يعود فيلم "من أي رفح أنت؟" الذي بثته الجزيرة يوم 4/8/2014 إلى أصل الحكاية، أي إلى عام 1906 حين فرضت بريطانيا التي كانت تستعمر مصر اتفاقا لترسيم الحدود مع الشام الذي كان يخضع للدولة التركية آنذاك، فشقت خطا وصفته بالخط الإداري قاسما رفح إلى رفحين.

نص اتفاق 1906 على حرية التنقل للأفراد، وأن جميع القبائل القاطنة في الشطرين لها حق الانتفاع بالمياه حسب عاداتها القديمة، ويبقى أهالي وعربان المنطقتين على ما كانوا عليه سابقا من حيث ملكية الأراضي والمياه والحقول.

ثم جاءت اتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل عام 1979 لتعصف بالخط الاستعماري القديم وتؤسس حدودا سياسية. وحين جاء موعد الانسحاب الإسرائيلي من رفح المصرية عام 1982، استفاقت العائلات الرفحاوية على الجيش الإسرائيلي وهو يزرع الأسلاك الشائكة بين الشطرين.

كانت أبناء العائلات يلتقون عند السلك الشائك يتصافحون ويناقشون أمورهم، غير أن هذا لم يدم طويلا، إذ عمدت إسرائيل إلى توسيع المنطقة العازلة إلى 400م، وهدمت كل البيوت القريبة من الحدود، وقتلت أكثر من عشرة فلسطينيين دافعوا عن بيوتهم.

ومن الجانب المصري وسعت المنطقة العازلة إلى عمق 350م، أما الانتفاضة الثانية عام 2000 فشهدت بناء إسرائيل جدارا فولاذيا فرض مزيدا من البعد بين الأهالي.

وكانت العائلات مضطرة لاعتلاء أسطح البيوت لرؤية أهلهم في الطرف الثاني ورفع الصوت والنداء لتحية بعضهم والسؤال عن الأحوال، أما إذا توفي أحد الأقارب فكانت سماعات مسجد الشهداء تتكفل بالإعلان عن الوفاة وموعد الجنازة.

ويتتبع الفيلم قصصا مؤلمة للعائلات التي فقدت حياتها الاجتماعية، فهذه الحاجة فاطمة برهوم في رفح الفلسطينية تموت ابنتها ولا تتمكن من وداعها، وأكثر ما استطاعت رؤيته هو جنازة ابنتها التي مرّت في رفح المصرية.

أما العامل عبد القادر الشاعر فيروي كيف انقسم بيته إلى نصفين حيث يعيش والده وأشقاؤه في الجانب المصري، وحين توفي والده ووالدته لم يستطع حضور الجنازة بسبب ما قال إنها إجراءات معبر رفح.

ومن المشاهد المؤثرة، عرض الفيلم عرسا لشاب فلسطيني في رفح الفلسطينية، بينما استطاع والده ووالدته الوصول إلى أقرب نقطة لرؤية ابنهما العريس بعد موافقة رجال الأمن المصريين.

منذ وضع الحدود الفاصلة لم يتمكن الرفحاويون من اجتيازها سوى مرتين، المرة الأولى يوم 12 سبتمبر/أيلول 2005 بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وإخلاء منطقة الحدود، إذ التأمت العائلات بعد 23 عاما من الانفصال لأيام معدودة. ثم فتحت مرة أخرى يوم 22 يناير/كانون الثاني 2008 بعد هدم الجدار، ولم يستمر ذلك طويلا إذ سرعان ما بنى الأمن المصري جدارا إسمنتيا محاذيا للجدار الأول.

وكما هي طبيعة الإنسان في اللجوء إلى مخارج لأي شكل من أشكال الحصار المضروبة عليه، كان على أبناء العائلة الواحدة أن يوجدوا بأي طريقة جسورا تجمعهم.

كانت الجسور على غير ما عرفته البشرية معلقة في الهواء، بل كانت أنفاقا تحت الأرض. ويقول الأهالي إن حفر الأنفاق كان أمرا ممكنا بين عائلتين مقسومتين هنا وهناك.

لكن كل من تحدث في الفيلم عبّر عن حلمه بأن يكون التواصل فوق الأرض لا تحتها، مضيفين أن الأنفاق أمر غير طبيعي ويثير الرعب في نفوس الذين يخشون انهيارها في أي لحظة.

تمكنت الحاجة فاطمة من عبور النفق والوصول إلى أهلها في رفح المصرية ثم العودة. غير أن تراجيديا الرفحين ستسجل -طبقا لمصادر حقوقية- في الجانب الفلسطيني فقط وفاة 205 شبان حاولوا حفر أنفاق على طريق الأمل، فكان الموت لهم بالمرصاد.