في الثلاثين من أبريل/نيسان 1992 قامت القوات الصربية وحزبها الديمقراطي بالانقلاب على السلطة المنتخبة وإزاحة الكروات والمسلمين البوسنيين من الحكم بقوة السلاح والحلول محلهم والاستيلاء على الحكم.

وثائقي "المعسكر" يسلط الضوء على حقبة حرب البوسنة من خلال إماطة اللثام عن تفاصيل مريعة شهدها "معسكر أومارسكا" الذي ضم معتقلين عزل من المسلمين البوسنيين والكروات.

كان كفوتشكا أول قائد لمعسكر أومارسكا، وفي يونيو/حزيران 1992 خلفه جيل كوميانيتش، وكان ميوليتسا كوس واحدا من ثلاثة قادة في معسكر أومارسكا، ويشرف على عدد من الحراس.

ومثل المتهم ميلادوراديتش الشهير بكاركان واحدا من بين ثلاثة قادة للحرس في المعسكر، ولم يكن المتهم زوران جيكيتش يشغل أي منصب رسمي في أي من المعسكرات، لكنه كان كثيرا ما يدخلها بهدف تعذيب وسلب وقتل المعتقلين.

وأشارت كل الأدلة -بما لا يقبل الشك- إلى أن الآلاف من المسلمين والكروات تم اعتقالهم وتعذيبهم، وبالتالي قتلوا على أساس انتمائهم العرقي فقط.

آلاف القتلى
يقول رزاق هوكافيتش -أحد ضحايا معسكر أومارسكا- "كانت بريدور مدينة حيوية بامتياز، عاش فيها الناس في وئام، حيث المسجد يقابل الكنيسة، والناس يشاركون بعضهم بعضا في الأفراح والأتراح، ويتزاوجون بغض النظر عن الدين الذي يؤمنون به، فهم جزء من يوغسلافيا ذات الأطياف المتنوعة".

ويؤكد أن أكثر من أربعة آلاف شخص قتلوا في بريدور.

وحول المعتقل يسرد هوكافيتش أن غرفة لا تزيد مساحتها على (10×15) مترا تكدس الناس فيها، ووصل عددهم في النهاية إلى ستمائة شخص.

ومن ضحايا المعسكر أيضا سيريف فليتش، الذي يقول "لقد شعرنا بالبلاء قادما قبل شهر أو اثنين، حينما كان ذلك الشيء يطوف فوقنا في السماء، ومثل شؤون الحياة الأخرى لا أحد يقدر على معرفة المجهول".

ويتابع روايته قائلا "في حوالي الساعة الثانية من ظهيرة هادئة في يوم أحد كنا عزلا من السلاح، ولم نكن مستعدين عندما بدؤوا يقصفوننا بالمدفعية الثقيلة من منطقة مرتفعة، فركضنا كلنا رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا باتجاه الجدول والقرية المجاورة".

وفي الصباح التالي، بدأت المفاوضات بينما كان الأطفال والنساء في حالة هلع، وطلبت القوات الصربية من سكان المدينة الاستسلام.

كان الوقت يقترب من منتصف الليل عندما وصل المعتقلون، وبينهم فليتش إلى مكان مجهول، تبين في ما بعد أنه مخزن لمعسكر أومارسكا.

وهنا يصف فليتش المشهد ويقول "بدأنا السير بين صفين من الجنود يفصل بينهما أقل من متر وأثناء مرورنا كانوا يضربوننا، اكتظت الغرفة بنا إلى أن أصبحنا كالأعواد بعلبة كبريت أو أسماك السردين".

مدينة تكره "الفاشية"
أما توسيرتا سوفيتش -من ضحايا معسكر أومارسكا- فذكرت في شهادتها أنه لم يخطر على بال أحد أن شيئا كهذا سيحدث في هذه المدينة التي تكره الفاشية، وأن العلاقات فيها بين الأجناس المستوطنة بها ستختل بهذا الشكل.

وتضيف أن الصرب سيطروا على المدينة وكل ما فيها من أقسام الشرطة ومحاكم وبنوك وحتى البلدية، والأهم هو السيطرة على الإذاعة التي بثت كل ما أرادت السلطات الصربية قوله.

وحال دخولهم المدينة رفع الصرب الأعلام البيضاء ونشروا الرموز الصربية القومية حتى يظن الزائر الغريب أن كل سكان المدينة هم من الصرب.

وداخل معسكر أومارسكا رأت توسيرتا سوفيتش داخل الغرف أقارب لها وأشخاصا من مدينتها تعرفهم من قبل في حين لا تعرف عوائلهم أي شيء عنهم.

وتؤكد الضحية أنه لا يمكن لأي معتقل أن يدافع عن نفسه أمام شخص قوي البنية ومسلح، ويبقى هاجس الجميع كيف يتصرفون بحكمة كي لا يقتلون ويمثل بأجسادهم.

وتضمن الوثائقي أيضا شهادة الصحفي إد وليامي الذي يقول إنه غطى الحرب في كرواتيا، وهكذا فإن البوسنة كانت حاضرة في ذهنه دائما.

ويتابع وليامي القول "كان من غير المصدق أن يعاد تنفيذ نفس ما حصل في كرواتيا في بلد نسيجه العام منتظم بشكل ناعم ومتناسق في منازله وشوارعه وحتى فصوله المدرسية".

وأدلت الصحفية البريطانية بيني مرشال هي الأخرى بشهادتها، وقالت "كانت أول مرة شغلت فيها بقضية البوسنة عندما سمعنا عبر الصحف في لندن ما تردد من شائعات تدور حول ما يمكن أن نسميه معسكرات الاعتقال".

وأضافت أن اللاجئين القادمين إلى كرواتيا كانوا يتحدثون بطريقة دراماتيكية حول ما كان يجري في بريدور.

اسم البرنامج: برامج متفرقة

عنوان الحلقة: "المعسكر".. من فصول مأساة البوسنة

ضيوف الحلقة:

-   رزاق هوكافيتش/من ضحايا معسكر أومارسكا

-   سيريف فليتش/من ضحايا معسكر أومارسكا

-   توسريتا سيفيتش/من ضحايا معسكر أومارسكا

-   إد وليامي/صحفي

-   بيني مارشال/صحفي

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 22/12/2014

المحاور:

-   إبادة جماعية وتطهير عرقي

-   منع وسائل الإعلام من تغطية الأحداث

-   التعذيب بالطعام للمعتقلين

-   قصة البيت الأبيض

-   شهادات حول ممارسة التعذيب والتنكيل بالمعتقلين

-   آليات تحقيق العدالة الانتقالية

تعليق صوتي: كان كفوتشكا أول قائدٍ لمعسكر أومارسكا، في يونيو/حزيران عام 1992 خلفه جيل كوميانيتش، ميوليتسا كوس كان واحداً من 3 قادةٍ في معسكر أومارسكا ويشرف على عددٍ من الحراس، المتهم ميلادوراديتش الشهير بكاركان هو واحدٌ من 3 قادةٍ للحرس في المعسكر، لم يكن المتهم زوران جيكيتش يشغل أي منصبٍ رسمي في أي من المعسكرات لكنه كان كثيراً ما يدخلها بهدف تعذيب وسلب وقتل المعتقلين.

رزاق هوكافيتش/من ضحايا معسكر أومارسكا: كانت بريدور مدينةً حيويةً بامتياز عاش فيها الناس بوئامٍ وحميمية حيث المسجد يقابل الكنيسة، والناس يشاركون بعضهم بالأفراح والأتراح ويتزاوجون بينهم بغض النظر عن الدين الذي يؤمنون به فهم جزءٌ من يوغسلافيا ذات الأطياف المتنوعة.

سيريف فليتش/من ضحايا معسكر أومارسكا: لقد شعرنا بالبلاء قادم قبل شهرٍ أو اثنين حينما كان ذلك الشيء يطوف فوقنا في السماء، ومثل كل شؤون الحياة الأخرى لا أحد يقدر على معرفة المجهول.

رزاق هوكافيتش: أكثر من 4 آلاف شخصٍ قتلوا في بريدور.

توسريتا سيفيتش/من ضحايا معسكر أومارسكا: لم يخطر على بال أحد أنّ شيئاً كهذا سيحدث في هذه المدينة التي تكره الفاشية وفيها دارت أكبر معارك الحرب العالمية الثانية وأنّ العلاقات فيها بين الأجناس المستوطنة ستختل بهذا الشكل.

رزاق هوكافيتش: وإنّ أبناء بريدور سيقتلهم أبناء بريدور نفسها.

توسريتا سيفيتش: من بين كل أصدقائي وزملائي أنا الوحيدة التي نجت.

إبادة جماعية وتطهير عرقي

تعليق صوتي: كل الأدلة تشير بما لا يقبل الشك إلى أنّ الآلاف من المسلمين والكروات تم اعتقالهم وتم تعذيبهم وبالتالي قتلوا على أساس انتمائهم العرقي فقط، كان عدد المجرمين أكثر من عدد الجالسين.

إد وليامي/صحفي: غطيت الحرب في كرواتيا وهكذا فإنّ البوسنة كانت حاضرةً في الذهن دائماً وأعتقد أنّ ذلك كان مما تعلمناه من بوكيفار ولينكنين وكلينوو أوسياك، لقد كان من غير المصدق أن يُعاد تنفيذ نفس ما حصل في كرواتيا في بلدٍ حيث نسيجه العام منتظمٌ بشكلٍ ناعمٍ ومتناسق في منازله وشوارعه وحتى فصوله المدرسية.

بيني مارشال/صحفي: كانت أول مرةٍ شُغلت فيها بقضية البوسنة عندما سمعنا عبر الصحف ما تردد من شائعاتٍ هنا في لندن تدور حول ما يمكن أن نسميه معسكرات الاعتقال.

إد وليامي: كانوا يسمونها حرباً أهلية وكان هناك دائماً اتجاهٌ يقول لقد عادت من جديد الكراهية بين الاثنيات كان ذلك هو ما يردد في السنة الماضية في بوكيفار، لقد كان هناك شيءٌ من هذا.

بيني مارشال: كان اللاجئون القادمون إلى كرواتيا يتحدثون بطريقةٍ دراماتيكيةٍ حول ما كان يجري في منطقة بريدور.

إد وليامي: لم يكن الناس يريدون الحديث عن الإبادة الجماعية ولا حتى يريدون الحديث عن عدوانٍ أو تطهيرٍ عرقي.

توسريتا سيفيتش: في الـ30 من نيسان/أبريل من عام 1992 قامت القوات الصربية وحزبها الديمقراطي بالانقلاب على السلطة المنتخبة وأزاحوا الكروات والمسلمين البوسنيين من الحكم بقوة السلاح وحلوا محلهم واستولوا على السلطة.

سيريف فليتش: في حوالي الساعة الثانية من ظهيرةٍ هادئةٍ في يوم أحد كنا عُزّل من السلاح ولم نكن مستعدين عندما بدئوا يقصفوننا بالمدفعية الثقيلة من منطقةٍ مرتفعة، فركضنا كلنا رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً باتجاه الجدول والقرية المجاورة.

توسريتا سيفيتش: وهكذا سيطروا على المدينة وكل ما فيها من أقسام الشرطة ومحاكم وبنوك وحتى البلدية، والأهم هو السيطرة على الإذاعة التي بثّت كل ما تريد السلطات الصربية قوله.

تعليق صوتي: ومن ذلك دعوة كل الصرب من سكان بريدور إلى مساعدة الجمهورية الصربية للبوسنة والهرسك وجهاز شرطتها للدفاع عن المدينة في وجه القوات شبه العسكرية، كما طلبوا الموالين للجمهورية الصربية على رفع الأعلام البيضاء وعلى أسقف منازلهم.

توسريتا سيفيتش: وحال دخولهم إلى المدينة رفع الصرب الأعلام البيضاء ونشروا الرموز الصربية القومية حتى يظن الزائر الغريب أن كل سكان المدينة هم من الصرب.

سيريف فليتش: في الصباح التالي بدأت المفاوضات وفيما كان الأطفال والنساء في حالة هلع طلبوا منا الاستسلام.

توسريتا سيفيتش: كنت في طريقي إلى العمل كعادتي صباح كل يوم، كان هناك عددٌ من الرجال المسلحين عند بوابة المحكمة ولديهم قائمة، سألوني: أين ذاهبة؟ فقلت إلى عملي فقالوا من الآن فصاعداً ليس لديكِ عمل.

رزاق هوكافيتش: وأنذروني بأنّ اسمي في قائمة المطلوبين للاستجواب.

بيني مارشال: أنكر رادوفان كاراديتش زعيم صرب البوسنة كل ما ورد في تقارير النشرات الإخبارية.

[شريط مسجل]

رادوفان كاراديتش: أدعو كل المراسلين الأجانب إلى القدوم إلى الجزء الصربي من البوسنة والهرسك وأن يحددوا المناطق التي يريدون زيارتها لتفتيش ما إذا كان فيها أية معسكرات اعتقالٍ للمدنيين.

بيني مارشال: قبل مذيعو الأخبار ذلك التحدي في ذلك الوقت إذا كان غير حقيقي فأظهروه لنا.

إد وليامي: ذهبت إلى بلغراد وإلى بالي وبنيلوكا وبريدور وأعلنت عن رغبتي في الوصول إلى أومارسكا وقد وعدنا كاراديتش بأن يسمح لنا بدخول أومارسكا.

بيني مارشال: أخيراً وصلنا إلى بالي حيث أقمنا مع كاراديتش وملاديتش في مركز قيادتهما وكنا نأمل في أن يفيا بوعديهما ويأخذاننا إلى الشمال حيث تقع بريدور.

رزاق هوكافيتش: حشرونا في حافلةٍ لنقل الركاب يتدلى من مرآتيها الجانبيتين علمان صربيان بحجمٍ كبير.

توسريتا سيفيتش: أحد المسلحين كان يعرفني فقال لي اصعدي إلى الحافلة وبدأت الرحلة دون أن يخبرنا أحدٌ إلى أين نحن ذاهبون ولماذا، وعندما وصلنا إلى تقاطع بريدور مع بانيلوكا تصورت أنهم يأخذوننا إلى معسكر أومارسكا، لم يخطر ببالي أبدا أنني على وشك أن أعبر بوابة الجحيم التي سأعيش فيها.

بيني مارشال: قالا لنا بإمكاننا الذهاب إلى مانياتشا التي كان بها معسكر اعتقالٍ تمت زيارته وتفتيشه سابقاً.

منع وسائل الإعلام من تغطية الأحداث

إد وليامي: حاولوا إيقافنا عند نقطة الالتقاء من خلال تقديم عروضٍ أخرى رفضناها، دعوا أمر أومارسكا إلى يومٍ آخر لقد حاولوا إيقافنا ومنعنا من العبور وكان ذلك عن طريق افتعال كمينٍ وهمي وأطلقوا النار على سيارتنا زاعمين أنّ هناك مجاهدين في الغابات القريبة وكانوا يعتقدون أننا بُلهاء وستنطلي علينا حيلهم.

بيني مارشال: لا يسمي صرب البوسنة أومارسكا معسكراً للاعتقال، تحدوا صحفي ITN وقالوا له تعال وانظر بنفسك، كنا مصحوبين بحراسٍ مسلحين بزعم أنه لحمايتنا الشخصية وانتهت مدة إقامتنا في هذا المنجم المغلق بعد إصرارنا على لقاء من تحدثوا عن عمليات القتل هناك.

إد وليامي: وهو ما كان سراً مخفياً منعنا من الدخول، لماذا؟ لأنّ أشياءً مريعةً كانت تجري حينها كانت هناك مجموعة من النساء يصطففن أمام مركزٍ للشرطة في بريدور، وبينما كان يجري طردنا من إحدى نقاط العبور كانت تلك النسوة يجرين مكالماتٍ مع أعضاء فريق لجنة الأزمات، لقد كن جميعهن ينتظرن أخباراً عن أزواجهن وكانت هناك كلمةٌ واحدةٌ تتردد على شفاههن أومارسكا.

رزاق هوكافيتش: كان إطلاق النار مستمراً في كل مكان، رأينا المسلحين في المتاجر والساحات وهم يحملون بنادقهم ويطلقون النار بكل الاتجاهات.

توسريتا سيفيتش: رأيت بيوتاً تلتهمها النيران وتخرج منها أعمدة الدخان لأنها لم تحترق بالكامل كما لاحظت أنّ قرى كاملة بالضواحي لم تعد موجودة.

رزاق هوكافيتش: نظرت باتجاه المدينة القديمة وكانت عبارةً عن كتلة لهبٍ مشتعلة تكونت من مجموع النيران المنبعثة من المحترقة لتبعث إلى السماء عموداً هائلاً من الدخان.

إد وليامي: انطلقنا من النُزل في بنيلوكا واتجهنا عابرين للمدينة التي كانت محترقةً ومدمرةً بالكامل.

بيني مارشال: لم تكن لدينا أي فكرة عن أنّ العنف الذي نراه أمامنا كان يحيط بنا من كل جانب، منازل مشتعلة وأحذية متناثرة أمام عتبات المنازل لأنّ العائلات قد فرّت للحفاظ على أرواحها وكانت هناك راياتٌ بيض تتدلى من بعض البنايات خوفاً من إرهابٍ فهمنا حقيقته الآن.

تعليق صوتي: في طرق بنيلوكا كانت قرى المسلمين خاويةً ومهجورة والمنازل محطمة.

سيريف فليتش: كان الوقت يقترب من انتصاف الليل عندما وصلنا إلى مكانٍ مجهول تبيّن فيما بعد أنه مخزن لمنجم معسكر أومارسكا، توقفت الحافلة قرب باب اصطف أمامه عددٌ من الرجال وقالوا لنا ترجلوا من الحافلة.

توسريتا سيفيتش: توقفت الحافلة وقال لي رجلٌ مسلح كنت أعرفه كان جاري قال لي فلنذهب يا جارتي وأخذني إلى داخل المبنى، المبنى الرسمي.

رزاق هوكافيتش: بدأنا السير بين صفين من الجنود يفصل بينهما أقل من متر وأثناء مرورنا كانوا يضربوننا.

توسريتا سيفيتش: كما رأيت داخل تلك الغرف أقارب لي وأشخاصاً من مدينتي أعرفهم من قبل في حين لا تعرف عنهم عوائلهم أي شيء، وكانوا ينادونني باسمي.

رزاق هوكافيتش: في تلك الغرفة التي لا تزيد مساحتها على 10* 15 متراً تكدّس الناس حتى وصل عددهم في النهاية إلى 600 شخص.

سيريف فليتش: اكتظت الغرفة بنا إلى أن تراصنا كأعوادٍ في علبة كبريت أو أسماك الساردين، ونحن بذاك الحال أمرونا بالجلوس.

توسريتا سيفيتش: سألت إحدى النساء عمّا يفعلنه هناك فقالت لي ستفعلين الشيء ذاته وهو توزيع الغذاء على المعتقلين.

سيريف فليتش: كيف تجلس في حين لا يوجد متسعٌ للوقوف في هذه الغرفة.

توسريتا سيفيتش: كان أكثر المستهدفين من القوات الصربية هم المثقفون فلم يفلت من المعتقلات إلا القليل من مثقفي بريدور.

رزاق هوكافيتش: رأيت صبياً يُقتل في أحضان والده كما رأيت رجلاً يُقتل أمام ابنه.

توسريتا سيفيتش: كانت هناك عائلاتٌ كاملة في المعسكر الأب والأم والأولاد.

رزاق هوكافيتش: وجاء ولدي.

بيني مارشال: رأيت مرةً واحدة في حياتي ذلك المنظر ولا أظن أنني سأراه مجدداً، رأيت أشخاصاً مرعوبين إلى حد الموت.

رزاق هوكافيتش: تمنيت لو يختارونني عندما يأتي وقت الاختيار، ابني كان صبياً في الـ16 من عمره ولا يعرف شيئاً عن السياسة.

إد وليامي: باب هذا المخزن الكبير مفتوح وكان يخرج منه رجالاً في حالاتٍ مختلفة لكن الأسوأ كان مرعباً، كانوا يجرون باتجاهنا من خارج المخزن ويمرون عبر ذلك الممر المؤدي إلى المطعم القريب منا وقد كان وقت الغداء، كان هناك خندقاً في هذا الممر وقد كان يقف في أعلى الدرج رجلٌ بدينٌ يحمل رشاشاً يصوب نحوهم وكأنه في عملية تدريب، تحول العالم أمامي إلى اللونين الأسود والأبيض إنني في زمنٍ آخر، كانوا يُساقون في مجموعاتٍ صغيرة وتحت حماية الجنود الصرب إلى المطعم لتناول وجبتنا اليومية اليتيمة، بعضهم كانوا حالقي الرؤوس وكانوا ينعتونهم بحنك الجاموس عيون الماعز وكانوا منتفخين ونحيفي السيقان ومتضخمي الأيادي، كانت تلك الظروف مخفيةً عن عيون العالم بسبب منع الصرب الأمم المتحدة من الدخول إلى هنا، جلسوا لما يُسمى بالغداء وكانوا في طوابير من أجل الحصول على هذا الشيء السائل المسكوب في أوانيهم إنه يُشبه ما يمكن أن نسميه بالماء الذي تسبح فيه بضع حباتٍ من الفاصوليا، أغلبهم كان هنا منذ شهرين وهم يقولون أنهم لا يعلمون لماذا، لكنهم تم اعتقالهم من منازلهم كل واحدٍ منهم كان يحمل قطعة خبزٍ صغيرةً في يده ثم يحتفظ بها إلى وقتٍ لاحق رأيتهم يحملون الخبز لم يكونوا يحتاجونه حينها بل سيحتاجونه فيما بعد ربما غداً أو ليومٍ آخر قادم.

توسريتا سيفيتش: بعد ذلك غادر الرجال عائدين إلى المكان الذي جاؤوا منه بعيداً عن كاميراتنا مخفيين عن الأمم المتحدة والصليب الأحمر الذين منعا من دخول أومارسكا.

التعذيب بالطعام للمعتقلين

سيريف فليتش: طيلة فترة بقائنا التي امتدت إلى 90 أو 96 يوماً لم يأكل أحدنا أكثر من 5 كيلوغرامات من الخبز.

إد وليامي: لم تتجاوز مدة تواجدهم جميعاً في المطعم أكثر من ساعةٍ زمنية حيث كان قد حان تغيير الوردية، كان من الواضح أنهم غادروا تاركين ورائهم حسائهم مرةً أخرى وهم في أجواءٍ من الرعب والخوف يقضمون قطع الخبز وهم في طريق عودتهم، لقد منحوا دقيقةً ربما أو 3 دقائق على الأرجح ليكملوا أكلهم قبل أن يأتي فريقٌ آخر مكانهم.

رزاق هوكافيتش: لديك دقيقتان فقط للانتهاء من الطعام فتسرع في أكل الحساء وتخفي قطعة الخبز لكي تأكلها لاحقاً.

سيريف فليتش: يوماً بعد يوم وجبة واحدةٌ فقط خلال الـ24 ساعةً وعلى مدى أشهر.

إد وليامي: كُنت محاطاً بعيون رجالٍ تتشوق إلى البوح بما في نفوسهم ولا يمكن أن يوجد ما يشبه عين شخصٍ يُريد أن يخبرك بما يجري.

بيني مارشال: تعود بي ذاكرتي إلى ذلك الرجل الذي كان يأكل ومن الواضح أنه لم يتناول شيئاً منذ وقتٍ طويل وكان نحيفاً جداً وبالتأكيد فقدم لهم في أومارسكا ثياباً يرتدونها ولذلك فإنّ مظاهر سوء التغذية لم تكن باديةً إلى العيان كما كان الأمر في معسكر الاعتقال الآخر في ترينوبولي لكن أحد الأشخاص الذين جلست بجانبهم قال لي لا يمكنني إخبارك بالحقيقة لكن لا يمكن أن أكذب، كيف تمت معاملتك وظروف الاعتقال؟ لا أريد أن أكذب ولا أستطيع قول الحقيقة، شكراً لحضورك.

إد وليامي: لم أكن أعرف أنا كنا بصدد رؤية أفضل الموجود، كنا نرى تلك الحفنة من الرجال وهم في أفضل أوضاعٍ ممكنة لكن الظروف كانت في أومارسكا كانت رهيبة.

بيني مارشال: قيل لنا إن الجيش لا يسيطر على أومارسكا وهؤلاء السجناء هم من مسؤولية السلطات المدنية والمليشيا المحلية، طلبنا تفسيراً من قائد المعسكر.

إحدى العاملات في المعسكر: هذا ليس معسكر اعتقال إنه مركز وبما أنه مركز فإن معسكر أومارسكا ليس معتقلاً.

إد وليامي: لم أكن أعرف سوى القليل أما الآن فأعلم ما كان يجري في الطابق العلوي فقد كان هؤلاء الوحوش يصطادونهم عند خروجهم من المطعم.

توسريتا سيفيتش: لا يمكن أن تدافع عن نفسك أمام شخصٍ قوي البنية ومسلّح ويبقى كيف تتصرف بحكمة كي لا يقتلك ويمثّل بجسدك فقط لأنه قادرٌ على ذلك.

رزاق هوكافيتش: لا أنسى اللحظة التي نادى فيها باسمي وبمجرد دخولي إلى الباب سمعت ولدي يصرخ، أبي أرجوك ارجع.

توسريتا سيفيتش: نادي على امرأة فلم تنبس أي منا ببنت شفة فعندما يتمكن الخوف منك يولّد مشاعر غريبة وتصبح مرعوباً حتى من نفسك ومن الشخص الذي يُشاطرك المكان والألم ولا تجرؤ على سؤال زميلتك في السجن أين كانت وما الذي حدث لها.

رزاق هوكافيتش: حاولت أن أهدئ من روعه فوعدت ابني أنني سأعود مع أنني لم أكن متأكداً من ذلك خاصةً أن جيغا كان هناك.

قصة البيت الأبيض

توسريتا سيفيتش: كان البيت الأبيض مكاناً يتم فيه اختيار الذين يشكون في أنهم متطرفون أو يشكلون خطراً على السلطات الصربية.

سيريف فليتش: أناسٌ يُلبّسونهم تُهماً حسب ما يرونه مناسباً  فيعزلونهم في البيت الأبيض ويقتلونهم أثناء سكون الليل ثم  يتخلصون من جثثهم خارج البيت الأبيض ويأتون بمجموعةٍ أخرى في اليوم التالي.

رزاق هوكافيتش: لقد أخذونا إلى البيت الأبيض.

[فاصل إعلاني]

سيريف فليتش: في إحدى الليالي وكان عيد القديس فيتو أشعلوا النيران بإطارات الشاحنات، هنا بالتحديد والسجناء الذين يفترشون الإسفلت ليلاً نهاراً أيضاً كانوا هنا ثم قاموا بتحضير الموقد العملاق لمناسبة عيد القديس فيتو واختاروا بعض السجناء خصيصاً لهذه المناسبة وأمروهم بالرقص حول النار ثم تحلقوا حولهم من الخلف، كان الأمر أشبه باليانصيب حيث يقع الخيار على أحد السجناء ليتم ركله بظهره فيسقط في السعير دون أن يُصدر صوتاً بكُلِ هدوء تبتلعهُ النيران وبلحظةٍ واحدة يختفي، على هذا الجانب لا أعرفُ إذا كانت ما تزالُ هُنا، كانت هُناك حنفياتٌ ومغاسِلُ إسمنتية، وخلفها هُناك مدخلٌ إلى غرفةِ مويو التي حُشِرَ فيها حوالي 500 شخص، لا أدري من هو مويو.

الشرطي الأول: توقف لا تذهب هُناك، إلى هُنا، نعم جيد.

الشرطية: قُل لهم أن يذهبوا، فلم يعُد المكانُ آمناً هُنا.

الشرطي الأول: أنا لا أضمنُ سلامتهم.

إد وليامي: كُنا تحتَ حراسةٍ مُشددة من قِبَل رجُلين أحدُهُما من جلستا وكان قائداً للشُرطة والثاني يُدعى ماركوفيتش، وعندما يكتشفون أنك غير مُذنب، لو كُنت مُذنباً تذهبُ إلى منياكا.

إد وليامي/ صحفي: أردنا الذهاب إلى المخزن، أين توجدَ أماكِنَ النوم؟ أين هي أماكنُ العمل؟ أو أيُّ مكانٍ آخر، لم نكُن نعلمُ شيئاً من ذلك.

الشرطي: هل رأيت نساءً وأطفالاً، لا تقُل ذلك، لا يوجد نساءٌ وأطفالٌ هُنا، هؤلاءِ رجالٌ حاربوا في معارِكَ مُسلحة.

توسريتا سيفيتش: عندما وصلَ فريقُ محطة ITN التلفزيونية وهذه اللقطات من تصويرهم لم نكُن نحنُ في المُعسكر، لأنهُ تم إخلاؤنا منه، فالسُلطات الصربية مثل سيموديل ياتشي كان يُصِر على نفي وجود أيّ من النساءِ والأطفال في المُعسكر على الإطلاق.

بيني مارشال: كُلُ ما كُنا نقومُ بهِ كان خاضعاً لحراسةٍ مُخيفةٍ وحضورٍ مُهددٍ للحُراس، لقد كان مكاناً بغيضاً لا يُمكنُني أن أنساه، إنه مكانٌ ما كان لهُ أن يوجد في عالمِ الإنسانية.

إد وليامي/ صحفي: حتى ما سمحوا بعرضه في أومارسكا أمام الكاميرا كان مُروِّعاً، ومن الواضح أنهُ لا ينقُلُ كامِلَ الصورة، ويبقى السؤال، ما هي الصورةُ الحقيقةُ إذن؟

شهادات حول ممارسة التعذيب والتنكيل بالمعتقلين

سيريف فليتش: لديَّ كُسورٌ في سبعةٍ من أضلُعي، أربعةٌ في هذا الجانب وثلاثةٌ على هذا الجانب.

رزاق هوكافيتش: جاء جيكا إلى الغُرفة ومعهُ جُنديان، وحالما دخلوا بدؤوا بضربنا.

سيريف فليتش: كُلُ واحدٍ يضرِبُ من جهة وعندما سقطتُ تحتَ الكُرسيّ باشروا بركلِ أضلاعي بمُقدمة جِزمهم العسكريّة.

رزاق هوكافيتش: وبعدها جعلونا نقِفُ على أربعِ قوائِم، فضحِكَ جيكا حتى بانت أسنانه العَفِنة وقال: ها أنتم كالكلاب.

سيريف فليتش: بقيَ يُكيلُ لي الضربات حتى أني لم أعُد أعرفُ عددها وإلى أن أعياهُ التعَب.

رزاق هوكافيتش: كان الضربُ فظيعاً، لو قُلتُ ألف ركلةٍ فقد تكونُ قليلة، كانوا يتناوبون عليّ، يبدأُ جيكا ومن ثم دوتسا، أنا أتذكرهُ جيداً كان ضخماً ويزِنُ حوالي 100 كغم، لقد ضربني بعمودٍ في منتصفِ ظهري وذاتَ مرةٍ جثا بجانبي على رُكبتيه وهو يَهِّفُ بقميصه على جسدهِ هكذا من شدةِ الحرارة التي أصابتهُ نتيجةَ ما بذلهُ من مجهودٍ في تعذيبي.

سيريف فليتش: شعرتُ بألمٍ من نوعٍ مُختلف، فقد تمزقَ الحجابُ الحاجز داخلَ صدري، ولاحقاً عندما لم يعُد بإمكاني بالحركة كان 5 من رجالهم يلفونني ببطانية ويحملونني إلى غرفةِ الاستجواب وكأنني سأعترفُ بمعلوماتٍ إضافية.

رزاق هوكافيتش: سقطتُ ببركةٍ من الدماء ومع استمرار الضرب صرتُ أتقيؤُ دماً، بدأَ على شكل قطراتٍ ثم انهمرَ مع اتساعِ المساحة المضروبة في جسدي إلى أن صار بركة دماءٍ فوقعتُ فيها على وجهي.

سيريف فليتش: بعضُ الرجال الذين كانوا غرفة مويو أكدّوا لي بعدها أن صُراخي كان رهيباً، وقد أرعبهم سماعُ عويلي.

توسريتا سيفيتش: كان هُناك رئيسُ حُراسٍ معروفٌ بولَعه بالنساء، لم يكُن يختارُ نوعيةً مُعينة، رُبما كان يُفضِلُ الشابات ولكن أستطيعُ القول أنه لم يترُك واحدة إلا واعتدى عليها.

رزاق هوكافيتش: كان هُناك رجلٌ طيبٌ اسمهُ كيكي، يعملُ حلاقاً ويُحبهُ كُلُ أبناء بريدور، مرةً أُجبرَ على الاستلقاءِ في وسطِ الغُرفة وقام الوحش دوتسا بالقفزِ على بطنه.

توسريتا سيفيتش: عندما تعودُ إحداهن تبقى صامتة وغير مُستعدة للحديث عما جرى، رُغم أننا نتشاركُ معاً في الغُرفة، تُحس أنها ضائعة وذهنُها غائب فيمكنُك تصور ما عانت، ثم تبدأ بالتفكير بما يُمكن أن تُعاني أنتَ عندما يأتي دورُك وتُحاول ألا تقفز إلى النتائج، غير أنك تبقى مُتأكداً تماماً أن ما يحدُث هو شيءٌ فظيعٌ فعلاً.

رزاق هوكافيتش: تحملتُ كُل أنواع التعذيب والضرب، ولكنني عندما أنظُرُ إلى كيكي أشعرُ بالأسى عليه وعلى نفسي أيضاً، كُنتُ أشعرُ بضلوعُهُ تتهشم، تصوّر وحشاً بهذا الحجم يقفزُ صعوداً ونزولاً على معدة الرجلِ وضلوعه.

توسريتا سيفيتش: تمنيتُ لو أنهم يقتلونني برصاصة حتى لا يُعذبونني أو يقطعون جُزءاً من جسدي لأن ذلك كان مُريعاً، رهيباً، كان بعضهم يموت من جرّاء جروحٍ مُتقيحة ومتعفنة أو بسبب الغرغرينا فيدعون الله أن يتم قتلُهم، لم يُعجب الجلادين القتلُ العادي لأنه بنظرهم مُتحضر، فكان لا بُد من التعذيبِ والألم حتى أن الديدان كانت تنسابُ من جروحِ بعض المُعتقلين.

رزاق هوكافيتش: جاء بنا إلى باحة البيت الأبيض حيثُ كان هُناك مُستنقعٌ كونته مياهُ الأمطار من الليلة السابقة، وأجبرنا على تمريغ وجوهنا بالوحل وابتسم، وعندما كُنا نغسِلُ وجوهنا يتحولُ الماءُ إلى اللون الأحمر بسبب الدماء النازفة وعندها كان يهمِسُ باحتقارٍ واستمتاع: أكل الأولادُ من الفراولة فصبغوا وجوههم باللون الأحمر.

[شريط مسجل]

زوران جيكيتش/ ضابط سابق في مُعسكر أومارسكا: أنا عصبيُّ المِزاج ولساني لاذع، أُحبُ أن أشتمَ وأصرخ، ولا فرق لديَّ بين مُسلمٍ وصربي أو حتى زُملائي الذين جاؤوا معي من قسم الشرطة، كما تقول فأنا أحتاجُ إلى متنفس وذلك بالنسبةِ لي هو السبُّ والزعيق.

توسريتا سيفيتش: ماذا يُمكنُك أن تفعل؟ لا شيء، فأنت مقتولٌ بعجزك ولا تستطيعُ تغيير الواقع، أنتَ تبتهلُ فقط إلى الله كي تنجوَ لكي تُخبر الآخرينَ يوماً ما بما جرى لك، أو تطلُبَ من الله أن يتم قتلُك برصاصة وتلك دعوةٌ نادراً ما تُستجاب، فمن النادر أن يُقتل الناس بالرصاص.

سيريف فليتش: تُريدُ أن تبقى حيّاً ولكن غيرَ مرئيّ، أي أن تكونَ موجوداً ولا يستطيعون رؤيتك وذلك مُستحيل.

رزاق هوكافيتش: لا يُمكنُ أن أنسى هؤلاءِ الذين يتحدَّونَهم في مُعسكرِ أومارسكا، أعني الذين دافعوا عن أنفسِهم، أتذكرُ أحدهم ويُدعى هوبوفاك لقد ضربوه مراتٍ عديدة، وفي يومٍ من الأيام قال: لو استدعوني سأعترض، وبالفعل تم استدعاؤه.

سيريف فليتش: بعض المُعتقلين كان يحُثهم على قتله بشجاعة نادرة، كُنا حوالي 3000 مُعتقل، لم أسمع إلا صوتاً واحداً يشُقُ سكون الليل بالقول "اصمدي بشموخ يا بوسنة".

رزاق هوكافيتش: بعد عشرِ دقائق أخذوهُ وبعدها سمعنا صوت إطلاق النار، لقد هجمَ على المُفتش فقتلوه.

سيريف فليتش: قال" اصمدي بشموخ يا بوسنة"، فسخروا منه، بصق بوجه الموت ولم يستسلم، فرحل.

[شريط مسجل]

المُحامي: سيادة القاضي سنسرُدُ في هذه الجلسة كيف استخدمت الحكومةُ الصربيةُ سياسيةً منهجية اعتمدت على الإقصاء والاضطهاد والتطهيرِ العرقيّ، كما ارتكبت أفظعَ الجرائم بحقِ من هم ليسوا صرباً خاصةً من المسلمين والكروات، حيثُ تعرضوا لحملةٍ غير إنسانية من الترهيب والتقتيل لم تشهد لها أوروبا مثيلاً مّنذُ الحرب العالمية الثانية.

بيني مارشال: ما نعلمُهُ اليوم هو أنه كان أسلوباً مُمنهجاً للتطهير العرقي واعتقال أكثر الأشخاص تأثيراً وتعليماً، وقد سعوا أولاً إلى التأكد من أن لا يواجهوا أي مقاومةٍ أو أن يتركوا بقايا قوةٍ لدى المسلمين، لقد كانت خُطةً مُنظمةً ومُمنهجةً للتطهير العرقيّ من طبيعةٍ شيطانية.

رزاق هوكافيتش: فلو حللنا تعريفَ مُصطلح الإبادة الجماعية سنجدُ أنهُ نُفّذَ بحذافيره في هذه المدينة.

آليات تحقيق العدالة الانتقالية

بيني مارشال: أعتقد أن لمحكمة الجنايات الدولية أهميةً لأن أولئك المسؤولين عن تلكَ الجرائم من الذين لم يتم توقيفهم ولم يشعروا بأي ثقلٍ للعدالة يطالُهُم يعيشون في خوفٍ من العثور عليهم واكتشافِ أمرهم، خاصةً وأن محكمة الجنايات الدولية توثِّقُ كُل الجرائم وأن من يُنكرون ضلوعهم فيها لن يستطيعوا الاختباء إلى الأبد.

إد وليامي: لماذا يُبشِّرون المُدافعون عن حقوقِ الإنسان على الدوام بمُستقبلٍ أكثرِ إشراقاً؟ لماذا يواصلون عمل ذلك مرةً تلو أُخرى؟ لدينا عدالتنا، لدينا محكمتنا، ولديك هؤلاءِ القوم يقولون بسببِ وجودنا في هذه المحكمة فإن الدكتاتوريين والمستبدين في كُل أنحاء العالم سيشعرون بالخشيةِ منا، ذلك خطأ، هل يبدو أن بشار الأسد خائفٌ؟ هل يشعرُ بالخوف؟ إنه يتبع خُطى الدكتاتور كاراديتش وغيره.

رزاق هوكافيتش: تأسيسُ محكمةُ العدل في لاهاي بحد ذاته قصةٌ ساذجة تُقنِعُ الأغبياء فقط بأن العدالةَ تأخُذُ مجراها، الآن كُلنا يعلم أن ذلك لم يحصل.

إد وليامي: ذهب الناس إلى هولندا، حملوا كُل ما يعتملُ داخل صدورهم، باحوا بكُل شيءٍ، خاضوا في أدق التفاصيلِ حول ما رأوه، خاصةً تلك النسوةُ المُغتصبات.

توسريتا سيفيتش: لقد كانت هُناك سخافاتٌ ومُتناقضاتٌ كثيرة، مثلاً عقوبةُ الإبادة الجماعية جاءت أقلَ من عقوبة أي انتهاكٍ آخر للقانون الدوليّ، فالأحكام كُلُها كانت مُخفَّفة.

رزاق هوكافيتش: كُنتُ أُقابلُ في شوارع بريدور الأشخاصَ أنفسهم الذين كانوا يرتدون البزّاتِ العسكريةَ في مُعسكرِ أومارسكا، ويُرعبُني لِقاءُ سابونيا الذي شوّهَ وجهي وبالفعل قابلته.

بيني مارشال: هُناك عددٌ كبيرٌ من مُجرمي الحرب في تلك المِنطقة لم يتم إيقافهم، إنه المكانُ الأكثرُ اكتظاظاً في أوروبا، وأجدُ أنه من الخطر الكبير التواجدُ هُنا.

إد وليامي: إنه أمرٌ صعبٌ جداً على أشخاصٍ مثل إحدى صديقاتي التي ذهبت في أحد الأيام لشراء بعض الزهور في بريدور، واكتشفت أنها كانت تقفُ في الطابور خلف رجلٌ اغتصبها عندما كانت في المعتقل، وقد كان يشتري وروداً إلى زوجته، إنه أمرٌ صعبٌ أيضاً على صديقٍ آخر عندما ذهب إلى ترن بولي لتناول قهوةٍ مع صديقٍ له كان يسكن قُبالة رجُلٍ قتل أصدقائه وإخوانه.

توسريتا سيفيتش: الإنكار ونفيُ كُل جرى هو السائدُ هُنا، حتى من قِبَلِ الناس العاديين ناهيك عمن هم في السُلطة، فما بالُك لو طالبنا بإدانةِ ما حدث.

بيني مارشال: سألتُ الناس الذين يسكنون في جوار المقبرةِ الجماعية، هل رأيتم أي شيءٍ مما جرى؟ وكان ردُهم أنا لا أسكنُ هُنا، ومن الواضحِ أنه يُخفي كُل ذلك داخل منزله، أحدُ صرب البوسنة قال: لا علاقة لي بهذا، أسكُنُ على بُعدِ كيلو مترين من هُنا، وقد أعفياه هذين الكيلو مترين من أن يكونَ شاهداً.

إد وليامي: لا أعلم الكثير من الأشخاص الذين  يقولون لقد أنجزتُ عملاً رائعاً وأنا سعيدٌ بذلك، أشعر بالسعادة لقد أُعطيت كُل شيءٍ من المحكمة بسبب وجودهم اليوم خلفَ القُضبان، وبعضهم يغادرُ السجن قبل نفاذ مُدة سجنه، أليس كذلك؟

رزاق هوكافيتش: الرجلُ الذي ارتكب أبشعَ الجرائمِ في مِنطقتهِ وهو زروان جيكيتش حُكم عليه بالسجن لمدة 27 عاماً.

سيريف فليتش: أردموفيتش الذي ساهم بإعدام 1000 بوسني حُكم عليه ب 5 سنوات فقط ، هل سنشعرُ بأقل من المرارة وخيبة الأمل؟

إد وليامي: أعني أنهُ كانت إحدى الحالات في بريدور لشخصٍ كان يُمضي عقوبةٍ ب 40 عاماً سجنٍا بسبب جريمةِ قتل، وكان يُعدُ حساباتٍ دقيقة للمُدة التي قد يُقضيها إذا ما اعترف بارتكابه بجرائم ضد الإنسانية، فقد يُقضّي 7 سنواتٍ فقط وهُناك أيضاً مبلغٌ هامٌ من المال الذي يصل إلى جيبُ مُحاميه الذي فتحت زوجته مطعماً أو نُزُلاً.

توسريتا سيفيتش: إن بريدور مدينةٌ صغيرة ومن السهل أن تُقابلَ فيها من كانوا متورطين بتلك الأحداث، فأنا قابلتُ أشخاصاً كُنتُ قد شهدتُ ضدهم في المحكمة كما التقيت بحُراس ومُحققين، لم يكُن بينهم من تمت إدانته وليكن، فأنا الآن أستطيعُ أن أقف بوجههم مرفوعة الرأس.

بيني مارشال: لا أستطيعُ أن أتخيلَ بعد 20 عاماً وبعد ظهورِ دلائل قاطعةٍ أن يستمر الشخصُ في الإنكار، إلا إذا كانت لديه قُدرة غيرُ عاديةٍ على إغماض عينيهِ وأذُنيهِ وعقلهِ.  

سيريف فليتش: لقد بقيَ رادوفان كاراديتش على قيد الحياة وعلى شاكلته كثيرون من حولنا أينما ذهبنا، نحنُ لا نختلطُ بهم طالما أنهم يتباهون بتلك الجرائم.

إد وليامي: حقاً لماذا يكونُ يومُ الخميس أفضل من الأربعاء؟ ولماذا سيكون الأسبوعُ القادمُ أكثرَ جمالاً من الأسبوعُ الحالي؟ لأنه لدينا عدالة انتقالية، لأنه لدينا حقوقُ إنسان، لأنه لدينا المحكمة، هل هذا كُلُ شيء؟ أليس كذلك؟

رزاق هوكافيتش: هُناك قاعدةٌ مُفادها أن السُجناء يُفرجُ عنهم بعد انقضاءِ ثُلثي مُدة الحكم، في العام المُقبل سيُصبحُ زوران جيكا حُرَّاً، وبغض النظر عن الحساب، فبعدَ 17 أو 18 عاماً يعودُ المُجرمُ إلى مسرحِ الجريمة.