لا يشبه الاحتلال الإسرائيلي احتلالا آخر في سعيه لطمس هوية القدس العربية والبحث المضني عن أي إثباتات تاريخية تبرر اغتصاب وتشريد أهل البلاد الأصليين وإحلال غيرهم من جهات الأرض الأربع.

في حلقة برنامج "الشاهد" عاين الجزء الأول ما يجري للمدينة المقدسة وما يخطط لها على مسمع بالغ الوضوح يرى المدينة تقبض على الجمر ولا تجد في أكنافها معينا.

للتاريخ روايات وللسياسي أجندات، غير أن "يبوس" العاصمة الأولى للعرب الكنعانيين اتفقت جميع الروايات اليهودية والمسيحية والإسلامية على وجودها قبل ثلاثة آلاف سنة من ميلاد المسيح كما يوضح مدير التعليم في المسجد الأقصى ناجح بكيرات.

الرواية اليهودية تقول إن النبي داود -عليه السلام- فتح يبوس قرابة سنة ألف قبل الميلاد ولم يغير اسمها ولم يطرد سكانها لكنها عرفت في ما بعد بمدينة داود.

تورد الحلقة التي بثت في 5/2/2015 أن الكنعانيين الذي هاجروا إليها من الجزيرة العربية أقاموا في يبوس أول كيان سياسي وبسطوا نفوذهم من جبال لبنان شمالا حتى النيل جنوبا ومن البحر حتى حدود بلاد ما بين النهرين، ثم قامت "أور سالم" والتي تعني قرية السلام على يد أول ملوك الكنعانيين ملكي صادق.

تتجول الكاميرا في بلدة سلوان المجاورة للمسجد الأقصى التي يحاول الاحتلال تغيير واقعها وتسميتها باسم مدينة الملك داود.

وبعد رفض السلطات إعطاء الإذن بتصوير الحفريات صورت الكاميرا من أحد الأسطح، ولدى سؤال عالم الآثار يوني مزراحي قال إن الإسرائيليين وجدوا بعد الحفريات آثار كل الحقب التاريخية ما عدا حقبة الملك داود أو آثار الهيكل، مضيفا أن "هناك بقايا قليلة مما يسمى عصر داود وسليمان.. وهذه تعد مشكلة".

أجندة التنقيب
إذا لم تكن هناك أي آثار فما الهدف من مواصلة التنقيب؟ يقول مزراحي "يبدو وراء ذلك أمر سياسي"، ويشرح ذلك بأن الأجندة السياسية تقضي بأن يبنى هناك بنيان كبير يضم مجمعا توراتيا سيحجب الأقصى ويعلو عليه، وليس مهما أن يضم شيئا من المقتنيات التي لم يعثر عليها بل أن يقص ما جاء في التوراة.

تتجول الكاميرا في مبنى القلعة على سور القدس، حيث افتتح الاحتلال متحفا يحكي تاريخ اليهود الغاب، وضع الوجود الكنعاني خارج المتحف كأنه زمن عابر، لكن المتحف نفسه يقدم لوحة تصور الملك الكنعاني ملكي صادق ملك يبوس وهو يستقبل النبي إبراهيم عليه السلام في طريقه لمصر مقدما له الخبز والخمر، كما ورد في التوراة.

يوضح القس نعيم عتيق -من مؤسسة سبيل- أنه كان هناك هيكل ولكن جاء المسلمون إلى القدس بعد ستمائة عام من دماره ودمار المعبد الوثني الذي بني على أنقاضه، أي أنهم لم يهدموا أي مبنى كما تزعم الرواية الإسرائيلية.

احتلت القدس مرات عديدة قبل الإسلام وبعده لكن ما ترزح تحته اليوم مختلف، إذ يختلق المحتل ماضيا بأي طريقة ويمحو الآخر بأي ثمن، حتى القبور التي تصبح برهانا على الوجود يجب محوها، مثل مقبرة "مأمن الله" التي تضم آلاف المجاهدين وسبعين ألف مسلم قتلهم الصليبيون ودفنوا فيها.

الجزء الأكبر من المقبرة طمس وحول إلى حديقة عامة تسمى حديقة الاستقلال، بينما خصص الباقي لمتحف اسمه "التسامح" وبني بتمويل من يهود أميركيين.

اسم البرنامج: الشاهد

عنوان الحلقة: القدس وحدها تقاوم - صراع الهوية ج1

مقدم الحلقة: أحمد الشيخ

ضيوف الحلقة:

-   مصطفى أبو صوي/جامعة القدس

-   ناجح بكيرات/مدير التعليم في المسجد الأقصى

-   هاني نور الدين/جامعة القدس

-   يوني مزراحي/متخصص في الآثار

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 5/2/2015

المحاور:

-   القدس.. التسمية والتاريخ

-   مدينة داود المزعومة

-   الادعاءات الإسرائيلية حول الهيكل المزعوم

-   مخاطر الحفريات الإسرائيلية على المسجد الأقصى

-   طمس المعالم الأثرية وتزييف التاريخ

أحمد الشيخ: ترفعُ القدس جبينها نحو السماء إذ لا تجد في الأرض مجيبا، تقبضُ القدس على الجمر إذ لا تجد في أكنافها معينا؛ تنتظر القدس وتحتسب، من حولها بين قاتل وقتيل بين لاهٍ وراء السراب ولاهثٍ وراء الرغيف وراسفٍ في أغلال الاستبداد، شددنا إليها الرحال علّنا ننفض ما ران على العقول والقلوب، ولعلنا نُذكر بأن الأقصى وأهله وحدهم يُرابطون.

هنا تبدأ الحكاية كلها، هنا “يبوس”عاصمة العرب الكنعانيين الأولى الذين أقاموا في هذا المكان أول كيانٍ سياسي حكم هذه الأرض قبل أربعة آلاف عام، هنا حطّ العرب الكنعانيون رحالهم بعد هجرة طويلة من جزيرة العرب قبل 3 آلاف سنةٍ من ميلاد المسيح، سمّت التوراة هذا المكان “يبوس”وسكانه كانوا عربا كنعانيين وجدوا فيه الماء فأناخوا عنده وأسسوا تجمعاً مدِنياً برع في الزراعة والكتابة والصناعة وأخذ معرفته ونقلها إلى غيره من الشعوب.

القدس.. التسمية والتاريخ

مصطفى أبو صوي/جامعة القدس: هي مدينة قديمة، نتحدث في أفضل الأحوال نتحدث عن سُكنى أناس في هذه المنطقة في حدود مثلا 5 آلاف سنة لكن سكنى في المنطقة بسبب عين سلوان وبسبب النبع وهو النبع الوحيد الموجود في هذه المنطقة، للمقارنة أريحا عمر 10 آلاف سنة وهي أول مستوطنة زراعية في العالم ويتوقع أنه كان هنالك تحركات للسكان، المهم أن مدينة القدس يتحدث اليوم الإنسان عن مدينة القدس يعني الموسعة عن البلدة القديمة لكن البلدة أو المدينة الأقدم- إذا جاز التعبير- فهي “يبوس” وهي يجب أن نذكر هي نفس المكان الذي تسميه المؤسسات الصهيونية بمدينة "داود".

أحمد الشيخ: أقام الكنعانيون أولاً مدناً استقلت فرادى مثل أور سالم القدس وشكيم نابلس وبيسان وعسقلان وغزة، ثم بسطوا نفوذهم من جبال لبنان شمالاً حتى النيل ومن البحر حتى حدود بلاد ما بين النهرين، قامت أور سالم هنا أولاً أسسها ملكي صادق أول ملوك الكنعانيين وسماها أور سالم أي قرية السلام.

ناجح بكيرات/مدير التعليم في المسجد الأقصى: إذا أردنا أن نعود إلى الروايات التاريخية فنحن نؤكد بأن مدينة القدس هي مدينة أثرية قديمة مدينة كنعانية مدينة “يبوسية“ وهذا ما تؤكده كل الروايات اليهودية والمسيحية والإسلامية تؤكد بأن الكنعانيين سكنوا هذه المدينة وهي أرض كنعان وأن اليبوسيين كانوا موجودين وكانوا هم أول حتى من قاموا بحفريات النفق ما تسمى بعين إم الدرج عين سلوان، وبالتالي نحن نعتقد اعتقاد جازم بأنها وجدت قبل 4 آلاف و500 عام على حسب كل الروايات وهذا متفق عليه بجميع الروايات اليهودية والمسيحية والإسلامية.

أحمد الشيخ: في مبنى القلعة على سور القدس افتتح الاحتلال متحفاً يحكي تاريخ اليهود الغابر، وضعوا الحقبة الكنعانية التي سبقت وجودهم هنا خارج غرف المتحف وكأنها زمن عابر فحسب، من المقتنيات لوحة تصور إبراهيم الخليل عندما مر من هنا في طريقه إلى مصر استقبله ملكي صادق ملك “يبوس”وقدم له الخبز والخمر كما ورد في التوراة، وقد كان الكنعانيون على اتصالٍ وثيقٍ مع فراعنة مصر وخضعوا ذات يوم لسلطانهم في النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد، كما يُظهر لوحٌ فخاري عُثر عليه في تل العمارنة وهو عبارة عن رسالة من 350 حرفاً مسمارياً أرسلها ملوك أور سالم للفرعون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وما تبقى من آثارٍ فنية للكنعانيين يُظهر بجلاء تأثر فنونهم وحياتهم بالفن الفرعوني المصري كما في هذه اللوحة الموجودة في متحف برلين، وبفضل موقع فلسطين فقد كانت بلاد الكنعانيين بمثابة بيضة القبّان بين الإمبراطوريات الكبرى الثلاث آنذاك مصر وبلاد ما بين النهرين والحثيين في الشمال، وهذا ما كتبوه عند هذه الخريطة فهل يرون لأنفسهم اليوم دوراً إسفينيا مماثلاً بل ربما كانت هذه غاية إنشاء الكيان، وفي غرفتين من غرف القلعة يعرض تاريخ المدينة اليهودي وتقوم إسرائيل القديمة في ذهن كل زائر وكأن إسرائيل الحديثة نسخةً منها، تصبح “يبوس”عاصمةً لمملكة داود وسلطانه وسلطان ابنه سليمان من بعده يشمل المنطقة كلها من الفرات إلى تخوم مصر.

هاني نور الدين/جامعة القدس: ﻻ يوجد أي إثباتات تاريخية على أنه الملك داود وصل إلى الفرات ﻻ توجد أي كتابات آرامية أو كتابات آشورية تدل على ذلك الأمر، لذلك شخصية داود هي عملياً شخصية غير تاريخية بل شخصية فقط دينية.

أحمد الشيخ: هنا تقدم ملكة سبأ فروض الطاعة والولاء وصنوف الهدايا.

مصطفى أبو صوي: الرواية التاريخية تذكر أن سيدنا داود عليه السلام فتح “يبوس” قرابة ألف سنة قبل الميلاد يعني قبل ثلاثة آلاف سنة ولم يغير اسم المدينة ولم يطرد سكانها إذاً لم يكن هناك تطهير عرقي للعرب الكنعانيين الذين كانوا يسكنون “يبوس”ولم يسمِ المدينة باسمه لكن عرفت فيما بعد بمدينة داود عليه السّلام، إذاً هي “يبوس” واسمها التوراتي ﻻ يزال “يبوس” يعني حتى التوراة تذكر الاسم كـيبوس وهذه مسألة مهمة جداً في الحديث عن هذه المنطقة وهذه الحقبة.

أحمد الشيخ: ويطلق داود النداء لبناء السور حول المدينة ثم يأتي سليمان فيشيد الهيكل وينقل إليه الماء وإلى المدينة، إلى أن يأتي نبوخذ نصر ويدمر الهيكل ويسبي اليهود إلى بابل ثم يعيدهم كورش الفارسي إلى أرض مملكة داود وسليمان، ويسمح لهم داريوس بالبدء بإعادة بناء الهيكل غير أنه لم يكتمل إلا في زمن هيرودس الأدومي وكيل الرومان.

ناجح بكيرات: السؤال هيرودس هل كان يهودياً أًم أدومياً؟ هيرودس بكلامهم أنه كان أدومياً بمعنى أنه كان فلسطينياً يعود إلى أصولٍ عربية وإذا كان كيف توكّل طائفة أو ديانة كاملة توكّل عربياً من أصول عربية أن يبني لها هيكلاً وبالتالي أنا أُشكك بهذه الرواية.

مدينة داود المزعومة

أحمد الشيخ: ثم تحل الكارثة مرة أخرى فيدمر الرومان السور ويجتاح جيش تيتوس أورشليم الثائرة منذ 4 سنوات ويدمر الهيكل وينقل خيرات المدينة ورموزها إلى روما.

نحن في بلدة سلوان المجاورة للمسجد الأقصى اليوم يحاول الاحتلال الإسرائيلي تغيير واقع هذه البلدة وتبديل اسمها إلى اسم مدينة الملك داود، حاولنا أن ندخل أحد مواقع التنقيب الأثري التي تجريها سلطات الاحتلال في البلدة فمنعونا فاضطررنا للصعود إلى سطح هذا المنزل علّنا نستطيع أن نرى ماذا يفعل القوم، سألنا أحد خبراء علم الآثار الإسرائيليين فقال لنا لقد وجدوا في هذا المكان آثاراً من كل الحقب التاريخية إلا حقبة الملك داود أو آثار الهيكل، في سلوان “يبوس”ينشغل علماء الآثار في أعمال حفرٍ وتنقيب هي جزء من مشروع توراتي قديم حديث لاختلاق إسرائيل القديمة على هيئة الدولة القومية الحديثة الموجودة اليوم، وكأن الدولة الحديثة استمرار للنسخة القديمة التي أسسها داود الملك سنة 1200 قبل الميلاد، أصبح اسم سلوان في قاموسهم اليوم مدينة داود كما يظهر على هذا الجيب الاستيطاني في البلدة التابع لجمعية إلعاد الاستيطانية التوراتية.

يوني مزراحي/متخصص في الآثار: أعتقد أنهم يسمونها مدينة داود لأنّ الإسرائيليين يقولون أنّ الملك داود هو من أسس الأمة الإسرائيلية، هذا ما يعتقدونه لذلك فإن من المهم لهم أن يسموها مدينة داود ونحن نسمي هذا النوع من التنقيب مستوطنةً أثرية لأنه يجري لاعتبارات ٍسياسيةٍ هنا، والهدف من هذا التنقيب هو بيان ارتباط الإسرائيليين بهذا المكان ولتطويق الحرم الشريف بأماكن مثل هذه وإثبات أنّ سلوان إسرائيلية وأنّ المدينة القديمة إسرائيلية وجبل الهيكل إسرائيلي.

أحمد الشيخ: وما يجري هنا من تنقيب هدفه الوصول إلى ما يثبت ذلك من آثار فهل وجدوا شيئاً حتى الآن؟

بوني مزراحي: هناك بقايا قليلة جداً من العصر الذي يسمونه عصر داود وسليمان في القرن الأول، معظم البقايا في الحقيقة هي مما قبل ذلك الوقت أو مما بعده وهذه هي المشكلة كذلك فإن معظم ما وجدوه من حقبٍ لاحقة من العصر الهيليني في القرن الأول الميلادي وما بعده ولم يجدوا أي أثرٍ مهم من العصر التوراتي أي عصر الملك داود وما بعده.

أحمد الشيخ: وإذ لم يجدوا أي أثرٍ من حقبة مملكة داود فما الغاية من مواصلة التنقيب؟  يكمن الجواب في الأبعاد السياسية الكامنة في كل أنشطة التنقيب الأثري التي تقوم بها إسرائيل سواءً في القدس أو خارجها.

بوني مزراحي: إنهم يواصلون التنقيب لأن هذا التنقيب مدفوع بأجندة سياسية وهي أن يقيموا هنا بنياناً كبيرا جداً يأتي إليه الناس من الأحياء اليهودية إلى سلوان، وعندما تأتي إلى هنا في المستقبل فإنك لن تستطيع رؤية الأقصى سيقام هنا مجمع سوف يسمى المجمع التوراتي الذي يروي قصص التوراة فلا يهم لأي عصرٍ يعود ما وجدوه هنا المهم أن المجمع سيقص ما ورد في التوراة.

أحمد الشيخ: إنها خطوةٌ من أجل طمس الصورة البصرية العربية والإسلامية الغالبة للمدينة، فكما يقول المؤرخ اليهودي كيث ويتلم في كتابه اختلاق إسرائيل القديمة فإن هدف الدراسات التوراتية الحديثة لتاريخ إسرائيل القديم هو تصوير ذلك التاريخ على أنه التعبير القديم عن الدولة الحديثة وشعبها اليهودي وطمس كل ما يتعلق بالتاريخ الفلسطيني قديماً وحديثاً.

أيهود غليك/حاخام: لم تكن هناك أبدا دولةً فلسطينية في هذه الأرض دولة إسرائيل ما زالت هنا منذ آلاف السنين وقد أعيد بناؤها وهي دولة يهودية دولة إسرائيل، وهي هنا منذ وقت طويل قبل مجيء الإسلام لقد أعيد بناء دولة إسرائيل ونحن هنا لنبق.

نعيم عتيق/مؤسسة سبيل: نحن نعلم تاريخياً أنه كانت قبائل كنعانية ساكنة في فلسطين في كنعان و”يبوس” كانت قرية صغيرة كنعانية موجودة في هذه المنطقة يعني علماء الآثار يمكن يختلفوا وين كانت بالضبط “يبوس” مش مهم المهم أنها كان في قرية كنعانية لم تكن يهودية أبداً احتُلت على الأقل بحسب تاريخ اليهود احتُلت من قبل الملك داود، ولكن احتلوها احتلال كما يحتلون أماكن أخرى اليوم هي نفس الطريقة، فـ”يبوس” هي بلد كنعانية جزء من كنعان جزء من فلسطين اليوم.

أحمد الشيخ: وكل من يتخرجون من الجنود من دورات التدريب العسكرية ﻻبد أن يؤموا هذا المكان لتترسخ في الذهن إرادة الدفاع عن مملكة داود، ويزور السياح سلوان أو مدينة داود حسب قاموس الاحتلال ويتجولون فيها ويستمعون لشرحٍ عن ماضي المدينة أيام الملك داود.

يوسف النتشة/جامعة القدس: أنا أردد دائماً في كل مقابلاتي ما سبق أن قاله أحد خامات حائط البراق كما يُدعى، سُئل سؤالاً بسيطاً جداً من قبل أحد الصحفيين قبل عدة سنوات حينما تم افتتاح متحف إيتان اند مريم دامنسون اللي هو قصر الأمر متى تريدون أن تبنوا الهيكل الثالث؟ فأجابهم بكل بساطة نريد أن نبني الهيكل الثالث في عقول الناس أولا، إذاً العملية هي إقناع بالفكرة وأما الترتيبات الأخرى فهي سهلة ما تقوم به السلطة الإسرائيلية وما تقوم به الأذرع الإسرائيلية ما نشاهده اليوم هو عبارة عن تسويق كامل لهذه الفكرة واقتناع كبير جداً ليس على مستوى الشخصيات السياسية التي تم قبل عدة عقود وقرون من قبل المؤسسين في الصهيونية في بريطانيا وفي أميركا وأنت طرحت أن أغلب السياسيين الموجودين في القرن التاسع عشر قد آمنوا بهذه الفكرة وعملوا على خلق إسرائيل وعملوا على إيجادها على حساب التراث العربي.

أحمد الشيخ: وهنا في هذه البساتين الموغلة في القدم يعتزمون إقامة الحديقة التوراتية لترتوي من مياه عين سلوان كما كانت في عهد داود كما يقولون، أما طلبة المدارس فيعبرون النفق الذي حفره الكنعانيون من تل موريا شمالا حيث الأقصى اليوم وحتى سلوان “يبوس” ويستمعون أيضاً إلى أمجاد مملكة داود، يلهوا الأطفال في هذه المياه ويلقنون الدرس بأن كهنة الهيكل كان ينقلون ماء الطهارة من هنا عبر النفق تقرباً إلى الله، وهكذا تُختلق إسرائيل القديمة في الذهن اليهودي والعالمي على هيئة الدولة الحديثة في صورةٍ تُبهر العين والخيال يصنعها علماء الآثار والدراسات التوراتية والمستشرقون المتصهينون، يتجسد الهيكل هذه المرة داخل قفص زجاجي ويؤمه الناس زواراً بانتظار أن يقام ذات يوم في موقع الصخرة حيث كان كما يقول بعضهم، وهم يقولون إنّ الصخرة التي بنيت القبة فوقها زمن الأمويين هي أصل مادة الكون كله وعليها كان إسحاق النبي يضع رأسه بعد إن فُدي بذبح إذ أراد أبوه إبراهيم أن يقدمه قرباناً فهي لذلك مكان الهيكل، من مكانٍ قريب وقفنا نطل على حائط البراق في الجهة الغربية من سور الأقصى وهنا يسمونه حائط المبكى وكلما تخرجت دفعة من الجنود يتبركون هنا ويتخرجون إنها الدولة الحديثة التي تحاول إحياء الدولة القديمة لآل داود وسليمان على هيئتها الراهنة، في الأعياد والمناسبات الدينية يتوافدون إلى الحائط الذي ينتظرون أن يكون يوماً جزءاً من الهيكل المنتظر إقامته حين يعود المسيح أو في أي وقت، في شقوق الحائط يضعون أمنياتهم وطلباتهم من ربهم، صادف تصوير هذا البرنامج احتفالات عيد الفصح في منتصف نيسان/إبريل وهو أحد الأعياد الثلاثة الكبرى التي يقولون إنّ الشعب كله في يهودا كان يحج فيه إلى الهيكل، في هذا العيد يتذكر اليهود خلاصهم من عبودية الفرعون في مصر وفرارهم على عجل حتى قبل أن يخمر عجينهم، وهكذا ﻻ يأكلون إلا الخبز الفطير طوال الأسبوع ويحرقون ما لديهم من الخبز الخمير، أما اليوم فيحرم على اليهود دخول موقع الصخرة حتى يتم التطهير بعد ذبح البقرة الحمراء وحرقها ورش رمادها في الماء ليتطهر به الكهنة من سبط لاوي ومن نسل هارون.

منير بن دوف/عالم آثار إسرائيلي: طبقا للتقاليد اليهودية والقوانين يجب عليك إن أردت أن تبني الهيكل أن تكون طاهراً واليهود ليسوا طاهرين اليوم لأن من يذهب إلى مقبرة ﻻ يعود طاهراً، وفي زمن الهيكل كان كبير الكهنة يأخذ رماد بقرة حمراء ويطهر بها الجميع.

الإدعاءات الإسرائيلية حول الهيكل المزعوم

أحمد الشيخ: ولذلك فإن الحج للهيكل مؤجل حتى يعاد بناؤه، ولكن أين يبنى والخلاف كبير على مكان وجوده أصلا؟

أيهود غليك: في الموقع الذي كان فيه الهيكل موجوداً لألف سنة وحيث توجد اليوم قبة الصخرة والقبة فوق الصخرة التي هي أساس الكون وظلت قدس الأقداس في الهيكل لألف سنة ولذلك فنحن ﻻ نقترب من الصخرة بل نمشي في جبل الهيكل.

منير بن دوف: الهيكل كان هناك في الداخل ولكن ليس في مكان قبة الصخرة لأنه طبقاً لما نعرف ولمصادرنا لم يكن الهيكل مكان الصخرة.

نعيم عتيق: كان موجود في هيكل ولكن عندما ننظر تاريخياً أيضاً عندما جاء المسلمون إلى القدس لم يكن هناك هيكلاً، يعني المنطقة أين كان الهيكل مبني عليها وهذا أمر كمان متنازع عليه ﻻ نعرف بالضبط أين كان الهيكل مبنياً، علماء الآثار مش متفقين بالنسبة لهذه المشكلة ولكن بغض النظر عن ذلك عندما جاء المسلمون المنطقة التي ظنوا أن الهيكل كان مبنيا عليها كانت مزبلة.

مصطفى أبو صوي: كما قلنا كل الناس كانوا يعتقدون أن مدينة داود كانت في منطقة المسجد الأقصى في داخل البلدة القديمة واليوم ﻻ يوجد أحد يقول بهذا القول، نفس الشيء بالنسبة للهيكل الغالبية ﻻ زالت تقول بأنه في منطقة المسجد الأقصى وحقيقةً هنالك من علماء الآثار الإسرائيليين وغير الإسرائيليين الذين يقولون بأن مكان الهيكل هو “يبوس” تل عوفل، إذاً بالقرب من عين سلوان لأنّ اليهود كانوا يحتاجون إلى مياه ينابيع ومياه طبيعية لملأ الميكفا كما يسمونها للطهارة قبل دخول الهيكل.

[فاصل إعلاني]

مخاطر الحفريات الإسرائيلية على المسجد الأقصى

أحمد الشيخ: وماذا يجري اليوم تحت الأقصى نفسه؟ قادنا البروفيسور دان بهات في جولة في شبكة من الأنفاق والحفريات التي كشفت كما يقولون عن الجدار الغربي للهيكل الثاني، وصف لنا بهات ما أقيم فوق حائط الهيكل من بنايات في العصور الأموية والمملوكية والتي تخفي على حد قوله أجزاء كبيرة منه، أين نحن الآن بروفيسور؟

دان بهات/عالم آثار إسرائيلي: إننا نقف أمام فوق الحائط الغربي لجبل الهيكل والذي تستطيع أن تراه هناك وسوف أتحدث عنه بعد قليل لتوضيح  الحجارة المختلفة الموجودة هناك، ولكننا نقف تحت بناء مملوكي كبير جداً له شكل صليب ذراع هنا وذراع هناك وذراع ثالث هناك ورابع هنا، وعندما تزور القدس اليوم ﻻ ترى إلا الحائط الغربي حيث يصلي اليهود اليوم وهذا الجزء ليس إلا تسع من الطول الكلي للحائط الغربي لجبل الهيكل وأنت ﻻ تراه كله بسبب الأبنية المملوكية وهذا أمر هام.

أحمد الشيخ: يقول البروفيسور بهات أن ما قام به وغيره من حفريات في هذا المكان ﻻ يهدد أساسات الأقصى وقبة الصخرة.

دان بهات: على طول 500 متر إنه واحدٌ من أكبر الأبنية في الفترة الرومانية وخلافاً لما يقوله المسلمون فإننا لم نحفر تحت الجدار أبداً بل نحفر بمحاذاة الجدار من الخارج، لم نحفر تحت جبل الهيكل.

رائد صلاح/رئيس الحركة الإسلامية في الداخل: تقارير اليونسكو أكدت بشكل واضح بكتاباتها الرسمية أنهم خلال زياراتهم لبعض الحفريات التي سمح الاحتلال الإسرائيلي أن يدخلوا إليها وجدوا أن الاحتلال قد استخدم حوامض كيميائية في الحفريات التي تقع تحت المسجد الأقصى المبارك، والشيء الذي أريد أن أؤكده كذلك ما حدث خلال السنوات الماضية حدثت تصدعات ولا تزال في مبنى المسجد الأقصى المبارك حدث سقوط وظهرت حفريات في داخل المسجد الأقصى المبارك وقعت أشجار عملاقة عاشت مئات السنوات في المسجد الأقصى المبارك بسبب هذه الحفريات، حدثت تصدعات في المباني المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك إن كان في القدس القديمة أو في حي سلوان، كل هذه تشير إلى مدى الخطر الذي يزداد يوم بعد يوم على المسجد الأقصى بسبب تزايد واستمرار هذه الحفريات حتى هذه اللحظات.

أحمد الشيخ: هذا كما يقول بهات جزءٌ من الحائط الغربي الذي بناه هيرودوس.

دان بهات: هذه الحجارة الجميلة هي حجارة هيرودوس وما حدث آنذاك أنه عندما احتل الرومان القدس دمروا جدران الهيكل وكما ترى ألقوا بالحجارة في الشارع، وعندما جاء المسلمون إلى القدس زمن الأمويين ودائما أقول أن الأمويين بناءون عظام أعادوا بناء جداران جبل الهيكل والأقصى يقوم على الجدار الجنوبي لجبل الهيكل الذي بناه الأمويون لأن الرومان دمروه.

منير بن دوف: ليس للجدار علاقة أبداً بالهيكل نفسه بل هو جزء من جدار التسوية الخاص بساحة الهيكل وهو ليس مقدساً وإن كان الناس يصلون اليوم عند جزءٍ من الحائط الغربي وأنا من حفر هناك أولاً، والجدار ليس جزءاً من الهيكل بل هو جزءٌ من جدار التسوية وهو ليس مقدساً رغم الصلاة عنه فالناس تستطيع أن تصلي في أي مكان.

يوسف النتشة: عندما نقول أن هيرود قام ببناء المعبد اليهودي فهيرود لم يكن يهودياً بشكلٍ عام فلماذا قام بإنشاء هذا المعبد؟ ويجب أن ﻻ ننسى أن هيرود قام بإنشاء معابد وثنية رومانية لآلهة رومانية في مناطق مختلفة في فلسطين، فلماذا لم يكن هذا المعبد معبداً رومانياً وليس معبداً يهودياً؟ وفي إمكانية لضخامة هذا البناء أن نقول أنّ هذا البناء تم إنشاؤه كقلعة أو كتوسع لقلعة أنطونيا للجهة الجنوبية لكي تكون مركز للفرقة العاشرة الرومانية التي أتت إلى فلسطين في بداية القرن الأول ميلادي.

أحمد الشيخ: قابلنا بعض اليهود الذين قالوا أن الهيكل سيعاد بناؤه يوماً.

دان بهات: كفى.

أحمد الشيخ: ﻻ تصدق؟ هذا ما قالوه.

دان بهات: كفى تعلم عندما يأتي المسيح سيبنى الهيكل فلا أمانع فلننتظر المسيح هذا هراء.

أحمد الشيخ: ولكنني رأيت في فيلم في المتحف قبة الصخرة تزال ويحل محلها الهيكل.

دان بهات: أنا لست سياسياً بل إسرائيلي عادي سيبنى الهيكل عندما يأتي المسيح فلننتظر المسيح، الحرم الشريف بالنسبة لي ﻻ يعني شيئاً اسم الحرم الشريف بدأ منذ أن احتل المسلمون القدس عام 638 وقبل ذلك كان اسمه جبل الهيكل.

أحمد الشيخ: ونصل إلى نقطةٍ يقول بهات إنها من أهم الأماكن في الحائط لأنها تقود إلى الصخرة مباشرةً وظلت مفتوحةً حتى أقفلها الصليبيون.

دان بهات: إذا تقدمت من هنا إلى الخارج فإنك ستقف أمام السلم الذي يؤدي إلى قبة الصخرة وبالنسبة لنا نحن اليهود وكما تعلم فإن قبة الصخرة تخفي الصخرة المقدسة التي هي قمة جبل مورايا هو المكان الذي ضحى فيه إبراهيم طبقا للتقاليد اليهودية بإسحاق.

منير بن دوف: حتى الصخرة الموجودة هنا وتسمى سيلا بالعبري ليست هي الحجر الذي كان في قدس الأقداس في الهيكل، كان ذلك حجراً صغيراً فالهيكل كان عرضه 10 أمتار والصخرة طولها 70 متراً لذلك فلا يمكن أن تكون في الهيكل.

أحمد الشيخ: بعض المؤرخين يقولون أنه كان هناك معبد وثني هنا.

دان بهات: اليوم نعلم أن ذلك المعبد الوثني كان مكان كنيسة القيامة فكل الكتاب الذين وصفوا كيف بنا قسطنطين كنيسة القيامة يقولون أنه دمر المعبد الوثني أولاً.

نعيم عتيق: عندما جاء المسلمون وبنوا الأقصى كان بعد تقريباً 600 سنة من دمار الهيكل إذاً المسلمون لم يهدموا أي كيان أو أي هيكل هذا مهم جداً تاريخياً، النقطة الثانية أنه بعد هدم الهيكل بُني على المنطقة معبد وثني فعندما جاء المسلمون لم يكن المعبد الوثني موجود ولا الهيكل ولا آثاره كان مكب للنفايات فالمسلمون أنقذوا المنطقة يعني أزالوا دنسها نجاستها الوثنية الموجودة كانت عليها وبُني الأقصى.

أحمد الشيخ: نصل إلى قاعةٍ يقول بهات إنها من عهد هيرودوس وأسفل منها قاموا بحفريات وجدوا فيها كما يقول آثارا من الهيكل الأول مع أنّ جُلّ علماء الآثار يقولون أنه لا يوجد للهيكل الأول أي أثر وهو أيضاً لم يرنا شيئاً منها لنصوره، أثناء الجولة كان اليهود المتدينون يصلون قبالة الحائط وآخرون يستكشفون المكان ويشكرون البروفيسور أحياناً على اكتشافاته، إذاً فالمعبد يقوم فعلياً أسفل الأقصى وإن لم تصل حدوده إلى قدس الأقداس عند الصخرة تحت القبة، اليهود يصلون في الأسفل والمسلمون في الأعلى إلى أجلٍ قادم، أكملنا الجولة في شقٍ ضيقٍ من الصخر حُفر لنقل الماء إلى المكان، وقرب الجدار الجنوبي للأقصى قاموا بحفرياتٍ في منطقة القصور التي شيّدها بنو أمية إذ بنوا الأقصى وقبة الصخرة لعلهم يجدوا ما يمت إلى الهيكل أو مملكة داود بصلة، رفضوا السماح لنا بدخول موقع التنقيب وحاولنا التحدث مع إيلات مزار عالمة الآثار التي أشرفت على التنقيب في هذا المكان فرفضت، ويُقر معظم نظراء مزار من العلماء الإسرائيليين بأنّ حفرياتها لم تحقق ما سعت إليه وأنّ ما اكتشفته ليس سوى آثارٍ أموية، ومع ذلك فقد وضعوا عند الموقع لافتاتٍ تُشير إلى بقايا آثارٍ من الهيكل الأول.

طمس المعالم الأثرية وتزييف التاريخ

منير بن دوف: لدينا آثارٌ من القصور الأموية وقد كانت من اكتشافاتنا وكنت من اكتشفها آنذاك، وقد كان مفاجئاً أن نكتشف أبنيةً إسلامية، ودعوت آنذاك أحد أساتذتي البروفيسور هيغال يدين لمشاهدتها لأنه كان عالماً بالعمارة الإسلامية، ولما رآها وافق معي وقال إنها أبنية إسلاميةٌ والأفضل أن تحضر جرافةً وتدمرها.

أحمد الشيخ: وقبل سنوات أقاموا فوق الآثار مدرجاً يحيون عليه احتفالاتهم ويتذكرون أيام مملكة داود، أما هنا في مجمع النبي داود بالبلدة القديمة فيتجلى داود نفسه في مدخل المجمع ملكاً بتاجٍ ووقار يراه الزائرون، وعند أقدامه يجلس أبناء إسرائيل الحديثة، كان في المجمع مسجدٌ يحمل اسم داود النبي وهو اليوم مغلق، وهنا قبر داود يتعبدون عنده ويستقبلون الزائرين الحالمين بقصص إسرائيل التوراتية، في الدور العلوي حجرة العشاء الأخير التي يقال إنّ المسيح تعشّى فيها مع حوارييه للمرة الأخيرة قبل أن يُوشى به ويقبض عليه الرومان، حافظ المسلمون نتيجة إيمانهم بأنهم ورثة الأنبياء جميعاً على كل شيء وكتبوا على زجاج هذه النافذة آيةً من القرآن الكريم، قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ} وعلى سطح المجمع فتحوا غرفةً سموها غرفة الرئيس حتى تكتمل صورة إسرائيل الحديثة على هيئة إسرائيل القديمة ولو اختلاقاً، ما أمرَّ الاحتلال احتُلت القدس عبر تاريخها مراتٍ عديدة قبل الإسلام وبعده، لكن ما ترزح تحته اليوم مختلفٌ تماماً إذ هدفه طمس هوية واختلاق ماضٍ وتجسيد هويةٍ أخرى، لا شيء هنا يسلم من واقع الاحتلال والصراع على الأرض حتى القبور تصبح برهاناً على الوجود يجب محوه، قصدنا مقبرة مأمن الله التي كانت أوسع مقابر المسلمين في القدس وتضم رفات عشرات الألوف من المجاهدين و70 ألف مسلمٍ قتلهم الصليبيون ودفنوا فيها، في هذا المكان عسكر سنحريب ملك الآشوريين عندما هبط القدس سنة 710 قبل الميلاد، وفيه ألقى الفرس بجثث القتلى من سكان المدينة عندما هزموا الرومان بالتعاون مع سكان المدينة من اليهود واحتلوها عام 614، ويقولون إنّ جثث الرومان أُلقيت في هذه المقبرة التي يسمونها اليوم مغارة الجماجم، ويقولون إنّ الصليبيين عندما احتلوا القدس ألقوا جثث قتلى المسلمين فيها أيضاً، وفيه عسكر صلاح الدين يوم جاء ليسترد القدس من الصليبيين عام 1187، اليوم تعمل سلطات بلدية القدس على طمس المقبرة بوسائل شتى ونجحت في ذلك إلى حدٍ كبير رغم مقاومة أهل المدينة، الجزء الأكبر من المقبرة طُمس وحُوّل إلى حديقةٍ عامة تسمى بحديقة الاستقلال، مجموعةٌ من اليهود الأثيوبيين الفلاشة يحتفلون بعقد قران اثنين منهم فوق القبور التي دُفنت أو جُرفت، تحولت المقبرة إلى مكانٍ يلهو فيه الإسرائيليون وكلابهم ويقضون أيام عطلتهم، وجزءٌ آخر من المقبرة جُرف ويُقام عليه الآن بتمويل اليهود الأميركيين متحفٌ يسمونه متحف التسامح، إذاً فحتى المقابر فصلٌ من فصول الصراع على الأرض، اطمس مقابر القوم أو اقتلعها تمحو ذاكرتهم وتقطع أي ارتباطٍ عاطفي لأجيالهم مع الأرض، الشيخ مصطفى أبو زهرة عايَش وما زال كل ما تعرضت له المقبرة.

مصطفى أبو زهرة/مهندس: هذه المقبرة استُعملت في بدايات القرن 635- 636 ميلادي عندما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة الكرام أبو عبيدة عامر بن الجراح وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان وجاءوا هؤلاء القادة وفتحوا المدينة وعسكر الجيش الإسلامي في هذه المنطقة، وأول دفن كان للمسلمين في هذه المنطقة في تلك الحقبة إلى بدايات الـ1947- 1948 استمر الدفن في هذا المكان في هذه المقبرة الإسلامية العريقة، واقع الحال بعد 1948 قامت دولة إسرائيل وأصبحت تنتهك هذه المقبرة واستطاعت أن تطمس معظم القبور بخلع الشواهد تماماً، خلعت حوالي 95% من شواهد هذه المقبرة وجعلت هذه القبور بلا عنوان وبلا شواهد لكي تمحو ذاكرة هذه المقبرة وتحرم أحفاد من دُفنوا في هذا المكان أن يتعرفوا على قبور آبائهم وأجدادهم، الآن هذه المقبرة تعرضت لعدة انتهاكات وتعرضت للاغتصاب من قبل الاحتلال حيث اقتطعت منها مساحات شاسعة في تلك المنطقة كما تشاهد تلك العمارة عمارة التأمين هي على جزء من المقبرة، الطريق التي في شمال المقبرة أيضا هي شارع هيلل جزء من المقبرة وفي مقام على الشارع نفسه، الطريق التي تؤدي في ذاك المكان في منتصف المقبرة أيضاً وكذلك جزء من شارع ماميلا أيضاً مقتطع من المقبرة، يُدنّس هذا المكان ما بين الزائرين الشاذين وأيضاً يُتعاطى فيه المخدرات وتؤتى فيه الفاحشة في كثير من الأوقات خصوصاً في المناسبات التي يحتفلون بها، هنا قامت بلدية إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي بشق وتمديد خطوط مياه الصرف الصحي المجاري من أول المقبرة إلى نهايتها مروراً بهذا المنهل أو مجمع مياه الصرف الصحي وهذا هو امتداد خط المجاري الذي تحدثنا عنه فيما مضى، هذه المنطقة تم تغطيتها بهذا الخشب المفروم لكي يطمس ما تحته من قبور، هذا مخزن لحاويات النفايات التي تُستخدم في المناطق العامة ووجدوا أنّ أنسب مكان لها في هذه المقبرة.

أحمد الشيخ: لكن هناك ثمّة ما يصعب محوه في مقبرة باب الرحمة عند سور الأقصى من الشرق، تدخل المكان فيغمرك دفء صحبة محمد صلى الله عليه وسلم فهنا يرقد نفرٌ جليلٌ من الصحابة والمجاهدين الذين فتحوا بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذين حرروها من الاحتلال الصليبي بقيادة صلاح الدين الأيوبي، هذا هو ضريح الصحابي عبادة بن أبي الصامت الأنصاري الذي توفي سنة 654 وهنا يرقد الصحابي شداد بن أوس الأنصاري المتوفى سنة 677، في الناحية المقابلة على جبل الزيتون تقع مقبرة اليهود ولا يستطيع أحدٌ أن يدخل إليها، فهنا يشتري اليهود قبورهم قبل وفاتهم إذ يعتقد كثيرٌ منهم أنّ أول من سيصعدون إلى السماء يوم القيامة سيخرجون من هذه المقبرة، أما هذه فهي الكنيسة الجثمانية التي يعتقد بعض المسيحيين أنها تضم رفات مريم العذراء، أثناء التصوير انطلقت صافرة الحداد على ضحايا المحرقة فتوقفت الحركة في الشارع، وللعلم فإنّ المحرقة ارتُكبت بحق اليهود على يد الأوروبيين وليس على يد الفلسطينيين.