"العسكر في مصر شركاؤنا في مجالات التعاون في المنطقة, فالجيش والحكومة والنخب يعتبروننا شرعيين، وهذا أمر مهم للغاية، وينبغي علينا تشجيعه".. بهذه العبارة يشرح وزير الطاقة الإسرائيلي الأسبق يوسف بريتسكي العلاقة بين الطرفين وانعكاسها على صفقات لبيع الغاز المصري لإسرائيل بأثمان بخسة.

ويفسر سفير الولايات المتحدة السابق لدى مصر وإسرائيل إدوارد ووكر استخدام الغاز آلية لربط الدولتين ببعض، بالقول "عندما تكون هناك مصالح مشتركة حتى بين عدوين ويوافقان على كيفية التعاطي مع تلك المصالح، فإن كليهما يستفيد، وهذا أمر رائع.. هذا بالضبط ما نريده لأن الناس يحبون المال، وللمال سطوته".

 

ففي الفيلم الاستقصائي "مصر.. الطاقة المسلوبة" تقصت الجزيرة الدور الذي تلعبه الطاقة في واحدة من أهم العلاقات في الشرق الأوسط، وهي المتمثلة في اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.

ويكشف الفيلم تواصل النظام المصري مع إسرائيل سرا بعد الانقلاب الذي قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي على الرئيس محمد مرسي، ويوضح أنه حتى يضمن مستقبله السياسي "سيسعى لعقد صفقات استيراد غاز من إسرائيل بعد سنوات من الوفرة لسد عجز حقيقي في الغاز".

خطة السيسي
وأظهر الفيلم الاستقصائي أن السيسي رسم الجزء الأول من خطته في يناير/كانون الثاني الماضي برفع القيود عن شركات النفط والغاز الخاصة التي تعمل في مصر، وأصبح بإمكان الشركات استيراد الغاز من أي مزود طاقة أجنبي، وذلك لأول مرة في تاريخ البلاد.

وأعقب ذلك بأربعة أشهر، إعلان شركتين عن نواياهما "توريد الغاز الطبيعي من قبالة السواحل الإسرائيلية إلى منشآت تسييل الغاز لديها" في مصر.

وكانت إسرائيل قد ادّعت في العام 2010 بأحقيتها في حقول ربما تحوي ما يصل إلى 26 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في المياه العميقة بالبحر المتوسط.

"
المهندس الرئيسي لصفقات الطاقة المصرية مع إسرائيل هو ضابط المخابرات السابق حسين سالم الذي يعيش حاليا في منفاه بإسبانيا إلا أنه ما زال مستمرا في ممارسة الضغط على السياسات المصرية المتعلقة بالطاقة
"

بداية التعاون
ويلفت الفيلم إلى أن افتقار إسرائيل إلى النفط والغاز هو من نقاط الضعف الإستراتيجية الرئيسية منذ تأسيسها، وإلى وجود اتفاق في كامب ديفد قلما يتم التطرق إليه ألزم مصر بتزويد إسرائيل بالنفط.

ويقول الدكتور عمر عاشور من جامعة إكسيتر "منذ التسعينيات فصاعدا، كانت العلاقة بين العسكر المصري وإسرائيل بمثابة تحالف في الواقع.. حيث التنسيق وتبادل المعلومات الاستخبارية بينهما".

وفي العام 1993، تم التوقيع على اتفاق أوسلو الذي ربط للمرة الثانية سياسة الطاقة بمقترحات للسلام في الشرق الأوسط.

وبعد أوسلو بعام تأسست مصفاة نفط الشرق الأوسط "ميدور"، لتجمع بين أفراد من المخابرات المصرية والإسرائيلية.

وكان المهندس الرئيسي لصفقات الطاقة المصرية مع إسرائيل هو ضابط المخابرات السابق حسين سالم الذي يعيش حاليا في إسبانيا، إلا أنه ما زال مستمرا في ممارسة الضغط على السياسات المصرية المتعلقة بالطاقة.

سالم وشركاؤه
ورغم أن سالم كان العقل المدبر لمشروع مصفاة ميدور، فإن رئيس الشركة كان ربيب سالم، وهو سامح فهمي الذي أصبح وزيرا للبترول في وقت لاحق.

ويصف وزير الطاقة الإسرائيلي الأسبق يوسف بريتسكي فهمي بـ"مصري خلوق. صارم جدا، بدون شك.. وواسع الاطلاع، يتحدث الإنجليزية بطلاقة، على درجة عالية من التهذيب، وصريح. عقدت معه اجتماعات طيبة".

"
وزير الطاقة الإسرائيلي الأسبق يوسف بريتسكي وصف وزير البترول المصري الأسبق سامح فهمي بـ"مصري خلوق صارم جداً وواسع الاطلاع وصريح
"

وفي وثيقة سرية حصلت عليها الجزيرة وعدت سلطة الاستثمار في الحكومة المصرية بمنح رخصة حصرية لبيع الغاز المصري إلى شركة جديدة أقامها سالم- تسمى "إي أم جي"، أو "غاز شرق المتوسط"، وكان فهمي وزير البترول حينها.

إلا أن الاتفاقية لم تحصل على موافقة البرلمان في ذلك الوقت، مما دفع الحكومة إلى إفراد حصة من الغاز مباشرة إلى شركة أسسها حسين سالم وبعض ضباط المخابرات السابقين، وفق ما ذكر النائب السابق بالبرلمان المصري حاتم عزام.

وكان أحد شركاء سالم في الشركة المؤسسة حديثا العميل السابق بجهاز المخابرات الإسرائيلية للمهام الخارجية (الموساد) يوسي ميمون، الذي حقق في السابق الملايين من شراكته مع سالم في مشروع ميدور.

ويقول الخبير في مجال الطاقة ميكا مينيو بالويلو "بين سالم وميمون روابط وشبكات من العلاقات امتدت عبر جهازي المخابرات ومجتمع الأعمال مما مكنهما من ضمان شراء أسهم من النخب الرئيسية".

وقد سمحت صفقة تمت بمباركة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك ورئيس الوزراء الإسرائيلي حينها أرييل شارون لشركة "إي أم جي" أن تقوم ببناء خط أنابيب لتزويد إسرائيل بالغاز لمدة 15 سنة على الأقل.

وأظهرت شروط سرية مذكورة في وثيقة حكومية مصرية من العام 2000 أن سعر الغاز المصري المبيع لشركة إي أم جي ثابت عند 1.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية في الوقت الذي كان يباع إلى بلدان أخرى كاليابان بسعر 12.5 دولارا.

وقدر محلل الطاقة بالويلو وصول المبالغ التي خسرها الشعب المصري في "صفقة إي إم جي" إلى نحو 1.8 مليار دولار، في حين وصل إجمالي الخسائر التي لحقت بالشعب المصري من الصفقات التي أبرمتها الحكومة عبر حسين سالم وشركائه الإسرائيليين بأكثر من 11 مليار دولار.

"
حاتم عزام:
شبكة الفساد القائمة في المخابرات والجيش ومجال الطاقة من أكبر الأسباب التي دعت جنرالات الجيش إلى أن يقرروا الانقلاب على مرسي
"

الطاقة والانقلاب
واستعرض الفيلم ردود الفعل الإسرائيلية والأميركية المرحبة بتقلد السيسي للرئاسة وعودة ما اعترفوا بأنه "النظام القديم".

ويقول حاتم عزام إن مرسي واجه الكثير من الضغط بسبب شبكة الفساد القائمة في جهاز المخابرات والجيش، وكانت شبكة الفساد في مجال الطاقة من أكبر الأسباب التي جعلت جنرالات الجيش يقررون الانقلاب على مرسي.

وسلط الفيلم الضوء على الدور الذي لعبه قطاع الطاقة في تمهيد الساحة أمام الانقلاب، بعد نقص في الإمدادات بصورة مفاجئة وظهور الطوابير الممتدة أمام محطات البترول في جميع أنحاء البلاد، وتكرار حالات انقطاع الكهرباء في جميع الأنحاء.

ويضيف عزام "استخدم الجيش المصري توريد البنزين في محطات الوقود سلاحا للإطاحة بمرسي، وبعد الانقلاب بيوم اختفت كل تلك الطوابير، وكل شيء عاد إلى وضعه الطبيعي".