يعد مسجد أحمد بن طولون أقدم جامع أثري متكامل في مصر. ولد أحمد بن طولون في بغداد سنة 220هـ وجاء إلى مصر وأنشأ عاصمة لها هي مدينة القّطاي وأنشأ قصرا له، وأراد بناء جامع إذا احترقت عاصمته لا يحترق وإذا غرقت لا يغرق، واستشار المحيطين به، وبدأ العمل في إنشائه سنة 263هـ وانتهى العمل به سنة 265هـ.

من أهم من درس في هذا الجامع هو العز بن جماعة الذي بدأ التدريس وهو في العشرين من عمره، ودرس مادتي الفقه والحديث ودرس كتبه الكبرى والصغرى، ووصل عدد شيوخ ابن جماعة إلى 1300 نفس.

أصبح جامع ابن طولون أول مدرسة للطب في مصر، ومن أهم الشخصيات البارزة التي درست الطب في هذا المسجد، ابن الخشاب وابن بهادر والأمشاطي، ولم يقتصر عملهم على التدريس فحسب، بل امتد إلى التدريب أيضا.

مساحته تقدر بأكثر من 27 ألف متر مربع، وهو من أضخم المساجد الجامعة في مصر. مساحة الصحن مساوية لمساحة الأروقة، عندما يخرج المصلون من الصلاة إلى الصحن ومن ثم إلى الأروقة ثم الأبواب، وهذا يفسر وجود 42 بابا في هذا المسجد.

صحن المسجد يحتوي على الفسقية التي تحتوي على الساعات التي تحدد الوقت، فكان الميقاتي ينظر إلى الساعات ويرفع الأذان بالصلاة.

تولى التدريس في هذا الجامع الحافظ زين الدين العراقي بعد الإمام الجليل العز بن جماعة، وكانت له تصانيف كثيرة. من أهم تصانيفه التي درست تخريج أحاديث الإحياء (إحياء علوم الدين)، حيث ملأ الحافظ العراقي أروقة هذا الجامع بالعلم والنور.

الأعمال الجبصية في هذا الجامع امتازت بالجمال والروعة، فالحس الجمالي واضح في تشكيل الدعامة، حيث بنيت فيها أربعة أعمدة فيها تيجان غاية في الروعة وفي الزخرفة. ويحتوي هذا الجامع على 228 نافذة ذات أشكال هندسية، منها الدوائر وأشكال زخرفية غاية في الروعة. ونظرا لعلوها وإطلالتها إلى الخارج، كانت تعمل على توفير تهوية جيدة للجامع وتقوم بدور التنقية فيه.

عالمنا الثالث هو بهاء الدين السبكي حيث تولى أعمال التدريس والقضاء  والعدل في مصر بعد أن تولى والده التقي السبكي قضاء دمشق، وعندما نتحدث عن هذه العائلة فنحن نتكلم عن كتب كبيرة وعظيمة مثل "جامع الجوامع" وعن "فتاوى السبكي" وكانت هذه الكتب علامات فارقة في التاريخ الإسلامي.

ومن أهم معالم هذا المسجد هي المئذنة الملوية حيث كانت أول مئذنة ملوية تبنى خارج العراق على طراز ملوية سامراء بالعراق، وسميت بالملوية لأن لها سلما خارجيا ملتويا حول بدن المئذنة حتى يصعد إلى قمتها.

في الفترة الأيوبية تعرض الجامع إلى الخراب، ولجأ إليه أمير مملوكي وهو الأمير لاجين الذي هرب في مئذنة الجامع ونذر إعادة بناء الجامع إذا أصبح سلطانا لمصر، وبعد أن تحقق ذلك قام بأعمال معمارية مهمة في هذا الجامع حيث أعاد إنشاء الفسقية في الصحن وعمّر محرابا للجامع وأنشأ قبة تتقدم المحراب وبعض الملحقات الأخرى.

ومن أهم أعماله أنه حوّل هذا الجامع إلى جامعة يدرس فيها العلوم الدنيوية إلى جانب العلوم الدينية، فتعانقت في جامع ابن طولون بيوت الله مع بيوت العلم لتكون سلسالا متدفقا من الأنوار.