ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

15/05/2003

- دور بريطانيا في زرع بذور الصراع.
- دعم بريطانيا للقومية العربية لتقسيم الدولة العثمانية.

- اتفاقية سايكس بيكو.

- وعد بلفور بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

- مسؤولية بريطانيا عن الصراع العربي الإسرائيلي.

المعلق: عانت أجيال متعاقبة في الشرق الأوسط من الصراع الدامي بين العرب واليهود على الأراضي المقدسة وغالباً ما يُعزى الأمر إلى هجرة اليهود إلى فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل.

لكن لنا أن نقتفي أصول الصراع، إلى حقبة أبكر بكثير، إلى ازدواجية المعايير البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى.

هذه حكاية مكائد بين إمبراطوريات متنافسة واستراتيجيات خاطئة، ووعود متضاربة قُطعت للعرب ولليهود، خلَّفت تركة من سفك الدماء صاغت مقادير الشرق الأوسط.

دور بريطانيا في زرع بذور الصراع

فريد هاليداي (أستاذ العلاقات الدولية- كلية لندن للاقتصاد): خلال الحرب العالمية الأولى رسم البريطانيون والفرنسيون والروس هذه الخطط السرية لتقاسم الإمبراطورية العثمانية، ظانين أن هذا سيوازن طموحاتهم الإمبريالية، غير آبهين لما سيصيب الأتراك والعرب وكل من يعترض طريقهم.

يوسف شويري (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط-جامعة إكستر): بالتأكيد بذور القضية زُرعت في تلك المرحلة، لأن البريطانيين وعدوا العرب بالاستقلال من جهة، ووعدوا اليهود بمنحهم وطناً من الناحية الأخرى، ولا يمكن التوفيق بين الوعدين.

آفي شلايم (أستاذ العلاقات الدولية بكلية سانت أنتوني- أوكسفورد): أغدق البريطانيون الوعود على كل من يخدم مصالحهم دون النظر في العواقب هذه الوعود المتناقضة أطالت أمد الصراع في فلسطين.

د.كريستوفر كوكر (أستاذ مساعد في العلاقات الدولية-كلية لندن للاقتصاد): عندما تكون في خضم الحرب فإنك ستكون في منتهى الكرامة فيما ستغدقه ضمن تسويات ما بعد الحرب، ولكن حين تجلس إلى مائدة المفاوضات بعد انتهاء الحرب، ويحين وقت الوفاء بالوعود، ستختار ما هو في صالحك، وقد رأى البريطانيون في الشرق الأوسط على أنه الجناح الغربي لقوتهم في الهند ولقوتهم في آسيا عموماً.

المعلق: يبدأ دور بريطانيا في الشرق الأوسط وفي الصراع بين العرب واليهود من الماضي الاستعماري للإمبراطورية، في بداية القرن العشرين كان الملك (إدوارد السابع) يحكم إمبراطورية شاسعة لها مصالح في كل بقاع العالم.

د.كريستوفر كوكر: ازدادت أهمية الهند لكونها الركن الثاني من أركان قوة بريطانيا عالمياً، وحركة الجيش الهندي مهمة جداً، لتوزيع مصالح بريطانيا وبسط نفوذها في العالم وقناة السويس تسهل هذه الحركة ومن المهم جداً بالنسبة للوضع الجغرافي السياسي البريطاني الإبقاء على قناة السويس مأمونة ومضمونة.

المعلق: أصبحت بريطانيا وقد وضعت هذا الهدف نصب عينيها القوة الأوروبية الوحيدة، التي تؤسس لموطئ قدم رئيسياً لها في الشرق الأوسط وفي الإمارات المحيطة بالخليج العربي وفي عدن وفي مصر.

انتزعت بريطانيا مصر من الإمبراطورية العثمانية عام 1882، وجعلت منها محمية بريطانية عام 14، فأصبحت القاهرة مركز القوة البريطانية في الشرق الأوسط، صار الوجود البريطاني هناك أهمية استراتيجية قصوى، لأن العثمانيين في ظل السلطان محمد رشاد متحالفون مع ألمانيا منافسة بريطانيا القوية، يُضاف إلى العثمانيين والألمان الإمبراطورية النمساوية الهنجارية، ليشكل الثلاث دول المركز التي تواجه بريطانيا وفرنسا وروسيا.

من العاصمة العثمانية اسطنبول كان السلطان يحكم آخر إمبراطورية إسلامية، وهي تعاني من التدهور لعقود طويلة، لكن مصير الإمبراطورية لم يتحدد إلا باندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس عام 1914.

في أوروبا نجحت بريطانيا وفرنسا في وقف التقدم الألماني السريع من جهة (الجنوب)، وفي الشرق وصلت حرب روسيا ضد ألمانيا والنمسا إلى طريق مسدود، بينما راحت الأسلحة الفتاكة نتاج العصر الصناعي تحصد أسبوعياً آلاف الجنود القابعين في الخنادق من الجانبين.

دومينيك ليفين (أستاذ الشؤون الروسية -كلية لندن للاقتصاد): توقعت جنرالات القوى الكبرى أن تنتهي الحرب في غضون أشهر، لكنهم وجدوا في نهاية عام 1914 أن الحرب لم تكن مستمرة وحسب بل إن المؤشرات كانت تدل على احتمال استمرارها لأمد طويل، هنا راحت هذه القوى تفكر بأساليب جديدة لتحقيق النصر في هذه الحرب

المعلق: أمام هذا المأزق شعر رئيس الوزراء البريطاني (أسكويف) أن من الضروري توسيع نطاق الصراع، فوضع بالتعاون مع وزير الخارجية اللورد (جيري) ووزير الحرب اللورد (كتشنر) وقائد البحرية (وينستون تشرشل) خططاً معقدة لإضعاف دول المركز.

د.كريستوفر كوكر: كانت حرباً عالمية، ونظر البريطانيون إلى الشرق الأوسط في إطار عالمي، وكانت الطريقة البريطانية التقليدية المفضلة هي الاستراتيجية غير المباشرة بتركيز الهجوم على الحلقة الأضعف للعدو كما يسميها (تشرشل)، وقد رأى البريطانيون أن تركيا هي الحلقة الأضعف.

المعلق: خطط بريطانيا السرية تقوم على إلهاء الخصم عسكرياً، بينما تقوم بنشاط دبلوماسي ماكر، قوامه الرشوة والتضليل، والصفقات الخادعة، فمارست هذه الوسائل على الدولة العثمانية.. الحلقة الأضعف.

فريد هاليداي: تعتمد الدبلوماسية بشكل عام على السرية، ولكن الحد الفاصل بين التكتم والمؤامرة غير واضح خلال الفترة المؤدية إلى الحرب العالمية الأولى وأثناء الحرب جرت مفاوضات ومناقشات مكثفة بين القوى العظمى وبين الفرنسيين والروس والبريطانيين -على وجه الخصوص- لكسب إيطاليا إلى جانبهم، ولتقرير ما يمكن أن يفعلونه عندما تنتهي الحرب، وتنهار الإمبراطورية العثمانية.

المعلق: كانت بريطانيا تأمل في الوصول إلى صفقة حول تقسيم مغانم الحرب، لتعزز تحالفها ضد دول المركز، فعقدت في مارس من عام 1915 اتفاقاً سرياً قدمت بموجبه هي وفرنسا إلى روسيا مكافأة وهي اسطنبول لتكون منفذاً طالما حلمت به إلى البحر الأبيض المتوسط.

مارك ليفين (أستاذ مساعد في التاريخ المقارن -جامعة ساوثمبتون): كانت ستصبح منفذاً إلى العالم إلى البحر المتوسط، الأمر الذي دأبت بريطانيا وفرنسا على منع روسيا من تحقيقه، لذلك كان الاتفاق تحولاً كاملاً في المواقف، هنا توصل البريطانيون والفرنسيون والروس إلى اتفاق لم يكن من الممكن الوصول إليه حتى تلك اللحظة.

المعلق: ووعدت بريطانيا وفرنسا وروسيا ملك إيطاليا (فيتوريو إيمانويل) عبر اتفاق سري في إبريل من عام 1915 بأراضي شاسعة في الأناضول لحمله على النكوص بألمانيا والانضمام إلى الحلفاء.

مارك ليفين: هنا أيضاً دولة أخرى تدخل المعادلة، وتُقدم لها أراضٍ جديدة الأمر الذي كان يستحيل تصوره

المعلق: نجحت الرشوة وانضمت إيطاليا إلى الحلفاء معلنة الحرب على دول المركز في أغسطس 1915.

استراتيجية بريطانيا لإضعاف العدو عبر استهداف الإمبراطورية العثمانية تطلبت أيضاً أعمال تخريب فلجأت بريطانيا إلى استغلال الحركة القومية الجديدة التي كانت تجتاح الإمبراطورية لإضعافها أو تدميرها.

فريد هاليداي: القومية بمعنى الاعتقاد أن هناك شعوباً لها هوية حضارية واضحة، من حقها أن تكون مستقلة انتشرت في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من العالم في أواخر القرن التاسع عشر، وبهذا بدأت الحركة القومية التركية في الإمبراطورية العثمانية.

دعم بريطانيا للقومية العربية لتقسيم الدولة العثمانية

المعلق: تبلور هذا التوجه باستيلاء حزب تركيا الفتاة على السلطة بعد تدبير انقلاب عام 1908، وبدءوا بفرض لغتهم وثقافتهم على العرب، إلا أن هذا جعل العرب أكثر التصاقاً بتراثهم.

لقد قدم العرب قبل ألف عام علوم الشرق وأدبه إلى الغرب، وقد شمل دينهم الإسلام معظم آسيا وشمال إفريقيا، وجنوب غرب أوروبا، وبقيت فكرة استعادة تلك الأمجاد حية في وعي المفكرين العرب، ومع بداية الحرب العالمية الأولى ارتفعت وتيرة العداء بين العرب والأتراك.

فريد هاليداي: بينما كان الأتراك يقولون نريد إمبراطورية موحدة، كان العرب يقولون: مهلاً نحن لسنا جزءً من هذا، عند ذاك اتخذت عملية الإحياء الأدبي والقومي شكلاً سياسياً واضحاً، الأمر الذي أدت إلى نشوء القومية العربية.

يوسف شويري: توصلوا إلى نتيجة مفادها أن البقاء ضمن الإمبراطورية العثمانية لا يحقق آمالهم، فليس لهم مشاركة الأتراك في السلطة، وصاروا يفكرون في إنشاء دولتهم.

المعلق: بحلول صيف عام 1915 تأكد للمخابرات البريطانية أن حركة القومية العربية هي الاختراق التي تبحث عنه، فسارعت بريطانيا وفرنسا بإرسال مسؤولين لسماع القادة العرب.

يوسف شويري: صار الفرنسيون والبريطانيون يستميلون العديد من القادة العرب المحليين بأن قدموا وعود الاستقلال مقابل دعم الحلفاء، ورفض العثمانيين وقد مال إليهم عدد من القادة اعتقدوا أنهم سيحصلون على الاستقلال فعلاً فما المانع إذن من التحالف مع الأوروبيين ضد العثمانيين؟

المعلق: كانت الفكرة إغراء العرب بالثورة ضد السلطة العثمانية وهذا من شأنه إشغال دول المركز بالتطورات في منطقة الشرق الأوسط، ومن المفارقات العجيبة أن القوة الدافعة لمثل هذا التحول في الاهتمام لم تأتِ من لندن، ولكن من العالم العربي، كان الشريف حسين حاكم الحجاز عازماً على توسيع نطاق نفوذه السياسي والجغرافي، واعتقد إنه من الممكن تحقيق ذلك بمساعدة البريطانيين، أما فيما يتعلق بالبريطانيين فقد أعجبوا بأصول الشريف حسين العائلية وبكونه القيِّم على الأماكن الإسلامية المقدسة.

فريد هاليداي: يسمون أنفسهم هاشميين نسبة إلى عائلة النبي، كانوا هم بني هاشم، وقد كان الشريف حسين قائد الهاشميين، وكان الشخص القيِّم والأمين على مكة والمدينة، ورغم أنه عمل مع العثمانيين قبل الحرب العالمية الأولى، لكنه رأى في الحرب فرصة لتحقيق أهدافه.

المعلق: لقد كانت تلك فرصة للبريطانيين أيضاً الذين رأوا في دعمهم للشريف حسين وسيلة لتهديد سيطرة العثمانيين على الخلافة، القيادة السياسية للعالم الإسلامي.

يوسف شويري: كان البريطانيون يحاربون العثمانيين الذين يزعمون تمثيل الإسلام، فاحتاج البريطانيون إلى قوة مضادة، القوة المضادة تمثلت بالشريف حسين، لأنه من سلالة النبي، ولكن الشريف حسين يطمح في تحرير أرض العرب وإقامة دولة قومية، وأراد أن يصبح ملكاً على العرب، وليس فقط على الجزيرة العربية.

المعلق: في يوليو 1915 بعث الشريف حسين رسالة سرية إلى السير (هنري ماكمان) المندوب السامي البريطاني في القاهرة، يعرض فيها حشد قوات عربية كبيرة ضد العثمانيين في مقابل دعم البريطانيين لاستقلال العرب وفي المراسلات السرية اللاحقة أُفِهم الشريف حسين أنه يمكن أن يتوقع دعماً بريطانياً لتحقيق بعض طموحاته في حال هزيمة العثمانيين وضمت رسالة مؤرخة في السادس والعشرين من أكتوبر 1915 النقاط الرئيسية لهذا التفاهم.

مارك ليفين: الوثيقة غامضة جداً، والسؤال هو ما إذا كان الحسين يدرك ذلك، أشعر أن الحسين كان يعرف ذلك، أظن أنه كان يعرف، فهو إذن لم يُضلل وإنه كان يسعى للحصول على أكثر ما يمكن الحصول عليه، وكان يعرف أنه إذا أراد إنشاء إمبراطورية عربية فإنه يحتاج إلى تنمية لوجستية واقتصادية ولن يتحقق ذلك دون دعم خارجي.

اتفاقية سايكس بيكو

المعلق: مصدقاً للتطمينات البريطانية حشد الشريف حسين مع ابنيه فيصل وعبدالله قوات كبيرة، كان الجيش الجديد بقيادة الشاب فيصل صاحب الشخصية الجذابة الذي استحوذ على مشاعر الجماهير العربية الساعية إلى الاستقلال، وبينما كان الحسين وفيصل يقومان بحشد وتعبئة القوات العربية، كان البريطانيون يضعون ترتيبات للغدر بهم، في ربيع 1916 دارت في لندن مباحثات بين بريطانيا وفرنسا حول مستقبل الشرق الأوسط وعُقدت اجتماعات سرية بين السير (مارك سايكس) وزير الخارجية البريطاني، ونظيره الفرنسي (فرانسوا جورج بيكو) فقد كانت بريطانيا تدرك أهمية تقديم حصة للفرنسيين من مغانم الإمبراطورية العثمانية إذا ما انتصروا في الحرب.

السير مايكل وير (سفير بريطانيا الأسبق في مصر): كانت بريطانيا تدرك أن فرنسا قدمت تضحيات وإنه لا يمكن تجاهل طموحاتها، وإنها مصممة على الحصول على حصتها من أرض المشرق.

المعلق: درس سايكس وبيكو خريطة المشرق وقاما شخصياً بتحديد المناطق التي يرغبون بإخضاعها لسيطرتهم، فأفضت صفقتهما السرية إلى تقطيع أوصال فعلي للشرق الأوسط، المنطقة A للفرنسيين المنطقة B للبريطانيين، أراد الإمبرياليون ممارسة السلطة بشكل غير مباشر، سيقومون بتعيين المستشارين، ويتولون الشؤون المالية كل في مناطق نفوذه.

المنطقة الزرقاء ستخضع للسيطرة المباشرة للفرنسيين، وتضمنت ما كان يُعرف في حينه بسوريا الكبرى حيث كان للفرنسيين تقليدياً مصالح تجارية ودينية، أما المنطقة الوردية، والمعروفة للعرب بأرض العراق، بمرافئها الاستراتيجية وشبكات سككها الحديدية ونفطها فإنها ستكون تحت الحكم البريطاني، المنطقة الصفراء التي تمثل فلسطين فيفترض أن تكون منطقة دولية باستثناء مدينة حيفا.

يوسف شويري: ما أراد البريطانيون الحصول عليه هو نفط العراق، ومنفذ على البحر الأبيض المتوسط لنقل النفط، لذلك حصلوا على مدينة حيفا على الساحل الفلسطيني وكذلك على معظم العراق.

السير مايكل وير: كانت اتفاقية سايكس بيكو وثيقة مشينة تماماً، ولن أحاول الدفاع عنها، لكن الذين وضعوها كانوا يعملون بوحيهم من اعتبارات المفهوم القديم لتوازن القوى. وفي إطار فكري إمبريالي الطابع.

المعلق: غير مدركين لما يدور ما وراء بحورهم أعلن الحسين وفيصل الاستقلال، وهاجما الأتراك في يونيو من عام 1916، وبدأت الثورة العربية ضد العثمانيين. سرعان ما استولى الحسين وفيصل على حامية مكة وميناء جدة، وبحلول عام 1917 تقدموا شمالاً واشتبكوا مع القوات العثمانية على طول سكة حديد الحجاز.

رأى البريطانيون في الثورة العربية جزءاً من استراتيجيتهم لإشغال دول المركز عسكرياً.

شنت بريطانيا حملة انطلقت من الجنوب الغربي لإحكام سيطرتها على قناة السويس والمشرق، ومن الجنوب الشرقي كانت تقاتل لتضمن سيطرتها على آبار النفط العراقية، حدث كل ذلك لمهاجمة دول المركز في حلقتهم الأضعف الإمبراطورية العثمانية.

يوسف شويري: ربط العرب مصيرهم بالبريطانيين واعتبروا أنفسهم أنهم يحاربون إلى جانب الحلفاء، ولكنهم في نفس الوقت لم يدمجوا قواتهم بالجيش البريطاني، واستمروا بالعمل كجيش مستقل.

المعلق: وبينما كان الجيش العربي يتقدم شمالاً، عبر الجنرال (اللنبي) قناة السويس، وبحلول ربيع عام 1917 وصلت قواته إلى مشارف فلسطين.

لكن الحرب في أوروبا لم تكن تسير في مصلحة بريطانيا، ومحاولة اختراق الخطوط الألمانية في (...) لم تحقق إلا أقل المكاسب بأبهظ ثمن، في ذلك الوقت تغيرت القيادة في لندن.

وشعر رئيس الوزراء الجديد (لوي جورج) أن حرب الحلفاء تحتاج إلى قوة دافعة جديدة.

وبالرغم من أن أميركا ظلت محايدة إلا أن لوي جورج كان يؤمن بإمكانية تغيير ذلك متيقناً من أن هناك مجموعة قوية تملك التأثير في الحكومة الأميركية.

آفي شلايم: أعتقد لوي جورج أن القرار الأميركي حول دخول الحرب يعتمد على الرأي العام، وأن الدعم اليهودي يمكن أن يرجح هذه الكفة أم تلك.

المعلق: كان للعديد من اليهود المنتمين إلى النخبة الألمانية علاقات وثيقة مع وزارة الخارجية الألمانية، كما أن حركة قومية يهودية جديدة "الصهيونية" أقامت مقرها الرئيسي في برلين.

ومما جعل الصهيونية تلقى قبولاً هي كونها متطابقة مع التطلعات التاريخية اليهودية، تشتتوا في أقطار الأرض منذ تدمير الهيكل في القرن الأول الميلادي، كان الكثير من اليهود يتعلقون بفكرة العودة يوماً ما إلى ما يخبرهم به كتابهم المقدس به بأنه أرض الميعاد.

وقد كانت هناك أقلية يهودية صغيرة في فلسطين، ولكن حتى عندما راح بعض يهود أوروبا يقيمون مستعمرات منذ أواخر القرن التاسع عشر، فإن عدد اليهود لم يزد عن الـ8% من السكان عام 1914.

كان الزعيم الصهيوني في بريطانيا (حاييم وايزمان) يحشد الدعم للحصول على تأييد بريطاني للهجرة إلى فلسطين بمجرد هزيمة العثمانيين، ومع اقتناع (لوي جورج) بأن الصهيونية كانت حركة قومية أخرى لابد من كسبها لصالح الحلفاء، بدأت في مارس 1917 مباحثات مارك سايكس مع وايزمان.

مارك ليفين: هناك فكرة استحوذت على تفكير أشخاص مثل مارك سايكس، وهي أن اليهود كانوا فعلاً يهتمون بشؤونهم بعضهم البعض، ويرعون مصالحهم.

وإذا ما كانت هذه المصلحة هي ما يخبرنا به وايزمان، وأنهم يريدون فلسطين، فعلينا أن نعدهم بفلسطين.

المعلق: وإذا استمرت المفاوضات مع وايزمان على مدى الأشهر التالية تراجع موقف الحلفاء عسكرياً.

وأنهكت الغواصات الألمانية أسطول بريطانيا التجاري، ورغم دخول أميركا الحرب إلا أن الرئيس (ويدرو ويلسون) لم يكن يرغب في إرسال أعداد كبيرة من القوات.

وتوقفت محاولة بريطانيا في استمرار الضغط على الجبهة الغربية عند خنادق (باشنديل).. الموحلة، وأُزهِقت أرواح آلاف الشباب في حملة أخرى فاشلة، وتدنت معنويات الجنود.

لكن الخطر على الحلفاء جاء من الشرق، فقد كانت روسيا على حافة الانهيار.

دومينيك ليفين: بالرغم من أن انهيار روسيا يعني أن الألمان قد كسبوا الحرب العالمية الأولى ما لم تقتنع أميركا بالانضمام إلى الحلفاء فعلاً، لا يمكن هزم الألمان من دون مساعدة أميركية.

وعد بلفور بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين

المعلق: وفي أكتوبر تلقت الحكومة البريطانية تقريراً من مخابراتها يشير إلى أن لليهود تأثيراً مهماً في قيادة الحزب البلشفي الحركة الثورية التي فرضت سيطرتها في روسيا.

خشي لوي جورج أن يسحب الشيوعيون روسيا من الحرب، وإذا ظل الأميركيون يرفضون إرسال قوات كافية للقتال أدرك أنه حان الوقت للتحرك.

أصدر لوي جورج تعليماته لوزير خارجيته (آرثر بلفور) ليصدر تعهداً يأسر فيه قلوب وعقول الشعب اليهودي..

مقطع من وعد بلفور: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية.

المعلق: صدر وعد بلفور في الثاني من نوفمبر 1917 بينما كانت القوات البريطانية تحتل فلسطين.

آفي شلايم: يجب أن لا يفهم وعد بلفور كبادرة مثالية، ولكن يجب أن يفهم في إطار سياسة بريطانيا الإمبريالية، وأن لوي جورج كان المحرض الرئيسي وراء ذلك الوعد ظانا أن ذلك سيخدم مصالح بريطانيا.

المعلق: كانت هذه المرة الأولى التي تقوم بها دولة أوروبية عظمى بتقديم تأييد رسمي للهدف الصهيوني بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود، لكن الشريف حسين ظل يعتقد أن فلسطين جزء من الوعد الذي قُطِع له لتحقيق استقلال العرب، وفي محاولة لاستباق غضب العرب من إقامة وطن قومي لليهود في منطقة عربية في الغالب نص وعد بلفور كذلك على: "لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية للجالية غير اليهودية في فلسطين"، لكن الوعد بدا وكأنه تأييد بريطاني لهجرة اليهود إلى فلسطين.

يوسف شويري: لم يكن هناك أكثر من 80 ألف يهودي بين 700 ألف فلسطيني، والإشارة إلى السكان الأصليين على أنهم جالية غير يهودية يُعرِّف فلسطين حتى في تلك المرحلة كأرض يهودية، وأن جميع السكان الآخرين ليس لهم هوية محددة، بل مجرد غير يهود.

آفي شلايم: وعد بلفور لم يكن أكثر مما ورد فيه مجرد وعد، لم يكن معاهدة ولا اتفاقية موقعة، كان إعلان تأييد لإقامة وطن لليهود في فلسطين.

المعلق: في الواقع المعاهدة الوحيدة التي أبرمتها بريطانيا حول فلسطين كانت مع الفرنسيين معاهدة سايكس- بيكو. في السابع من نوفمبر، وبعد أيام من وعد بلفور سيطر البلاشفة على روسيا وكان (لوي جورج) يأمل بأن يحقق الوعد المرجو منه، استرضاء اليهود في القيادة الجديدة.

مارك ليفين: المفترض أن كل يهودي يريد فلسطين، لكن هذا الطرح غير منطقي تماماً، إنه طرح عبثي، لأن أشخاصاً بالذات مثل (تروتسكي) و(زينوفيتا) أو (جافي) وهم من أبرز القادة اليهود في الثورة الأوروبية كانوا جميعاً وبطبيعة الحال عالميين.

آفي شلايم: كان هناك بين 15 و20 يهودياً في القيادة البلشفية، معظمهم يعادي الصهيونية، وبعد أن تسلموا السلطة أصدروا بياناً يقولون فيه إن الصهيونية مؤامرة رأسمالية، وفكرة رأسمالية.

المعلق: وقد أدى تقرير الاستخبارات الخاطئ الذي اعتمد عليه (لوي جورج) إلى مضاعفات خطيرة لبريطانيا، خلال أسابيع فعلت القيادة الروسية الجديدة عكس ما توقعه تماماً، لم ينسحبوا من الحرب وحسب، ولكنهم فتحوا أرشيف وزارة الخارجية ونشروا المعاهدات السرية، وهي المعاهدات التي وضعتها بريطانيا مع حلفائها لتقسيم الإمبراطورية العثمانية، وكانت روسيا مطلعة عليها ومتواطئة معها.

دومينيك ليفين: كان أمراً محرجاً للحلفاء الغربيين. فهم قد وقعوا مختلف الصفقات خلف الكواليس، تقاسموا بموجبها معظم العالم، بينما كانوا يعلنون على الملأ دفاعهم عن الديمقراطية، وبينما كانوا يقولون للعرب إنهم يناصرون حق تقرير المصير.

فريد هاليداي: عندما نشر البلاشفة المعاهدات السرية ثارت الشكوك في العالم العربي، وصار الشريف حسين وآخرون يقولون: ما الذي يحدث؟ لماذا لا تمنحونا الاستقلال؟ ولماذا تقومون بتقسيمنا إلى مناطق (أ) و(ب)؟ في هذه المرحلة أدرك العرب طبعاً أن البريطانيون لم يسعوا لتحقيق مصالحهم الخاصة، مثل الاستيلاء على مرافئ في فلسطين أو في العراق وحسب، ولكنهم قطعوا وعوداً لإعطاء مناطق أخرى للفرنسيين أيضاً.

المعلق: وسط ارتباك العرب وشكوكهم دخل الجنرال (اللنبي) القدس مترجلاً برفقة سايكس وبيكو وأحكم البريطانيون السيطرة على المدينة المقدسة في شهر ديسمبر عام 1917، ولكن أيٌّ من قادة الثورة العربية لم يشارك في هذه المناسبة وخوفاً من خيبة أمل الحسين وفيصل بعثت الحكومة البريطانية تأكيداً مجدداً بالتزامها باستقلال العرب: "سيعطي الشعب العربي فرصة كاملة ليقيم من جديد أمة في العالم لا يتحقق ذلك إلا باتحاد العرب أنفسهم، وأن بريطانيا العظمى وحلفاءها سينتهجون سياسة تأخذ بعين الاعتبار هذه الوحدة المنشودة".

بقي الحسين على ولائه للحلفاء، وظل متقبلاً وعد بريطانيا باستقلال العرب، ولكنه تحدث حول تسوية حسابات بعد الحرب.

أما اللنبي فإنه استمر يعتمد على دعم العرب في الحرب ضد العثمانيين ولكن بعد احتلال بريطانيا القدس انتهز أحد الأطراف الفرصة.

في شهر أبريل 1918 سافر (حاييم وايزمان) والمفوضية الصهيونية العالمية إلى فلسطين لوضع حجر الأساس لجامعة عبرية آملين تصبح المركز الفكري للحركة الصهيونية، إلا أن زيارة وايزمان أشاعت القلق والسخط في أوساط العرب وعندما اجتمع الجنرال اللنبي بوايزمان وكبير الحاخامات في القدس بدت بريطانيا وكأنها تستعد للوفاء بوفد بلفور. وبعد ستة أشهر دخلت قوات اللنبي دمشق بالتحالف مع الجيش الشمالي بقيادة فيصل هزموا القوات العثمانية شمالاً عبر فلسطين إلى سوريا

يوسف شويري: ساهمت الثورة العربية فعلاً في انتصار الحلفاء، أولاً قامت بحماية الجناح البريطاني في فلسطين.

ثانياً: أشغلت عدداً كبيراً من الجنود الأتراك والألمان.

ثالثاً: لم يكن لبريطانيا أن تضفي صفة الشرعية على تحركها دون مباركة من قوة عربية ما.

المعلق: في الثالث من أكتوبر احتشد أهالي دمشق للمشاركة في عرض عسكري بمناسبة انتصار فيصل، الذي أدرك أنه إذا أراد السلطة، فعليه تأكيد حضوره لينظر إليه الشعب العربي على أنه محرره، وفي وقت لاحق من ذلك اليوم التقى فيصل بالجنرال اللنبي في فندق فيكتوريا بدمشق، وحذره اللبني أن حكمه في سوريا قد يكون محدوداً.

يوسف شويري: كان البريطانيون في ذلك الوقت يعرفون أنهم سيسلمون سوريا إلى الفرنسيين، وبالتالي ليس بوسعهم قبول فيصل حاكماً شرعياً، كل ما كانوا قادرين على فعله هو دفع راتبه ومصاريف جيشه وإدارته.

المعلق: لم يكترث فيصل لتحذيرات اللنبي واتخذ لنفسه لقب حاكم دمشق، وبدعم من والده باشر بترسيخ أركان حكمه لتحقيق هدفهما المشترك بإقامة دولة عربية مستقلة.

في الحادي والثلاثين من أكتوبر أعلنت هزيمة العثمانيين في الحرب، وفي الساعة الحادية عشر من الحادي عشر من نوفمبر من عام 1918 سكتت المدافع في أوروبا مؤرِّخة نهاية الحرب، في يناير 1919 بدأ مؤتمر السلام في فرساي، واجتمع ممثلون عن الحلفاء المنتصرين مثل رئيس الوزراء الفرنسي (كيلمان سون) والرئيس الأميركي (ويدرو ويلسون) ليقرروا ما سيحل بالأراضي التي كانت تحت حكم الإمبراطورية المهزومة، حان وقت ترتيب الأولويات فيما يتعلق بالوعود السخية التي أغدقها لوي جورج وبلفورد.

د.كريستوفر كوكر: من المؤكد أنهم قطعوا وعوداً للعرب، ولكنهم أيضاً قطعوا وعوداً لليهود والفرنسيين والروس وغيرهم كثير، كانوا ينظرون إلى العالم نظرة إمبريالية، فهم لم يسعوا إلى تقطيع أوصال منطقة الشرق الأوسط وحسب، ولكنهم أرادوا تقطيع أوصال روسيا أيضاً، رأوا في ذلك الفرصة التاريخية الأخيرة التي تستطيع فيها الدول الإمبريالية تقاسم الأسلاب والغنائم.

المعلق: ولكن بريطانيا وحليفتها فرنسا اصطدمتا برؤية الرئيس الأميركي (ويدرو ويلسون) لنظام عالمي جديد يؤيد حق الشعوب في تقرير مصيرها.

يوسف شويري: حالما بدا الاستقلال باحتمال وارد وحق تقرير المصير الذي تدعمه أميركا سيمنح لكل من سيتحرر من سيطرة الإمبراطوريات السابقة مثل النمساوية الهنجارية والعثمانية، كان كل ما يطمح إليه الفلسطينيون هو إقامة دولة مستقلة.

المعلق: حضر فيصل من دمشق ليدافع عن القضية العربية، ولكن مستقبل فلسطين والشرق الأوسط كان جزءاً من تعهد بريطانيا لفرنسا بموجب اتفاقية سايكس بيكو، أمام الأمر الواقع، أُقْفِلَت مبادئ (ويدرو ويلسون) حول تقرير المصير لشعوب الشرق الأوسط، وأطلقت أيادي بريطانيا وفرنسا لتنفيذ ما اتفقتا عليه.

ولكن ماذا عما وعدت به بريطانيا اليهود؟ بمذكرة سرية خلال محادثات مؤتمر فرساي مع الأميركيين والفرنسيين والإيطاليين، كتب وزير الخارجية البريطاني: "الدول الأربع العظمى ملتزمة بالصهيونية، فالصهيونية بغض النظر عن صوابها أم خطئها ذات جذور ضاربة في تقاليد الماضي، واحتياجات الحاضر وآمال المستقبل، وهي أهم كثيراً من رغبات 700 ألف عربي يسكنون الآن تلك الأرض القديمة".

قد يبدو هذا تعاطفاً صادقاً مع الصهيونية، ولكن مذكرة ما بعد الحرب تفصح عن إضمار سوء نية.

"أما عن فلسطين فإن الحلفاء لم يصرحوا بشيء ما لم يكونوا يزمعون عدم الإيفاء به على الأقل حرفياً".

اختُتم مؤتمر فرساي في 28 من يوليو 1919 بإعلان قيام عصبة الأمم أول مؤسسة عالمية للسلام والأمن، ونصَّ ميثاقها وضع الأراضي العربية وغيرها من الأراضي التي انسحبت منها الإمبراطورية العثمانية تحت الانتداب، مما يعني في حقيقة الأمر، إن بريطانيا وفرنسا منحتا السلطة لفرض حكميهما على الأراضي العربية.

في الحادي والعشرين من نوفمبر 1919 وصل (فرانسوا جورج بيكو) مهندس اتفاقية سايكس بيكو والجنرال الفرنسي (جورو) إلى بيروت، وشرعا بفرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان.

راحت القوات البريطانية التي احتلت المنطقة منذ إخراج العثمانيين في أخريات شهور الحرب تسلم مقاليد السلطة للفرنسيين إيفاءً بوعود بريطانيا إبان الحرب.

مرت على حكم فيصل في دمشق 16 شهراً عزز فيها موقعه، وعندما نودي به ملكاً من قِبل البرلمان الوطني السوري، أرسل الجنرال جورو قواته إلى دمشق.

في السابع من أغسطس 1920 أُطِيحَ بفيصل واضطر أن يلجأ إلى فلسطين، أما الوعود للشريف حسين وفيصل بدولة مستقلة موحدة واحدة فقد أصبحت بالنسبة للأوروبيين مجرد ذكرى باهتة.

فريد هاليداي: مسألة مناطق النفوذ برمتها تعني إذا ما بدا للوهلة الأولى استعداداً لتقبل دولة عربية واحدة، قد جرى تمييعه إلى حد خطير، كما أن حقيقة وجود منطقة فرنسية وأخرى بريطانية إنما كان يعني في الواقع أن الأمر ينطوي على بذور التقسيم، لذلك فإن الشعوب حُرِمت الاستقلال وحُرِمت من الوحدة أيضاً.

المعلق: الحدود وحكومات الدول الشرق أوسطية التي برزت تحمل بصمة اتفاقية سايكس بيكو لا تخطئها العين، فالجزء الفرنسي مما كان في السابق سوريا الكبرى أصبح انتداباً على لبنان وسوريا، أما الجزء الآخر فقد أصبح انتداباً بريطانياً على شرقي الأردن وفلسطين، وفي الشرق آلت بلاد الرافدين وفيها حقول نفط الموصل إلى الانتداب البريطاني.

يوسف شويري: خطورة اتفاق سايكس بيكو هي تقسيم ما يعرف بالهلال الخصيب إلى سوريا والعراق، ومنح بريطانيا فرصة التحكم في نفط المنطقة واستغلاله في المستقبل

المعلق: لكن الشعب العراقي رفض الحكم البريطاني لحين تنصيب فيصل ملكاً في يوليو 1921، وكانت بريطانيا تأمل في أنَّ السلطة المحدودة التي أوكلتها إليه ستهدِّئ العرب، إلاَّ أنَّ الشريف حسين كان يتوقع من بريطانيا ما هو أكثر من ذلك بكثير.

يوسف شويري: لم ينسَ أبداً أن بريطانيا وعدته بالاستقلال ليس في الجزيرة العربية وحسب، بل في سوريا والعراق أيضاً، وكان يصر على الإيفاء بالوعد.

مسؤولية بريطانيا عن الصراع العربي الإسرائيلي

المعلق: وفي القدس أسست بريطانيا إدارتها في ربيع عام 1920 ولم تكن هناك خطة للتخلي عن السلطة في فلسطين.

فلسطين أرض تقدسها الديانات الثلاث، وكان اليهود أقلية صغيرة، عاشت بانسجام مع المسيحيين والمسلمين الذين كانوا يشكلون غالبية الفلسطينيين لمئات السنين.

لكنَّ وعد بلفور صار جزءاً من الانتداب البريطاني بموجب معاهدة فرساي، وهكذا فتحت أبواب فلسطين أمام هجرة يهودية أوروبية جديدة.

وسط المهرجانات والمظاهرات دعماً للنشاطات الصهيونية، بدا وكأن البريطانيين مقدمون على الوفاء بتعهداتهم لليهود، وعازمون على تجاهل الآمال الفلسطينية.

آفي شلايم: للعرب قضية قوية ومحامون بائسون، وللصهاينة قضية ليست بصلابة وتماسك قضية العرب لكنَّ محاميهم لامعون، الصهيونية هي إحدى أعظم قصص النجاح في الدعاية والعلاقات العامة في القرن العشرين، ولقد جسَّد حاييم وايزمان كل المهارات اليهودية في المحاماة والمرافعة والإقناع.

المعلق: تجلت هذه المهارات عندما ساعد وايزمان وجماعات صهيونية عديدة في تمويل شراء الأراضي وفي بناء المستوطنات لليهود المهاجرين، بينما راحوا ينشئون المنظمات السياسية والأمنية لدعم الدولة اليهودية المقبلة.

وتأجج غضب العرب في فلسطين.

يوسف شويري: لم يستطع الفلسطينيون أبداً قبول فكرة تقسيم بلدهم أو منحه لأناس لا شأن لهم بالشرق الأوسط أصلاً، أغلبهم من الأوروبيين، لذا فإنه بالنسبة إليهم كان يبدو عبثياً أن يرغم ما بين 600 إلى 700 ألف إنسان على التخلي عن أرضهم ومنازلهم وقراهم ومدنهم ويتنازلون عنها لأقلية مبعثرة في أنحاء فلسطين، وفلسطين تحمل اسم شعبها الفلسطيني.

المعلق: في عام 1925 زار بلفور المستوطنات اليهودية الجديدة في فلسطين، فرحبوا به كبطل صهيوني، لكن هجرة يهود أوروبا جاءت بعواقب لم تكن في حسبان بريطانيا.

آفي شلايم: وعد بلفور كان أحد أفدح الأخطاء في تاريخ بريطانيا الإمبريالي، لقد ألزم هذا الوعد بريطانيا بدعم القومية اليهودية في فلسطين، بينما لم تجن منه بريطانيا أية منافع مباشرة.

المعلق: وفي الثلاثينيات والأربعينيات سنوات الاضطهاد النازي تزايدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، لكن ما رآه العرب احتلالاً أجنبياً ورآه اليهود إحقاقاً لحق تاريخي أدى إلى اندلاع العنف، فاستجابت بريطانيا للحد من هجرة اليهود، وهذا حفَّز العنف اليهودي، بموجب هذه التطورات تخلت بريطانيا عن انتدابها وقامت دولة إسرائيل عام 48، وإذ اندلعت الحرب الأولى من سلسلة الحروب بين الدولة الجديدة وجيرانها العرب، أُجِبر آلاف الفلسطينيين على النزوح عن وطنهم، وهكذا زرعت استراتيجية بريطانيا للنصر في الحرب العالمية الأولى بذور صراع مستمر بين العرب واليهود.

آفي شلايم: إن أخطر عواقب السياسة البريطانية خلال الحرب، هو تشجيع الحركتين القوميتين العربية واليهودية، في أعقاب الحرب العالمية الأولى ظلت بريطانيا تتحمل تركة من ازدواجية المعايير والخيانة، سيلاحقها شبحها لأمد طويل جداً.

مارك ليفين: مؤكد أن لها دوراً في تقسيم العالم العربي وفي السماح لإقامة دولة إسرائيل وإحباط الآمال العربية، ولكن من الخطأ استخدام سايكس بيكو وكل ما حصل في الحرب العالمية الأولى لتبرير مشاكل الشرق الأوسط الحالية، أنا أوافق على أن جذور ما نراه اليوم انبثقت من سياسة الخداع التي اتسمت بها الحرب العالمية الأولى، ونبعت من خيبات الأمل والإحباط الذي شهدته تلك الحقبة.