لجامع ومدرسة السلطان حسن قصة مذهلة للعمارة تفوق الوصف من الإبهار، لم يكن يدرس فيها إلا أساطين العلماء، ما يعني أن هذه المدرسة ليست محلا لتلقي العلم فقط، بل هي محل للنقلات النوعية العلمية. 

   

هذا المكان قبل بنائه كان عبارة عن منطقة فيها مجموعة من القصور والإسطبلات، وكانت هذه الإسطبلات قريبة من سوق الخيل الذي هو حاليا ميدان صلاح الدين، وأراد السلطان حسن أن يبني هذا الصرح فأمر بهدم هذه الدور بعد أن اشتراها ونزع ملكيتها، وبدأ يبني هذه المنشأة العظيمة على مساحة ما يقارب من 8 آلاف متر مربع، وكأنه كان مصرا على أن يكون المكان في أعلى مكان في القاهرة وبجوار قلعة صلاح الدين الأيوبي، وكأنه كان يريد أن يوصل رسالة مفادها أن العلم صار له حصن.

    

هذا المبنى هابط عن منسوب القلعة بأكثر من 130م، فالإبهار هنا يكمن في قدرة المعماري على رفع جدران هذا المبنى لكي يضاهي القلعة، وهنا حالة من الإبهار المعماري وما زال مصدرا للإبهار لكل من زار القلعة.

  

كل الثوار الذين خرجوا على السلطات كان لا بد لهم أن يتحصنوا على سطح مسجد السلطان حسن وينصبوا المنجنيق لضرب باب السلسلة وضرب القلعة. إذن نحن أمام مبنى حصني، مبنى أشبه ما يكون بالحصن يضاهي ويهدد أمن القلعة مركز الحكم.

  

هذا العمل المعماري يتمتع بالنضوج الفكري بواجهات ممتدة لأكثر من 169م وارتفاع أكثر من 38م، ويدخلك في مدخل لا قبل لنا به في أنه كيف عمل في مجموعة من المقلصات تتوج طاقية المدخل بكهوف وأشكال تجريدية. لذلك نقول إن العمارة الإسلامية في حالة الإبهار تخفي ما في داخلها، وإن فن العمارة قد يصل إلى درجة "السيرياليزم" أو الفن التجريدي مصدره هنا، والناس لا تعرف أن الفن التجريدي مصدره الفن الإسلامي.

  

كلما نظرت في مدرسة السلطان حسن كلما وجدت الرقم 4، فهناك ما يسمى برباعية المدارس، وهناك ما يسمى برباعية الفرق، وفي كل مدرسة هناك شيخ له مائة من الطلاب وهؤلاء المائة يقسمون على أربعة مراحل، كان من المفروض بناء أربع مآذن، تم بناء ثلاث مآذن فقط ولكن كان لهذه المآذن 25 مؤذنا، عندما يصعدون إلى المآذن مرة واحدة يشرعون في التهليل والتكبير ليسمع كل من حول المجمع، فعندما ترى المؤذن في مكانه المرتقى عند المئذنة تكون هذه علامة من علامات دخول وقت الصلاة.

   

عندما نتحدث عن العمارة نجد أنها تنطلق من الداخل لتعزلك عن الخارج وهذا بخلاف المسجد حيث إن الدخول إليه يكون بشكل مباشر، أما المدارس ولأن توظيفها الأساسي موضوع أكاديمي علمي، نرى الدخول إليها بشكل غير مباشر بعيدا عن حركة الخلط التي كانت ما بين المصلين وما بين الطلاب في مساجد الجامعة. لنفترض أن هناك أربعة أفراد يدرسون في هذه المدرسة، أحدهم يدرس الفقه الشافعي وآخر سيدرس المالكي والثالث سيدرس الحنفي والأخير سيدرس الحنبلي.. سيتم توزيعهم في الصحن حيث يدخلون مع بعض إلى الصحن وكل واحد منهم يذهب إلى مدرسته.

  

فإذا دخلنا على المدرسة الحنفية سيقابلنا عالم كبير اسمه نور الدين الحنفي.. نور الدين الحنفي كان مشهورا بأنه كان موسوعي العلم، كما كان هناك في مدرسة السلطان حسن جامعة للمذاهب الفقهية وكان نور الدين الحنفي جامعة المذاهب الفقهية.

   

ندخل على المدارس المتعددة والمتمحورة حول الصحن المركزي، فيها طراز الظلة أو الأروقة والطراز الإيواني وهو عبارة عن قاعة مغلقة من ثلاث جهات ومفتوحة بالكامل على الصحن حتى يستطيع الأستاذ والمعلم أو الشيخ أن يتحلق حول طلابه ويراهم كلهم على صعيد واحد.

   

المدرسون الذين يتوافدون للتدريس في مدرسة السلطان حسن فيهم ميزات كبيرة، أنهم أسماء كبيرة وكانوا أساطين من أساطين العلم، فمثلا على سبيل المثال بدر الدين الكرخي وهو أحد علماء الشافعية حاول أن يجد الكتب المعتمدة ويقدم عليها شروحا ليجعل المذهب الشافعي يتقدم خطوة للأمام، وإذا انتقلنا إلى المالكية فلن يكون هناك مفاجأة أن نجد ذلك العالم الأجل الخرافي صاحب الكتاب المشهور كتاب الفروق الذي به اكتملت صورة الفقه عندما يقول العلماء إن الفقه هو معرفة الأشباه ومعرفة الفروق.

لكل مدرسة من مدارس المذاهب الأربعة شيخ مستقل، شيخ للحنفية شيخ للشافعية شيخ للمالكية وشيخ للحنابلة، وكل شيخ عنده مائة طالب وكل مائة طالب لهم من المعاونين يصلون إلى أكثر من 25 فردا، ومن المعيدين أكثر من ثلاثة أفراد، إذن كان هناك نظام أكاديمي إداري جامعي في العصور الوسطى عام 757 هـ.

المشايخ تقوم بقراءة القرآن من الصباح إلى الظهر في داخل هذه القبة، أكثر من 20 شيخا، وهنالك شيخ آخر للتفسير وشيخ آخر للقرآن وكان لا بد أن يكون هذا الشيخ المخصص لقراءة القرآن ملما بالقراءات السبع.

من العلماء المشهورين سواء بمصنفاته أو بجهوده العلمية، العالم الجليل الذي كان يلقب بابن قاضي الجبل وهو أحمد بن الحسن بن عبد الله بن قدامة.

ويبدو أن مدرسة السلطان حسن في الجانب الحنبلي في المدرسة الحنبلية خرّجت عددا من الفقهاء الذين كانت لهم نوع من أنواع الحرية الفقهية، فأصبحت مدرسة السلطان حسن أحد العوامل الأساسية في تحريك المذاهب ونقلها نقلات نوعية في العلم الشرعي.

كانت الحالة العلمية للتخرج فيها يتم عن طريق ما يسمى بالإجازات، حيث يجلس خمسة أو ستة مشايخ كبار في الحديث وواحد في التفسير وواحد في القراءات وواحد في الفقه الشافعي وواحد في الحنبلي وواحد في المالكي وواحد في الحنفي، وكل واحد يلقي مسألة وتبدأ المناظرة بينه وبين الطالب. ولو كان لدينا مكان واحد للإقامة دخل في جدل أو عملية تسابق مع طالب آخر.. من يكسب هو الذي يأخذ الكرسي ويلتحق بالمنشأة.

بعد هذا الطواف فيما يتعلق بهذه المدرسة التي هي في الحقيقة كانت من أهم المدارس التي أبرزت أهم قسمات وخصائص التعليم برؤية إسلامية: خصيصة التكامل، خصيصة التضافر وعدم التضاد والصراع.

مسجد للعامة للصلاة، ومدرسة للخاصة من طلاب العلم، وكل الأجانب الذين زاروا المسجد قالوا إذا كان المصريون يتباهون بالهرم، فهذا هو الهرم الإسلامي.