هذ الجامع هو البذرة المنشئة لكل مساجد أفريقيا.. أول مسجد تأسست على يديه كل بلاد العرب في أفريقيا وفي شمال أفريقيا وفي غرب أفريقيا وفي الأندلس.

جاء الفتح الإسلامي لمصر ليضع حدا فاصلا بين حضارتين مختلفتين تماما، في البداية فكر عمرو بن العاص في تأسيس مدينة تكون عاصمة للدولة الإسلامية في مصر فاختار الفسطاط، رأس قمة دلتا نهر النيل في أضيق مكان في نهاية الدلتا.

النواة الإسلامية وهي الأمصار الأولى، كانت تتكون من المسجد الجامع والحمام ودار الإمارة والسوق، هذه هي النواة التي تميز المدينة الإسلامية، وكانت نقطة الانطلاق من جامع عمرو بن العاص.

صحن مسجد عمرو بن العاص

المسجد سمي بتاج المساجد لأنه عند رأس المساجد، وسمي بمسجد أهل الراية لأهل الصحابة ثم سمي بمسجد الصحابة والمسجد العمري نسبة إلى عمر بن الخطاب، أو الجامع العتيق باعتباره أول وأقدم مسجد أنشئ في مصر.

كان المسجد في البداية قريبا من النيل واشترك 80 صحابيا في تحديد قبلة المسجد. والمسجد بني على غرار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا يسمى المسجد من المساجد التقليدية، أي مقلدة لعمارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم عند إنشائه في أول الهجرة.

كان المسجد بسيطا أسس من جذوع النخيل على أرض مفروشة بالحصباء وسقف بسعف النخيل، وكانت مساحاته لا تزيد عن 30 في 50 ذراعا. ظل الأمر كذلك على هذا الشكل البسيط إلى أن جاءت سنة  53هـ مع الوالي مسلمة بن مخلد الذي أجرى مجموعة من التعديلات في المسجد وأضاف إليه أربعة صوامع.

ثم تلاحقت بعد ذلك الزيادات إلى أن وصلنا لنقطة مهمة جدا في سنة 212 هـ في عصر عبد الله بن الطاهر حيث بدأ المسجد يأخذ مساحة ضعف مساحته، ويقال إنه هنا بدأ المسجد يأخذ المسقط الحقيقي له والمكون من صحن وأربعة سقائف أو أربعة مظلات كبيرة، ولم يبق لنا من عصر عمرو بن العاص والفترة الأموية أي شيء.

من الأشياء المهمة التي تذكرها المصادر عن جامع عمرو هو أنه كان يوجد فيه أحد المصاحف القديمة والمعروف باسم مصحف أسماء، ويوضع في مؤخرة الجامع وكان يخرج في يوم الجمعة للتبرك به. وكان هناك مصحف آخر ذكر المقريزي أنه كان مصحف عثمان.

درس في هذا الجامع علماء أفاضل وأئمة كبار على رأسهم عبد الله بن عمرو بن العاص نفسه، وعليه ضاعت مدرسة الإسكندرية أمام قوة ومكانة وصلابة وعلوم مدرسة عمرو بن العاص التي وصلت فيها حلقات الدرس لأكثر من 120 حلقة.

صورة من خارج مسجد عمرو بن العاص

هذه البقعة المباركة شهدت مولد كتاب الأم للإمام الشافعي وهو ينشئ مذهبه الجديد، بعد أن رأى عادات جديدة ومعاملات أخرى غير التي كانت في العراق وفي الشام وفي المدينة.

من هذا الجامع أيضا خرج أعظم رواد القراءات في قراءة ورش خرجت من جامع عمرو بن العاص لكي يحتضنها أهل بلاد المغرب والأندلس. من هذا الجامع أيضا خرج المذهب المالكي، والإمام الليث بن سعد كان يدرس هذا المذهب في هذا المكان، ولذلك سنجد أن من مسجد عمرو بن العاص إلى مسجد القيروان معاقل ملكية كان الأصل فيها جامع عمرو بن العاص.

حضر إلى هذا المسجد أيضا الإمام عبد الرحمن بن خلدون وقرأ جزءا من مقدمته وكتابه في التاريخ، لذلك نجد أن جامع عمرو بن العاص عبارة عن حالة متأججة من النور ومن الثقافة ومن النشاط العلمي في كل الحضارات الإسلامية التي شهدها هذا الجامع.

يشكل هذا الجامع بداية أول مدينة إسلامية وهي مدينة الفسطاط.. هذه المنطقة في القرون اللاحقة أصبحت تجمعا لأكبر كنائس ومعابد يهودية، من خلال هذه النقطة نجد أن مسجد عمرو بن العاص يحتضن أهل الأديان الأخرى في داخل منطقة تعرف في علم الآثار بمناطق طرح البحر، لأن جامع عمرو كان عند إنشائه على النهر مباشرة.. الآن مع طرح النهر، جامع عمرو أصبح بينه وبين النهر حوالي كيلومتر استحدثت فيه الكنائس والمعابد اليهودية.

خير بن نعيم الحضرمي كان يقضي بين المسلمين في المسجد ثم يجلس على باب المسجد خارجه فيحضر إليه النصارى طالبين عدله وفقهه، مما يدلل على أن المدينة الإسلامية والإسلام احتضنوا الآخر.

من جنبات مسجد عمرو بن العاص

منذ بداية القرن الرابع عشر استدرك الناس بركة هذا المكان واستشعروا عبق التاريخ فيه، فيعمرون طوال العام بصفة عامة ويزدادون عمرانا وكثافة بشرية في رمضان.

المسجد في العشر الأواخر من شهر رمضان يصلي فيه حوالي 1.5 مليون مصلٍّ ما بين أروقته الداخلية وجنباته الخارجية، وأرجو أن تذكرنا هذه الصورة بمكانة الحرم المكي في رمضان، فأهل مصر أيضا كان لهم هذا العبق مع رمضان ومع الصحابة ومع رحيق وأريج صحابة جامع عمرو بن العاص.

جامع الطوفة وجامع البصرة وجامع البزاز.. جميع مساجد الأنصار للأسف الشديد تلاشت إلا جامع عمرو بن العاص وجامع القيروان، لأن جامع القيروان أسس على يد أساتذة وشيوخ وعلماء جامع عمرو بن العاص.