داخل أسوار القدس المدينة الوحيدة التي ما زالت تعيش داخل أسوارها القديمة معالم راسخة أينما أجلت النظر تشير إلى هويتها العربية الإسلامية.

في الجزء الثاني من برنامج الشاهد "القدس وحدها تقاوم" الذي بث في 12/2/2015 جولة في معالم المدينة المقدسة التي تتنفس هوية أهلها منذ يبوس الكنعانية رغم علم الاحتلال الذي يرفرف تحت حماية حق القوة وليس قوة الحق.

تجولت الكاميرا في جزء مقدر من الحلقة بين أبواب القدس، من ميدان عمر بن الخطاب بدأت الجولة إلى باب الخليل ثاني أكبر الأبواب بعد باب العمود ويسمى بوابة عمر لأنه يقال إنه دخل منها عندما فتح القدس.

قدمت الحلقة أبرز المعالم العمرانية التي ما زالت حية وتمثل فسيفساء جميلا من الحجارة والطرز المعمارية التي قدمتها الحقب التاريخية منذ الأمويين والأيوبيين والمماليك وأخيرا العثمانيين.

السور الذي يشتمل على الأبواب الشهيرة يبلغ طوله 4200 متر وارتفاعه في بعض المناطق ثلاثون مترا وسماكته تزيد على مترين ويعلوه 35 برجا دفاعيا.

أينما وقع البصر ثمة الرموز الدينية والتراثية، فهذا المسجد القيمري الذي بناه سيف الدين القيمري في القرن السابع الهجري، وهذا فندق نوتردام الذي بني في عام 1880 وكان ظهره نقطة عسكرية اسرائيلية حتى 1967.

تظهر الكاميرا باب الحديد ويسمى باب عبد الحميد الذي افتتح في عهد السلطان عبد الحميد خلال زيارة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني عام 1898.

باب العمود
ولدى الوصول إلى باب العمود تبدو قبة الصخرة مهيمنة على المشهد، إذ يمثل الباب المنفذ الرئيس للصخرة، ويقال إن التسمية تعود إلى عهد الرومان الذين وضعوا عمودا لقياس المسافات بين القدس والمدن الأخرى.

ومن فوق باب العمود تتبدى شواهد الاحتلال، حيث يرفع المستوطنون أعلام إسرائيل في تحد للحقائق الراسخة على الأرض.

وثمة باب دمشق الذي كانت تنطلق منه القوافل إلى عاصمة الشام، وباب الساهرة الذي إذا نظرت منه أسفل وجدت الخندق الذي حفره صلاح الدين الأيوبي.

أما باب الأسباط فيسمى أيضا باب "ستنا مريم" وباب الغنم ويقود إلى الأقصى عبر باب داخلي.

باب المغاربة يعد أقدم أبواب المدينة وتعود شهرته إلى سكان حارة المغاربة المنحدرين من أصول مغربية، ويسمى أيضا باب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فوفق الموروث دخل النبي منه وخرج منه ليعرج إلى السماوات العلى.

في عام 1969 دمرت الاحتلال جزءا من حارة المغاربة وأقامت جسرا لا يسمح للمسلمين بعبوره.

باب النبي داود ويسمى باب الزيتون أو صهيون نسبة لهضبة صهيون، يعلوه قوس مرتفع وأمر بترميمه السلطان العثماني سليمان القانوني.

وثمة أبواب مغلقة وهي باب الرحمة ويسمى الباب الذهبي ويقع على بعد مائتي متر جنوب باب الأسباط، وبني في العهد الأموي ويؤدي مباشرة إلى الحرم وأغلق أيام العثمانيين، والباب المزدوج والباب الواحد والباب المثلث.

كلية صلاح الدين
جالت الكاميرا في مبنى الكلية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي وكانت تدرس فيها العلوم واللغات، ولكن السلطان عبد المجيد قدمها هدية لفرنسا شكرا لها على دعم تركيا في حرب القرم، لتحولها إلى كنيسة.

ويقول مدير التعليم في المسجد الأقصى ناجح بكيرات إن المدرسة كانت مؤسسة علمية فائقة، تضم مائتي طالب، يدفع الطالب فيها قسطا دراسيا يبلغ دينارا من ذهب وتبلغ مصروفاتها حوالي مليون قرش.

وثمة البيمارستان الصلاحي وهو مستشفى وكلية طب يقع على 150 ألف متر مربع، ومجمع الخانقاه وخلوة صلاح الدين الأيوبي.

أما كنيسة القيامة فتمثل الفصل الأكبر للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين وما زالت مفاتيحها في يد عائلة مسلمة منذ أن تسلمها الخليفة عمر بن الخطاب من صفرونيوس.

وتورد الحلقة الكثير من المعالم الحية التي تتحدث عن نفسها، بينما يجهد المحتل عبر مائة مليون دولار يخصصها لدعم التنقيب وتثبيت روايته دون طائل، فيواصل استيطانه نكاية بالحقيقة الواضحة كالشمس.

اسم البرنامج: الشاهد

عنوان الحلقة: القدس وحدها تقاوم.. جولة وتذكرة ج2

مقدم الحلقة: أحمد الشيخ

ضيفا الحلقة:

-   ناجح بكيرات/مدير التعليم في المسجد الأقصى

-   وجيه نسيبة/حامل مفاتيح كنيسة القيامة

تاريخ الحلقة: 12/2/2015

المحاور:

-   سور مدينة القدس وأبوابها

-   مدرسة الفقهاء والعلماء

-   الخانقة الصلاحية

-   قلعة القدس تاريخ مقدس وعريق

-   أسواق وأحياء مملوكية بامتياز

-   سليمان القانوني وإعمار القدس

-   كنيسة القيامة.. يملك مفاتيحها مسلمون

أحمد الشيخ: ترفعُ القدس جبينها نحو السماء إذ لا تجد في الأرض مجيبا، تقبضُ القدس على الجمر إذ لا تجد في أكنافها معينا؛ تنتظر القدس وتحتسب، من حولها بين قاتل وقتيل بين لاهٍ وراء السراب ولاهثٍ وراء الرغيف وراسفٍ في أغلال الاستبداد، شددنا إليها الرحال علّنا ننفض ما ران على العقول والقلوب، ولعلنا نُذكر بأن الأقصى وأهله وحدهم يُرابطون.

سور مدينة القدس وأبوابها

حين تزور القدس لا بد أن تطّلع على شيءٍ من تاريخها كما فعلنا في الحلقة الأولى، اليوم تاريخها العربي يُطمس على الأرض وفي الأذهان ويحل محله تاريخٌ يهودي، دعونا نقترب من المدينة لعلّنا نُعيد للتاريخ والذهن الصورة الحقيقية، من هنا نبدأ من ميدان عمر بن الخطاب عند باب الخليل أو باب يافا، باب الخليل هو ثاني أكبر الأبواب في سور القدس بعد باب العمود لكونه المخرج والمدخل الوحيد الرئيس الذي يقع في الجهة الغربية من أسوار مدينة القدس، جدده السلطان سليمان القانوني في العهد العثماني وهو أيضاً بوابة عمر لأنه الباب الذي يُقال إنّ عمر بن الخطاب دخل منه عندما فتح القدس، أُغلق الباب من عام 1948 وحتى عام 1967، تقول الحكايات الشعبية إنّ كل غازٍ للقدس يدخلها من باب الخليل، وفي عام 1917 دخل الجنرال البريطاني المدينة القديمة عبر باب الخليل بعد انتصار الحلفاء على الدولة العثمانية، سنعتلي سور القدس لنلقي التحية على المدينة من كل الجهات، قام ببناء السور الذي نقف عليه السلطان سليمان القانوني في القرن الـ16 فوق مسار أسوارٍ أقامها الرومان لتطويق القدس خلال القرن الثاني للميلاد، واليبوسيون العرب هم أول من بنا سوراً حول القدس في القرن الـ18 قبل الميلاد عندما بنوا قلعةً حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس سُميّت حصن يبوس، وكان سور يبوس يقع قريباً مما يعرف اليوم بباب الخليل وحي الأرمن وحي النبي داود، وكلما طرق أبواب المدينة غازٍ كانت أسوارها تُهدم ثم يُعاد بناؤها مروراً بالغزو الأشوري ثم عهد نبوخذ نصر ثم الاحتلال الفارسي والروماني، وبعد معركة حطين وفتح القدس أعاد الناصر صلاح الدين الأيوبي بناء ما تهدم من الأسوار وجدّد بعض الأبراج من باب العمود إلى باب الخليل والسور الحالي أقامه السلطان العثماني سليمان القانوني في القرن الـ16 وطوله 4200 متر تقريباً، 600 مترٍ منها هي الجدار الشرقي والجنوبي للحرم القدسي، ويبلغ ارتفاع السور في بعض الأماكن 30 متراً وتزيد سماكته عن مترين وتعلوه 35 برجاً دفاعياً، داخل السور تسير الحياة اليوم بوتيرةٍ معتادة رغم ما يعانيه أهل المدينة من الاحتلال، أينما وقع بصرك وأنت فوق السور ثمّة شيءٌ من الرموز الدينية والتراثية، هذا هو المسجد القيمري نسبةً إلى الأمير سيف الدين القيمري ويرجع تاريخ ميلاده إلى القرن الـ7 الهجري، وهذا فندق النوتردام القائم هنا من عام 1880 وكان ظهره نقطةً عسكريةً إسرائيلية حتى عام 1967، وعلى هذه اللافتة كتب أحدهم: "مستحيل، الرب لم يعد بإعطاء هذه الأرض لروما بل وعدها الشعب اليهودي"، بعد باب الخليل يعبر المرء إلى المدينة من بابٍ حديث النشأة يُسمّونه الباب الجديد ويُسمّى أيضاً باب السلطان عبد الحميد لأنه فتح في عهده على بعد كيلومترٍ تقريباً غربي باب العمود ويعود افتتاحه إلى سنة 1898 عندما زار الإمبراطور الألماني غليوم الثاني المدينة، وقد أُغلق هذا الباب عام 1948 إثر احتلال القدس الغربية ثم أُعيد فتحه عام 1967 حين احتُلت المدينة كاملةً، على أنّ المشهد المهيمن على المدينة وأنت فوق السور هو قبة الصخرة التي تتراءى لك منذ البداية وتزداد وضوحاً كلما اقتربت من باب العمود، ويُسمى هذا الباب أيضاً باب النصر وهو من أشهر أبواب القدس والمنفذ الرئيس لها، أما سبب التسمية فهو أنّ الرومان أقاموا في هذه البقعة في القرن السادس الميلادي عاموداً استعملوه نقطةً لقياس المسافات بين القدس والمدن الأخرى، والباب بصورته الحالية نموذجاً كلاسيكي للعمارة الإسلامية وقد تم بناؤه أيام السلطان سليمان القانوني، وأنت فوق باب العمود تتبدّى لك شواهد الاحتلال طارئةً في هذا الخضّم من التاريخ، يرفع المستوطنون الذين احتلوا بعض المنازل بعد عام 1967 الأعلام فوقها في تحدٍ لغيرهم، وفي هذه الحركة الطويلة للكاميرا تمتزج في الزمان والمكان الأديان والثقافات ويختلط التاريخ بالجغرافيا إلى ما لا نهاية غير أنّ فن العمارة الإسلامية العربية يتسوّد الصورة دائماً. القدس القديمة هي المدينة الوحيدة في العالم التي ما تزال تعيش خلف أسوارها التاريخية منذ أن وضع أساستها العرب الكنعانيون قبل آلاف السنين، نحن الآن فوق باب العمود أو باب دمشق كما كان يُسمّى حين كان المسافرون ينطلقون من هنا إلى بلاد الشام، أما اليوم فما أمرَّ أن يُدرك الفلسطيني في المهجر أو حتى في الضفة الغربية أنّ هذه الأسوار حلالٌ على كل الأجناس حرامٌ عليه وحده، وننطلق فوق السور إلى باب الساهرة في الأسفل تظهر أساسات الصور من الصخر الطبيعي وبقايا الخندق الذي حفره صلاح الدين، وهنا يظهر الطوق الذي قام بعد احتلال 1967 حول الجزء الشمالي من المدينة من مستوطناتٍ ومبانٍ حكومية، وكلما طرفت عينك داخل السور تظل قبة الصخرة مهيمنةً على المنظر طوال الوقت، عند هذه النقطة اخترق الصليبيون بقيادة غوطفرد أسوار القدس واحتلوها عام 1099، وهنا أقام بناة السور العثمانيون واحداً من أجمل الأبراج يُدعى برج اللقلق نسبةً إلى شعار غوطفرد، ثم نصل فوق السور إلى باب الساهرة ويُسمّى أيضاً باب هيرود وهو أحد الأبواب السبع التي ما زالت مفتوحة، ويقابل الباب في الخارج أهم شارعٍ تجاريٍ في القدس خارج الأسوار وهو شارع صلاح الدين، يعود بناء هذا الباب للعصر الفاطمي وقد جدّده السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي وأُعيد بناءه بأمرٍ من السلطان العثماني سليمان القانوني، ونصل إلى ما فوق باب الأسباط وهنا تنتهي الجولة فوق السور، رمّم هذا الباب وأعاد بناؤه السلطان العثماني سليمان القانوني ويظهر على جنبيه 4 أُسود يقال أنّ لها صلةً بالسلطان المملوكي الظاهر بيبرس، من أسمائه الشهيرة باب ستنا مريم وباب الأسود وباب الأبواب وباب الغنم وهو يقود إلى المسجد الأقصى عبر بابٍ داخلي يحمل الاسم نفسه، ثم يأتي باب المغاربة على الجهة الغربية من المسجد الأقصى وهو أقدم أبواب المدينة والمسجد، وتعود تسميته وشهرته التاريخية المميزة إلى سكان حارة المغاربة المنحدرين من أصولٍ مغربية، يُسمّى باب المغاربة أيضاً باب النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنه وفق الموروث الشعبي الباب الذي دخل منه النبي ليُصلي بالرسل والأنبياء يوم الإسراء والمعراج وخرج منه ليعرج إلى السماوات العُلا، ويعود الباب الحالي إلى الفترة الأيوبية والمملوكية وفي عام 1967 و1969 قامت سلطات الاحتلال بتدمير مبانٍ وأجزاءٍ من حارة المغاربة ووضعت جسراً يقود إلى داخل المسجد ولا يُسمح اليوم للمسلمين بالعبور منه، ومن الأبواب المفتوحة اليوم في سور القدس باب النبي داود، أُطلق على هذا الباب عدة أسماء عبر العصور التاريخية مثل باب زيتون أو صهيون نسبةً إلى الهضبة التي يقع عليها الباب ويُسمّى أيضاً باب المحراب، ويتسم هذا الباب بجمال طابعه المعماري المتقن يعلوه قوسٌ مرتفع نُقش تحته أنّ من أمر بترميمه هو السلطان سليمان القانوني، وقد ظل الباب مغلقاً منذ عام 1948 وفُتح عام 1967 وما تزال آثار الرصاص ماثلةً على جدرانه جرّاء ما شهده من تبادلٍ للنار، وهناك أبوابٌ مغلقةٌ في السور منها باب الرحمة ويُعرف بالباب الذهبي نظراً لجماله ورونقه الفائقين يقع على مبعدة 200 متر جنوب باب الأسباط في الحائط الشرقي للسور وهو بابٌ مزدوج يعلوه قوسان ويؤدي إلى باحةٍ مسقوفةٍ بعقود ترتكز على أقواسٍ قائمة فوق أعمدةٍ ضخمة، بني هذا الباب في العهد الأموي وهو يؤدي مباشرةً إلى الحرم القدسي الشريف وأُغلق أيام العثمانيين، الأبواب الثلاثة الأخرى المغلقة تقع في الحائط الجنوبي من السور قرب الزاوية الجنوبية الشرقية وتؤدي جميعاً إلى داخل المسجد الأقصى مباشرةً، وتعود هذه الأبواب إلى زمن الخلافة الأموية وكان أُمراء بني أمية يعبرون منها إلى المسجد حيث كانت قصورهم إلى الجهة الجنوبية، الباب المزدوج ويُسمّيه البعض الباب المضاعف وهو مؤلفٌ من بابين يعلو كلاً منها سور، الباب المثلث وهو مؤلفٌ من 3 أبواب تعلو كل واحدةٍ منها قوس، وقد أقامت سلطات الاحتلال أسفل هذا مدرجاً ملاصقاً لجدار المسجد تُقام عليه الاحتفالات في المناسبات الدينية والوطنية، ظل هاجس تكرار الغزو الصليبي للقدس وما تحرر من مدن فلسطين يسكن صلاح الدين بعد أن حرّر المدينة، وقد كان يعلم ذلك إذ إنّ مدن الساحل الجنوبي لفلسطين ظلّت في قبضتهم فاتخذ من الإجراءات الاحترازية ما يُحصن المدينة ويعزز مناعتها، ومنها تحصينه لسور المدينة ومشاركته بنفسه في بنائه وتقويته، وحفر حول سور المدينة خندقاً كان يُملأ بالماء حتى لا تُقتحم الأسوار وما تزال بعض أجزاء الخندق قائمةً حتى اليوم، اهتم صلاح الدين كذلك بالحياة العلمية والاجتماعية في القدس فأنشأ الكلية الصلاحية التي كانت بمثابة جامعةٍ تُدرّس العلوم الدنيوية والدينية بلغاتٍ عديدة وتخرج منها علماء أفذاذ قديماً وحديثاً، وما يزال مبنى الكلية قائماً لكنه أصبح اليوم كنيسة سانتا آن بسبب ما أملته المصالح والتحالفات السياسية على الدولة العثمانية في القرن الـ19 إذ قدمه السلطان العثماني عبد المجيد كنيسةً لفرنسا شكراً لها على وقوفها مع تركيا في حرب القرم مع روسيا القيصرية، وقد أُنشأت المدرسة في مكانٍ تاريخيٍ مهم للمسيحيين والمسلمين.

ناجح بكيرات/مدير التعليم في المسجد الأقصى: هذه المنطقة عبر التاريخ كانت موقعاً كما قيل هي موقع آل عمران، هنا ولدت مريم في هذا المكان لذلك أُنشأ هنا سبيل اسمه سبيل ستنا مريم، وهنا أيضاً علينا أن ندرك أنّ في هذا المكان أيضا هناك حمام ستنا مريم، هذا الموقع ذا قداسة مهمة جداً لدى المسيحيين ولدى المسلمين، يعتقد المسيحيون أنها أيضاً مريم بعد أن وضعت المسيح عليه السلام في كنيسة المهد في بيت لحم جاء ونشأ معها أيضاً في هذا المكان وهنا قدم معجزة الشفاء للأبرص وللأعمى.

مدرسة الفقهاء والعلماء

أحمد الشيخ: وكما تفعل دولٌ وجامعاتٌ عديدةٌ اليوم أوقف صلاح الدين الكثير لتمويل المدرسة واستمرارها.

ناجح بكيرات: كما ذكر الأصفهاني في كتابه الفتح القدسي قال: جلس السلطان وفاوض العلماء الأتقياء والأبرار الصلحاء أن يجعل مدرسةً لفقهاء الشافعية ورباطاً للصوفية، فأنشأ هذا المبنى الضخم كي يكون مدرسةً وجلب لها من علماء العالم الإسلامي درّس فيها ابن عساكر درّس فيها ابن الجذري درّس فيها ابن الصلاح، في الفترة الأيوبية وصل عدد التلامذة بها 200 طالب وكان كل طالب يدفع قسطاً، تصور أنه في بعض الأحيان وصل قسط الطالب ديناراً ذهبياً وأن تتكلم عن دينار ذهبي، ووصلت مصروفاتها إلى حوالي المليون قرش وأنت تتحدث عن ميزانية تتحدث عن أوقاف للمدرسة تدر عليها كي تبقى هذه المدرسة عامرة، ودرّست الطب والعلوم وكانت تُدرّس الفيزياء وتُدرّس أيضاً الرياضيات، كانت تُدرّس 8 لغات، في 1852 قام السلطان عبد المجيد بتقديم هذه المنطقة كهدية لفرنسا على مساعدتها في القرم وبدأ الآباء البيض بإنشاء كنيسة هنا في هذا المكان استمرت كذلك إلى عام 1915 حينما جاء جمال باشا وأعاد المدرسة إلى واقعها وأسماها بكليّة صلاح الدين وبعد ذلك في 1917 مع دخول الاحتلال البريطاني أُعيدت وسُلّمت للآباء البيض وأُنشأت مكتبة وكنيسة، وهذا الوضع الآن المدرسة الصلاحية بعد 9 قرون انتهت ولم يتبقَ إلا النقش الموجود الذي يعيد تاريخ تأسيس المدرسة في 583هـ/1187م.

أحمد الشيخ: أثناء التصوير كان الدليل الإسرائيلي المرافق للسياح الغربيين يوضح لهم أنّ هذا المبنى كان في الأصل كنيسة فاستولى عليه صلاح الدين وحوله إلى مدرسةٍ مع أنّ بقايا الكنيسة القديمة ما تزال ماثلةً بجواره، كان هذا المكان معبداً وثنياً يؤمه الناس للاستشفاء بمياهه وظل يحمل تلك القدسية بعد انتشار الديانة المسيحية، وغير بعيدٍ من مبنى الكليّة الصلاحية ما تزال بعض آثار المارستان الصلاحي قائمة وقد كان مستشفى ذائع الصيت في تلك الأيام حتى تحول هو الآخر إلى كنيسةٍ للأسباب ذاتها سالفة الذكر.

ناجح بكيرات: 585هـ/1189م أمر السلطان صلاح الدين الأيوبي أن يُبنى مستشفى ضخماً كبيراً يقوم على رعاية المرضى وأمر أن يُحضر أيضاً كبار الأطباء وأمر أن يكون قسماً من هذا المستشفى لتدريب الأطباء وتأهيلهم، فكان عبارة عن كلية طب وكان أيضاً عبارة عن مستشفى، هذا المستشفى كانت له أقسام كبيرة جداً كان على مساحة 150 ألف متر مربع إلى أن كان مجيء السلطان عبد العزيز في 1862 أعطى هذه هدية للألمان كون أنّ الألمان وقفوا  مع الحكومة التركية ثم بنيت كنيسة الفادي الألمانية على هذا الموقع.

[فاصل إعلاني]

الخانقة الصلاحية

أحمد الشيخ: بعد الفتح كان صلاح الدين يتوجّس مما يجري في كنيسة القيامة، فأقام بجوارها مبنىً ملاصقاً يُطل على الكنيسة ويُعرف اليوم باسم الخانقة الصلاحية ويضم مسجداً وخلوةً خاصةً بالفاتح فيها يتعبد ويستقبل الناس.

ناجح بكيرات: نحن في مجمّع الخانقة هذا المجمع الذي بني في 585هـ/1189م، هذا المسجد أيضاً يُطل بشكل مباشر إذا ما نظرنا من خلال الفتحات إذا ما نظرنا إلى قبة كنيسة القيامة نشاهدها وكان صلاح الدين يراقب الأحداث لأنه كان مركز العمل الفرنجة للمحتلين الصليبيين كانوا يركزوا أن ينطلقوا من داخل كنيسة القيامة فكان بحاجة إلى أن يراقبهم دائماً، ولذلك بنا هذا المسجد مطلّاً على سطوح كنيسة القيامة وما زالت مفاتيح سطوح كنيسة القيامة ما زالت في أيدي متولّي مسلم من آل العلمي، نلحظ أنّ هذا البناء بناء فعلاً بميزات أيوبية رائعة اعتمد على أعمدة حجرية، ثم أعتمدَ على العقود ومن خلال العقود تمَّ إملاء هذهِ العقود بالرُكب وبعدَ الرُكب بهذا الشكل الأروقة التي تُدّعَم بالحجارة ثمَّ بالكُحلة ما بينها، يمتاز أيضاً بالطول دائماً المساجد هي تكون عبارة بشكل مُستطيل أو مربع ولكن نجد أن صلاح الدين اختار أن يكونَ المسجد شبه طويل حتى يأخُذ مدى، مدى في التخطيط والإشراف بمساحة أطول على كنيسة القيامة وعلى الشارع العام، نحنُ ننزل هذهِ الدرجات إلى خُلوة صلاح الدين، قائد وحاكم أن يختار لنفسهِ هذا المكان وهذهِ الخُلوة البسيطة، نجد أنها مُكونة تقريباً من غُرفتين، هذهِ الخُلوة كان بعض الناس يأتي عندهُ كانت هذهِ الغُرفة الخاصة بصلاح الدين، وكانت هذهِ غُرفة انتظار، ويبدو أنَّ هُناك أيضاً بعض الغُرف التي تم إغلاقها، تم إغلاقها بمرور الزمن على حساب بالطبع الكنيسة الموجودة، على حساب المؤسسات أنتَ تعرف أن هُناك مؤسسات عالمية دخلت على مدينة القُدس وبعد ضعف الدولة العُثمانية تم تقديم هدايا وليس فقط تقديم غُرف، ابن شداد يروي يقول يعني بتُ ليلة مع صلاح الدين في خُلوتهِ وأخذَ يُنظِّمُ الأمور وحينَ جاءهُ بأن الفرنجة قدمت بمئاتِ الألوف من الجُند والقنابل، قالَ ماذا أصنع وأنا في هذا؟ قال فذاكَ ليلتهُ حتى قاربَ الفجر فقُلتُ أشفقتُ عليه وقُلتُ: يا إمام قُم فنم، قال ثمَّ ذهبتُ إلى البيت وإذا يؤذنُ الفجر عُدتُ وإذا بهِ قائمٌ كما هوَ، فقُلتُ أنصحُ الإمام أن يُصلي ركعتين وأن يبتهل إلى الله، قال فوجدتهُ  سجدَ في المسجدِ الأقصى بينَ الأذانِ والإقامة ودموعهُ قد بللت المكانَ كاملةً، يستغيث اللهم لا حولَ لي ولا قوة إلا بك أنتَ لا تنسى عبادك ولا تنسى أهلك، اللهُم إنا نسألُكَ أن تكونَ أنتَ عوننا.

أحمد الشيخ: وما يزالُ اسمُ صلاحِ الدين محفوراً على حديدِ النافذة بعدَ اسمِ الجلالة واسمِ الرسول، واليومَ تعيشُ عائلاتٌ مقدسية في الطابقِ السُفليِّ من الخانقة، أما هذهِ فهي القلعةُ التي بناها صلاحُ الدينِ بعدَ الفتح وجعلها المركزَ الإداريَّ للمدينة، اليوم يُسمونَها قلعةُ داود، إذ يقولون إنهُ هو أولُ من بناها وفيها متحفٌ يحكي تاريخَ اليهود كما بيّنا في الحلقةِ الأولى، نقّبوا فيها بحثاً عن آثارٍ تدعمُ روايتهُم لتاريخِ المدينة.

قلعة القدس تاريخ مقدس وعريق

ناجح بكيرات: الحفريات التي جرت مُؤخراً بعدَ دخولِ الاحتلال الإسرائيلي بالطبع تمت السيطرة على هذهِ القلعة وتمَ رفع الأعلام الإسرائيلية على القلعة، ورُصِد 100 مليون دولار لجعل الرواية الإسرائيلية تُعرَض، تُعرَض القُدس من خلال أزقة القلعة ومن خلال غُرف القلعة، تُعرَض الرواية الصهيونية التي تُقدِم مدينة القُدس على أنها مدينة يهودية.

أحمد الشيخ: وفيها يُحيونَ مُناسباتِهم ويحتفلونَ بأعيادِهم في صورةِ إسرائيلَ القديمة الجديدة، ورغمَ ذلك فإنَّ ما هوَ قائمٌ على الأرضِ حتى اليوم يجعلُ من المُستحيل نفيَ بصماتِ العربِ والمُسلمين وطُرُزِ البناء خيرُ بُرهان، فالقلعةُ تحملُ بصماتِ العهد الأيوبيّ والمملوكيّ والعُثمانيّ حتى اليوم.

ناجح بكيرات: كانَ دور القلعة هو دور إداري بحت، القلعة كانت تضُم الجُند، تضُم القيادة كانت تُدير ليسَ فقط القُدس وإنما تُدير أيضاً كُل فلسطين، تُدير حتى جُند الشام، حتى في الاحتلال البريطاني في 1917 حينما دخلَ ألنبي جاءَ واستلمَ مفاتيحَ القلعة ووقف على بوابة القلعة وخاطبَ أهلَ القُدس.

أسواق وأحياء مملوكية بامتياز

أحمد الشيخ: في القُدسِ اليوم تغلي الحياةُ فوقَ نيرانِ الاحتلال لكنها تمضي في أسواقٍ يغفلُ الناسُ ليُطاردونَ لُقمةَ العيشِ فيها عن كثيرٍ من ماضيها مثلِ هذهِ الأسواقِ المملوكية، يُعتبَرُ العهدُ المملوكيُّ في فلسطينَ والقُدس من أزهى فتراتها التاريخية التي تعاقبَ على الحُكمِ فيها عددٌ من الملوكِ العظام، أمثالَ الظاهر بيبرس وقلاوون وابنهُ الأشرف خليل، والناصر مُحمد وبرقوق وغيرُهُم، وشهدت فلسطينُ نهضةً عُمرانية وحركةً ثقافيةً مُزدهرة تجلت في مشاريعَ ومؤسساتٍ اجتماعية مُتنوعة هدفُها توفيرُ مُتطلباتُ الحياةِ اليومية وتحسينُ أوضاعِ الناس وأحوالهِمُ المعيشية، وأُقيمَت لذلك أبينةُ شتى شملت الخاناتِ والمدارسَ والجسور والحمامات والأسواق والخوانق والتكايا والأسبلة وغيرها.

ناجح بكيرات: عندنا هذهِ الأسواق سواءً كانت من الطريق الذي يؤدي إلى طريق الواد أو طريق الطواحين أو إلى الطريق التي تؤدي إلى طريق باب خان الزيت أو سوق العطارين أو سوق اللحامين، كُل هذهِ الأسواق هي في الأصل أسواق مملوكية صُممت بالزمن المملوكي بطريقة تتعامَل مع الإنسان وتتعامل مع الحياة، العمارة التي جاءت في المدينة لم تكُن مُتناقضة بقدر ما جاءت أيضاً مُكتملة لبعضها البعض، فمثلاً الفترة المملوكية جاءت لتُكمِل الفترة يعني الأيوبية والفترة العُثمانية جاءت لتُكمِل الفترة المملوكية، وسكنَ في المدينة في فترة المماليك كما في بعضِ الروايات ألف ألَف، يعني وصلَ الذين دخلوا في داخل البلدة القديمة يتحركونَ بها وفي المسجد الأقصى حوالي المليون، معنى ذلك أنها كانت فيها مؤسسات اقتصادية رائعة، كانت بها مؤسسات تعليمية كبيرة، كانت الحياة تدُب في هذهِ المدينة وأقبلَ عليها الناس بشكل كبير جداً.

أحمد الشيخ: ولعلَّ رباطَ الكُرد مثالٌ بارزٌ على روعة الآثار المملوكية وجمالِ طرازها المعماري بما فيها من مدارسَ وأبنية.

ناجح بكيرات: يعني تستطيع أن تقول أنكَ في حي مملوكي بامتياز، هذا الحي الملوكي يمتاز بالمدارس، يمتاز بالأربطة، يمتاز بالعمارة والتي سُميت فيما بعد بالعمارة المملوكية الفذة في منطقة باب الحديد، نحنُ الآن أمام المدرسة الخاتونية، هذهِ المدرسة أنموذج على العمل النسائي الرائع في الفترة المملوكية، خاتون بنت أصفهان التي أوقفت هذهِ المدرسة بأكثر من 23 غُرفة، نُشاهد الطابع المملوكي الرائع، حيثُ المغسلات عند مدخلِ المدرسة، العتبة، ثمُّ نُشاهد أيضاً المُعشَّق، هذا المُعشَّق الرائع من الحجر، ثمَّ نُشاهد الأبلق، ينتهي هذا المشهد الرائع وأنتَ تدخُل إلى المدرسة يوحي لكَ بجمال رائع، لترتفع بعدَ المُعشَّق والأبلق، الحجر الأبيض الأسود الأحمر لتنتهي إلى المُقرنصات ثمَّ طاسة المدرسة، نصف الدائرية المُزخرفة بالعناوين النباتية، أنتَ أمام لوحة جمالية أيضاً حتى تُشاهد النوافذ، هذهِ النوافذ الرائعة الجميلة، تُشاهِد بعدَ ذلك أمام هذهِ المدرسة تُشاهد المدرسة الجوهرية وهي أيضاً من المدارس المملوكية الرائعة، ثمَّ تُشاهِد رباط الكُرد، ورباط الكُرد في 1224 هذا المدخل لرباط الكُرد حينما تكلم عن المُقر السيفي الكُرد في زمن السلطنة في زمن قلاوون، حينما أنشأَ هذا الرباط وهذهِ المدرسة الواسعة، أنشاها للفُقراء وأنشأها أيضاً من أجل أن تكون  مأوى لكُل القادِمين، كيف أن هذهِ الحجارة بدأت تتآكل بعدَ 1000 عام فهي فعلاً بحاجة إلى ترميم، قبلَ 100 عام أُهملت هذهِ المدارس وأصبح مُتوليي المدارس يشكونَ لم يعُد عليها أي إسراف، لم يعُد عليها أي إنفاق، لم يعُد بها أي اهتمام.

أحمد الشيخ: وفي شارعٍ آخر يقومُ واحدٌ من أعظمِ الأبنية والآثار التي خلَّفها المماليك.

ناجح بكيرات: نحنُ نقف أمام مبنى من أجمل وأروع المباني في مدينةِ القُدس وهو الذي يُعرف بالسرايا والتي بنتهُ يعني الست تنشق المُظفرية التي جاءت من بلاد ما وراء النهر من كازاخستان، هذهِ المرأة الصالحة المملوكية في سنة 1382 على التحديد أمرت بإنشاء هذا المبنى، وأنتَ تتحدث عن طابقين قُل 3 طوابق، تتحدث عن بناء 56 غُرفة كبيرة جداً، ضمت مدرسة، ضمت مكاناً للإيواء، في سنة 1922 قامَ المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة الحاج أمين الحُسيني بترميم هذا المكان وأنشأ فيها ما يُعرف بدار الأيتام الإسلامية، ما زالت تُستخدم جُزء منها لدار الأيتام والجُزء الأخر إلى التكية.

أحمد الشيخ: خلفَ آلُ عُثمان المماليك في الولايةِ على القُدس وكانَ لهُم هُمُ الآخرون نصيبٌ من الآثارِ الموجودةِ في المدينةِ حتى اليوم.

ناجح بكيرات: هذا المبنى الرائع والذي عُرف بتكية خاصكي سُلطان، خاصكي سُلطان هي زوجة السُلطان سُليمان القانوني، نحنُ نتكلم عن رُكسلانا هذهِ الزوجة التي أبت إلّا أن تحضُر إلى القُدس وأن تبني مبنى تُقدم بهِ خدمة لأهل القُدس وتُقدم أيضاً بهِ خدمة للقادمين إلى مدينة القُدس، وهي بُنيت من تقريباً في 1538 للميلاد، هذهِ سُميت العمارة العامرة وأوقفت عليها زوجة السُلطان أوقفت أوقافاً عديدة، أوقفت أكثر من 72 مدينة وقرية، كان من هذهِ المُدن صيدا وكان منها نابلس، وكان الجماعين إحدى القُرى، وبقيَ هذا المكان حتى يومنا الحاضر، هذا المبنى مُكوَّن من عِدةِ أقسام، هُناك مطبخ كانَ يُقدِّم الوجبات الساخنة يومياً للضيوف وتُقدم إفطارات للمسجد الأقصى، هُناك أيضاً فُرن، هُناك مسجد، هُناك مكان للإيواء، أنا أعتقد أنَّ هذهِ العمارة العامرة والتي عُرفت بتكية خاصكي سُلطان هي من أفضل المؤسسات الاجتماعية، أفضل مؤسسة اجتماعية وُجدت في مدينةِ القُدس حتى الآن. 

سليمان القانوني وإعمار القدس

أحمد الشيخ: قوّى الأتراكُ سورَ المدينة وعززوه، وقد كانوا يخشونَ من غزوٍ صليبيّ، وبَنو فوقَ ما تركهُ أسلافهُم المماليك ويُلاحظُ المرءَ الفرقَ في طُرقِ بناءِ السور بدءاً من الفترة الرومانية ومروراً بفتراتِ الحُكم الإسلاميّ الأمويّ والعباسيّ والأيوبيّ والمملوكيّ وانتهاءً بالفترةِ التُركية.

ناجح بكيرات: هذا السور ليسَ كما يظُنُ البعض فقط هو السور العُثماني، حقيقةً أن العُثمانيين أبدعوا في هذا السور وهُم الذي نُشاهدناه اليوم هو السور العُثماني، لكن إذا ما شاهدنا خلفنا وإذا ما شاهدنا في السور نجد أن هذا السور مع بدايتهُ كانَ على البدروك على الصخر، كان عبارة عن صخراً مقطوعاً ثمَّ حجارة كبيرة في الفترة الرومانية، ثمَّ نتيجة الزلازل والعوامل الطبيعية تأثرت بقيت الصخور، ثم جاءت الفترة الأموية، الفترة الأموية أيضاً اندثرت، ثمَّ جاءت الفترة الأيوبية، الفترة الأيوبية نُشاهِد الحجارة الموجودة هذا نمط أيوبي واضح عندَ جميع العُلماء، وانظُر الفرق يعني بين الحجارة التي تليها، هُناك حجارة بشكل خام يعني يُعبَّر عليها بين قوسين عند العمارة أنها طُبزة يعني ظاهرة وهذهِ هي كبيرة الحجم ثمَّ عليها أيضاً إطار، هذا النمط هو نمط أيوبي، ثمَّ إذا نظرنا إلى فوق نجد أنَّ قليل من المملوكي وهي الحجارة التي هي أكبر بقليل ولكنها وجهها عبارة عن وجه مقحوط وواضح، ثمَّ إذا نظرنا إلى أعلى وجدنا الجُزء العُثماني، السور يخدِم لأهداف مُهمة جداً، هُناك أهداف لحمايةِ المدينة، هُناك أيضاً أهداف جمالية، هُناك أيضاً أهداف للضبط داخل المدينة.

أحمد الشيخ: وقد كانَ لسُليمان القانوني المُساهمةُ الأكبر في إعمار القُدس وخاصةً تزويدها بالمياه والتكايا.

ناجح بكيرات: من 450 عام ما زالت يعني يُمكن أن تشرب المياه منها، أقامهُ السُلطان سُليمان القانوني حينما جعل هُناك عبارة عن 6 أسبلة موجودة في داخل المدينة، وهُناك أيضاً سبيل سابع موجود في داخل المسجد الأقصى المُبارك.

أحمد الشيخ: ومن آثار العُثمانيين المسجد الرصاصيّ ومدرستهُ وقد سُميَّ كذلك بسبب طريقةِ بنائهِما.

ناجح بكيرات: نحنُ أمام المُجمع الذي بناهُ بيرم جاويش وهذا مدخل المدرسة، المدرسة الرصاصية، كان يسكُبُ الرصاص فيضع الحجرَ فوقَ الحجر، حتى بنا كُل هذهِ الواجهة بهذهِ الطريقة.

كنيسة القيامة.. يملك مفاتيحها مسلمون

أحمد الشيخ: في القُدسِ القديمة تلتقي الدياناتُ الثلاث في مكانٍ لا تزيدُ مِساحتهُ عن كيلومترٍ مُربع، في الشارعِ الواحد ترى كُلَّ الملل والنِحَل وترى الكنائسَ والكُنسَ قُربَ المساجد وكأن سالِفَ التاريخِ لم يتغيَّر، في الأعيادِ المسيحية تكتظُ أزقةُ البلدةِ بالسيُّاحِ والحُجاجِ من كُلِّ الدُنيا، يسيرونَ في مواكبَ يرفعُ كُلٌّ منها شعارَ طائفتهِ ويُنشِدُ بموروثها، يسيرون على خُطى المسيحِ مُقتاداً إلى الصليب ويُصلون ويتذكرونَ في كُلَّ مرحلة، يكتملُ المسيرُ هُنا في داخلِ كنيسةِ القيامة حيثُ جُسِّدَت كُلُّ مراحِلِ رحلة الصلب كما يعتقدون، تراهُم يُقبِّلون ويسجُدون من الفجرِ وحتى ما بعدَ الغُروب وكانَ هذا حالُهم طيلةَ الحُكمِ الإسلاميّ، أما في عهدِ الصليبيين فقد تحوَّلَ المسجِدُ الأقصى إلى إسطبلٍ لخيولِهم وفاضت فيهِ دماءُ المُسلمين حينَ اُحتُل، الدخولُ إلى القبرِ الذين يعتقدونَ أن المسيحَ مدفونٌ فيه هو ذُروةُ الزيارةِ للكنيسة، ويومَ سبتِ النور عندما قامَ المسيحُ كما يعتقدون تكتظُ الشوارعُ مرةً أُخرى ويلتقي الجميعُ في كنيسةِ القيامة للاحتفالِ بلحظةِ القيام، ولعلَّ كنيسةَ القيامة هي الفصلَ الأبرزَ في كتابِ العلاقةِ الإسلاميةِ المسيحيةِ في المدينة مُنذُ أن تسلمَّ عُمرُ بنُ الخطاب مفاتيحَ القُدس من صفرونيوس، دخلَ عُمرُ الكنيسةَ ورفضَ أن يُصليَ فيها لألّا يتخذها المُسلمونَ مسجداً، صلى الخليفةُ خارجها فأقامُ المُسلمونَ في المكانِ مسجداً، من أميركا ومن أوروبا ومن أفريقيا ومن آسيا، مِن كُل زوايا الدُنيا يأتونَ إلى هذا المكان، اليوم أتذكرُ عُمرَ بنَ الخطاب حينَ رفضَ الصلاةَ في كنيسةَ القيامة، توجهَ إلى هذا المكان وصلى فأُقيم مسجدٌ يحملُ حتى اليومِ اسمه، موقفُ عُمر ينُمُ عن العدلِ والتسامُح، لو أن مَن يحتلونَ المدينة هذا اليوم يمتلكونَ شيئاَ من بُعدِ النظر، ولو مَن أنهم يدعمونهم في الغرب يملكونَ شيئاً من العدل ربما تغيرت كثيرٌ من المواقِفِ المُستعصية حتى اليوم، سدانةُ القيامةِ في يدِ عائلاتٍ مُسلمة مُنذُ أن فتحَ عُمرُ المدينة، كُلُّ مساءٍ يُقفلُ هذا الرجُل بابَ الكنيسة وفقَ طقوسٍ معروفة، وفي الصباح يعودُ فيفتحُ الباب ويُسلمُهُم السُلَّم.

وجيه نسيبة/حامل مفاتيح كنيسة القيامة: بدأت في القرن السابع للميلاد من زمن العُهدة العُمرية عندما أخذَ عُمر بن الخطاب أو تسلَّم مفتاح كنيسة القيامة من البطريرك الأرثوذكسي صفرونيوس في القرن السابِع للميلاد، ووُقعت المُعاهدة بينَ المُسلمين والمسيحيين في ذلكَ الوقت وهي تنُص على المُحافظة على كنائسهم وصُلبانهم وعلى أملاكهم.

أحمد الشيخ: آلَ صلاحُ الدينِ والمماليك والعُثمانيون ألّا تُحتلَ القُدس حتى أدارَ العربُ لها ظهورهم فاحتُلَت، موسِمُ النبيِّ موسى ابتدعهُ صلاحُ الدينِ لتعزيز اليقظةِ والاستعدادِ لأيِّ غزوٍ جديد، حافظَ عليهِ المماليكُ وآلُ عُثمان، ومعَ أنهُ لا يوجدُ ضريحٌ للنبيِّ موسى هُنا فإنَّ العامةَ ما تزالُ تقصدهُ في موسمه، وجدنا الأتراكَ هُنا جنوداً قُدامى من الفرقةِ الموسيقية وأتباعَ طريقةٍ صوفية، وآلافاً من الفلسطينيين، في الماضي كانَ الموسمُ مُناسبةً لاستعراضِ مهاراتِ الفروسية، أما اليوم فتسودهُ قسماتُ الواقعِ الفلسطينيِّ المُتطلعِ إلى الاستقلال والانعتاقِ من الاحتلال.