستحق هذه الجوائز، لقد منحوني إياها وقبلتها، لا يعجنني التكريم ولا مظاهر الاحتفاء عرض علي وزير الثقافة الفرنسي الأسبق جاك لانش منحي وسام الشرف فرفضت لأن كل المسؤولين الفرنسيين الذين ساهموا في ذبح وقتل الجزائريين والغاربة والفيتناميين وسكان مدغشقر حصلوا على وسام الشرف، إن شرفهم ليس هو شرفي، في كتالونيا منحوني وسام استحقاق رفيعاً ووسام صليب القديس خورخيه فقلت لهم إن في حياتي صلباناً كثيرة فلا أتحمل صليباً إضافياً لم أقبل قط هذا النوع من التكريم.

تعليق صوتي: كتب خوان الكثير من الكتابات بالإسبانية منها ثلاثة عشر رواية وترجم إلى عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والعربية ويرى أنه من الصعوبة بمكان تفضيل بعض رواياته على بعض.

خوان غويتسولو: صعب جداً أن أحدد أي الأعمال هي الأقرب لي إذا ثمة مستويات ومراحل متعددة، فعلى مستوى التراث الصوفي هناك رواية مزايا الطائر المتوحد وهناك رواية مقبرة على مستوى الثقافة الشفهية وهناك رواية دون خليان باعتبارها تشكل قطيعة مع التقاليد الأدبية في إسبانيا، القطيعة تعني قطيعة مع مقاييس قائمة للبحث عن مقاييس مغايرة لما هو موجود ومعمول به، وهنالك رواية إسدال الستار وهي جواب على القلق الذي تسببه وحدة وعزلة الإنسان والإحساس بالعجز حيال الموت والتمرد وليس التسليم بالواقع.

إبراهيم الخطيب: تأثر بالأوضاع في إسبانيا وكتب عنها روايات مهمة جداً ولكنها من الناحية يعني الشكلية من الناحية النقدية رواية تقليدية رواية قوية ولكنها تقليدية وهو عن طريق..، عندما انتقل إلى فرنسا في سنة 1956 واستقر هناك تأثر بأجواء الحداثة الأدبية التي كانت سائدة في فرنسا في ذلك الوقت سواء على صعيد السينما أو على صعيد الأدب وأيضاً على صعيد ظهور بدايات الاهتمام الشكلية وبالبنيوية إلى آخره فعن طريق ذلك بدل خوان غوتيسولو أساليب كتابته ويعني جعل من هذه الكتابة ليست معبرة فقط عن المجتمع وإنما عن ذاته هو وعن مشاكله هو الشخصية وعن طريقة رؤيته هو للعالم وللحركة الاجتماعية، ومن هنا اكتست كتابته في هذه الفترة طابعاً أقول يعني عابر للأوطان يعني ليست متمحورة في مكان معين وإنما الهدف منها هو فقط التعبير عن الكاتب وعن ذاتيته وعن وجدانه، ومن هنا يتميز خوان غويتسولو عن الأدب الإسباني المعاصر تميزاً كبيراً جداً أولاً لأنه يستمد من تاريخ إسبانيا أساطيرها ولكنه ينتقد هذه الأساطير ويبحث عن ذاته فيه، ومن جهة أخرى استطاع أن ينفتح على العالم.

محب للثقافة العربية

تعليق صوتي: اشتهر خوان بأنه محب للثقافة العربية ومدافع قوي عنها فهو يعيد توظيف الآثار العربية في المتخيل الإسباني ويفيد من تقنيات الحكاية والسجع العربيين كما يفيد من إيقاع الكتابة العربية الذي يتنامى في جمل ترتسم في دوائر متصاعدة تفضي إلى متاهات.

خوان غويتسولو: قرأت عمل أمريكو كاسترو في توقيت مناسب جداً كنت حينها أبحث عن إحداث قطيعة مع التقاليد القومية الكاثوليكية وقراءة كاسترو قدمت لي البدائل التي كنت أنشدها فقد كشفت لي ما تدين به الثقافة الإسبانية للثقافة العربية من جهة وبسطت أمام ناظري الدور الذي اضطلع به اليهود والمسلمون الذين اعتنقوا المسيحية قسراً في إثراء الأدب الإسباني من جهة ثانية، فالأدب الإسباني في القرون الوسطى هو أدب مدجن إلى حد ما الكل كان يعرف ويتحدث عن التدجين في الفن لكن لا أحد سعى لمعرفة أصوله، هذا التدجين الفني راجع إلى وجود أدب مدجن نشأ في مجتمع مدجن وتأثير الثقافة العربية في الأدب الإسباني في تلك الحقبة بادٍ للعيان في العديد من أعمال تلك الحقبة.

تعليق صوتي: لا يعرف خوان العربية الفصحى ويزعجه هذا الفصام النكد بين اللغة المكتوبة ولغة التخاطب التي تتوزع على لغات شتى لكن هذه الظاهرة أوحت له بفكرة يقترحها على الروائيين العرب.

خوان غويتسولو: لو كنت روائياً عربياً لوددت أن أكتب عن رحلة عبر اللهجات المحلية بدءا بالعراق وفلسطين وسوريا ولبنان ومروراً بشبه الجزيرة العربية ومصر وانتهاء باللهجات المحلية في بلدان المغرب العربي، جوهر الفكرة هي أن يسترسل السرد الروائي بموازاة تغير لغة السرد، اللغة العربية لغة رائعة وينبغي الذود عنها مهما كان الثمن لكنها منعزلة في الوقت نفسه عن اللهجة المستعملة في التخاطب اليومي لذلك اعتقد أن المزج بينهما سيكون ذا جدوى. سوف استمر في الكتابة ما دمت قادرا على ذلك لن أتقاعد، في الحقيقة أعتقد أنني قلت كل ما ينبغي قوله على مستوى الإبداع الأدبي الآن أكتب مقالات ثقافية وفكرية وأنشر على نحو منتظم في صحيفة إلبايز.

تعليق صوتي: ملامح وجه خوان وتصرفاته وحضوره المتواري كل ذلك ينم عن شخصية خجلى وكأنه يريد أن يواري صورته وهذا ما لمسناه أيضاً فقد وصل به الحد أثناء التصوير إلى الهروب من الكاميرا كما أنه رفض بشدة الكتابة أمام الكاميرا وكأنه يريد القول إن الإبداع عمل شديد الخصوصية والغموض وإن من يتحول إلى شخصية عمومية يضحي بحقيقته الحميمية لصالح الصورة.