عشر سنوات مضت على مأساة تسونامي بإندونيسيا، التي كان إقليم آتشيه المسرح الأكبر لها، مأساة خلفت وراءها دمارا هائلا وجراحا غائرة، منها ما تكفل الزمان به، فانمحى أثره، ومنها ما لا يزال حيا إلى يومنا هذا.

وإذا كان لهذه الكارثة البيئية من فوائد، فقد تمثلت للمفارقة في ما جرفته موجات تسونامي في طريقها من صراع دموي دام لعقود.

منذ عقد من الزمن كانت الجزيرة هناك، وتابعت فصول المأساة ورافقت معاناة الناس، واليوم الأحد (28/12/2014) ومن خلال تغطية خاصة عادت الجزيرة إلى الوراء عشر سنوات لتستحضر ذكرى مأساة تسونامي بإندونيسيا وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية على المنطقة.

بشارة إلاهية
فخري علي الخبير السياسي في جامعة الشريف هداية الله الحكومية الإسلامية بجاكرتا رأى أن كارثة تسونامي التي وقعت في ديسمبر/كانون الأول 2004 كانت بمثابة بشارة من الله بعثها لسكان آتشيه حتى يتوجهوا صوب السلام ويضعوا حدا للاقتتال الدائر بينهم.

وأضاف أن تسونامي كان مؤشرا واضحا وجليا على أن الحرب غير أخلاقية، وعلى أنه من غير الأخلاقي الاستمرار فيها باعتبارها عملا غير مثمر.

وذكر أن معظم سكان إقليم آتشيه يقفون إلى جانب اتفاق السلام الموقع في 2005، ومعظمهم أيضا يرغبون في التركيز على مستقبل هذا الإقليم لأنهم خاضوا تجربة الحرب المريرة.

وخلص الخبير السياسي إلى القول إنه بالرغم من معاناة التجربة فإن التضامن الاجتماعي في إندونيسيا أصبح قويا وموجودا حتى الساعة.

حاجة للتوحد
وشارك في الحلقة أيضا نبيل سرور الأستاذ الجامعي والباحث في الشؤون الآسيوية والدولية، الذي قال إن العالم العربي غير بعيد عن أن يصاب بمثل كارثة تسونامي، لافتا إلى أن العرب في أمس الحاجة للتوحد في ما بينهم من أجل ملاقاة البعد الإنساني زمن الكوارث الطبيعية الهائلة.

وقال سرور إن على العرب أن يلتقوا على أهداف إنسانية توقظهم من سباتهم وتؤسس لمستقبل مشترك يتجاوز الخلافات بينهم.

وبين الباحث أن الأمم المتحدة قامت من خلال مكتب إدارة الكوارث والزلازل بإعداد دراسات تتوقع الكوارث قبل وقوعها، مضيفا أن العالم أصبح أكثر وعيا ويقظة واستعدادا في مواجهة الكوارث الطبيعية.

ضرورة الاستعداد
من جانبها، أشارت هيني فيديا رينا عضو الجمعية الإندونيسية لمواجهة الكوارث أن تسونامي 2004 لا يزال حاضرا بشكل كبير في أذهان السكان.

وقالت "نحن ندرك أن تسونامي آخر قد يحدث في إندونيسيا ولا أحد يستطيع أن يمنع ذلك".

وشددت رينا على ضرورة أن تكون الدولة والمجتمع بإندونيسيا مستعدين من خلال معرفة الخطر المحدق والتقليص من تأثيراته قدر الإمكان.

وأقرت بأن تسونامي 2004 كلّف الكثير من الخسائر البشرية والمادية، مشيرة إلى أن الكارثة مثلت ناقوس خطر وإنذارا مفاده أن إندونيسيا تعيش مخاطر طبيعية متعددة.

اسم البرنامج: برامج متفرقة

عنوان الحلقة: ذكرى تسونامي.. جراح غائرة

مقدم الحلقة: عثمان آي فرح                                    

ضيوف الحلقة:

-   فخري علي/أستاذ العلوم السياسية بأكاديمية شرطة اندونيسيا

-   نبيل سرور/باحث في الشؤون الآسيوية والدولية

-   هيني فيديا رينا/ عضو الجمعية الاندونيسية لمواجهة الكوارث

تاريخ الحلقة: 28/12/2014

المحاور:

-   خسائر إنسانية واقتصادية

-   الدروس المستخلصة من كارثة تسونامي

-   دعوات لتوحيد الصف العربي

-   درسٌ إلهي للاندونيسيين

عثمان آي فرح: أهلاً بكم، سنواتٌ عشرٌ مضت على مأساة تسونامي التي كان إقليم آتشيه المسرح الأكبر لها، مأساةٌ خلفت ورائها دماراً هائلاً وجراحاً غائرة منها ما تكفل الزمان به فانمحى أثره ومنها ما لا يزال حياً إلى يومناً هذا، وإذا كان لهذه الكارثة البيئية من فوائد فقد تمثلت للمفارقة فيما جرفته موجات تسونامي في طريقها من صراع دموي دام لعقود، منذ عقدٍ من الزمن كانت الجزيرة هناك تابعنا فصول المأساة ورافقنا معاناة الناس، اليوم ونزولاً عند واجب الذكرى مراسلنا صهيب جاسم عاد من جديد إلى مسرح الكارثة وأنجز التحقيق التالي: العودة إلى آتشيه.

[تقرير مسجل]

هاشم موليادي/مصور تلفزيون الجمهورية الإندونيسية في آتشيه: في صباح يوم الأحد الـ26 من ديسمبر لعام 2004 شعرنا نحن سكان آتشيه بزلزلتين شديدتين لم يسبق أن تعرضت مناطقنا لمثلهما وبعد أقل من ساعة رأينا سكان السواحل يهربون ويصرخون بأن مياه البحر آتية بقوة ولم يكن أحد يعلم حقيقة ذلك، رأيت الذعر وقد أصاب سكان المدينة بشكل لا يوصف، هربنا جميعا من المياه وهنا انتابني شعور بأنه لا بد أن أصور بكاميرتي هذا المشهد، رأيت مياه البحر تجرف كل ما صادفها من المنازل والسيارات والأشجار، حاولت الدخول إلى المسجد للاحتماء به لكن ذلك كان مستحيلا بسبب المياه التي حاصرتنا، فلم يكن أمامي ومن معي إلا أن نصعد فوق أحد المباني الملحقة بالمسجد وهناك سجلت ما رآه العالم من مشاهد تسونامي، قلت في نفسي في تلك اللحظات لو حان أجلي هذا اليوم فلتكن وفاتي في بيت الله المكان الطاهر الذي يُعبد فيه سبحانه، لقد احتمى كثيرون في المسجد الذي تغمره المياه بنفس ارتفاع المياه التي غمرت المباني المحيطة به.

صهيب جاسم: بعد انحسار مياه المد البحري عاد الناجون من سكان سواحل آتشيه إلى المناطق التي اجتاحتها الأمواج ليروا دماراً واسعاً، عرفوا بعدها أن ما وقع كان زلزالاً بقوة 9.2 على مقياس ريختر، هو ثالث أقوى زلزال عرفته البشرية منذ 100 عام، ولأنّ بؤرته كانت في عمق 30 كيلومتراً تحت سطح البحر غربي آتشيه فقد ولّد أمواجاً عاتيةً اندفعت بسرعة خاطفة نحو السواحل أطلق عليها اليابانيون اسم تسونامي، عمت الأحزان آتشيه إثر فقدانها أكثر من 220 ألفا من أبنائها في غضون ساعات ولقي نحو 60 ألفاً آخرين حتفهم في سيريلانكا والهند وتايلاند و8 دول أخرى وصلت إلى سواحلها الأمواج.

خسائر إنسانية واقتصادية

آلافٌ من ضحايا هذه الكارثة دُفنوا في هذه المنطقة وسط الغابة والتي ستسمى بالمقبرة الجماعية لشهداء الزلزال غير أن مناطق أخرى خصوصاً على الساحل البحري لإقليم آتشيه ستشهد أعداداً..

ومضت سنوات عشر على رحيل أولئك لكن الزائر لهذه المقبرة لن يجد سجلاً بأسماء 50 ألفا دفنوا فيها، فلم تقيد هوياتهم ومن فقد قريباً له حسب في عداد القتلى وبدلا من ذلك اختار مصممون تشييد نُصبٍ على شاكلة أمواج نقشوا عليه آيةً كريمةً تُذكر بأنّ كل ما حصل كان من قدر الله ومشيئته، كان على الناجين أن يتحملوا تركة ثقيلة تُضاف إلى أحزانهم فقد دمر 139 ألف منزل وبات 635 ألف شخصٍ بلا مأوى، سكن هؤلاء في مساكن مؤقتةٍ ومخيماتٍ لنحو عامين، ولعظم البلوى لم يكن للحكومة الإندونيسية خيار سوى أن تسمح للمعونات الأجنبية بأن تصل إلى آتشيه دون قيود بعد أن كانت إقليماً محرماً على الأجانب في ظل صراع مسلح فيها منذ عقود، وحشدت دول غربية وآسيوية مسلمة جيوشها ومن ورائهم معوناتها وكثّفت منظمات غير حكومية جهودها لإغاثة المنكوبين.

[شريط مسجل]

كونتورو مانغو سوبروتو/رئيس هيئة إعادة إعمار وتأهيل آتشيه: كان العمل على إعادة إعمار آتشيه استثنائياً استجابة للدمار الواسع الذي خلّفته الكارثة، كان لا بد من إعادة بناء كل ذلك وهو ما شاركت فيه أكثر من 750 حكومةً ومنظمةً دوليةً وجمعيةً غير حكوميةٍ من دول العالم، ونحن نشكر المجتمع الدولي على مد يد العون لنا بإنفاق ثلثي كلفة اﻹعمار التي بلغت 7 مليارات و200 مليون دولار أميركي.

صهيب جاسم: استغرقت عملية إعادة الإعمار بضع سنواتٍ شُيّدت خلالها كل المنازل المهدمة رغم التفاوت بينها من حيث جودة العمران تبعا لاختلاف مستويات إتقان عمل المنظمات الخيرية، وشمل ذلك بناء المستشفيات ومقرات الحكومة والمرافق العامة، لكن التغيير الأهم ليس الذي طرأ على عمران آتشيه بل ما حل بسكانها، ولهذا سعينا بعد 10 أعوام إلى البحث عن بعض ممن روينا حكايتهم إثر تسونامي ومنهم من كانوا يؤدون فريضة الحج عندما وقعت الكارثة، بحثنا في ضواحي مدينة بندا آتشيه عن حاجّين من أولئك، لاحظنا عند السؤال أن السكان يتذكرون الحاج أمير الدين بن محمد سعد وزوجته دامياتي داود لارتباط رحلة حجّهما آنذاك بفترة تسونامي، فوجئ الرجل عندما قابلناه وكنا قد رافقنا أمير الدين عند عودته مع مئاتٍ آخرين إلى آتشيه بعد شهر من كارثتها، لم يجد آنذاك أثراً لمنزله فقد جرفته أمواج تسونامي فقد أبناؤه الثلاثة ونحو 150 شخصا من أفراد عائلته وعائلة زوجته، قال لنا حينها وكرر اليوم إنه راضٍ بقضاء الله، وقد احتاج بعدها 5 أعوام لتحسين وضعه الاقتصادي، اليوم أعيد إعمار المنطقة التي كانت مدمرةً بالكامل اخضرّت الأحياء وعمرت بساكنين جدد لكن أمير الدين يشعر بالوحدة بعد فقدان أبنائه وأقربائه، وصولنا إلى الحاج أمير الدين سهل علينا معرفة منزل حاج آخر هو سحيم غزالي وما أن وصلنا إلى بقالته ومنزله حتى أجهشت زوجته بالبكاء متذكرةً أحزانها، فبعد لقائنا بهما إثر عودتهما من الحج مطلع فبراير من عام 2005 كانا يأملان أن يجدا ذويهما بين جموع النازحين لكن وبعد بحث طويل لم يجدا أثر لغالبية الأقارب.

[شريط مسجل]

همريدار بنت حمدان هاشم/مواطنة من آتشيه: هذه صورة أخي الصغير كان عمر ابنه 40 يوما عندما توفي بكارثة التسونامي لأنه اختار أن يترك أسرته ويأتي ليصاحب أبنائي في منزلنا خلال ذهابنا إلى الحج تاركاً وراءه ولدين يتيمين.

صهيب جاسم: لم يبق من أبناء همريدار إلا ولد واحد تقر عيناها به وبأحفادها منه، فقد فقدت 4 من أبنائها ووالدتها وغيرهم كثُر لم تجد لهم صوراً كثيرة، ومن ذكراهم هذه الكراسة التي وضعتها ابنتها في حقيبة أمها قبل مغادرتها إلى الديار المقدسة.

[شريط مسجل]

همريدار بنت حمدان هاشم: كتبت ابنتي ويلدا في كراستها قبل وفاتها: يا أمي لا تنسيني في دعائك بأن أكون ابنة صالحة، وأن يكتب لي أداء فريضة الحج في العام المقبل، عندما أكون مريضة أتذكر أولادي وبناتي لقد كان أبنائي حينها يحيطون بي وكنت أشعر براحة لا توصف، ابنتي الصغيرة كانت تمسك بقدمي وتقول أعلم أن الجنة تحت قدميك يا أمي، يا رب يا الله أسألك أن ترحم أبنائي وتدخلهم فسيح جناتك.

صهيب جاسم: ولا تقف الحكاية عند أحزان بندا آتشيه فالدمار الواسع كان في الساحل الغربي للإقليم الذي لم يكن ممكنا الوصول براً إلى بلداته لأشهر بعد تسونامي، وتوثق لنا هذه اللقطات المصورة بعد تسونامي بأيام كيف أزال المد البحري كل العمران والخضرة على امتداد ساحلٍ بطول 800 كيلومتر جارفا بأمواجه 70 ألف هكتار من المناطق الزراعية وعشرات القرى والبلدات، وقد استغرق شق هذه الطريق الساحلية بضع سنوات بمعونة دولية، هي جزء من نحو 3 آلاف و600 كيلومترٍ من الطرق التي شُقّت ومئات الجسور التي مُدّت من جديد، اليوم يمكن السفر من بندا آتشيه إلى جنوب غرب الإقليم عبر هذه الطريق، تستغرق الرحلة نحو 5 ساعات ليتيسر بذلك ربط بلدات آتشيه بمدن سومطرة الأخرى، واللافت أن الساحل الذي جرفت أمواج تسونامي كل ما فيه ازدان بخضرة لافتةٍ في غضون سنواتٍ قليلة، ولذلك فآثار تسونامي في هذه السواحل نادرةٌ سوى ما أحدثته الأمواج من تغيير طبوغرافي في بعض المناطق مع زحف مياه البحر التي أجبرت بعض السكان على الانتقال إلى أماكن أخرى، وهذا ما حصل في بلدة تشالنغ التي تُذكر بأنها البلدة الوحيدة التي دمرت بالكامل كما قتل 80% من سكانها ولم يكن ممكناً للناجين العيش فيها بعد الكارثة لشهور، وكان من القلة التي نجت يسري داود وأبناؤها عاشت معهم أياماً في مخيم على هضبةٍ التجئوا إليها، وبعد 10 سنوات عدنا لنرى حالها رضيعتها نور التي نجت معها تجاوزت العاشرة من عمرها اليوم، ويذكر أبناء هذه البلدة أنهم أُجلوا إلى مدنٍ أخرى إثر تسونامي بعد فقدان كل ضروريات الحياة هنا قبل العودة تدريجياً إليها حتى اكتمل بنائها خلال 4 أعوام، وكثير من ساكنيها اليوم وافدون من محافظات أخرى لم يشهدوا وقوع تسونامي، وكلما ذُكرت أمواج تسونامي في آتشيه يرد الحديث عن مالابو المدينة الأقرب إلى بؤرة الزلزال قبالة سواحلها، كانت الأمواج هنا مرتفعةً أكثر من أي مكان آخر في آتشيه وتحفل لنا هذه اللقطات وقوف أعمدة هذا المسجد وحيداً وسط دمار أحياء مالابو الساحلية كحال مساجد كثيرة لم تتهدم، اليوم أعيد بناء هذا المسجد وما حوله من منازل المواطنين، وإذا ما اتجهنا جنوباً على امتداد الساحل الغربي لجزيرة سومطرة فسنصل إلى بلدات سومطرة الشمالية والغربية ثم بانكولو وهي مناطق تعرضت لهزات أرضية وموجات تسونامي بعد كارثة آتشيه، وهذا ما جعل الساحل الغربي لهذه الجزيرة مجال بحث ودراسات من قبل علماء الأرض والفيزياء من إندونيسيا ومن دول العالم الذين يحذرون من إمكانية تعرض هذه المناطق لزلازل أخرى وأمواج مد بحري مدمرةٍ في المستقبل، بعد تسونامي آتشيه توالت الهزّات التي ضربت جزيرة سومطرة تبعت بعضها أمواج تسونامي كالتي شهدتها سواحل موكوموكو عام 2007، فأحد أبرز أحزمة التصادم الصخري لغلاف الأرض المحدثة للزلازل يتمركز قبالة سواحل سومطرة، وهي منطقة باتت تعرف بحزام النار نسبةً إلى نشاط الزلازل والبراكين فيها، وقد أبقى هذا سكان آتشيه التي تقع شمال سومطرة في حالة ترقبٍ وحذرٍ من أي زلزال آخر، ولهذا تجرى تدريباتٌ على الاستجابة لخطر الهزات الأرضية في مدن آتشيه من حين لآخر، وتمتد جهود التوعية إلى المدارس حيث يحرص على توريث التلاميذ معرفةً بالزلازل وكانت أمواج تسونامي قد دمرت 3400 مدرسة أُعيد إعمار نصف ذلك العدد، لم تكن الصفوف ممتلئةً في السنوات الأولى إثر المصاب فقد لقي تلاميذ كثر حتفهم وفقدت آتشيه نحو 2000 معلم ومعلمة، اليوم وبعد 10 سنوات تزدحم صفوف المدارس بأطفال ولدوا بعد الزلزال ولا يعرفون عنه سوى ما يروى لهم وما يشاهدونه مسجلاً بالصور.

[شريط مسجل]

صيودي راجا فادان/طالب: لا أستطيع أن أتصور بوضوح ما تحكيه لي أمي عن تسونامي، الموت في كل مكان وعندما يحدث تسونامي يُصاب الناس بالذعر بسبب الزلزال ثم يخرجون من المنازل خوفاً من الزلزال القوي ويهتفون بالصلوات وبـ "لا إله إلا الله"، وهناك من مات بسبب تسونامي البحر فانفصل رأسه عن جسده.

صهيب جاسم: وقد حوفظ على بعض آثار تسونامي بنا يوصف هنا بأماكن سياحة الكوارث، لم يكن هدفها مجرد جذب السياح بل للتذكير بعظم ما حصل، ولزائر هذا المكان أن يتصور قوة الأمواج التي حملت هذه السفينة وهي محطة كهرباء عائمة إلى ضاحية تقع على نحو 5 كيلومترات عن المرفأ الذي كانت ترسو فيه، ولإفادة الأجيال القادمة واستعداداً لأي كوارث مستقبلية حفزت تسونامي باحثين من آتشيه وجاكرتا وسنغافورة ودول أخرى على سبر أغوار طبيعة الكوارث في آتشيه وسومطرة قبالة الساحل الغربي لآتشيه وقع نظرهم على كهف ظل بعيداً عن الأنظار وكان لما اكتشفوه فيه تسجيلٌ زمنيٌ فريد لتاريخ تسونامي من خلال تحليل لطبقات رمال البحر التي حملتها الأمواج إلى داخل الكهف حيث أظهرت وقوع نحو 11 تسونامي على الأقل في آتشيه منذ 7500 عام.

[شريط مسجل]

نزلي إسماعيل/رئيس قسم الجيوفيزياء بجامعة شيغكوالا - آتشيه: في ذلك الكهف تعيش الخفافيش منذ القدم والتي ساعدتنا في دراستنا هذه، حيث أظهرت الحفريات في الكهف الفارق الزمني بين مخلّفات تسونامي وآخر تفصل بينهما طبقة من فضلات الخفافيش، وبهذا تبدو طبقة من الرمال ومخلفات الكائنات البحرية التي أتت بها أمواج تسونامي إلى داخل الكهف في زمن معين، وبعد ذلك ولمئات السنين غطتها فضلات الخفافيش بلونها الأسود المميز ثم طبقةٌ أخرى من مخلفات تسونامي ثانٍ وقع لاحقاً، وهكذا يتكرر الأمر على مدى قرون والتمييز بين عمر مخلفات تسونامي وآخر كان واضحاً، وقد وجدنا علاقة بين حفرياتنا في الكهف وحفرياتٍ أخرى لمخلفات تسونامي في منطقة كرونغرايا حيث آثار مملكة لاموري المسلمة ونفترض وجود علاقة بين توقيت وقوع تسونامي آنذاك وزمن اندثار الحياة في تلك المملكة التي قامت منذ القرن السابع الميلادي ما يعني أنها انتهت ربما بكارثة تسونامي دمر عمرانها، وكان الرحالة يذكرون مجد هذه المملكة التي اختفت بعد فترة ولم تعد تذكر والفرضية التي نميل إليها هي أن أكثر من مملكة اندثرت بكارثة تسونامي.

صهيب جاسم: بعد اندثار مملكة لاموري قامت مملكة سامودرا باساي التي اندثرت بأمواج تسونامي أيضا وفق هذه الفرضية قبل قيام سلطنة آتشيه دار السلام التي بقيت حتى بداية القرن العشرين مصير مملكة لاموري في آتشيه يشبه ما صارت إليه مراكز تجارية أخرى قامت على سواحل سومطرة قديما قبل أن تنهي ربما كوارث تسونامي أثرها مثل سنكيل وباروس، وكما غيّرت الكوارث الواقع السياسي في تاريخ آتشيه فقط فرضت كارثة تسونامي عام 2004 واقعا آخر وكانت العامل الأهم الذي أوقف الصراع الدامي الذي انطلق في عهد الخمسينيات بحركة مسلحة ضد الحكومة المركزية ثم تجدد بانطلاق حركة تحرير آتشيه عام 1976 وكانت تسعى عبر العمل المسلح إلى الانفصال عن اندونيسيا، بعد تسونامي بثمانية أشهر وقعت حكومة اندونيسيا وحركة تحرير آتشيه اتفاقية سلام أوقفت نزيف الدم الذي خلف أكثر من 15 ألف قتيل برعاية أوروبية وآسيوية تمنح آتشيه حكما خاصة وامتيازات اقتصادية وتميزا في القوانين، وتوالت خطوات تنفيذ الاتفاقية فبعد أن كانت آتشيه منطقة عسكرية خفف الجيش الاندونيسي من حضوره في الإقليم وسلم مسلحو حركة تحرير آتشيه أسلحتهم بإشراف دولي استعدادا لدور مدني جديد، تحولت حركة تحرير آتشيه إلى حزب سياسي هو حزب آتشيه ومن قادته حاكم الإقليم ونائبه و11 محافظا يديرون نصف محافظات الإقليم كما ظهرت أحزاب آتشوية أخرى تنافس حزب آتشيه على قطف ثمرة صراع العقود الماضية، هيئ السلام أجواء كانت حلم سكان آتشيه وكانت ضرورية لنجاح إعادة الأعمار وتضميد الجراح وأعيد بناء 23 ميناء حطمتها أمواج تسونامي كانت فترة إعادة الأعمار قد أحدثت انتعاشا لكنه كان مؤقتا ولهذا تحتاج آتشيه اليوم إلى إحداث تحولات جذرية في النشاط الاقتصادي لسكانها بجذب استثمارات جديدة وإنشاء صناعات تحويلية وتعدينية تستفيد من ثرواتها الطبيعية، لقد كانت المعاناة الاقتصادية أحد محركات التمرد المسلح على جاكرتا قبل تسونامي لكن وبعد تحقيق السلام مازالت 18% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، أما الصيادون فلهم قصتهم مع أمواج تسونامي التي حطمت 14 ألف سفينة ومركب صيد لهم تم بناء نصف ذلك العدد بتمويل خيري أو بجهود ذاتية تجاوز الصيادون فترة الصدمة من أمواج تسونامي وهم يبحرون اليوم مبتغين أرزاقهم من خيرات البحار المحيطة بهم ولم ينقصهم سوى أجهزة ملاحة متقدمة وصناعات غذائية تستفيد من وفرة الكميات التي يعودون بها كل يوم.

[شريط مسجل]

رزال يونس/صاحب سفينة بميناء بندا آتشيه: يبحر صيادو آتشيه مسافات تتفاوت 300 إلى 500 ميل بحري غربا باتجاه المحيط الهندي كما يمكن الصيد شمالا باتجاه خليج البنغال واقترابا من سيريلانكا لمسافات تصل إلى 300 ميل بحري أيضا ولا يلزمنا البقاء في البحر طويلا فيكفينا يومان أو ثلاثة للعودة بسفننا ممتلئة بأفضل أنواع الأسماك.

صهيب جاسم: فمن الناحية الجغرافية تتميز آتشيه بموقع استراتيجي للغاية وأمام صياديها بحار واسعة وسواحل ممتدة من ثلاثة اتجاهات ويدرك الاندونيسيون أيضا أهمية موقع آتشيه في الجغرافية السياسية في جنوب شرق آسيا وبالنسبة لخطوط الملاحة الجوي. هي آتشيه التي ظلت عبر القرون البوابة الغربية للأرخبيل الاندونيسي وجاءت الكارثة لتحفظ لها مكانتها في وجدان من هبوا لعون الآتشيين في محنتهم محنة وهب الآتشيون بعدها خلاصا من صراع دامٍ دام عقودا وخلاصا من ضغائن مع إخوانهم من أبناء الوطن ومع توقف نزيف الدم يظل الأمل في تسخير أفضل وتوزيع أعدل لخيرات آتشيه.

[نهاية التقرير]

الدروس المستخلصة من كارثة تسونامي

عثمان آي فرح: لمناقشة هذه الجوانب معنا من جاكرتا كل من: الدكتور فخري علي أستاذ العلوم السياسية في أكاديمية القيادة للشرطة الاندونيسية ومن بيروت الدكتور نبيل سرور الأستاذ الجامعي والباحث في الشؤون الآسيوية والدولية إذن أبدأ منك الدكتور فخري ما هي يعني الدروس المستخلصة من هذه الكارثة الكبيرة التي فقد فيها الاندونيسيون الكثير جدا؟

فخري علي: إذا كنا نتحدث من زاوية نظر دينية فهذه هي الحادثة هي عبارة عن بشارة بعثها الله لنا بأن سكان آتشيه يتعين عليهم أن يمضوا قدما من أجل أن يغدوا باتجاه السلام.

عثمان آي فرح: نعم يعني..

فخري علي: وكذلك ضرورة إيقاف الحرب.

عثمان آي فرح: نعم ولكن يعني كارثة بهذا الحجم هل يمكن أن نوجز كل الدروس المستخلصة فيما ذكرته أم أن هناك أكثر من ذلك؟

فخري علي: نعم هناك دروس أخرى مستخلصة فنحن هنا نتحدث عن بشارة أخلاقية بضرورة وضع حد للاقتتال بين الإندونيسيين وكذلك بضرورة وقف هذه الحرب غير المثمرة، كذلك فإن فعلا بسيطا أو بالأحرى فعلا كبيرا مثل تسونامي منحنا رسالة إلهية مفادها بأن الحراك السلمي يجب أن ينطلق ويتأسس وللأبد في إقليم آتشيه، وشخصيا أعتقد بأن هناك الكثير من الأطراف سواء في الحكومة الاندونيسية أو كذلك من حركة تحرير آتشيه هذه الأطراف تدرك هذه البشارة الإلهية، شخصيا أعتقد بأن هذا سببا كافيا بالنسبة لإقليم آتشيه من أن يبذل قصارى جهده بغية أن يحقق رفاه شعبه وسكانه.

عثمان آي فرح: نعم، كانت هناك حرب كبيرة خسر فيها الاندونيسيون 15 ألف قتيلا كيف كانت هذه الكارثة الطبيعية هذا تسوماني هو العامل الأهم ليتوصل الاندونيسيون إلى الاتفاق الذي وقع في هلسنكي.

فخري علي: صحيح لأنه وكما قلت فإن تسونامي شكل مؤشرا واضحا وجليا بأن هذه الحرب غير أخلاقية وأنه غير أخلاقي أن نستمر بها ذلك بأن الحرب هي أمرٌ غير مثمر وفعل غير مثمر وكذلك فإنها ستؤثر على إنسانيتنا ليس كذلك فقط وإنما ستؤثر على الأبعاد الاجتماعية والثقافية في البلد، كذلك فإن إقليم آتشيه يمكنه أن يخسر الكثير من أجياله وبالتالي هؤلاء لن يستطيعوا أن يحققوا مستقبلهم نتيجة للحرب، الآن نحن ندرك بأن هذه الحرب قد اندلعت منذ قرنين من الزمن والكثير من سكان إقليم آتشيه يدركون حق المعرفة بأن الحرب لا تمثل استجابة لتقدمهم وتنميتهم ولإنسانيتهم وكذلك ليست حلا واستجابة بالنسبة لقضاياهم السياسية والاجتماعية.

دعوات لتوحيد الصف العربي

عثمان آي فرح: دكتور نبيل سرور هل يعيش العالم العربي وهماً بأن حدثا كهذا هو في حقيقة الأمر حدث بعيد زمنيا وجغرافيا عن العالم العربي بينما مؤشرات تقول أنه ليس هناك ما يمنع أن يحدث في البلدان العربية؟

نبيل سرور: أعتقد بأن العالم العربي غير بعيد عن أن يصاب بمثل هذه الكوارث الطبيعية، وأعتقد بأن العرب بأمس الحاجة إلى أن يتوحدوا فيما بينهم من أجل ملاقاة البعد الإنساني في مثل هكذا كوارث إن العرب ليسوا بمنأى والدول العربية ليست بمنأى عن أن تصاب بمثل هذه الكوارث لاسيما أننا في عالم فيه الكثير من المؤشرات عن حدوث كوارث من قبيل حرارة الأرض المرتفعة وذوبان جبال الجليد وغيرها من الأمور والكوارث التي يمكن أن تتأتى من التلوث، كل هذه الكوارث الطبيعية يمكن أن تصيب العديد من دول العالم ومن بينها الدول العربية، إن العرب ليسوا بمنأى عن هذه الكوارث وهم مدعون إلى مد يد المساعدة إلى جميع الدول التي قد تصاب، وإقليم آتشيه يجب أن يكون أيضا من المناطق التي يجب أن تمد لها يد المساعدة..

عثمان آي فرح: هل كانت هناك..

نبيل سرور: لأن..

عثمان آي فرح: هل كانت هناك مساعدة بالفعل وهل هناك ما يدعو العرب ليشعروا بوخز الضمير لأنهم لم يفعوا ما يكفي أم أنهم فعلوا بالفعل ما يكفي للإغاثة؟

نبيل سرور: لقد توافرت جهود ما يقارب الثمانين دولة من أجل مد يد العون إلى إقليم آتشيه بالفعل كانت هناك جهود دولية جبارة شاركت فيها العديد من الدول الأجنبية والعربية، ولكن من خلال التقديرات والدراسات التي أعدت في هذا المجال فإن الحضور العربي لم يكن بالمستوى الملائم من أجل مد يد العون وتقديم المساعدات اللازمة أعتقد بأن الحضور العربي والمساهمة العربية يجب أن تكون بمستوى أفضل أما موضوع وخز الضمير فإن هذا الموضوع الإنساني  يتطلب مراجعة دائمة كي يكون هناك تكاتف بين الدول العربية في أكثر من قضية ..

عثمان آي فرح: حسنا.. 

نبيل سرور: مصيرية.. 

عثمان آي فرح: حسنا..

نبيل سرور: وفي أكثر من قضية.

عثمان آي فرح: حسنا الآن تنظم إلينا هيني فيديا رينا وهي عضو الجمعية الاندونيسية لمواجهة الكوارث أهلا بك، الشعب الاندونيسي خسر 220 ألف شخص في ساعات معدودة كانت كارثة كبيرة وفي الفيلم الذي رأيناه شاهدنا سيدة تبكي وكأن الأمر حدث الآن يعني عندما نحن أسمينا هذا الفيلم العودة إلى آتشيه، هل هي عودة إلى مجرد ذكرى أم أن هذه الكارثة بشكل أو آخر ما زالت تعيش بين الاندونيسيين الآن بعد مرور سنوات؟

هيني فيديا رينا: هلاّ أعدت السؤال من جديد من فضلك؟

عثمان آي فرح: كنت أقول هل نعود الآن لمجرد ذكرى أم أن هذه المأساة تعيش الآن بشكل أو آخر بين الاندونيسيين يعيشونها وكأنها حدثت الآن ما الذي تبقى منها؟

هيني فيديا رينا: في واقع الأمر اندونيسيا هي منطقة تشهد الكثير من أحداث تسونامي وفي منطقة آتشيه حدث مثل هذه التسونامي، تسونامي أكثر من مرة وتحدث عادة عندما يكون هناك زلازل كبيرة في هذا الإقليم وقد حدثت زلازل خلال العقد الماضي من الزمن بالتأكيد تسونامي لا يزال حاضرا بشكل كبير في ذاكرة سكان الإقليم.

عثمان آي فرح: نعم يعني يقال حدث 11 تسونامي خلال 7500 عام ولكن هذا التسونامي الأخير ما الذي استفاد الاندونيسيين منه لمواجهة أي كوارث مشابهة قد تحدث في المستقبل؟

هيني فيديا رينا: الدروس المستخلصة من تسونامي الأخير وتحديدا في 2004 الدروس المستخلصة بالنسبةِ لنا، تمثلَّت في أننا نُدركُ بأن تُسونامي آخر قد يحدُثُ في إندونيسيا وذلك راجعٌ إلى المنطقة الساحلية عادةً ما تكونُ قريبةً من مصادرِ تسونامي ولا ينطبقُ ذلك فقط على آتشيه وقُرابة 5 ملايين شخص في إندونيسيا يعيشون في هذه المنطقة الساحلية، الدرس الثاني هو أنهُ لا أحد يستطيعُ أن يمنع حدوث هذه التسوناميات لكن نستطيعُ أن نُنقذ حياة الناس ما دُمنا مُستعدين وما دُمنا نتمكن بأن نُحذر الناس في الوقت المُناسب، الدرس الثالث يتمثل أننا بشكلٍ عام يجب أن يكون لدينا حيوية وأن نكون مستعدين كبلدٍ وكمُجتمع، وعلينا أن تكون لدينا 5 أفعال تُمثلُ أولويةً: أن نقوم أولاً كأولوية بتقليصِ المخاطر، ثانياً أن نعرف الخطر والمكان الذي نعيشُ فيه ونتصرف حيالُ ذلك من خلال أنظمة إنذارٍ مُبكر، كذلك النُقطة الثالثة والتي تُمثل أولوية أخرى تتمثلُ في تقليص المعايير والأسباب المكوِّنة لهذا الخطر وكذلكَ أن نبني معرفةً ووعياً أكبر بهذه الأزمة وكذلك يجبُ أن نكون مستعدين للتصرف من خلال الاستعداد للمخاطر والنشاطات ذات الصلة.

عثمان آي فرح: هل أخلت يعني الدولة مسؤوليتها فيما يخُص إعادة الإعمار وتعويض الضحايا وكذلك المجتمع الدولي؟ هل تم ما يجب أن يتم فيما يخُص إعادة الإعمار وإعادة تأهيل المنطقة برُمتها؟

هيني فيديا رينا: هل الأمرُ يتعلق بآتشيه أو بشكلٍ عام ليس فقط آتشيه؟ حسناً.

عثمان آي فرح: هو، تفضلي.

هيني فيديا رينا: بالنسبة لي شخصياً هُناك إجابتان بما يتعلق بآتشيه حتى الساعة الحكومة قالت بأنها لديها التزامٌ قويٌ من أجلِ أن تُعيد إعمار إقليم آتشيه وتقوم بالنشاطات المُتعلقة بهِ، حتى 2012 هُناكَ قُرابة 120 تريليون من العُملةِ الإندونيسية أنفقناها وقُرابة 60 أو 70 تريليون من الروبيات قدمتها الحكومةُ الإندونيسية، لكن فيما يتعلقُ بما إذا كانت عملية إعادة الإعمار كانت ناجحة وتم إنجازُها بشكلٍ ناجح فعلينا أن نُجيبَ على سؤالٍ آخر، ذلك أن هدف إعادة الإعمار تتمثل في أن يكون إعادة الإعمار أفضل من السابق، لكن السؤال هو هل نجحنا في ذلك أم لا؟ شخصياً أودُ أقول أننا لم ننجح بشكلٍ أفضل، كذلك أن هُناك عمليات إنشاء وإعمار تسعى إلى تقويةِ حيويةِ الشعب والسؤال: هل سُكان آتشيه لديهم تلك الحيوية؟ جوابي على ذلك أن ذلك لم يحصل حتى الساعة، لكن على نحوٍ ما فإننا تعلمنا دروساً من عملية إعادة الإعمار في هذا الإعمار حيثُ أن ما قُمنا به أصبح أمراً هاماً للحكومة الإندونيسية من حيثُ أنها قامت بإدارةٍ جيدة فيما يتعلق بإمكانية حدوث تسونامي في أماكن أُخرى من إندونيسيا.

عثمان آي فرح: دكتور فخري علي كما ذكرنا كان تسونامي عاملاً مُهماً في التوصُل إلى اتفاقية سلام، هل انتهى هذا الأمر تماماً أم أن هُناك مخاوف من أن يعود البعض إلى حمل السلاح ويتجدد الصراع مرةً أُخرى في آتشيه؟ 

فخري علي: هذا الاحتمالُ ليس وارداً بشكلٍ كبير وذلك حسب الاحتمالات القائمة لأن مُعظمَ سُكان إقليم آتشيه يشعرون بالرضا حيال اتفاق السلام الذي تم إبرامهُ في 2005، حالياً تقريباً مُعظم سُكان الإقليم مُعظم السُكان يودون أن يُركزِّوا على المُستقبل وعلى مُستقبلِ هذا الإقليم، ما لم يقوموا بتجنُبِ الأفكار التي تُعيدُنا إلى الحرب ذلك أنهم خاضوا تجربةً مريرةً فيما يتعلقُ بالحرب، وتقريباً ليس هُناك من يودُ العودة إلى الحرب في إقليم آتشيه، كذلك يجبُ أن نعترفَ بأن هُناك عددٌ قليلٌ من سُكانِ الإقليم وحتى الساعة لا يزالون يشعرون بعدم الرضا حيالَ اتفاق السلام لكن هذا الأمر لا علاقة له على الإطلاق بحكومة إندونيسيا فهؤلاءِ ينتقدون قادتهم السابقين، وبالتالي هُناكَ بعضٌ وهي أقليَّة كما أودُ أن أقول أقليّة من المُقاتلين السابقين من حركة تحريرِ آتشيه هؤلاء هم الذين ينتقدون عملية السلام، لكنني أودُ أن أقول بأننا هُنا نتحدث عن أقليّة صغيرة ومحدودة وأنها ليست ذات أهمية ولن تتمكن من أن يكون لديها التنفيذ على مُعظم سُكانِ الإقليم.

عثمان آي فرح: دكتور نبيل سرور، ماذا غيَّرت واقعة آتشيه فيما يخُص العمل الإغاثي على مستوى المِنطقة والعالم؟ كانت كارثة يعني حجمُها مروعاً.

نبيل سرور: يعني بطبيعة الحال كارثة تسونامي في آتشيه أيقظت العالم جميعاً من خلال هيئاتهِ العاملة على أكثر من مستوى، من أجلِ توقُع وترقُب حوادث مُشابهة في أكثر من نُقطة من مناطق العالم، هكذا كوارث طبيعية قد تُصيب الدول المتطورة والدول النامية على حدٍ سواء وقد لا تستثني أي دولة من الدول، من هُنا فقد قامت الأُمم المُتحدة من خلال مكتب إدارة الكوارِث والزلازل بإعداد دراسات على أكثر من مستوى أيضاً مُنظمة الصليب الأحمر الدولي أعدت مجموعة من الدراسات والخُطط التي تبتدئ من العام 2015 إلى فترةٍ لاحقة من أجلِ إعداد الدراسات التي تترقب الحوادث قبل وقوعها، العالم أصبح أكثر وعياً وأكثر ترقُباً لإمكانية هكذا مخاطر وهكذا كوارث، أيضاً على مستوى هيئات المُجتمع المحلي في أكثر من منطقة من العالم نجد بأن هُناك الكثير من الاستعدادات أصبح في كُل دولة من الدول هيئة لإدارة الكوارث الطبيعية والمخاطر التي يُمكن أن تترتب عليها، نجد بأن هُناك تثقيفاً على مستوى المُجتمعات المحلية في أكثر من دولة من دول العالم استعداداً لأي كارثة مُمكن أن تقع على المستوى الطبيعي أو غيرها من الأزمات.

عثمان آي فرح: نعم.

نبيل سرور: نجِد بأن هُناك الكثير من مراكز الدراسات الجيولوجية والفنية التي أصبحت تُعِد الباحثين من أجلِ تقديم الدراسات في هذا المجال، العالم أصبح أكثر وعياً ويقظةً واستعداداً لمثل هكذا كوارث، وبالتالي يُمكن الترقُب في هذا المجال.

درسٌ إلهي للاندونيسيين

عثمان آي فرح: نتمنى، نعم، نتمنى أن يكون يعني ذلك صحيحاً بالفعل، دكتور فخري علي الإندونيسيين خسروا آلاف القتلى خسروا كثيراً ثم فرضت هذه الكارثة الكبيرة تسونامي عليهم أن يعني يصِلوا إلى اتفاق سلام، هل يجب أن تكونَ هُناك كارثة طبيعية كبيرة بهذا الحجم حتى نتعلم أم يُمكن أن نصِلَ إلى السلام دون أن تفرضهُ علينا الطبيعة بهذا الحجمِ من الدمار؟

فخري علي: أعتقدُ بأن هذه الكارثة الطبيعية تُمثلُ تجربةً مريرةً بالنسبةِ لسُكان إقليم آتشيه، شخصياً أنهُ لا ينسى تجربةً مريرةً فقط لسُكانِ آتشيه وإنما للأمة الإندونيسية  برُمتها، هذه الأمة التي أصبحت مُدركةٍ بشكل تام لخطورة تسونامي ونتيجةً لذلك وبالرغم من أنهم عانوا من هذه التجربة بتسونامي في آتشيه فإن التضامن الاجتماعي الذي شاهدناهُ في الأمة الإندونيسية أصبح قوياً وموجوداً حتى الساعة، كذلك فإننا نرى أنهُ مّنذُ يومينِ كان هُناك قُرابة 34 دولة حضروا احتفالَ الذكرى بوقوعِ كارثة تسونامي في إقليم آتشيه، وبالتالي شخصياً أعتقدُ أنهُ إذا شاهدنا ونظرنا إلى حادثة تسونامي من وجهة نظرٍ بنّاءه وحاولنا أن نربطهُ بالمنظور الديني فوقتها حتماً سننظرُ إليه بصفتهِ حادثةً طبيعيةً إيجابية وأنها تُمثلُ درساً مُهماً إلهياً منحهُ اللهُ للسُكان وبالأخص سُكان آتشيه.

عثمان آي فرح: طيب يعني ذات السؤال تقريباً للسيدة هيني فيديا رينا، سيد فخري يقول إنهُ درسٌ إلهي والسؤال هو: هل تعلم الإندونيسيون ويجب أن يتعلمَ غيرهم أنهُ يُمكن أن نصِل إلى السلام دون أن تفرضهُ علينا مُرغمينَ كوارثُ الطبيعة؟

هيني فيديا رينا: علينا أن نعترفَ بأن تسونامي الذي حدثَ في 2004 في إقليم آتشيه والذي كلّفَ الكثير من القتلى وكذلك كلّفَ خسارة مادية ومالية واقتصادية كبيرة، هذه الكارثة الطبيعية مثلت ناقوس خطرٍ بالنسبة لنا، وهي أيضاً تُمثلُ كما قُلت إنذاراً لنا مفُادهُ أننا في إندونيسيا نعيشُ في منطقةٍ تشهدُ زلازل كبيرة جداً، وبالتالي فنحنُ لا نواجهُ مخاطر تسونامي وإنما هُناكَ مخاطر طبيعة أُخرى تضافُ إليه.

عثمان آي فرح: دكتور نبيل إذا سمحتِ لي أُوجه سؤال الآن للدكتور نبيل سرور، العالم العربي يعُجُ بالصراعات، الإندونيسيون التسونامي فرض عليهم أن يتناسوا صراع آتشيه ويصِلوا إلى السلام مُجبرين، هل من إنذار درس ما يتعلمهُ العرب المُتصارعون من كُلِ ذلك؟

نبيل سرور: بالفعل العرب المُختلفون فيما بينهم بأمس الحاجة إلى جرسِ إنذار، إلى من يُنبهُهم أن يتوحدوا على قضاياهُم الكُبرى، أي يدعوا خلافهم جانباً من أجلِ أن يتطلعوا إلى مُستقبلٍ مُشتركٍ يُلغي الكثير من الخلافات والتبايُنات فيما بينهم، قد يكونُ هذا الكلام إنشائياً على المستوى النظري، ولكن أنا أقول بأن هكذا كوارِث وهكذا حوادث طبيعية وأزمات غير طبيعية تدعوهم وتُنبههُم لكي يتوحدوا، لكي يلتقوا، لكي يُخفِفوا من تناقَضاتهم ويلتقوا على أهدافٍ إنسانية توقِظهُم من سُباتهم ومن تناقَضاتهم التي يعيشوا فيها، مع الأسفِ الشديد نحنُ نقول بأن إذا لم تُوحدنا الأزمات وتوحدنا الكوارث، فهل تُوحدنا التبايُنات؟ نحنُ نربأُ بكُلِ العرب أن تُوحدهم حوادث طبيعية قد لا تُبقي ولا تذر، أنا أقول بأن الجميع مدعوون لكي يلتقوا على الأهدافِ الكُبرى، أن يتوحدوا على البُعد الإنساني، أن يجعلوا الإنسان العربي يثقُ أكثر بقياداتهِ وبمسؤوليه، ويكونُ الجميع على مستوى المسؤولية.

عثمان آي فرح: تمام، هذا ما أدركهُ الإندونيسيون في نهاية المطاف تنازل هذا الطرف وتنازلَ ذاك الطرف، تحاوروا وتوصلوا إلى السلام وعلموا أن هُناك أكبر من التفاصيل الكثيرة التي كانوا يختلفون عليها، شكراً جزيلاً لك من بيروت الدكتور نبيل سرور الأستاذ الجامعي والباحث في الشؤون الآسيوية والدولية، ومن جاكرتا نشكرُ كُلاً من الدكتور فخري علي الخبير السياسي في جامعة شريف هدايةُ الله الحكومية الإسلامية بجاكرتا، وهيني فيديا رينا عضو الجمعية الإندونيسية لمواجهة الكوارث، إلى هُنا تنتهي عودتُنا إلى إقليم آتشيه وكارثته التي لا ينتهي الحديثُ حولها، عودة أملاها التزام الجزيرة بانحيازها للإنسان أينما كان خاصةً وهو يتحدى بتشبُثهِ بالحياة، كوارثَ ندعو الله أن يُسلِّم الجميعَ منها، دمتُم بخير.