ترافقت الانقلابات في العالم العربي والعالم الثالث مع مشهد الاستيلاء قبل كل شيء على محطتي الإذاعة والتلفزيون، حتى بدت فكرة الانقلاب لدى المواطنين ناقصة من دون احتلال الجهاز الإعلامي الرسمي.

في سلسلة "التلفزيون العربي" الوثائقية التي أنتجتها الجزيرة وبثت حلقتها الثانية في 24/12/2014 تبرز في المشهد الافتتاحي صور خارجية للتاسع من فبراير/شباط 1963، اليوم الذي عرف انقلابا على الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم.

كان يوما داميا مثلما يحدث في كل انقلاب دموي، غير أن القادمين الجدد حين ساقوا عبد الكريم قاسم إلى محاكمة سريعة، لم ينسوا أن مكان إعدامه لن يكون سوى مبنى التلفزيون.

ولأن الشعوب لا تهدد فقط بالدماء فإن التلفزيونات العربية الرسمية عاشت عقودا وهي تربيها على قبول الوجبة الإعلامية المراقبة والتي لا يوجد سواها وجبة، وأن تكون نشرة الأخبار دعاية للنظام الحاكم الذي يعرف ما يضر المشاهد وما يفيده.

فاستأثرت أنظمة الحكم العربية بالتلفزيون في محاولة منها لتوجيه الرأي العام المحلي وغيبت الأصوات المعارضة حتى السنوات الأخيرة التي عرفت نوعا من الانفتاح السياسي.

استأثرت الأنظمة بالتلفزيونات لإحكام السيطرة على وعي المشاهد (الجزيرة)

المعركة الكبرى
لكن المعركة الكبرى التي خيضت ضد فردية الدولة وتلفزيونها هي حرب ضد الرقابة.

تقول بيان التل المديرة العامة السابقة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردني عن انتفاضة الخبز عام 1996 في جنوب الأردن إن الحكومة لم تعجبها التسمية وأرادت أن تسميها أعمال شغب، مع أن الاحتجاجات كما تضيف التل كانت تدور حول رغيف الخبز.

قبل ذلك بحوالي عشرين عاما سنكون في القاهرة مع المظاهرات التي اندلعت بسبب رفع أسعار السلع الأساسية وتحديدا الخبز. ولولا وكالات الأنباء العالمية التي وثقت الأحداث إلى الأبد لبقيت الأحداث في عين التلفزة الرسمية المراقبة مجرد أعمال شغب.

أكثر من ذلك، يورد أستاذ الإعلام الدولي في جامعة القاهرة سامي الشريف أن التلفزيون المصري أتى بالشيخ محمد متولي شعراوي الذي لم يكن يعلم بالاحتجاجات وطلب منه سريعا أن يخصص ساعته التلفزيونية للحديث عن آداب الشارع، وبعد ذلك كان المواطنون على موعد مع مسرحية "مدرسة المشاغبين".

الشريف يفيد بأن الإعلام المصري الرائد للإعلام العربي هو الذي رسخ ثقافة النفاق وعلم التلفزيونات العربية تقديم الأوبريتات المحتفية بالزعيم، وعرضت الحلقة مقتطفا لأوبريت تغني فيه وردة الجزائرية أغنية تعظيم للرئيس الأسبق حسني مبارك قبل خلعه وإلى جواره زوجته سوزان مبارك.

من جانبه يقول المذيع اللبناني زافين قيومجيان إن نشرة الأخبار العربية تشبه المجتمع وحركته السياسية، وإنها كذلك لم تخلق لخدمة الجمهور بل للطبقة السياسية الحاكمة.

واسترجع قيومجيان توقيف برنامجه بأوامر من الرئيس الأسبق إميل لحود، حيث خصصت الحلقة عن الفقر في لبنان الذي بلغ الخط الأحمر، مما اعتبره لحود موجها ضده، مضيفا أنه قص شعره على الصفر حيث لم تكن لديه وسيلة تعبير أخرى، على حد قوله.

لقطة لا تنسى يظهر فيها البوعزيزي لم يعد التاريخ العربي بعدها كما كان (الجزيرة)

نكران تلفزيوني
عادت حلقة "التلفزيون العربي" إلى إضراب 20 يونيو/حزيران 1981 في المغرب والذي قوبل بعنف مخلفا ضحايا بالمئات دون أن يذكر التلفزيون شيئا عن ذلك.

وتحدث الطاهر بن حسين -مدير قناة الحوار التونسية- عن تجربة القناة وقد كانت الوحيدة التي نقلت احتجاجات الحوض المنجمي عام 2008. مضيفا أن نظام زين  العابدين بن علي قرر أن يواجه الإعلاميين الذين نقلوا الأحداث، اعتدى عليهم بالضرب وكسر كاميراتهم.

أدركت الأنظمة خطورة أجهزة التلفزيون وراقبتها بأجهزة الأمن والمخابرات، ولكن تحولات بطيئة سمحت بمرور الأصوات المعارضة بشكل مقنن في المساحة التلفزية وبحيز زمني مضبوط كما تقول فاطمة الأفريقي.

تذكر الحلقة أن القناة المغربية الثانية تعتبر الرائدة في الانفتاح على المعارضة، وما بين الكر والفر الإعلامي يقول مدير مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردني رمضان رواشدة إن المعارضة الأردنية أخذت حصة من بث التلفزيون مما اعتبره عامل تقوية للدولة الأردنية.

كان المشهد الأخير من الحلقة يعيدنا إلى لحظة فارقة في التاريخ المعاصر، حيث التلفزيون الرسمي التونسي لا يرى ما يختبئ وراءها، حين كانت المذيعة تنقل "تفضّل" "فخامة الرئيس" وهو يزور محمد البوعزيزي في مستشفى الحروق البليغة.

اسم البرنامج: برامج مُتفرقة

عنوان الحلقة: التلفزيون العربي.. تعددت الأسماء والرقابة واحدة

مقدم الحلقة: حسن مدني

ضيوف الحلقة:

- رمضان الرواشدة/ مدير عام مُؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية

- سامي شريف/ أستاذ الإعلام الدولي بكلية الإعلام- جامعة القاهرة

- زافين قيومجيان/ إعلامي ومذيع بتلفزيون لبنان 1992-1999

- الطاهر بن حسين/ رئيس قناة الحوار التونسي

- وآخرون

تاريخ الحلقة: 24/ 12/ 2014

المحاور:

- سيطرة الحكومات العربية على نشرات الأخبار

- أساليب الرقابة على وسائل الإعلام

- العلاقة التفاعلية بين الإعلام والمعارضة

]نص مكتوب[

تم تصوير هذه السلسلة في ست دول عربية هي: المغرب وتونس ومصر ولبنان والأردن والكويت.

حسن مدني: الثامن من فبراير/ شباط عام 1963 نجحت مجموعة من ضُباط الجيش العراقي في السيطرةِ على مرافقِ الدولة، ألقي القبض على الرئيس واقتيد إلى محاكمة عاجلة، كان الحكم هو الإعدام، ومكان التنفيذ مبنى التلفزيون العراقي.

سامي شريف/ أستاذ الإعلام الدولي بكلية الإعلام- جامعة القاهرة: لمّا تحصل انقلابات عسكرية مثلاً في إفريقيا أو في أي دولة من الدول النامية أول حاجة يُسيطروا عليها محطة الإذاعة والتلفزيون، لأنهُ بالفعل من يملك محطة الإذاعة والتلفزيون يُمكنهُ أن يوّجِه الجمهور.

رمضان الرواشدة/ مدير عام مُؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية: التلفزيون هو شاعر القبيلة، هو الذي يتحدث باسم الحاكم وهو يتحدث باسم الدولة، وليس غريباً أنهُ يعني التلفزيونات العربية زي التلفزيون الأردني مُحاط بكتيبة كاملة من الحراسات لأنهُ بالآخر مرفق أمني سياسيّ إعلاميّ.

حسن مدني: تحوّل التلفزيون من مُجردِ وسيلةِ فُرجةٍ وترفيه إلى مركزِ سيادةٍ للسُلطة، لأجلِ ذلك اهتمت الحكوماتُ العربية التي أعقبت موجاتِ التحرُرِ من الاستعمار بالتوسعِ في فرض سيطرتها على مؤسسات الإذاعة والتلفزيون.

سيطرة الحكومات العربية على نشرات الأخبار

سامي شريف: تأتي على رأس أولويات البرامج التي تُقدمِها وسائل الإعلام الأخبار، لذلك أدركت الحكومات أهميّة هذه الوظيفة فسيطرت على نشرات الأخبار.

[شريط مسجل]

مذيعة 1: الخامسة بتوقيت القاهرة، نشرةُ الأخبار من التلفزيون المصري، أهلاً بكم.

مذيعة 2: عرضٌ إخباريٌّ جديد يجمعُنا على الأولى تُتابعون فيه..

مذيعة 3: التحية تصلُكم مُشاهدينا من قسم الأخبار في القناة الوطنية الثانية وبدايةُ نشرتنا بالعناوين.

مذيع: ذكرَ تقريرٌ اقتصاديّ أن سوق الكويت للأوراق المالية سجّل أعلى إغلاقٍ له في شهر واحد...

مذيعة 4: كُل عام وأنتم بخير، أهلاً بكم إلى نشرة الأخبار من التلفزيون الأردنيّ وبداية مع أهم العناوين، جلالةُ الملك عبد الله الثاني يستقبل في قصر الحُسينية وفداً من مجلس النواب اليوم..

بيان التل/ مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية 2010-2011: نشرات الأخبار هي المعيار لمستوى الديمقراطية والمهنيّة في أي مؤسسة إعلامية، إذا لم تتوفر المعلومة في نشرة الأخبار فليس لها داعي أصلاً لوجودها، وأذكُر خلال خدمتي في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون أنهُ أكبر نسبة مُشاهدة كانت لنشرة أخبار الثامنة.

محمد فتحي/ باحث إعلامي: فكرة أن يكون الحاكم هو الخبر الأول دائماً في جميع نشرات الأخبار أعتقد أن هي كانت فكرة مُستفزِّة للمُشاهد العربي، لأن كون الحاكم هو المُسبَّح بحمده، ومحور الكون و الشمس التي تدور حولها الكواكب ده اللي كان يُسوَّق له دائماً من خلال نشرات الأخبار، وده اللي مثلاً ظهر في العديد من السُخريات العربية اللي ظهرت بعد كده عن الحاكم العربي بشكل عام.

زافين قيومجيان/ إعلامي ومذيع بتلفزيون لبنان 1992-1999: الأخبار انعملت أساساً لما انعملت بالعالم العربي ولبنان لتقول مين استقبل مين، والحياة السياسية اللبنانية كُلها قائمة على مين استقبل مين مش على أحداث، من شان هيك نشرة الأخبار تُشبه المُجتمع وتُشبه الحركة السياسيّة، أنا أُحس نشرة الأخبار ما انعملت لخدمة الجمهور العريض انعملت لخدمة الطبقة السياسيّة.

حسن مدني: هذه صورٌ من 17 من يناير/ كانون الثاني من عام 1977، والحدث مُظاهراتٌ احتجاجيةٌ في شوارع القاهرة بعد قرارٍ حكوميّ برفع الدعم عن السلع الأساسيّة ومنها الخُبز، مشاهدُ لم تنقُلها شاشاتُ التلفازُ في مصر، وحدها عدساتُ المصورين ووكالاتُ الأنباء تمكنت من توثيقها إلى الأبد.

سامي شريف: الإعلام له دور كبير جداً، أنا أذكر لما حدثت أحداث 18 و19 يناير كيف إن الإعلام قالوا الناس اللي ستطلع مُظاهرات مش عايزينها تطلع، فواحد اقترح إن نجيب الشيخ الشعراوي يتكلم في التلفزيون، فجابوه من بيته وقعدوه قُدام الكاميرا، تَكلًّم ، فالرجل بقول لهم أتكلم في إيه؟ وهو مش عارف الحكاية إيه، قالوا له تكلم عن آداب الطريق، فتحدث عن آداب الطريق وهو لا يعلم أن هُناك مُظاهرات ضد الرئيس السابق، فتكلم عن آداب الطريق واحترام الطريق ومش عارف إيه، أخذ حوالي ساعة وبعدين عرضوا مسرحية مدرسة المُشاغبين، عشان يُجبروا الناس على البقاء في منازلهم ولا يخرُجوا للمُشاركة في المُظاهرات.

]مشهد من مسرحية مدرسة المشاغبين[

حسن مصطفى: أنا لا يُمكن أن أوافق على الفوضى الموجودة عندي في المدرسة أبداً.

نظيم شعراوي: حصل خير يا حضرة الناظر.

المُمثل الأول: ما حصلش خير ومش هيحصل خير طول ما الخمسة المُشاغبين دول موجودين في المدرسة، أنا لازم أقفل الفصل ده فوراً.

حسن مدني: تكرر الأمرُ إبّان إضراب الـ 20 من يونيو/ حزيران من العام 1981 بالمغرب الذي قوبل بردِ فعلٍ عنيف من قِبَلِ قوات الأمن وخلّفَ ضحايا بالمئات، لم يذكُر التلفزيون الرسميُّ عنها شيئاً خارج وجهة النظر الرسمية.

بيان التل: في أحداث معان سنة 1969، كان في ثورة في معان والناس تغلي والبلد يعني تُراقب شو عم يصير، وكُنا يعني عم نغطي معان ونستنا الأخبار بكُل ثانية.

]شريط مُسجل[

مذيعة أردنية: فرض الجيشُ الأردنيّ حظرَ التجوّل على مدينة الكرك اليوم ومنعَ المواطنين من عقدِ تجُمعاتٍ في المدينة التي كانت مسرحاً لحوادثِ شغب احتجاجاً على زيادة أسعار الخُبز مُنذُ يوم الجُمعة، كما جابت شوارع المدينة سيارات عسكرية..

بيان التل: فكُنا إحنا نسميها "احتجاجات الخُبز" بالإنجليزي Bread rights إنه هذه بسبب ارتفاع سعر الخُبز، الحكومة ما عجبها هذه التسمية، كانت تُحب أنها تُسميها أشياء ثانية أنهُ هذه أعمال شغب، احتجاجات، أي شيء ثاني غير الخُبز، فصار عليها نقاش وهيك بس ظلينا نستعملهُ، عاد حاولوا فترة أنهُ بلاش الخُبز هذه وهيك شيء، في مرات يصير في تدخُل، كثير كُنا نحاول نقنعهم أنهُ غلط أنك تحجِب الخبر أو غلط إنك تغير في الخبر، لأنهُ الأخبار تنتشر بسرعة وسهولة.

أساليب الرقابة على وسائل الإعلام

حسن مدني: مُبكِراً جداً أدركت الأنظمةُ العربيةُ خطورة أجهزةِ التلفاز والمواد المبثوثةِ عليها فعَمَدت إلى استخدام كُلِ الطُرق المُمكنة لتنظيمِ ومراقبةِ ما يُسمحُ ببثه على الشاشة، تعددت المُسميات والرِقابةُ واحدة.

سامي شريف: هُناك رقيب كما كان في مصر رقيب، الغُرفة بتاعتهُ مكتوب عليها الرقيب، أنهُ لا يمُر خبر إلا بعد أن يوافق عليها هذا الرقيب، يكون الرقيب عادةً من الرئاسة أو من أجهزة المُخابرات أو الأجهزة الأمنية. 

زافين قيومجيان: وكان التلفزيون اللبناني يعني بما أنهُ هو تلفزيون حكومي كان خاضع لثلاث سُلطات، يعني في التسعينات كانت دارجة الترويكا، الرؤساء الثلاثة اللي هم عاملين شِبه مجلس حُكم، وكان التلفزيون الحكومي كان لازم يُحافظ على التوازن بين الثلاثة حتى ما يزعل حدا، بينما التلفزيونات الخاصة كان كُل تلفزيون خاص تابع لحدا من الثلاثة، حتى ما كانوا مُراقبين مثلما نسمع عنهم في الستينات أو السبعينات كانوا أكثر مُستشارين عندهم نفوذ وعندهم سُلطة بأنهم يحكوا مع مُدير الأخبار أو المدير العام للمحطة، بأنهُ يتمنوا عليه بطريقةٍ ما أنهم هذا إيه وهذا لا.

محمد فتحي: تم استخدام التلفزيونات العربية لتمرير كُل الرسائل السياسية، وكان في هذه الفترة هُناك محدودية في القنوات التلفزيونية من أجل هذا الغرض، إن أنتَ يبقى عندك في التلفزيون المصري مثلاً القناة الأولى والثانية، إيه وظيفة القناة الأولى والثانية؟ دولت وجهة النظر الرسمية ويُقدموا الترفية سواء بالشكل العربي الكلاسيكي على القناة الأولى، أو بالشكل الأجنبي على القناة الثانية المصرية، وليه هم قناتين بس؟ لأن هم مش عايزين الدائرة تفرُط منهم، هم محددين الجمهور أو المُتلقي السلبي الذي سيتلقى الطلقة السحرية ويستطيع من خلال الطلقة السحرية أنه هو ينفذ لهم اللي هم عاوزينهُ.

إدريس الجعايدي/ باحث إعلامي: نُشاهد أن الجهاز التلفازي كجهاز دولة كما يقولُ الباحثون وعلماء الاجتماع لا يتحكم فيه الدولة، يتحكم فيه الجهاز الحاكم ولا يسمح يعني بترويج خطابات كيفما كان نوعه.

الطاهر بن حسين/ رئيس قناة الحوار التونسي: التلفزيون معناه الحكومي التونسي عنده مُدة من عام 60 وبقى 20 سنة هو فقط منبر لنقل مواقف الحكومة، ما كنش معناها بالمعنى الإعلامي اللي نعرفهُ إحنا، مثل الإذاعات سابقاً، ما كنش منبر للمُجتمع كان منبر للحكومة لإيصال قراراتها وبلاغاتها ونشاطها.. الخ.

[شريط مسجل[

الحبيب بورقيبة/ الرئيس التونسي 1986: سنة قضائية جديدة، نجييكم كُل عام نجيكم، ما دام أني موجود وقائم الذات...

رشا التونسي/ مذيعة سابقة في التلفزة التونسية: كان هُناك خطوط حمراء طبعاً لبعض الأسماء، هُناك بعض الأسماء لا تحظر أبداً، وجوه المُعارضة التي تحظر كان عندها خطوط حمراء لا يُمكن تجاوزها وهي عدم التشبُّه بالرئيس بورقيبة، عدم إعلان أي مشروع شبيه بمشروع بورقيبة، عدم تجاوز الحد الذي يضعهُ بورقيبة  لسُلطة الآخرين وهذا معناهُ أنهُ لم يكُن مُعارضة حقيقةً، وكان هُناك العديد من رجال المُعارضة الذي يحضرون فيُقدموا أفكار ثم بعد ما يُقدموا أفكارهم يقولوا وكُل ذلك بفضل بورقيبة.

حسن مدني: كُلُ ما يفعلهُ الحاكم يستحقُ تغطيةً خاصة، وحتى حين يظهرُ المواطنُ على الشاشةِ للتعبيرِ عن رأيه فرأيهُ المُذاع لن يخرجُ عن الثناء على الحاكم وعلى حكمته وسلامة قراراته، ظل المواطنُ العربيُّ لعقودٍ طويلة يظهرُ راضياً سعيداً مُطمئناً لا صوت للمُعارضة ولا مجال لها.

]شريط مسجل[

مواطنة: أُهني صاحب السمو وولي عهدهِ وأهل المخطوفين، هذا عيد اليوم، عندنا عيد اليوم، اليوم عيد اليوم. 

فاطمة الأفريقي/ مذيعة بالقناة الأولى المغربية: التلفزيون وُجد أصلاً لكي يُشرعِن السُلطة، يعني التلفزيون في الأنظمة العربية والأنظمة الاستبدادية عموماً هو جهاز استراتيجي أساسي مثلهُ مثل المؤسسة العسكرية أو مؤسسة الأمن، وجهاز للتحكم، للتحكم في الرأي العام، للتحكم في تنميط الناس على السُلطة للدعاية السياسيّة، لإبراز القُدرات الخارقة للحُكام وتصوريهم أو تمرير صورهم ككائنات يعني لها طاقات كُبرى ولها مُعجِزات وبدونها لا يُمكننا أن نعيش في سعادة وفي رفاهية.

سامي شريف: ده تقليد سقيم جداً في الإعلام العربي وأعتقد الذي رسّخ له هو الإعلام المصري، لأن الإعلام المصري هو الرائد ما فيش كلام، الذين علّموا أوبريتات في الدول العربية هم مصريون، هذا النوع من النفاق الإعلامي للسُلطة أدى إلى أنهُ الحُكام شعروا أنهم آلهة.

]شريط مسجل[

وردة الجزائرية/ مغنية: يا مُبارك يا حبيب الشعب، يا، يا، يا حبيب الشعب..

العلاقة التفاعلية بين الإعلام والمعارضة

حسن مدني: أواخر تسعينياتِ القرن الماضي اضُطرت الأنظمةُ الحاكمةُ للاستجابة لضغوطٍ خارجية سمحت بموجبها للمُعارضة بمساحة للتعبير عن برامجها السياسية وطُموحاتها وانتقاداتها للحكومة القائمة.

إدريس الجعايدي: أقول أن المُعارضة لم يُسمَح لها بالولوج أو باقتحام الفضاء التلفزيّ إلا في بعض المُناسبات وبالخصوص في مُناسبات ما يُسمى بالانتخابات، سواءً كانت هي انتخابات برلمانية أو انتخابات جماعية.

حسن مدني: لم تخلو البرلمانات العربية من وجود تياراتٍ سياسيةٍ مُعارضة للأنظمة الحاكمة، أفردت لها الشاشات الرسمية مساحاتٍ لتغطيةِ نشاطاتها بالبرلمان.

فاطمة الأفريقي: بعد تحرير القطاع السمعي البصري في المغرب ورفع احتكار الدولة عن التلفزيون وإحداث هيئة العُليا للاتصال السمعي البصري أصبح مرور المُعارضة مُقنن ومُراقب ولها حيز زمني مضبوط بناءً على ضوابط قانونية لكي تُمرِر مواقفها أو آرائها أو تُشارك في  البرامج التفاعُلية في التلفزيون.

]شريط مسجل[

مواطن/القناة الثانية دوزيم 2014: 70،000 شغل ضاعت في الإسكان لأنه ما بقاش استثمار..

حسن مدني: تميّزَ المغربُ بمعارضةٍ قوية وكانت تجربةُ القناة الثانية المغربية الخاصة رائدةً في الانفتاحِ على الأصواتِ المُعارضة حيثُ كانت تُغطي نشاطات الأحزاب المُختلفة وتعرِضُها في نشرات الأخبار.

بيان التل: تعامُل الدولة مع المُعارضة كان يختلف عبر السنين، يعني كانت الدولة مثلاً بفترة من الفترات على وئام تام مع الإخوان المُسلمين، بفترة من الفترات صار في شوية مشاكل بينهم فهذا إلا ما ينعكس على الإعلام.

رمضان الرواشدة: وشهِدنا في التلفزيون ظهور أشد الشخصيات يعني قسوةً في المُعارضة على شاشات التلفزيون وما أثرت ذلك فينا أبدا، يعني بمعنى أنه ُما حدا عاتبنا وما حدا حكا معنا، بالعكس إحنا نشوف لما نُظهر المُعارضة أنهُ إحنا نُقوي الدولة الأردنية وإحنا نُقوي المُجتمع الأردني لأنهُ مين في مُجتمع على رأي واحد.

حسن مدني: في الأردن فتحت برامجُ التلفزيون الرسميّ ملفاتٍ شائكة وطرحتها أمام الجمهور للنقاش، كما استضافت عدداً كبيراً من مُعارضي الحكومة، وأفردت لهم مِساحةً لانتقاد السُلطة.

]شريط مسجل[

حمزة منصور/ الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي: الوضع الاقتصادي والوضع الاجتماعي هو عرض لمرض، والمرض حقيقة فيه اختلالات سياسيّة عميقة حيثُ هُمِّش دور مجلس النواب.

حسن مدني: استمرت الشاشةُ ساحةً لحربِ كرٍّ وفر بين الأنظمة ومُعارضيها، وعرفت بعضُها حالاتِ تدخُلٍ مُباشر لمنع برامج بعينها أو وقفِ مُذيعٍ عن العمل أو إغلاق قنواتٍ بأكملها. 

فاطمة حسين العيسى/ إعلامية ومُذيعة بالتلفزيون الكويت 1963-1978: في يوم من الأيام احتج وزير التربية على ندوة من ندواتي، فكان وقتها وزيرنا الشيخ جابر العلي فاستدعوني لمكتب الشيخ جابر العلي والوزير كان خالد المسعود، فقال لي أخوكِ خالد معترض على كلامِك في التلفزيون عن المدارس في الكويت، فشو قال طلب مني الوزير قال بس أنا أرجوكِ تعطوني الشريط قبل لا يُذاع، فقلت لهُ لا، انسحب أنا، خذوا البرنامج أنتم اعملوه.

زافين قيومجيان: أول ما كان جاي الرئيس إيميل لحود على الرئاسة، من أول القِصص اللي عملها لها علاقة بالإعلام كان توقيف برنامجي، وقتها كان صادر تقرير عن ال UN يقول أن نسبة الفقر في لبنان وصلت للخط الأحمر يعني بتذكر هيك هذه الجملة، فأنا عملت حلقة عن هذا الموضوع هو اعتبرها أنه هذا شيء موّجه ضده، الطريقة الوحيدة اللي أنا قدرت عبّر عن هذه الشغلة هي أني قصصت شعري على الصفر، ما كان عندي أي طريقة تعبير ثانية لأحتج، أعتقد يعني كان وقتها في توجُّه بتوقيف كُل البرامج الحوارية أو السياسة اللي مش مسيطرين عليها، كان هذا الشيء كُله ليُمهد ما بعرف كيف بدي أقولها بس أعتقد هذا كان كُله ليُمهد لشغلة واحدة، اللي هي ولادة النظام الأمني اللبناني السوري والمُخابرات ليحطوا يدهم على كُل وسائل الإعلام.

الطاهر بن حسين: اللي أُريد أن تعرف أنهُ كُل الأحداث الوطنية اللي التلفزيون العمومي لم يتعرض لأيّ حدث اجتماعي أو سياسي أو حتى ثقافي مُعارض طيلة سنوات وجودهِ، فقط وقتها بدأت ابتداءً من 2003 كانت بدأت الحوار أنهُ فعلاً تتعرض لكُل الأحداث الوطنية السياسية والاجتماعية للمُعارضة، وكان لنا الشرف أنهُ إحنا القناة الوحيد والمنبر الوحيد في العالم اللي نقل يوم بيوم أُم الثورة التونسية، اللي هي ثورة الحرية من يناير إلى يونيو 2008.

]شريط مسجل[

ضيف في أحد البرامج: فتح النار، إطلاق النار على مواطنين عُزّل يعني غير مقبول ويُعتبر من أكبر الجرائم التي السُلطات تستطيع أن تقترفهُ في حق مواطنين من مواطنيها.

ضيف 2 في أحد البرامج: هُناك مسيرة اليوم كانت مسيرات معناها حاشدة تخرُج للشارع مُنددة بالمظالم والجور المُسلَّط على نفسها وعلى أهلها، مُطالبة بالتشغيل، مُطالبة بحقها في الكرامة، مُطالبة بحقها في التنمية وفي نصيبها من الثروة الوطنية..

الطاهر بن حسين: إنهُ المنبر الوحيد اللي كان يُعرّف بما يحدث يوم بعد يوم، يعني كان نشرة إخبارية يومية حتى معناها صور بالتلفون، وقتها شعر النظام أنه يجب كسر قناة الحوار التونسي، كُل واحد يخرج من أي مقر وعندهُ كاميرا يمسكوه ويكسروا الكاميرا أو يحجزوها وهو يعتدوا عليه بالعُنف ومرات بالسجن، وقتها كانت مواجهة صريحة بين القناة وبين النظام، وقتها هم في أكتوبر 2009 الحكومة التونسية توصلت إلى قطع البث عن الحوار  التونسي فإحنا قعدنا بقينا تقريباً نبث التحقيقات نعملها نبثها عن طريق الإنترنت إلى بداية 2011.

حسن مدني: تاريخُ التلفزيونات العربية الرسميّة الطويل لم يُمكِّنها من توقُعِ موجات الثورة ضد الأنظمة، فقد استمرت نشرات الأخبار حتى الساعات الأخيرة كما اعتادت العمل تُغطي أخبار الحاكم وزياراته وخطاباته.

]شريط مسجل[

التلفزة التونسية/ 17 ديسمبر 2011: تحول الرئيس زين العابدين بن علي عشيةَ اليوم إلى مستشفى الحروق البليغة ببن عروس حيثُ عاد الشاب محمد البوعزيزي من سيدي بوزيد الذي أقدم على إضرام النار في نفسه.

حسن مدني: لكن ما غاب عن النشرةِ الرسمية هذه المرة كان أعظم.

[شريط مسجل]

التلفزة التونسية/ 4 يناير 2011: أفاد مصدرٌ لوزارة الصحة العمومية أن الشاب محمد البوعزيزي توفي مساء الثلاثاء بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس، ويُذكر أن حالة الشاب محمد بوعزيزي الصحيّة حظيت حال إصابته بالحروق بمُتابعةٍ مُستمرة من قِبَل رئيس الدولة الذي عاده بالمستشفى وأسدى تعليماتهِ بتسخير كُل الجهود لمُتابعةِ حالتهِ الصحيّة، كما حرِص رئيسُ الجمهورية الأسبوع الماضي على استقبال والدة الشاب البوعزيزي وشقيقته وأبلغهم مشاعر تعاطُفه ومواساته.