استعادت سلسلة "مسارات" لقاء تذكاريا لواحد من أعلام الفكر والنقد العربي والبحث التاريخي والتدريس الجامعي، وهو ناصر الدين الأسد (1922- 21 مايو/أيار 2015).

بعد أسابيع قليلة من رحيل العلامة الأسد جاءت الحلقة التي صورت في 2006 وعرضت اليوم 15/6/2015 كأنها حلقة نقاش عقدت للتو، وكأن الأسئلة الكبرى التي واكبها مع أساتذته ما زالت تطرح من جديد.

انتمى الأسد لمدرسة في النقد عرفت بالمدرسة التكاملية وحمل لواء الكلاسيكية الحديثة. غادر الأردن إلى مصر في أربعينيات القرن الماضي ليكون تلميذا لثلة من رموز النهضة ومثقفيها الكبار.

لكن قبل ذلك، رجع بنا الأسد إلى ثلاثينيات القرن الماضي يوم اتجه الفتى من الأردن إلى غربي النهر، حيث سيواجه أول مدينة يراها في حياته هي القدس.

إلى الكلية العربية
يقول الأسد إن الأردن كان ذا طبيعة قروية وبدوية، ولم تصل حتى عمّان إلى أن تكون مدينة حقيقية، وفي القدس "انفتحت أمامي آفاق تختلف عما ألفته".

في تلك الفترة وفي مدينة كالقدس لا يمكن الحديث عن نخبة التعليم دون ذكر الكلية العربية التي كانت لا تستقبل سوى أوائل الطلبة.

يتذكر الأسد أساتذته في الكلية بكثير من العرفان وفي مقدمتهم أستاذه إسحق موسى الحسيني الذي يدين له في تعلم أساليب البحث العلمي ومواصلة الدراسة، بل إن ذهابه إلى القاهرة للدراسة كان تحقيقا لتوصية أستاذه الحسيني.

ومن أساتذته جورج حوراني، شقيق المؤرخ الفكري ألبرت حوراني، وقد كان يدرّس التاريخ باللغة الإنجليزية، وكان لا يتقن اللغة العربية، مضيفا وهو يبتسم "رغم أن زوجته مصرية من الزقازيق".

تمر شجيرات الكلية العربية في ذاكرته بحميمية قائلا إنها شجيرات أنسية ليست على غرار جو الدراسة القاتم بسبب المنافسة الشديدة بين الطلاب.

القاهرة إبان الأربعينيات كانت بتعبيره تموج أجواؤها الأدبية، وكانت هذه الأجواء تترك مجالا واسعا للطلبة أن يتصلوا بأساتذتهم، مشيرا إلى أولى الندوات التي تابعها وكانت لأحمد أمين.

رغم التقدير الذي يحمله لأساتذته فإنه يسمح لنفسه بأن يختلف معهم، فقد كان أسلوب كتابة أمين لا يروق له.

وبعد الإطلالة على مسيرته التي قدمت علامات مؤثرة خصوصا في الأردن الذي أسس فيه الجامعة الأردنية مطلع الستينيات والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، ذهب جزء مقدر من الحلقة إلى علاقته بأستاذه طه حسين.

قدم الأسد بعضا مما تركته لقاءاته بطه حسين من الأربعينيات حتى ما قبل وفاته بأسابيع قليلة عام 1973.

ناصر الدين الأسد متحدثا إلى مقدم البرنامج مالك التريكي (الجزيرة)

وقد قيل في الوسط الثقافي إن في مصادر الشعر الجاهلي قولين، واحدا لطه حسين والثاني لناصر الدين الأسد، حيث كانت رسالة الدكتوراه التي نالها في الخمسينيات تبحث في هذه المصادر بينما كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" صدر في 1926، مما اعتبره البعض ردا على أستاذه.

تحدث عن الجانب الشخصي في طه حسين الذي غضب من تلميذه وأسمعه في مقر الجامعة العربية حيث يعمل "أغلظ القول"، ثم ليأتي بعد ذلك ويعتذر ويشيد بمنهجية الكتاب.

يقول الأسد إن كتابه كان "دراسة خارجية" للشعر الجاهلي، وأن ذكر طه حسين وغيره كان من مقتضيات البحث فقط.

وأخيرا وبسبب من المحبة التي توسع الصدور كما يقول، فإن محبته لأستاذه طه حسين تجعله يقبله "بعجره وبجره".

اسم البرنامج: مسارات

عنوان الحلقة: ناصر الدين الأسد.. من المهد إلى المجد

مقدم الحلقة: مالك التريكي

ضيف الحلقة: ناصر الدين الأسد/أديب ومفكر

تاريخ الحلقة: 15/6/2015

المحاور:

-   البداية من القدس

-   شخصيات أكاديمية لا تنسى

-   مجالس أدبية خاصة

-   تأثير يملكه طه حسين على الشباب

-   زيارات لطه حسين تمتد لقرابة 20 عاما

-   مآخذ على المواقف الفكرية لطه حسين

[نص مكتوب]

*تم تسجيل الحلقة سنة 2006

مالك التريكي: إذا كنت في ريب مما بين المعرفة والأخلاق من الاتصال فإن لك في مسار العلّامة ناصر الدين الأسد مصداقا على صحة قول الأقدمين بأن المعرفة الحق إنما هي كمال العلم لكمال العمل، ذلك أن هذا الشاب الثمانيني الذي يُكرم قاصده بفيض من العلم الزاخر والأدب الآسر إنما يصدر في رؤياه لأسئلة العصر ولمسائل البحث العلمي والتجدد الحضاري عن أخلاقية قرآنية صافية وعن فهم إسلامي نيّر، وإذا كان ناصر الدين الأسد قد أصبح بمثابة الضمير الثقافي للأمة العربية فذلك لأن كيانه قد توحد عبر عقود من البحث والتأليف والتدريس مع قضية الحفاظ على الذات العربية وذلك لأنه قد يكون أيضا آخر العنقود من صفوة الصفوة في تاريخ الأدب العربي المعاصر، إذ إنه ينتمي إلى النخبة التي تتلمذت مباشرة على روّاد النهضة الأدبية في النصف الأول من القرن العشرين من أمثال طه حسين وأحمد أمين وزكي مبارك ومحمود محمد شاكر وكامل الكيلاني، وقد تكلل هذا التكوين النخبوي برسالة للدكتوراه عن مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية نال بها ناصر الدين الأسد من الشهرة ما لا يُنال عادة إلا ببديع الروايات والقصائد حتى استقر لدى عامة القراء أن القول في الشعر الجاهلي قولان: قول طه حسين وقول ناصر الدين الأسد على ما في هذا من التبسيط المُخلّ، وعلى مدى نصف القرن التالي أصدر ناصر الدين الأسد أكثر من عشرين كتابا بين تأليف وتحقيق وترجمة ومراجعة بالإضافة إلى ما يزيد على ستين من البحوث والمقالات في النقد والأدب واللغة والتاريخ والدراسات الإسلامية، فلا غرو وهو على هذه الموسوعية النادرة أن يعد من الأعلام في التحقيق ومن أفضل ممثلي المدرسة التكاملية في النقد وحامل لواء الكلاسيكية الجديدة في التعبير الأدبي، ولأن الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد قد جمع المجد الفكري من أطرافه فإنه ينتمي أيضا إلى صفوة أخرى هي كوكبة الآباء المؤسسين في المجال الجامعي حيث أنه تولى في الخمسينيات عِمادة أول كلية للتربية والآداب في الجامعة الليبية في بنغازي قبل أن يكون له أوائل الستينيات شرف تأسيس الجامعة الأردنية في عمّان، كما أثمر مسار التأسيس إنشاء المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية المعروف بمؤسسة آل البيت وإنشاء وزارة التعليم العالي في الأردن، وإذا كان من أبرز علامات تألق مسار ناصر الدين الأسد الذي نشأ على حب العربية والبِرّ بها أنه عضو في عشرات من المجالس والمجامع المتخصصة ومنها مجامع اللغة العربية في سوريا ومصر والأردن والهند والصين وأكاديمية المملكة المغربية فإن من أولى هذه العلامات أنه قد انتسب في الثلاثينيات إلى المدرسة التي كانت تُخرج النخبة الفكرية والأدبية في فلسطين والأردن أي الكلية العربية في القدس حيث كانت القدس أول مدينة يتفتح عليها وعي التلميذ القادم من البيئة البدوية في شرق الأردن.

البداية من القدس

ناصر الدين الأسد/أديب ومفكر: لكن البيئة في شرق الأردن حتى سنة 1936 وهي السنة التي ذهبت بها 1936 التي ذهبت فيها إلى القدس إلى الكلية العربية كانت بيئة قروية بدوية ولم تصل أي مدينة فيها ولا عمان بطبيعة الحال إلى أن تكون مدينة حقيقية، فأول مدينة رأيتها كانت القدس وانفتحت أمامي معالم الحياة الجديدة وانفتحت أمامي آفاق من التفكير ومن الدراسة تختلف عما ألفته في مدارس شرق الأردن من العقبة ووادي موسى والكرك وعمان نعم، ودرسني أساتذة أجلّاء ولكني أحب أن أقف عند أستاذي الدكتور إسحاق موسى الحسيني الذي أدين له بالفضل الكبير في أنه دربني على أساليب البحث العلمي وشجعني على مواصلة الدراسة بعد ذلك في الجامعة وذهبت إلى القاهرة يعني تحقيقا لرغبته ولتوصيته لي، الدكتور جورج حوراني وهو أخو المؤرخ الفكري، مؤرخ الفكر العربي ألبرت الحوراني جورج حوراني كان لا يتقن اللغة العربية إلا لِماما قراءة ولكنه لا يستطيع أن يتحدث وهو متزوج من سيدة مصرية من الزقازيق ومع ذلك لم يتعلم اللغة العربية على تأثير الزوجة في تعليم الزوج لغتها ولهجتها، وكان يدرسنا الفلسفة الإسلامية باللغة الإنجليزية ويدرسنا تاريخ اليونان وتاريخ الرومان باللغة الإنجليزية في مصادر ومراجع أساسية كبيرة مهمة وكان يحلو له من حين إلى حين أن يخرج بنا حين يكون الجو يسمح بذلك يخرج بنا خارج غرفة الصف ويلبس عباءة ويدرسنا الفلسفة الإسلامية كأنما هو شيخ من شيوخ المسلمين يعقد مجلسا علميا من المجالس التي نقرأ عنها عند القدماء أي نعم، كان مدير المدرسة أو مدير الكلية أو عميد الكلية كما كان يحلو لبعضهم أن يلقبه الأستاذ أحمد سامح الخالدي وهو من أسرة الخالدي المشهورة المعروفة وهو أيضا مُربّي مشهور وله كتب في التربية وفي علم النفس وكانت له حُنكته وحكمته في إدارة هذه الكلية، من الذين لا أنساهم إطلاقا أستاذ لا يعرفه أحد خارج الكلية هو جورج خميس، جورج خميس كان معلما متميزا في تحضير دروسه وفي تبسيطها وتيسيرها ونقلها بسهولة إلى الطلبة ولذلك كان من الأساتذة الذين استفدت منهم كثيرا لأنه كان ماهرا في إيصال الدروس والمعلومات إلى التلاميذ، الكلية العربية كانت مشهورة بحدائقها المحيطة بها الممتلئة بالشجيرات فكنا كثيرا ما نستمتع بهذه الشجيرات ونتجول فيها وتضفي على الكلية جوا من الأنس يختلف عن جو الدراسة القاتم في الكلية لأنك لا بد أنك تُقدر أن الذين يأتون إليها وهم الأوائل من كل هذه المدارس يتنافسون على أنه يصبح كل منهم هو الأول، ولذلك كان التنافس في طلب المعرفة وفي الحصول على الدرجة الأولى تنافسا شديدا تنافسا قويا مرهقا لنا جميعا إنما ذكريات شُجيرات حديقة الكلية العربية كانت دائما تؤنسنا، لا أنسى إطلاقا من الذكريات اجتماعي هناك بعدد من أهلي وإخوتي أبناء فلسطين الذين بعد ذلك تخرجوا وتسلموا مناصب في بعض البلاد العربية مناصب متعددة لكن أهمها كان التدريس في البلاد العربية وخاصة في الكويت وبعض بلاد الخليج ثم بعد ذلك أسعدني الله بأن جمعني ببعضهم هنا في حرم الجامعة الأردنية ومنهم طبعا الناقد المشهور الدكتور إحسان عباس ومنهم الدكتور محمود السمرة شفاه الله ومنهم أولاد ياغي؛ الياغيان هاشم ياغي وعبد الرحمن ياغي، ولا أحب أن استمر في التسمية خشية أن أنسى بعضهم فيعتبون عليّ إنما إخوة صالحة كان لهم فضل كبير في تسلم مناصب تدريسية في مختلف مراحل التدريس ثم مناصب إدارية ومناصب وزارية أيضا ومن أشهرهم ربما هو جبرا إبراهيم جبرا كما تعلم وكذلك محمود الغول الذي كان متخصصا في اللغات اليمنية الجنوبية اللهجات الحميرية والسبأية الجنوبية وكانت له منزلة خاصة عند المستشرقين وكانوا يستعينون به في حل رموز هاتين اللغتين، وشارك في إعداد المعجم السبأي شارك هؤلاء المستشرقين ولكن الذين يعملون في هذا الميدان لا يشهرون في الوسط الجامعي في الوسط الاجتماعي وإنما تظل شهرتهم محصورة في الناحية العلمية أي نعم.

مالك التريكي: الأكاديمية، عائلة الخالدي وهي من أشهر العائلات الفلسطينية في التألق الفكري وليد الخالدي ورشيد الخالدي طبعا ممن درسك في الكلية العربية في القدس سامح الخالدي.

ناصر الدين الأسد: أحمد سامح الخالدي.

مالك التريكي: أحمد سامح الخالدي لكن قبل ذلك عندما كنت في عمان درسك أيضا كاظم الخالدي.

ناصر الدين الأسد: نعم كاظم الخالدي، وكاظم الخالدي كان معتزا غاية الاعتزاز  بأسرته وكان دائما يفاخر بها وله الحق في ذلك وخاصة بأخيه راسم الخالدي، راسم الخالدي كان..

مالك التريكي: مجاهدا.

ناصر الدين الأسد: من رموز الجهاد والتحرر الفلسطيني فكان دائما يحدثنا عنهم لكنه كان من القلة القليلة التي واجهتنا من معلمينا في عمان من الحاصلين على الشهادة من الجامعة الأميركية في بيروت، ولذلك نقلنا من التدريس التقليدي إلى أجواء جديدة من التدريس فكان يأتي بمجموعات من القصص ويعرفنا بها ويعرفنا بكتّابها ويطلب منا أن نقرأها وأن نقدم تقارير عنها ونحن في تلك المرحلة وجاء بعده بسنة أيضا من عزّز موقفه في هذا التحديث وهو الأستاذ عبد المنعم الرفاعي فنقلنا مع قصص كاظم الخالدي إلى شعر عبد المنعم الرفاعي فحلّق بنا في أجواء شعرية واستطاع أيضا أن يشجع بعضنا في ذلك الوقت المبكر على قول الشعر، فالخالدي كان لهم فضل عليّ، وليد الخالدي الدكتور وليد الخالدي الآن هو ابن أحمد سامح الخالدي وقد اشترك معنا في حضور بعض الدروس ليس طالبا منتظما وإنما مجرد كان طالبا مستمعا.

شخصيات أكاديمية لا تنسى

مالك التريكي: زائرا، لا بد أن نذكر أيضا أن عائلة حوراني عائلة علمية لأن ألبرت حوراني الذي ذكرته مشهور كمؤرخ فكري في بريطانيا خاصة وكان في أكسفورد وله.

ناصر الدين الأسد: وسيس الحوراني.

مالك التريكي: وسيس الحوراني الذي أصبح مستشارا في فترة من الفترات للرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة وألبرت حوراني مشهور بكتاب شهير جدا الذي هو الفكر العربي في العهد الليبرالي، لا بد من ذكر ذلك

ناصر الدين الأسد: ولذلك هو مؤرخ للفكر العربي.

مالك التريكي: مؤرخ للفكر العربي ما نغفل حقه، بالنسبة لإسحاق موسى الحسيني كان يطلب من الطلبة المتفوقين أن يزوروه في بيته وكنت منهم وكان يريد تنشئتكم على انتهاج نهج أحمد أمين في الكتابة لأنه كان معجبا بأسلوب أحمد أمين ولم تكونوا ترون هذا الرأي.

ناصر الدين الأسد: لم أكن أنا أرى هذا الرأي هذا صحيح وأنت تكشف كثيرا من الأسرار التي كدت أنساها حقيقة نعم مع أنه هو تلميذ طه حسين وكان يعرف النخبة الممتازة من أدباء مصر على علاقة بهم ودرس في عهد مبكر في سنة 1925 وسنة 1926 في مصر هناك ولكنه كان يميل إلى أسلوب أحمد أمين الدكتور أحمد أمين، والدكتور أحمد أمين كانت له شخصيتان شخصية في الكتابة وشخصية في التدريس هو دّرسني أيضا دكتور أحمد أمين وأحمل له أجمل ذكريات.

مالك التريكي: درسك النقد الأدبي.

ناصر الدين الأسد: النقد نعم ولكنه كان دائما يلجأ إلى اللهجة العامية وكان لا يحسن الارتجال أو الحديث أو التدريس باللغة العربية الفصيحة، إنما الكتب التي أصدرها بعد ذلك على ما فيها من انتقادات انتقدها كثيرون لكن كان لها أثر كبير في من لجأ إلى البحث العلمي واستفاد منها وأعطت صورة عريضة أفقية للحياة العربية والحياة الإسلامية من أول فجر الإسلام إلى ما بعد ذلك متسلسلة وربما كان هذا يشبه ما فعله أستاذنا الدكتور شوقي ضيف نفس الشيء، المسح الأفقي للحياة الثقافية والحياة الأدبية والفكرية عامة، نعم وكنت من الذين شجعهم على زيارته في بيته وكنت أناقشه كثيرا في أسلوب أحمد أمين وأنا لا أميل إلى أسلوبه في الأدب واعتقد أنه جيد في التأليف في التاريخ الأدبي التاريخ الأدبي ولكنه ليس أديبا أنا ما كنت اعتقد هذا رأي شخصي.

مالك التريكي: هو نفسه لا يعتبر نفسه أديبا وله في كتاب حياتي يقارن بين وبين نفسه وبين صديق عمره طه حسين ويقول طه حسين فنان وأنا عالم.

ناصر الدين الأسد: صحيح هذه حقيقة يعني هو مؤرخ، مؤرخ للأدب ومؤرخ للحياة الاجتماعية مؤرخ للفكر نعم والدكتور إسحاق موسى الحسيني رحمه الله كانت له قولة جميلة حينما يريد منا أن نكتب له بعض البحوث يقول: "أريد كل فكرة في فقرة" فكرة وفقرة وهذا هو أسلوب أحمد أمين وكنت دائما أجادله في هذا وخاصة فيما يتصل بزكي مبارك هو لم يكن يميل إلى أسلوب زكي مبارك بطبيعة الحال نعم وكنت دائما أقول له لا بد أن نُفرّق بين الأديب الشاعر المتميز وبين الكاتب المؤرخ الهادئ، وفي إحدى المرات أتيت معي بالرسالة مجلة الرسالة التي كانت يصدرها الزيّات أحمد حسن الزيّات.

مالك التريكي: وكان يكتب فيها زكي مبارك.

ناصر الدين الأسد: وكان فيها قصيدة لزكي مبارك نعم فاستأذنت منه في بيته وكان معنا مجموعة من الإخوان أن اقرأ له هذه القصيدة فقرأت هذه القصيدة وكنت كلما قطعت منها شوطا أرى أنه بدأ يُعجب بدأ يعجب بها إلى أن انتهيت منها وهذه لها قصة مع زكي مبارك بعد ذلك في القاهرة أي نعم، فاتفقنا على أننا نُفرّق بين الأديب وبين المؤرخ العالم الكاتب نعم.

مالك التريكي: قبل أن ننتقل إلى الحديث عن زكي مبارك وأحمد أمين لأننا سننتقل إلى الحديث عن القاهرة وحضورك المجالس الأدبية والندوات الأدبية التي كان يعقدها أعلام الفكر والأدب في مصر، إسحاق موسى الحسيني كان يحب أبا تمام.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: ولماذا كان يأتي إلى الفصل ويعيد نفس السؤال.

ناصر الدين الأسد: أي نعم هو في المرة الأولى بطبيعة الحال لم يكن فيه ما يدعو إلى المفاجأة دخل الصف أو الفصل كما يقولون في مصر دخل وهو متأبط كتابا قال أتعرفون ماذا أتأبط؟ قلنا له لا نعرف وكنا حقيقة لا نعرف ماذا تتأبط قال هذا ديوان حبيبي حبيب بن أوس أي نعم وهذا هو اسم أبي تمام، وأخذ يقرأ لنا بعض شعره ويقف عند بيت عجيب يعني كان من الإلهام حقيقة وهو:

مَطَرٌ يَذُوبُ الصَّحْوُ منه وبَعْدَه

صَحْوٌ يَكادُ مِنَ الغَضَارة يُمْطِرُ

وأبيات أخرى متعددة فيها هذه الصور وفيها هذه الاستعارات.

مالك التريكي:  لو أعدت لو أعدت قوله دكتور لأنه بيت عميق.

ناصر الدين الأسد: نعم..

مَطَرٌ يَذُوبُ الصَّحْوُ منه وبَعْدَه

صَحْوٌ يَكادُ مِنَ الغَضَارة يُمْطِرُ

مالك التريكي: الله أكبر.

ناصر الدين الأسد: صورة مجازية لكنها واقعية يعني مع ما فيها من أنها صورة بلاغية مجازية لكنها في الواقع يلمسها يكاد يلمسها فأخذ يكرر هذا كلما دخل علينا وهو يتأبط الكتاب ويقول أتدرون ماذا أتأبط؟ فما كان يعرف من مكر عند التلاميذ كنا نقول له لا يا أستاذ لا نعرف فيقول هذا ديوان حبيبي حبيب ابن أوس، هو كان مغرما به غاية الغرام ويعتقد أن الأسلوب الدقيق هو أسلوب أبي تمام وهذا ربما كان غير دقيق هذا ليس دقيقا، أبو تمام هذا يعني قمة شامخة في استعمال المجاز واستعمال البلاغة واستعمال البديع واستعمال ثم أتيت إلى عمان ودرّست في عمان أشهرا ثم بعد ذلك ذهبت إلى القاهرة بنعمة الله ذهبت إلى القاهرة في أواخر سنة 1944 نعم.

مالك التريكي: وكان حصولك على الليسانس في الأدب العربي عام 1947.

ناصر الدين الأسد: صحيح وأُعفينا حينئذ من السنة الأولى لأنهم عدّوا سنتين في الكلية العربية بعد الثانوية العامة معادلتين للسنة الأولى الجامعية أعفينا منها أنا وجميع زملائي الذين حصلوا على الإنترميديت ودبلوم التربية والتعليم ولذلك لم نقضِ في كلية الآداب إلا ثلاث سنوات في المرحلة الجامعية الأولى في البكالوريوس أو الليسانس كما كانت تسمى عندنا في مصر هناك، ثم بعد ذلك يسر الله لي، أحب أن أشير هنا إلى أن البكالوريوس الليسانس كانت على نوعين حينئذ الليسانس فقط والليسانس الممتازة، الليسانس الممتازة يعني Honors Degree  فكان كل من يحصل بعد السنة الثانية على تقدير ممتاز هنا التفرقة بين امتياز وممتازة وممتاز نعم كل من يحصل على تقدير امتياز أو جيد جدا في نهاية السنة الثانية يلتحق بالليسانس الممتازة  فإذا لم يحصل على جيد جدا حصل على جيد أو مقبول التحق في الليسانس فقط والفرق بينهما أن الليسانس الممتازة كانت تزيد الدراسة فيها بثلاثة مواد ثلاثة موضوعات على الليسانس الأخرى، وكنا الذين التحقوا بالليسانس الممتازة ثلاثة أنا والدكتور حسين نصّار الذي أصبح بعد ذلك عميدا لكلية الآداب وتولى مناصب أخرى أيضا متعددة والدكتور ناصر الحاني وهو عراقي وأصبح سفيرا بعد ذلك في لندن ووزيرا للخارجية العراقية في مرحلة من المراحل ثم انتهت حياته هناك بمأساة بكل أسف فكنا فقط ثلاثة في الليسانس الممتازة.

مجالس أدبية خاصة

مالك التريكي: هل بدأت تزور وتحضر المجالس الأدبية منذ تلك الفترة أم بعد انتهاء..

ناصر الدين الأسد: لا وأنا طالب وأنا طالب في الجامعة وهذه ميزة الدراسة الجامعية في القاهرة كانت تترك مجالا واسعا وتفتح آفاقا واسعة لطلبة الجامعة أن يتصلوا بالأجواء الأدبية والفكرية والعلمية في مصر وكانت أجواء يعني مائجة حينئذ فيُسّر لي- بحمد الله- أن اتصل بعدد من الأدباء والعلماء وربما كان من أول من اتصلت بهم هو أستاذي الدكتور أحمد أمين لأنه كانت له ندوة في مقر لجنة الثقافة مجلة الثقافة التي كان يصدرها وكانت صنوة الرسالة، الرسالة والثقافة.

مالك التريكي: للزياتي.

ناصر الدين الأسد: نعم ولجنة تسمى لجنة التأليف والترجمة والنشر فكان هناك يعقد ندوة وكان يحضرها الدكتور محمد عوض محمد نعم والدكتور محمد فريد أبو حديد ويحضرها أحمد حسن الزيّات نفسه.

مالك التريكي: لأنها صديقان.

ناصر الدين الأسد: نعم، نعم يحضر وبعد ذلك توسعت في حضور الندوات وكان أيضا من ندواتي التي لا أنساها ندوة كامل الكيلاني.

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: بمثل ما أتيح للعلاّمة ناصر الدين الأسد أن يعاصر التحولات الثقافية الكبرى والمعارك الأدبية الشهيرة فقد قيض له أن يتصل في الأربعينيات والخمسينيات بألمع رجالات الفكر والأدب العربي وأن يغشى المجالس والندوات الأدبية التي كانت آنذاك قبلة القصاد من أهل الفكر وطلاب العلم والتي أصبحنا نرى فيها الآن أحد أشرق وجوه تاريخنا الثقافي المعاصر وقد كان من أهمها ندوات كامل الكيلاني ومحمود محمد شاكر وأمين الخولي وأحمد أمين، أما طه حسين فقد ظل ناصر الدين الأسد يختلف إليه على مدى أكثر من عشرين عاماً في زيارات منتظمة كانت إحداها عام 1946 حيث قصده برفقة الأستاذ جمال عابدين مدرس الأدب العربي في كلية روضة المعارف المقدسية وبرفقة سيد قطب الذي كان يعد أبرز نقاد الأدب آنذاك والذي كان كتابه عن التصوير الفني في القران الكريم قد صدر للتو، وقد دار الحديث بين ثلاثتهم عن المستشرقين وعن مشاريع سيد قطب الأدبية وعن اعتقاده بأن الطريقة التي كانت سائدة في تحفيظ القرآن للأطفال إنما هي جناية في حق القرآن لأنها تعطل القدرة على إدراك المعاني بالفهم والتدبر.

ناصر الدين الأسد: فهو كان يعتقد أن هذه جناية طريقة التحفيظ لأن تصرف الناس عن التأمل وعن التفكير وأشار حينئذ إلى أنه كان كتابه التصوير الفني في القران قد صدر وأنه الآن معني بكتاب آخر عن صور الآخرة.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: عن الدار الآخرة.

مالك التريكي: ونشر بعد ذلك.

ناصر الدين الأسد: نشر بعد ذلك وأنه مصروف إليه وذكر..

مالك التريكي: مشاهد القيامة في القرآن أظن..

ناصر الدين الأسد: نعم مشاهد القيامة في القرآن صحيح بعد ذلك قال أن هو معني بإعادة قراءة القرآن عدة مرات ليستخرج المعاني ويتدبرها أيضاً مما قاله عن المستشرقين أن المستشرقين يمتازون بحسن تخطيطهم لموضوعاتهم وترتيبهم والذي هو المنهج..

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: المنهج الذي عرفناه عن المستشرقين ولكنهم كانوا لا يستطيعون الغوص في الشعر العربي ولا في الأدب العربي فكأنما كانوا يطوفون حوله ويلامسونه من الخارج..

مالك التريكي: ولا يُنفذون ولا يُنفذون..

ناصر الدين الأسد: لا يُنفذون إلى أعماقه، ثم ذهبنا بعد ذلك نحن الثلاثة إلى طه حسين وانتظرنا نحو عشرين دقيقة إلى أن أذن لنا لأن الذين كانوا ينتظرون الدخول كانوا أفواجاً أفواجاً يعني فكنا نتصور حتى أننا سننتظر ساعتين أو ثلاث ساعات بعد عشرين دقيقة أدخلنا فرحب بنا حينما علم أن معنا صديقاً فلسطينياً نعم ودار الحديث حول فلسطين واغتنمنا هذه المناسبة ما دام رحب بنا على هذا الأساس عن التهمة الموجهة.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: إلى دار الكاتب المصري وأن تمويلها.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: كان يهودياً فقال أنا لم أكتب في الرد ولا في الدفاع ولم أتحدث إلا مرة واحدة في عبارة عابرة قلتها ثم قال يعني يحسن أن يقرأ الناس ما يكتب فيها وبهذه المناسبة في العدد القادم ستقرؤون مقالة عن جامعتكم العربية.

مالك التريكي: نعم، نعم.

ناصر الدين الأسد: قالها بشيء من السخرية وهو ساخر.

مالك التريكي: السيد قطب رغم أنه كان يعد تلميذ عباس محمود العقاد كان معجباً بتحصيله إلى درجة أنه عندما نشر سيرته الذاتية طفل من القرية أهداها إلى طه حسين.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: وأيضاً هنالك وجه للشبه ربما ترى فيه تعسفاً لكن إلي وجدته بعض من الشبه بينك وبينه على الأقل في الاهتمام لأن ربما من أول المقالات التي كتبتها وكنت تلميذاً في مجلة المدرسة كانت عن الشاعر..

ناصر الدين الأسد: صحيح.

مالك التريكي: ومهمة الشاعر وهو من أول الكتب التي نشرها إن لم يكن أول كتاب نشره كان مهمة الشاعر في الحياة.

ناصر الدين الأسد: صحيح.

تأثير يملكه طه حسين على الشباب

مالك التريكي: نعم طه حسين له هذه القدرة على التأثير في شباب لهم مشارب مختلفة وأذواق شتى وأجيال متعددة وأنت كنت من هؤلاء لماذا كان لطه حسين هذا التأثير؟ ما هو مكمن هذا السحر فيه؟

ناصر الدين الأسد: والله الإجابة عن هذا السؤال مثل الإجابة عن الأسئلة المشابهة له الإجابة عسيرة لماذا كان له هذا التأثير؟ طه حسين قمة شامخة كان يتطلع إليها الجميع ليس فقط الناشئة الذين يتطلعون إليه وإنما أيضاً كبار الكتاب وكبار الأدباء وكبار المفكرين من العرب ومن الأجانب وما كان يأتي أحد إلا في النادر القليل من خارج مصر من العرب ومن المستشرقين إلا طلب أن يزور الدكتور طه حسين، ربما كان شخصية الدكتور طه حسين واتساع مجالات كتاباته والدكتور طه حسين كما تعلم كتب كتابات أدبية في المستوى الرفيع كان يتميز بأسلوبه كان معروف أسلوب طه حسين.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: لكنه أيضاً كتب في التاريخ الإغريقي والتاريخ الروماني وكتب كذلك في الثقافة العربية مستقبل الثقافة في مصر.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: وكتب كذلك في ترجمات، ترجم كثيراً من الكتب الأجنبية سواء كانت إغريقية أو فرنسية ترجمها، وكتب روايات وكتب قصصاً بالإضافة إلى بحوثه في التاريخ الإسلامي وفي الأدب العربي.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: هذه القمة الشامخة كان لا بد أن يتطلع عليها المتأدبون والأدباء الذين يريدون أن يصبحوا من أصحاب المكانة في المجتمع عن طريق طه حسين وأيضاً الذين حققوا هذه المكانة في المجتمع لكن من جملة الأسباب أن طه حسين كان عاطفياً وإذا سُر من شخص وطلب هذا الشخص منه أن ينفعه وبذل جهده في نفعه، وشهر طه حسين في أنه نفع كثيرين وأنه أصر بكثيرين.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: وشكا الذين أضر بهم شكوا من هذا الذي لحقهم من الضرر ولذلك كان الذين يرجون نفعه يؤمون بيته.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: والذين يخشون أيضاً ضرره يؤمون.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: بيته من أجل دفع هذا الضرر ومن أجل التحبب إليه، لكن إذا بدأ الإنسان بمعرفة طه حسين لا يستطيع أن يكف عن زيارته شخصية آسرة حقيقة آسرة لأنه يطوف بالمجتمعين في مجلسه في آفاق متعددة من المعرفة بهذا الأسلوب الذي تميز به ولذلك يحرص جميع الموجودين على أن يصلوا إليه وأن يستفيدوا وقل ما يحدث في مجلسه نقاش له حرصاُ على الاستفادة منه.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: حرصاً على أن يستمر هو في الحديث والاستفادة منه يعني هذا تصوري.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: للسبب في أن الجميع كان يطمع في أن يزور الدكتور طه حسين وأن يتعرف به.

مالك التريكي: لكنك بقيت تزوره مدة 20 عاماً.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: وكنت تؤم منزله حسبما تقول عندما لم تكن تجد موطئ قدم في بيته من كثرة المزدحمين عليه ثم صرت تؤم بيته عندما لم يكن يوجد في البيت سواكما.

ناصر الدين الأسد: صحيح، صحيح أنا كتبت هذا وما زلت أقوله وأسأل الله أن يغفر لي إذا كنت استعملت تعبيراً أدبياً ولكنه قريب جداً من الواقع قريب جداً من الواقع، كان بيته يزدحم بالزوار وكان أحياناً بعض الزائرين لا يجدون مكاناً للجلوس فكانوا يقفون إلى أن تنتهي زيارة بعض الذين كانوا جالسين فيجلسون وكنت أزوره حينئذ وله ذاكرة عجيبة من ما شجعني على الاستمرار أن سكرتير الدكتور طه حسين فريد شحادة اتصل بي مرة أو مرتين قال لي أين أنت الدكتور طه حسين سأل عنك هذا بعد أن توثقت المودة بيننا.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: أو أقول المعرفة.

مالك التريكي: نعم.

زيارات لطه حسين تمتد لقرابة 20 عاما

ناصر الدين الأسد: بيننا، نعم ولذلك هذا كان يشجعني الدكتور طه حسين يسأل عني فكنت أكثر من زيارته.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: وحقيقة لم أكن أجد موطئ قدم لي واستمرت أكثر من عشرين عاماً، أنا كتبت عشرين عاماً ربما في وقت قبل وفاته.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: ثم كررت العبارة.

مالك التريكي: نعم، نعم.

ناصر الدين الأسد: بعد ذلك وبقيت إلى أسابيع قليلة جداً قبيل وفاته.

مالك التريكي: عام 1973.

ناصر الدين الأسد: نعم وأذكر حتى في الجلسة قبيل وفاته هو توفي سنة 1973 كما تفضلت نعم أسابيع قليلة في جلسة لم يكن فيها سواي أنا وهو والسيدة زوجته تمر من حين إلى حين تغطي قدميه بالبطانية بهذا الغطاء.

مالك التريكي: لأنه كان مريضاً.

ناصر الدين الأسد: مريضاً ويشعر بالبرد بشدة يشعر بالبرد بشدة أنا لا أعرف مرضه حقيقة ولم أسأل عن هذا يعني توقيراً له.

مالك التريكي: طبعاً.

ناصر الدين الأسد: لم أسأل عن هذا، وفي تلك الجلسة يعني دار بيننا حديث يدل على أن الدكتور طه حسين لم يكن فقط دخل في مرحلة المرض الجسدي وإنما أيضاً دخل في مرحلة ضعف الذاكرة في بعض الأمور.

مالك التريكي: نعم، أنا ذكرت أن مجال الاختصاص نوعاً ما ولو أن هذه كلمة غير دقيقة مشترك بينك وبين طه حسين على أساس أن طه حسين كان مشهوراً جداً لكن من أسباب شهرته كتاب في الشعر الجاهلي الذي صدر عام 1926 وأقام الدنيا ولم يقعدها كما يقال في العبارة الشائعة، ثم بعد ذلك بعام نفذ الكتاب أو سحب من السوق بأمر قضائي وأصدر كتاباً جديداً في الأدب الجاهلي مزيد ومنقح وحذف منه العبارات التي اعتبرها البعض مسيئة، الكتاب في الشعر الجاهلي نفذ ولم يعد لم يعد متوفراً ولكنك تملك نسخة منه وهي لا بد من إظهارها..

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: للجمهور لأنها..

ناصر الدين الأسد: نعم، نعم.

مالك التريكي: نسخة نادرة جداً.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: عام 1926.

ناصر الدين الأسد: يعني أنا كلما استخرجت هذه النسخة من مكتبتي لسبب من الأسباب تمثل لي من خلالها طه حسين كما كنا في سالف الأيام حقيقة.

مالك التريكي: بشخصه، بشخصه.

ناصر الدين الأسد: هي نسخة عزيزة عندي لأنها ربما كانت الوحيدة هنا في الأردن وإن كانت هيئة النشر في مصر أعادت طباعته لكن النسخة الأصلية سنة 1926 هي الوحيدة الموجودة.

مالك التريكي: وأظن أنها لا تتوفر بكثرة حتى في مصر لأنني قرأت للناقد الأدبي الدكتور جابر عصفور وهو متخصص بهذا المجال وهو متأثر بطه حسين يقول إن له لا يزال محتفظ بنسخته من كتاب في الأدب الجاهلي الذي صدر عام 1927 وله وقع وله مكانة خاصة في نفسه.

ناصر الدين الأسد: صحيح.

مالك التريكي: لم يذكر هذا الكتاب مما يدل على أن هذه النسخة نادرة جداً.

ناصر الدين الأسد: نعم صحيح صحيح صحيح وهذا الذي قصدته حينما قال مكانة خاصة في نفسي حينما ينظر إلي فكيف بالمكانة الخاصة في نفسي من هذا الكتاب.

مالك التريكي: الكتاب الأصلي.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: الأصلي.

ناصر الدين الأسد: نعم

مالك التريكي: الذي أثار ذلك اللغط.

ناصر الدين الأسد: نعم، نعم.

مالك التريكي: عام 1955.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: حصلت على درجة الدكتوراه.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: بامتياز أو شرف.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: وكان موضوعها مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية فبحثت في الموضوع الذي بحثه طه حسين، عادة يفهم من كتابك أنك هذا ما يفهمه الجمهور عامة أنك قصدت إلى الرد على طه حسين ولم يكن هذا قصدك كان القصد منه عملاً تأصيلياً تأسيسياً لو بسطت القول في ذلك.

ناصر الدين الأسد: والله ما تفضلت به هو صحيح تصور كثيرون أن الكتاب رد على الدكتور طه حسين والحقيقة أن الكتاب هو دراسة تأصيلية تأسيسية في مناهج البحث في الشعر الجاهلي، ولذلك طوفت فيه طوافاً واسعاً عريضاً من أجل أن أضع هذه الأصول لدراسة الشعر الجاهلي من الخارج وليس من الداخل.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: لأن الدراسة النقدية الفنية الداخلية موضوع آخر.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: فأنا تناولت المصادر وهي دراسة خارجية بطبيعة الحال لكن كان لا بد في معرض الكلام أن نتطرق إلى كتاب في الشعر الجاهلي وإلا الذين ردوا على الدكتور طه حسين فهذا كان من مقتضيات البحث ولكنه لم يكن هدف البحث لم يكن الأساس من البحث، وناقشني جلة من الأساتذة الأجلاء أكرمهم الله وأكرموني في أثناء المناقشة ومنهم أثنوا علي وأراد الدكتور شوقي ضيف رحمه الله.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: أن يرجئ المناقشة إلى حين عودة الدكتور طه حسين من رحلته الصيفية المعتادة.

مالك التريكي: إلى أوروبا.

ناصر الدين الأسد: نعم إلى أوروبا وطال الانتظار ولم يعد الدكتور طه حسين لأن المناقشة كانت في شهر أغسطس.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: في شهر آب أي نعم بعض الأساتذة ألحوا على الدكتور شوقي ضيف أعضاء اللجنة أي نعم ونوقشت فحين عاد الدكتور طه حسين أنا لم أعلم بعودته بعد أن عاد بمدة اتصل بي سكرتيره فريد شحادة وقال لي جهز نفسك أنا الآن أقرأ الكتاب للدكتور طه حسين وهو من حين إلى حين ينهض من مقعده وأحس أنه سيزورك.

مالك التريكي: ينتفض غضباً.

ناصر الدين الأسد: أيوه يعني أنا ما أحببت أن أقول هذا.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: وفجأة في أحد الأيام بعد هذا الحديث وهي قصة كررتها، كررتها كثيراً لكني لا بأس من أن أستشهد بها لأنها تدل على ما يتمتع به هذا الرجل العظيم الحقيقة من صفات زارني فوجئت بمكتبي في الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية بالباب يفتح ويدخل فريد شحادة سكرتير الدكتور طه حسين وهو يقود الدكتور طه حسين، فدخل الدكتور طه حسين متجهماً دون أن يلقي السلام وجلس ثم بدأ يتحدث وأسمعني كما كتبت مراراً عبارة أسمعني من القول أغلظه أسمعني غليظ القول حقيقة ولكن سبحان الله أنزل الله عليّ سكينته فلم أنبس ببنت شفة لم أرد عليه ولا بكلمة، وبعد أن أفرغ جرابه أي نعم أفرغ هذا الجراب خرج كما دخل دون أن يلقي التحية وانتهينا بعد نحو أسبوع من هذا...

مالك التريكي: ماذا كان قع ذلك الكلام في نفسك؟

ناصر الدين الأسد: والله تألمت كثيراً تألمت كثيراً جداً لأني كنت أتصور أن الدكتور طه حسين بملاحيته سيلحظ أن الكتاب ليس رداً عليه وإنما هو كما ذكرنا دراسة تأصيلية جامعية منهجية لموضوع نشترك معاً فيه لكن الإنسان إنسان.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: يظل إنسان

مالك التريكي: طبعاً.

ناصر الدين الأسد: يعني انفعل الدكتور طه حسين وهو شديد الإحساس دائماً بمكانته الدكتور طه حسين، بعد أسبوع اتصل بي مدير الإدارة الثقافية وهو رجل فاضل من العراق الأستاذ سعيد فهيم رحمه الله بالهاتف وكان من عادته أن يتصل بي من حين إلى حين وقال لي: ألا تريد أن تشرب القهوة معي؟ تفضل، فقلت له حاضر ذهبت وفتحت الباب وجدت أمامي الأمين رئيف أبو اللمع الدكتور الأمين رئيف أبو اللمع وطه حسين، رئيف أبو اللمع كان الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية المسؤول عن الشؤون الثقافية وطه حسين كان رئيس اللجنة الثقافية وأنا حينئذ موظف صغير في الإدارة الثقافية نعم فحين لمحتهما أغلقت الباب ورجعت ودخلت مكتبي يبدو أن الدكتور طه حسين بشدة سمعه نعم أدرك أن مدير الإدارة اتصل بي وأن أنا كنت أوشك أن آتي وأنه فتح الباب وأغلق ولم أدخل نعم فاتصل بي سعيد فهيم وقال لي يعني ما حضرت قلت له والله شغلت بكل أسف فوجئت بعدها بدقيقتين الباب يفتح وفريد شحادة يدخل ويقود طه حسين ويلقي السلام الدكتور طه حسين ويجلس ويقول لي: أما زلت غاضباً؟ ففتح الله علي وقلت له أشد الغضب فطيب خاطري بكلمات أعتز بها غاية الاعتزاز حقيقة ومسح ما كان في نفسي من آثار مقابلته الأولى وعادت الصلة بيننا كما كانت في السابق.

مالك التريكي: مما قاله لك أن الكتاب جيد وأنك..

ناصر الدين الأسد: نعم، قال لي منهجك جيد وأسلوبك الأدبي جيد وأنا راض عن الكتاب كل هذا شيء كبير من طه حسين أن يقوله يعني لتلميذ صغير يعني فسرني غاية السرور حقيقة الحمد الله.

مالك التريكي: نعم الحمد لله مما ذكرته عن طه حسين أنه أديب.

ناصر الدين الأسد: أولاً وقبل كل اعتبار.

مالك التريكي: قبل كل شيء وتعتبر أن على هامش السيرة.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: والأيام هما من أفضل ما كتب إن لم يكن الكتابان أفضل ما كتب على الإطلاق وأظن وأسمح برأيي هنا أظننا متفقان لأن..

ناصر الدين الأسد: لا بل تيقن أننا متفقان.

مالك التريكي: في ذلك.

ناصر الدين الأسد: هما خير ما كتب من الناحية الأدبية أسلوب عجيب وصورة عجيبة وفي علائم السيرة فتح جديد في عالم الكتابة الأدبية.

مآخذ على المواقف الفكرية لطه حسين

مالك التريكي: رغم إعجابك بطه حسين كقامة فكرية وأدبية وإجلالك له كشخص له من التميز ما له لك اختلاف معه في بعض المواقف الفكرية ذكرت مرة أن لك بعض المآخذ على بعض مواقفه الفكرية ولكن لم تفصل، أود منك أن تفصل بعض الشيء.

ناصر الدين الأسد: الدكتور طه حسين يجب أن يُعرف على أنه أحياناً لا يقصد في الحقيقة ما يصدر منه من كلام.

مالك التريكي: نعم، نعم.

ناصر الدين الأسد: وما يصدر منه من كلام أحياناً هو يقصد منه الاستفزاز للآخرين بل إن كتاب في الشعر الجاهلي هو أصلاً كتاب استفزازي للآخرين لينال به الشهرة المدوية وقد حدث هذا..

مالك التريكي: نعم، نعم.

ناصر الدين الأسد: وقد نال هذه الشهرة، صدرت له كتب من قبل في الشعر الجاهلي كانت كتباً عادية لم تحقق له ما كان يصبو إليه.

مالك التريكي: نعم نعم.

ناصر الدين الأسد: لكن القنبلة الكبرى كانت هي التفجير الكبير في الشعر الجاهلي، الدكتور طه حسين كان استفزازياً وكنت أحياناً يعني لا تعجبني هذه الاستفزازية منه.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: يعني كنا جالسين مرة الدكتور رئيف أبو اللمع وهو وأنا فكان يغيظ الدكتور رئيف أبو اللمع وهو عروبي متحمس للعروبة رئيف أبو اللمع.

مالك التريكي: نعم، نعم.

ناصر الدين الأسد: قال له من عندكم أنتم من الشعراء حتى شاعركم الذي تفتخرون به ليس عربياً هو رومي هو ابن الروم..

مالك التريكي: نعم، نعم..

ناصر الدين الأسد: الرومي أي نعم يعني ما رضيت عن هذا الكلام فهمهمت بكلام حمدت الله حمدت الله.

مالك التريكي: لم يسمعه.

ناصر الدين الأسد: أنه لا، أنه تجاهله.

مالك التريكي: نعم لم يرد عليك.

ناصر الدين الأسد: أنه لم تختر إلا شاعراً لا يعرفه أكثرنا من هو ابن الرومي يعني أمام الشعراء المشهورين.

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: طبعاً ابن الرومي قمة شامخة..

مالك التريكي: لكنه ليس من طبقة المتنبي وأبي تمام..

ناصر الدين الأسد: نعم نعم نعم يعني ما اخترت إلا هذا خذه للروم جميعاً لا نريده فكانت أحياناً بيننا مواقف، لكن الحقيقة كان إذا أحببت امرئ اتسع صدرك له.

مالك التريكي: نعم، نعم.

ناصر الدين الأسد: حقيقة وقد يضيق صدر المرء عن أشياء أقل من هذا كثيراً..

مالك التريكي: إذا انعدم..

ناصر الدين الأسد: أمام آخرين فأنا لا أحب أن أسهب في هذا لأنه قد يظهر فيها شيء من الثناء على شخصي أن يخالف المخلوف طه حسين..

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: لا الدكتور طه حسين لا يخالف وأنا أقبل به بعجله وبجله..

مالك التريكي: وبجله كما هو كما هو.

ناصر الدين الأسد: أي نعم.