بدمه كتب أحمد القرشي النجاح لثورة السودان على العسكر، كان طالباً وكان الطلبة الشرارة التي أشعلت الثورة ضد حكم الجيش وأدخلت السودان في عهد الديمقراطية الثانية.

بعد الاستقلال وإنزال العلمين المصري والبريطاني تولى مشكلات السودان إسماعيل الأزهري ثم ورث التركة منافسه من حزب الأمة عبد الله خليل، ثلاث سنوات أدرك فيها سياسيو السودان أن مشكلاتهم بحجم بلدهم، وفي تشرين الثاني نوفمبر عام 1958 انقلب عبد الله خليل على نفسه وسلم الحكم تسليماً للعسكر، ألغى قائد الجيش الفريق إبراهيم عبود الأحزاب وعلق الدستور وكان التأييد الذي ناله من زعيمي الأنصار والختمية سحابة صيف، وبقيت الأحزاب جمراً تحت الرماد وجاءت مشكلة الجنوب الذي لم يعجبه توجه التعريب والأسلمة لحكومة عبود. ثار الجنوب فشكل الفريق عبود لجنة الخمسة والعشرين لمناقشة القضية ودُعي طلبة جامعة الخرطوم للمشاركة في النقاش، لكن الطلبة ناقشوا كل شيء واحتجوا على الحكومة في مظاهرات صاخبة سرعان ما انتشرت في المديريات الأخرى، وأضرب الموظفون وعمال المواصلات فألغت الحكومة العسكرية النقاش وقمعت الاحتجاجات.

لم يطلق الجيش الرصاص الكثيف ولا العشوائي ولكن رصاصة قتلت الطالب أحمد القرشي عندما اقتحمت الشرطة ندوة جامعية أقيمت في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964 كانت نقطة العودة.

اندلعت المظاهرات في كل أنحاء السودان بعد تشييع القرشي، وردد المتظاهرون الشعار الشهير" إلى القصر حتى النصر"، بعد مقتل القرشي بأربعة أيام جاء خطاب عبود الأول فألمح إلى بقائه في السلطة حتى تشكيل حكومة لكن الجماهير لم ترض وواصلت ثورتها، وبعد أربعة أيام أخرى احتشدت الجماهير عند القصر الجمهوري فأطلقت الشرطة النار على المتظاهرين وسقط عدد من القتلى فيما عُرف بحادثة القصر فكان التنازل الثاني، وبعد أسبوعين جاءت الثالثة وأعلن الفريق عبود تنحيه وشكلت حكومة برئاسة سر الختم الخليفة سميت بحكومة جبهة الهيئات.

نجحت الثورة على الحكم العسكري الأول في السودان ورسخت في البلاد وجود الأحزاب وظلت منارة لكل حكم عسكري أو مدني لاحق لأن السودان يملك الإرادة ويستطيع.