مقدم الحلقة:

متغير

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

24/10/2002

جانب من آثار المجزرة التي قامت بها إسرائيل في مخيم جنين
إننا نرفض أن نتلاشى في ظلام الليل

لن نموت بدون قتال

سنكمل الحياة

سنبقى على قيد الحياة

المعلق: من نيسان عام 48 إلى نيسان عام 2002 ما بين قرية دير ياسين ومخيم جنين دم يراق في كل حين. وما بين الوطن والمنفى مسافة أقصر من مرمى حجر وأطول كثيراً من سنيِّ العذاب المرير. اللجوء هنا له طعم آخر، مذاقه الحرمان والأشواق المسافرة إلى الأرض الأم مسقط الرأس الساكنة في القلب على مقربة من خطو القدم، هناك خلف الحواجز والحدود. للقسوة هنا أحاديث وللموت حكايات، ولأهل هذه الأرض الصبر واليقين، ولكل اللاجئين آمال مكللة بالذكرى متوجة بالحنين، هنا الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، هنا فلسطين.

ابتسام أحمد حماد: .. ها البنت بعملية وروحت روحت أول يوم جم بنفس الليل اجتاحونا.

ممرضة: فين إصابته؟ احكي لي بالضبط فين إصابته، الإصابة موجودة حالياً في الساحة عند دار أبو العبيد عند مصنع الطوب، الإصابة خطيرة جداً.

هيثم: الموقع مش سهل الدخول، لأن فيه جيش كثير وفيه دبابات كثيرة كثيرة فالمفروض إنه هسه نتفتش أول أشي وبعدين ندخل.

ممرضة: حاول يا هيثم بأي طريقة.

هيثم: علم

أحمد حماد: وقعدت برضو ها الدورية هاي وقاعد قبالهم.

المعلق: عائلة الحاج أحمد حماد هكذا أقبلت حفيدتهم الجديدة كي تشهد القصة فترويها بكل جلاء.

أسماء طه: أول إشي هدوا الطابقين الفواقه كان.. وإحنا قاعدين تحت وكنا مش مستجرين نفتح ونطلع، الليل ليل والنهار ليل.

ابتسام أحمد حماد: بس بنت صغيرة هاي ما.. لأن بلا أكل وبلا شرب ما أعرفش أرضعها صرت أبل تمها بس بل بالمية.

المعلقة: تقوى، في عيونها ألم المخيم الصابر على البلاء، في سكونها شموخ جنين في عطاء الأنواء.

طفل1: فكان إحنا نقعد يعني الواحدة صغيرة تطلب اشي نقول لها: طيب بكره نجيب لك إياه، أختي مرضت صار عندها سخونة وطحونتها ورمت ما كناش نطعمها إلا نحط لها (ميرامية) نحط عليها ملح ومي.

شاب1: بصراحة أنا بقيت أفكر إنه ما ظلش في المخيم طيب إلا أنا، قلت انقتل المخيم كله يعني على كمية الصواريخ اللي انضربت، على كمية القذائف اللي نزلت، لما صار الضرب علينا قلت خلاص خلص المخيم من تحت وايجي الدور علينا هسه أياد، كل ما ينزل صاروخ أقول هذا علينا جاي.

أحمد حماد: بعدما هدوا الدار علي يعني هتطلع.. قالوا.. فكانوا ولادي الاثنين في قلب الدار، قالوا: إحنا بدناش تطلع من الدار، بدنا نموت نستشهد بقلب الدار.

سيدة 1: زرنا 3 سهل لقينا الدبابات قدامنا. قعدنا عنهم مبعدين مثل هون وأول الشارع قالوا يللا كل ما أنا واحدة واحدة ييجي.

ابتسام أحمد حماد: هاي البنت أنا حاملها وملفلفة عشان بعد أيام، ما أمنوش إلها صاروا كله يكشفوا عنها ليكون ملغوم، هم من فوق الـ 20 دبابة معاهم كله تطاح تحت (....) الدبابات.

المعلق: كيلو متر مربع واحد أنشئ عام 1953 يسكنه حوالي 14 ألف لاجئ فلسطيني تعود أصول معظمهم إلى مناطق حيفا وبيسان، فجر الخامس من نيسان عام 2002 سطع النجم، مخيم جنين ومن حيث انتهى الاحتلال نبدأ.

سيدة 2: فضلت أنادي، طلع علي جندي قال لي: أيش بك؟ قلت له: ابني معاق لا بياكل ولا بيشرب ولا بيحكي ولا بيقدر يمشي ولا بيروح ولا بييجي، أنا اللي بأحفظه وأنا بأطعمه وبأسقيه أكله. خليني أروح أجيبه، قال: ممنوع تجيبيه!!

المعلق: 38 عاماً من العجز الكامل لم تكن لتشفع لجمال الفايد، جمال وعمره البريء دفن هنا ضمن أهداف عملية السور الواقي.

جندي إسرائيلي: عندما رفض الإرهابيون الاستسلام لم يكن لدينا خيار آخر قمنا بهدم المنازل.

محمود الفايد
محمود الفايد: هادولا بيقولوا عن العالم العربي دول شر، وعن دول العالم كلها عندهم دول شر، هم الأشرار، هم اللي بيضربوا في الناس في بلادهم، في دورهم، دايرين يوم فلان يوم الدولة الفلانية ويوم الدولة الفلاني بيعددوا في الدول في الدور.

المعلق: تحت عنوان "عملت لهم استاداً رياضياً وسط المخيم" وفي الحادي والثلاثين من آيار عام 2002 نشرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية مقابلة مع أحد سائقي الجرافات الإسرائيلية، جاء فيها:

سائق جرافة: الحقيقة أنني لم أعرف كيف أشغل الجرافات 9 D لم أستخدمها أبداً في حياتي، ولكنني توسلت لهم أن يمنحوني الفرصة لأتعلم ذلك، ثلاثة أيام وأنا أمحو أمحو لم أنتظر، لم أوجه ضربة تحذير وأنتظر خروجهم، كنت أوجه للمنزل ضربة قوية من أجل أن يسقط بالسرعة الممكنة، إذا دمرت منزلاً فإنك تدفن 40 أو 50 شخصاً لأجيال، وإذا كنت أتألم من شيء فإنني أتألم لأننا لم نشطب كل المخيم.

صبحية أبو خليفة: هذا المطبخ هيه مردوم على اللي فيه بأساسه بحاله بخزاينه كله راح، هاي غرفة الضيوف وهاي مدخل الدار، هاي غرفة النوم.. هاي الصالون، فيه ورا باب ثاني لابني برضو دار ابني عريس متجوز ولسه له محبوس ابن 6 سنين لسه حتى ما تم 6 سنين وكاتبة أنا لأولادي 2 بدي أجوزهم اللي بده يطلع من السجن أخرى واحد وبرضو دارهم راحت ردم يعني الدار كلايتها راحت وربنا بيعوض أحسن من الجميع.

المعلق: هُدم نحو 800 مسكن، حُرم أكثر من خمسة آلاف لاجئ من مأواهم المتواضع، عادوا من جديد للتشريد والعناء.

صبحية أو خليفة: والله ما هم صرامينا يا إما أنا بأقول لك بصراحة والله ما هم صرامينا، الدار مش أحسن من ولادي ولا من الشباب اللي راحت، ع اليوم راح المخيم كله هذه ويظلوا الشباب.

سيدة : جمال هون مطرح.. ما كانت الغرفة، مثل.. بقت دار عمه وطلعنا وحطناه وطلعت لك رجعوني به.

قسماً بالله قديش بقيت في السعودية ما قدرت أروح أحج، وأقول والله ما بأحج وجمال موجود بقد هنا خدمة جمال هنا.. إن شاء الله لا ما بيضعنا من أجله.

تيري لارسن (مبعوث الأمم المتحدة): أعتقد أن جميع وقود الأمم المتحدة قد صدمت، ما حدث هنا مروع ولا يمكن تصوره، كما يبدو فكأن زلزالاً قد ضرب المنطقة، رائحة الموت تنتشر في كل مكان.

سيدة: شو يعني الأم لما بتشوف ابنها طيب وبينطن شو.. شو شعورها، وقبلها بشهر راح لي ولد، شو يعني بدي شعور أنا، والله العظيم مليح إن بي العقل. إحنا بنناشد الدول العربية يفزعوا لنا ما يتفرجوش علينا بالتليفزيونات، إحنا لابد أواعي ولا بدنا مصاري ولا بدنا تموين إحنا بدنا وقفة معنا.

المعلق: الفلسطينيون قالوا: إنهم عاشوا دير ياسين جديدة، الإسرائيليون يقولون: إنهم أكثر جيوش العالم انضباطاً وإنسانية، الحكمة تقول: إن ما حدث أول مرة يحدث دائماً.

روند عبد الناصر: الصور بتحكي عبارات بتعجز عنها الكلمات وبتظل الصور محفورة بالذاكرة.. صاروا يكسروا بالباب، قام عبد الناصر راح يفتح لهم بعد ما يخاف يطخوه.

سيد عبد الناصر: وبعدين جينا لقينا أبوي مرمى هون مطخوخ براسه وبصدره هون، هيك رصاص بصدره.

زوجة الشهيد: أما إحنا شردنا خلعوا الشباب علينا الشباك شردنا.

محمود عبد الناصر: قعدت أنادي يابا.. يابا ما ردش علي يعني بقى ساعتها مستشهد.

: كنا نشرد من دار لدار والصواريخ فوق رؤوسنا، يجي حوالي 4، 5 دور وإحنا نشهد داكينها بغارة..

والدة الشهيد: الغارة.. يعني كلنا بيجي 30 نفر وإحنا كنا كائن بحالنا هيك، أناوله يطلع يجيب لنا أكل يعني بيستجري يطلع، مفيش حدا.

محمود عبد الناصر: كان أخرى موديين أكل للناس اللي بالمغارة وكان نودي إلهم بس ما قدرناش نودي إلهم، بقت قناص أخرى على دار.. دار الأمير، صارت تطخ علينا هربنا.

المعلق: أحد جنود الاحتياط الإسرائيليين الذي شاركوا في اجتياح مخيم جنين قال: تلقينا الأوامر بإطلاق النار على كل نافذة وكل بيت في المخيم سواء أطلقت منه النار أم لم تطلق، قيل لنا بوضوح حطموهم، إننا لم نمنحهم أي فرصة للخروج من المخيم، لقد قمنا بإبادة مدنية.

والدة الشهيد: بدهم البلاد، بدهم البلاد، بدهم يطرونا، بدهم وطن وبدهم هذا ومش حداً بيساوي عليهم، لو بيه حدا مساومهم بيسووا شيء، لو أنه به ناس عرب وبإسلام اللي تمشي مع الهذا بيقاوموهم بس مفيش حدا.

زوجة طلال توفيق: بختيار طالع يجيب شربة ميه لطفل بين 8 شهور وين صارت هايدي، أي دولة من.. من.. بالعالم كله وين صارت.

طلال توفيق: طلعت وحتى أجيب لهم وإياها وهي بأيدي ما شفت الجندي إلا سككني هون

: خدوني أنا وأخوي حطوني.. قدام قلت مشاه، فاتوا بينا على المخيم، فاتوا على الدار قالوا لي فوت افتح الباب، فتت صوت ولاد صغار وأطفال ونسوان بالدار، المهم جيت بدي أفتح الباب مسكر، هسه دقيت صار النسوان يصيحوا.

المعلق: في بيت من؟

خالد: في بيت هذا.. فلما النسوان صاروا يصيحوا قاموا كله شوطخ نمت على الأرض أنا، كلهم مسلحين مسلحين قلت له.. صرت أصيح أطفال.. أطفال.. ولادنا.. ولاد صغار أطفال.

المعلق: تساؤل ملح ليس بحاجة إلى جواب، غريب بما يكفي لكي يمتحن إنسانيتنا ويغمرنا بالعجز، هل يمكن أن يفعل أحد من البشر بالبشر ما حدث هنا؟!

عبد الله الوشاحي: كان متطوع يدرس.. يأخذ دروس خصوصية عندنا بروضة العودة للأطفال الصغار.

المعلق: ربما افتقد هؤلاء الأطفال معلمهم منير الوشاحي كما افتقدته سجلات الأوائل في اختبارات الثانوية العامة. كان الأول في كل شيء حتى في الشهادة. أصيب وهو يحاول أن يعيق حركة إحدى الدبابات، فطلب من أخيه أن يعطي حقيبته الشخصية لأمه ذكرى، استشهد ولم تعرف الأم، قبل أن تصلها الهدية الغالية وبعد يوم فقط أبت إلا أن تلحق به.

طفل: كانت نايمة والصبح صحيت تطلعت للصبح هسه ما يطلع بدها تشوف وين الجيش عشان بدها تطلع.

عبد الله الوشاحي: هسه بقت عاجنة بدها تخبز، فتحت الشباك بدها تشوف إذا فيه جيش بره، وقفت هون بتطل ضربوا قذيفة عدت طبعاً براسها وبصدرها، بس طبعاً صار غبرة بجنب الدار.

طفل: فيه دخنة ما عرفتش أشوف أمي إياها، سألت أبوي قلت له: أمي، قال ما شوفناش شيء، بقت نايمة هون على العجين.

عبد الله الوشاحي: أخذت سيارة الإسعاف وقفت بقريب طبعاً من.. وما خلاهاش الجيش تيجي يعني صار يقولوا لهم: إنه هون فيه مصاب بأشي ما خلوهاش رجعوا وصاروا يطخوا عليها.

طفل: أنها رفعت رأسها وأبوي لف.. لف راسها بشاش.

عبد الله الوشاحي: فشوا غلهم بالناس المدنية لانهم، ما قدروش يوصلوا للمقاومين بالضبط وفشوا غلهم بالناس المدنية.

طفل: وجيت أنا (...) هذ تشد على أيدي وتكرر كنا عندها، جيت أنا نمت بحدها وهذا. نمت بحدها وهذا، نمت بحدها وصارت تنادي هي على أخوي اللي استشهد يعني صارت تعيد عادتها.

المعلق: 48 ساعة وهي تنزف دماً ورغبة برؤية منير، كلاهما لم يتمكن من لقاء الآخر ووداعه في الدنيا، ربما تمكنا في مكان آخر.

عبد الله الوشاحي: وقفنا هون عند الجيش طبعاً بعد ما شلحونا وعيونا وربطونا واللي هو صارت جامعة هسه أنا دريت أن على الدار يعني أساسها كله من هنا.. و أن منير استشهد طلع أبوي أخوي الصغير صاروا يصيحوا ويقولوا فيه مرة صار له 3 أيام من يوم السبت. أسأل أخوي الصغير مين يقول لك قولي لأمي.

طفل: أنا ما بقيتش أصلاً اشي إلا منها هي بقت تحبني كتير، بقى أخوي لؤي ومنير كل ما يضربوني.. تصير تدافع عني ما تخليهم.. تخليهمش يضربوني.

المعلق: هالة جبر طالبة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، مع انطلاقة انتفاضة الأقصى وبالتحديد في يوم عيد ميلادها في الثلاثين من سبتمبر من العام 2000 تطوعت للعمل في الهلال الأحمر الفلسطيني. قبل الاجتياح السابع لمدينة ومخيم جنين اتصل بها شقيقها جابر قائلاً لها هالة روِّحي، اشتقنا لك.

هالة جبر: سحبت حالي وجيت هون مباشرة لقيتهم صاروا حاطين عليه جزء كبير، كان فيه فوقية 3 متر من الردم. كان شبه عندي أكيد إنه هذا جابر مش حد تاني، وقف واحد هون عندي على هذه الكومة إذ هو بيقول لي هذا مجدي ما اسموش جابر، قلت له: ياخي متأكد إنه مجدي؟ قال لي: واثق.كانت أمنيتي فعلاً إني أطول جابر حتى لو كان ميت. بلشنا نحفر عليه أكثر كانوا الشباب بدهم يسحبوا الفرشة من تحتية، قلت لهم لا، أنا مستعدة أقعد عليه من هلا لبكرة زي هيك بس إني أطوله كامل. حطيناه على النقالة وأخذناه بسيارة الإسعاف كنت كل شوية أفتح عليه أطلع على رجليه ما فيه عندي شك إنه مش جابر هيكون، ايجي أخي الصغير على المستشفى إحنا كلايتنا ساعتها وصلت سيارة الإسعاف، سيارات الإسعاف كانت لما تجيب شهداء كان يدب عليها دببان، هذه السيارة ما كانش مستجري يقرب عليها، قربت عليه مديت أيدي على جيبته هذا طلعت هيك الصورة، أول ما ظهرت عندي (..) مع جية أخوي الصغير محمد عليَّ اللي هو بيقول لي: هالة شو اللي سمعته؟ قلت له: جابر.. هدِّي أعصابك.. بدناش أكثر من هيك.

صراحة الدموع مش هي الحزن، الحزن إنك تقدر تمنع دمعتك ما تنزلش قدام حدا، عشان هذا الحدا. كان جابر إنسان جدا شيك.. إله الصبح لبسه للشغل، لما يروح على الدار إله لبسه، لما يجي يطلع المسا إله لبسه غير أواعي النوم، كان يقول لي حتى هتعيشي و هتموتي ما تعرفيش شو هية الشياكة كان مقرر إنه يخطب بعد 6 شهور ما كانش بس نلاقي حد، كنت أقول له: مين هي هذه اللي بدها ترضى في إنسان زيك شايف حاله دائماً؟ كان يقول لي: اللي مش عاجبها بلاش مش ضروري.

المعلق: الشهيد الذي يعانق هذه الأرض لا يحضنه ويغطيه إلا شهيد مثله، بالحب كانوا يقاومون، تماماً كما بالرصاص.

نوال مشارقة: أبوي كان يحبه، أمي بتحبه، يعني أهلي فضلوه عن كتير شباب تقدموا لخطوبتي ومحمد كان في السجن كان عمره 19 سنة وكان مش مكون حاله آه والله، ومحمد لما عرف إني أنا بيجيني طلاب وبدهم إياني اللي هو دمع أمه وقال لها: يا أمه أنا هاي بدي إياها مش أفرط فيها لأي إنسان.

المعلق: هو عشق الزمان للأمان، وثورة المحب على الآلام، هي إطلالة مخيم جنين

ليلاه إذا ما فقد الليل معناه

واسترسل الظلم واستشرت بلواه.

نوال مشارقة: كان يحب الأطفال.. كان يحب الأطفال كتير كتير كان يحب الأطفال، ونفس الوقت مارضيش يتجوز عليَّ كان يقول لي دائماً: أنا ربي -سبحانه وتعالى- ما اعطانيش أولاد أعطاني إياكي أنت، وأنا مستحيل يوم من الأيام أجرح شعورك ولو بأشي بسيط.

المعلق: محمد ونوال رواية المخيم الأجمل، فلا بؤس العيش ولا دبابات الجيش تقدر أن تجبر حباً على أن يستكين.

نوال مشارقة: بيقول لي: تحبيني؟ بأقول له: آه، بيقول لي: تمني لي إني استشهد، بأقول له: بأقول له: إن شاء الله ربنا -سبحانه وتعالى- ينولنا إياها اتنين مع بعض.

المعلق: لم يكن هناك متسع كثير للغزل والغرام، من بين دخان المعارك ومن خلف زخات البنادق كانوا يقتنصون لحظات صدق غامرة كي يؤكدوا أنهم أكثر من مجرد بشر.

نوال مشارقة: أنا كنت أدور عليه هون وأريد أرجع مفيش هون أريد أرجع لما تيجي الطيارة من هون أهرب واتخبى هون، أهرب واتخبي هون بس أسمع طيارة راحت ضربتنا من هون.. من هون سمعت محمد.. محمد ما فيش حدا. أصير أدور زي هيك وأتطلع في الجيش ما فيش جيش أريد أفوت هون مرة لقيته هون.. مرة لقيته هون.. هون واقف وهذيك الدار اللي كان عليها التانك الأسود كان فيه عليها جيش، قلت له: من شان الله محمد.. من شان الله تبعد كل الجيش هسه بيطخوك هسه بيضربوك قذيف عشان الله تبعد عن الشباك، قال: توكلي على الله يا بنت الحلال، توكلي على الله، ما تخافيش منهم، هادول مافيش أجبن منهم.

المعلق: القوة تكفي للاحتلال لا للسيطرة، قالها الأجداد ووثقتها الأجيال على مر السنين.

محمود أبو الهيجا: من 50 سنة وإحنا باستعمار واحتلال أول شيء استعمار وبين احتلال وظل لكن اليهود، هو أساساً ابني اللي خلاه يكون يرجع للمقاومة للأسباب اللي بقى يلاقيها.. يلاقيها على الشوارع والقتل اللي يسمعه، يوم يسمع مثلاً صاحبه ويوم مثل جاره اغتالوه أو قتلوه ويعذبوا فيه.

المعلق: أشرف أبو الهيجا جدير به أن يحمل اسم أحد أكبر عائلات الجليل الفلسطيني والتي تنتسب إلى حسام الدين أبو الهيجا أحد قادة جيش صلاح الدين الأيوبي خلال معارك تحرير القدس وفلسطين.

محمود أبو الهيجا: كان يبقى يجي بده يرتاح 5 دقائق.. يسمع إنه صار اشتباك يرمي الأكل.. ليش الأكل ويروح، يعني باتوا مشبهينة زمايله زي العصفور الطائر يبقى هون خلال 5 دقائق أو 3 بالحارة التانية بالحارة التانية، ليلة ما استشهد بالضبط اتصل فيَّ، اتصل فيَّ التليفون، قال لي: يا ابا ارض علَّي(..) وهاي آخر مكالمة.

الله يساعدك ويرضى عليك وين ما تروح.

محمد محمود أبو الهيجا: فيه مرة كان متصابة فحملها ومتأثر يعني بهذا كان يعني يعيط بس شافها يعني مصابة حملها وموديها على يعني على بيت تاني عشان ينقلوها على المستشفى، بعدها جت له رصاصة براسه.

محمود أبو الهيجا: بعد 3 ساعات أو ساعتين ايجى واحد.. أحد.. أحد صحابه كان معاه وقال لي: القصة كذا كذا.. قلت له الله يرحمه.

سيدة: بسم الله الرحمن الرحيم (قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) أوصيكم بتقوى الله وطاعته والصلاة و الجهاد في سبيل الله، الرجاء مسامحتي، الرجاء عدم توزيع صورتي، ابنكم وأخوكم محمد مشارقة، كتبها في 8/4 استشهد في 10/4 هاي الوصية والهوية لقيناها بجيبته.

المعلق: حتى آخر طلقة صمدت القلة أمام الكثرة، كانوا أضعف سلاحاً لكنهم الأقوى تاريخاً والأبعد مدى.

محمود أبو الهيجا: يعني مثل ما بسيموا أكبر نكبة وأكبر مجزرة يعني ما صاردش بالتاريخ وبرضو بيظل إحنا المنتصرين، يعني من شوية مقاتلين بيثبتوا 10 أيام أو 12 يوم قدام جيش جرار واللي بيقول لك: جيش لا يقهر.

المعلق: الشيخ جمال أبو الهيجا، أحد الذين كانوا دوماً في المقدمة، تنازل عن يده ولم يتنازل عن حقه ككل أهل المخيم وجنين كابر فوق الجرح ورفض أن يسلم نفسه للاحتلال ليغدو وبيد واحدة المطلوب رقم واحد لإسرائيل.

جمال أبو الهيجا: أصبت برصاص متفجر من قوات الاحتلال الصهيوني في المرفق وكان صعوبة أن انتقل من.. من مدينة جنين إلى مستشفى يستطيع أن يقوم بمهام طبية لإنقاذ اليد فاضطررت الموافقة على بتر اليد في مستشفى الرازي في جنين.

* * * *

"لقد ألحقنا بالفلسطينيين هزيمة عسكرية، إلا أننا لم نلحق بهم هزيمة في الوعي"
رئيس الأركان الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز

* * * *

سماح خالد الفايد: في هنا الشوارع فوق رسمت عليها الدبابات وهذا الشاحن فيه بيحمل دبابات عليه، هادولا الشباب اللي قاوموا هنا برضو فيه شباب.. شباب بيقاوموا قلبوا دبابة وحرقوا دبابتين وهاي الدار عمي.. عمامي 2 عمي أمجد وعمي محمد، عمي (...) نسفوها وهاي جامع عبد الله عزام اللي حرقوه، وبيوت مهدومة.. هدموها وهون هاي طيارة الأباتشي اللي كانت تقصف بالدور وهذا شباب إنطخ بطيارة استشهد.

المعلق: أطفال حول القبور يسابقون أزيز الدبابات ويناورون بما تبقى من زهور. في كل مكان من العالم يوزع الناس الحلوى في المناسبات والأفراح، الفلسطينيون يوزعونها هنا، ها هنا تحلو الذكريات، كل من هو مدفون تحت هذا الثرى ما مات.. أبداً ما مات.

هالة جبر: أنا متأكدة إنه جابر كل يوم بيزور الدنيا وبيتطلع علينا وبيشوفنا مش بس أخبارنا لأنها أخبارنا ما بتهموش بالدرجة الأولى، أخبار فلسطين هي اللي بتهمه في الدرجة الأولى.

محمود أبو الهيجا: كان لما يقبض الراتب.. الراتب ما يجيبوش إلنا يعطينا قسم والقسم الثاني يروح يوزعه للفقرا المحتاجين، يعني نسأله إحنا هاي الأسرار هاي هاي اللي بأبعثها لله

خليل طوالبة: (..) أخوي ايجوا كل العالم حتى الأطفال الصغار يحبوه وكان يعاملهم معاملة يعني إنسانية معاملة يجيهم بكل الطرق.

نوال مشارقة: كان (...).. محمد.. مولودة.. محمد كان يحبها كتير بيروح على الجامع بيصير تعيط وراه حتى تلحقه، كانت تحكي له بابا.

المعلق: المعركة لمَّا تنتهي بعد، تحولت إلى أكثر مرارة، في خلفية سيناريو القتال يسود هدوء ما قبل العاصفة، الآن وبينما الدبابات مازالت تحتشد في الجوار نوال ترابط هنا مع ابنة أختها أنغام تحكي لها قصتها الطويلة مع الاحتلال.

نوال مشارقة: يا الله شوفي هون حامل السلة ماشي في الغابة (..) هو إحنا بنتسلى ماشي في الغابة هسه هادول الوردات لقت هون قالت: بدي آخذ لستي أحط ورد بالسلة لستي، يا أم هون ماشي في الغابة طلع لها الديب، هون لما ايجي الحطاب واطلع ليلى من بطن الديب هون..

من آثار المجزرة التي قامت بها إسرائيل في مخيم جنين
المعلق: كدأب الغزاة دوماً سيرحلون ولن يبقى لهم أثر، بينما يبقى هؤلاء نور العيون المشرقة على مدى البصر كما النجوم، كما الدُّر.

سماح خالد الفايد: أنا رسمتها بأيدي يعني الواحد عشان يتذكر الشهيد اللي بيحبه مثلاً يبقى أنا بأحب عمامي كتير فبأتذكرهم بالصورة، كان زمان عمي أمجد يدرسني أكتر أشي بقى هو شاطر بالرياضيات بقى يدرسني على الرياضيات يعني أجيب علامة مليحة، عيدني -الله يرحمه- عمي أمجد عيدني 5 شيكل، أما بالعيد عمي محمد ما شوفتوش يعني وكان أشوفه بالشارع ما جاش حدا دارنا بس.. بس شوفته بالشارع سلمت عليه وقلت له: كل عام وأنت بخير. يعني لو بأعرف إنهم عمامي بدهم يستشهدوا كان خليت على 5 ما اشتريتش بها.

المعلق: ليس هنا في المخيم شيء لي وشيء لك، هو ملك الجميع في الحياة وفي الشهادة -كما يقولون- كان هذا أحد أهم أسباب البقاء والاستمرار.

صبيحة أبو خليفة: بقى عندي رغيف خبز أطعم جاري، جاري عنده دربن دور تقسمه ما بيني وبينه بقى فيه تعاون وتكافل ما كناش متعاونين بقى يمرق الشاب تنده عليه أيه أم تقول له: تعالَ تطبخ وتعمل وتتعمل كل أشي في مطبخها وتقول لهم تعالوا يللا الله يحميكم وكلهم أولادنا بقوا مش هذا أبني وهذا ابن غيري وما بقاش ابن فتح ولا ابن حماس ولا ابن جهاد ولا ابن أيتها فئة، كلهم بقوا ابني.

خالد الفايد: اللي خسرناه خسره الكل، يعني أنا خسرت أخوي الاتنين ربما إنه فيه دور ما خسرتش بس بالعكس خسروا زي زيهم.

المعلق: خلال عشرة أيام من القتال الضاري كانت هذه هي النتيجة.

استشهد حوالي 70 مواطناً فلسطينياً أغلبهم من المدنيين.

25 منهم مقاتلون من الفصائل كافة في وحدة وطنية قلَّ مثيلها، بينما وفي الطرف الآخر قُتل 23 جندياً وجرح العشرات من أفراد الجيش الإسرائيلي، كما دمر لهم أكثر من 15 آلية ومدرعة.

نوال مشارقة: يعني الشباب لما بيخرفوني عنه.. بيخرفوني يعني صحيح يعني من شدة حزني عليه ومن شدة فراقه وأشي زي هيك بس الحمد لله رب العالمين أنا فخورة كتير فيه.

سماح خالد الفايد: هنيئاً له الشهيد اللي إله أصحابه واستشهد على سبيل يلتقيى بهم في الجنة وبيسلم عليهم ويقعدوا عادي يعني أحسن.. بقوا.. يبقوا يتمنوا إنهم يرجعوا مرة تانية على الدنيا ويقاوموا أخرى مرة.

نوال مشارقة: مبروك عليه الشهادة، وياريت ربنا -سبحانه وتعالى- يجمعني فيه بس أكثر من هيك ما أحكيلوش.. وربنا -سبحانه وتعالى- يهنيه بشهادته زي ماهناني بالدنيا ربنا -سبحانه وتعالى- يهنيه بالآخرة.

المعلق: بينما يبحث البعض عن القليل مما يمكن أن يواصلوا به ويفقئوا عين المستحيل يبحث آخرون عن مستنداتهم الثبوتية ربما هم ليسوا اليوم بحاجة إلى أي وثيقة، فجواز سفرهم أنهم من سكان جنين والمخيم الهوية.

جمال أبو الهيجا: عشرات من المجاهدين يتصدون لأضخم آلة عسكرية في الشرق الأوسط، القوات الإسرائيلية تستبدل جنودها ثلاث مرات تحت ما يسمى بإنعاش هذه القوات، عشرة أيام متتالية صمود أسطوري أمام الدبابات والطائرات والجرافات الإسرائيلية بهذا المقياس لا شك أنها معركة بطولية يجب أن تسجل في التاريخ، ومجزرة باستهداف القوات الصهيونية إلى المدنيين الفلسطينيين واستخدامهم دروع بشرية من أجل التقدم تحت جرف الجرافات الإسرائيلية وعدم تفريقهم بين مقاتل وطفل وامرأة وشيخ في هذا المخيم.

* * *

(بعد ملاحقات طويلة ومحاولات اغتيال مستمرة تم اعتقال الشيخ جمال أبو الهيجا في أحد منازل مخيم جنين بتاريخ 26/8/2002م)

* * *

المعلق: حين يغيب الضمير ويسود منطق النار تصبح الحرب لعبة الأطفال كما هي خيار الكبار، لم يحبوها يوماً لكنها فُرضت عليهم والحرية قرار.

قبل حوالي 105 أعوام كتب (هرتزل): في مؤتمر بال أسست دولة إسرائيل، واليوم يكتب الفلسطينيون في الضمير الإنساني أنهم في جنين أسسوا دولة فلسطين.

ابتسام أحمد حماد: هاي البلاد ايجوا أخذوها منا بالغصب اغتصبوها منا اغتصاب وإحنا راح نسترجعها بإذن الله وراح نظلنا نخلف وراح نظلنا نخلف لآخر.. لآخر نفس فينا بتيجي غير ولادهم يحررونا، مش بيتقتلوا.. مش بيروحوا منا بس بيرجعوا..

المعلق: في جنين تذوق الفلسطينيون حلاوة الانتصار، كان قاسياً دامياً بما يكفي كي يخلط بالفرح الكثير من الأحزان، لكنه هذه المرة لم يكن موتاً بالجملة أو بالمجان، تجذروا هنا، وكان الشعار "ميتة الوغى ولا ذل الانكسار" هذه المرة وكل مرة لا فرار.. لا فرار.

صبحية أبو خليفة: أنا جايه أشم ريحة الدار.. ريحة المخيم، لأني بدي أقول لكم جملة هاي نطفة التراب إذا بننساها، ننسى تراب المخيم هذا إذا بننساه ضيعنا قضيتنا للأبد.

محمود أبو الهيجا: طبعاً والواحد بيتعلم من أول مرة، لأنه في الـ48 طلعنا لأنه قالوا فيه دير ياسين ما دير ياسين أقول لهم يعني ما بيحمهاش إلا غير صحابها.

: اليهود بيقول لك: هون بؤرة الإرهاب، بس إحنا مش إرهابيين، إحنا بنطالب بحقوقنا، إحنا حقنا راح لما أنا إلي 80 دونم.. أقعد بـ150 متر أنا و5 شباب هذا ظلم.. مش ظلم هذا، لما أنا أرضي راحت. بآجي عليك بتقول لك هذا كنوري.. لا أنا مش نوري عمي إحنا مش نَوَر يعني إحنا أهل المخيمات إلنا يروحوا يشوفوا بلادنا.. يروحنا يشوفوا بلادنا روح تفرج بأقول لك هاي بأطوب لك هاي أرضي هون.. هون..

روند عبد الناصر: بدنا نرجع على بلد آبائي وأجدادي نورث قضاء حيفا، وإن شاء الله إذا رجعت إلنا بنظل متمسكين فيها مهما صار مش راح نبعد عنها.

جمال أبو الهيجا: وأي تدمير يحدث وأي مجزرة تحدث ستكون ردتها هي العمل على التمسك بحق العودة ومحاولة الانتقال إلى داخل الخط الأخضر وليس إلى خارج حدود فلسطين.

المعلق: إذا كان الدمار لا نهاية له، فهم أيضاً لا نهاية لهم هذا ما يقوله واقع الحال، هم أول تسابيح الصباح ولو كان مقهور، هم النور يسطع من بين عتمة الليل ومن خلف آهات القبور، هم أول الأشياء الجميلة ولو كانوا محرومين، مخيم جنين تحت الركام.. فوق أنف الموت، رغم ما كان وما يمكن أن يكون.. باقون.

[بعد دير ياسين كانت النكبة، ما حدث في مخيم جنين ماذا سيأتي بعده؟!]