مقدم الحلقة:

وضاح خنفر

ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

07/10/2002

- المعادلة الصعبة وبداية الطريق
- محاولة جديدة لكتابة التاريخ الأفغاني

- الأموات رموز لشرعية الأحياء

- قندهار حاضرة الجنوب الأفغاني وقلب الثقافة البشتونية ومركزها الروحي

- القصف الأميركي العنيف ومواكب الموت

تزدحم في الملف الأفغاني أوراق كثيرة، يردد الحاضر صدى الماضي بإيقاعات تعزفها جبال أفغانستان الوعرة، لم يفهم سرها الغزاة عبر التاريخ، فكرروا أخطاء من سبقهم ورحلوا...

بحثنا عن فك رموز السر الأفغاني شهوراً خمسة، حملتنا إلى مدن أفغانستان وأريافها وبواديها في طول البلاد وعرضها ... حدقت فينا قمم الجبال وعيون البشر، عبرنا حيز المكان إلى عمق الزمان، فتشنا فيما بقى من معالم التاريخ وما اندثر: قراءة للأرض والإنسان ... في لغز يسمى أفغانستان ....

عسيرة هي البداية ....

عندما بدأنا تجميع شتات ما بجعبتنا من صور وأفكار وتجارب، واجهتنا مشكلة اختزال واقع مفعم بالعواطف والشجون، يتوارى الحاضر فيه خلف أقنعة كثيرة، فيزداد تشابكاً وتعقيداً ، وكأنه انعكاس لتضاريس أفغانستان الوعرة، وأعراقها المتباينة، وحكاياتها المتناثرة...

قضينا أياماً في استعراض الصور، أعدنا كتابة النص مرات عديدة، وقررنا أن نبدأ، فكانت محاولتنا هذه ...

المعادلة الصعبة وبداية الطريق

ستة وعشرون مليوناً تتقاسمهم معزوفة غير منسجمة من العرقيات، ومع غياب الإحصائيات منذ سبعينيات القرن الماضي، تتباين النسب المعلنة، ولو اعتمدت النسبة التي يدعيها كل فريق عن نفسه لاحتجنا إلى منطق لم يعرفه علم الإحصاء بعد ... غير أن أكبر العرقيات هي قبائل البشتون الذين تتراوح نسبتهم من خمسة وأربعين إلى خمسين بالمائة، ومعظمهم في الشمال، ثم الهزارا الشيعة بنسبة قد تصل إلى عشرة بالمائة ثم الأوزبك ونسبتهم لا تزيد على ستة بالمائة بالإضافة إلى أقليات متعددة ....

الجغرافيا تربط أفغانستان بباكستان شرقاً وجنوباً وإيران غرباً ، وطاجيكستان وأوزبكستان شمالاً .. ولأفغانستان حدود لا تتعدى اثنين وسبعين كيلومتراً مع الصين في الطرف الشمالي الشرقي..

محاولتنا للإمساك بطرف الخيط الأفغاني بدأت بالعاصمة كابل.

قبلة الغزاة والفاتحين في كل زمن ...

يقال إن اسم المدينة يعني قطرة الندى المحجوزة في بتلات وردة، في إشارة إلى الجبال التي تحيط بالمدينة من كل جانب ...

كابل ليس لها اليوم من اسمها نصيب

تحمل قسماتها المعذبة ملامح الواقع الأفغاني ...

تخط شوارعها وطرقاتها ملحمة كتبت فصولها بالدم ...

فيها يرحل الجميع صوب المجهول ...

يسند الضعيف فيعها الضعيف ...

ويعيش الأطفال بلا طفولة ...

حتى الأموات لم يسلموا من ظلم الأحياء ...

ثلاثة وعشرون عاماً من الغز السوفيتي والصراع الداخلي، أحالت مرافق المدينة أثراً بعد عين، في دورة مجنونة صار لها الدمار حرفة لتنطلق دورة جديدة تبحث بين الركام عن مستقبل.

وضاح خنفر: أفغانستان حبيسة ذكريات أبنائها وانتماءاتهم المختلفة ، ضحية أطماع قوى تتربص بها الدوائر ، وإن كان للحرب من فضل فهو أن الإغان بدءوا يدركون حقائق الصراع وآثمانه الباهظة"

شكلت العاصمة الأفغانية تاريخياً نقطة وصل بين حضارتين : الهندية والفارسية، وصهرت بين جنباتها أعراق أفغانستان المتباينة.

فصارت رقماً مركزياً في المعادلة الأفغانية.

المعادلة السياسية الأفغانية تعتمد على التوازن بين الشمال والجنوب،

بين الحضور البشتوني والتأثير الطاجيكي ...

ومنذ أن تأسست دولة أفغانستان في منتصف القرن الثامن عشر، تسلم البشتون زمام السلطة ، باستثناء فترات عابرة.

محاولة جديدة لكتابة التاريخ الأفغاني

محاولة جديدة، لكتابة التاريخ الأفغاني بدأت في السابع من أكتوبر عام ألفين وواحد، حاولت فيه قنابل القاذفات الأميركية فرض سادة جدد على بلد ألف أبناؤه أن يروا في التدخل الأجنبي غزواً لا بد أن يرد.

الكرامة الأمريكية المجروحة، والرغبة الجامحة في الانتقام، تسيطر فصلاً جديداً كتبت فاتحته بالدم، أما الخاتمة فلا يعلم إلا الله من سيكتبها ومتى ....

زائرة أمريكية لأفغانستان: إنني أشعر بالحسرة والأسى، إذ ليس لدينا حس إنساني في التعامل مع بعضنا البعض، ولا بد أن نجد طرقاً أخرى لحل النزاعات ... لا يمكن أن تكون هكذا ... هؤلاء الناس لا علاقة لهم بالقاعدة وطالبان، لا علاقة لهم بأسامة بن لادن .... ولا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

السادة كابل الجدد يعترفون بالجميل الكبير: حامد كرزاي الرئيس الأفغاني أشكركم شكراً جزيلاً للمساعدة التي منحتها الولايات المتحدة للشعب الأفغاني لتحرير أفغانستان من احتلال الإرهاب ... ووجوده ، لقد كانوا الحكومة هنا، وعرفنا منذ وقت طويل أننا لن نقدر على تحرير أنفسنا من ذلك الاحتلال بدون دعم الولايات المتحدة قرابة خمسة آلاف من القوات الدولية يحاولون تأمين نظام كرزاي ...

مظاهر السلطة وقرع طبولها تغطي بضوضائها أزمات مستعصية ... فعلى المستوى الداخلي يلاحظ البعض تصاعد حالة التوتر داخل تحال الشمال بين التيارين الإسلامي والعلماني ، فيما يزداد موقف نظام كابل حرجاً مع تزايد الغضب الشعبي على ما تسمية القوات الأمريكية : أخطاء ارتكبتها قذائفها.

أنصار التيار الإسلامي في تحال الشمال، أو المجاهدون كما يسمون أنفسهم ، بدأوا يشعرون بعقدة ذنب تتفاقم مع كل قذيفة أمريكية تضل هدفها، ومع كل يوم يستمر فيه الوجود العسكري الأجنبي ...

كثيرون في صفوف تحالف الشمال قاتلوا الغزو السوفيتي واليوم أفاقوا من نشوة النصر على طالبان ليجدوا البلاد والعباد تحت سيطرة أجنبية طالما قدموا آلاف الشهداء دفعاً لها

ولا غرو أمن ينتفض جنودهم عند كل حادثة احتكاك مع القوات الدولية ... مستذكرين أنهم ليسوا تبعاً لأي غزاة

جندي أفغاني: إنهم يحاولون إيقاف عدد من مجاهدينا، إنهم يتدخلون في شؤوننا .... لا نريد القوات الدولية، ولا هؤلاء الأمريكيين في بلادنا.

ليست أخطاء الأميركيين العسكرية ما يقلق نظام كابل فحسب، بل فقدان الشرعية السياسية لا سيما في أوساط شعب اعتاد مقارعة المحتل ورفض الأنظمة التابعة له ...

حكومة كابل حاولت جاهدة التخلص من اتهام الكثيرين لها بأنها صنيعه أميركية، وعندما أخفقت في استصدار الشرعية من الأحياء بحثت عنها لدى الأموات.

الأموات رموز لشرعية الأحياء

أحمد شاه مسعود.. أسد بانشير يرقد في الواحدي الذي احتضنه وحماه من أعدائه عقدين من الزمن ، بعدما اغتيل في السابع من سبتمبر عام ألفين وواحد، في انفجار انتحاري نفذه عربيان تنكرا في زي صحفي، وأنحى أتباع مسعود باللائمة على تنظيم القاعدة في اغتيال أهم القيادات الجهادية الأفغانية وأكثرها حنكة ودهاء ....

وأدى بانشير أو وادي الأسود الخمسة استعصى على الغزاة من الإسكندر المقدوني وحتى الجبروت السوفيتي مروراً بالمكر البريطاني، وبقى طوال حكم طالبان تحت سيطرة مسعود ... خنجراً في خاصرة كابل .

شعرنا بأن الزمن توقف يوم قتل سيد المكان ...

قضى منفذا الهجوم في ضيافة مسعود عدة أيام، يتجولان حول الاستراحة ويرقبان النهر من بعيد ...

أيام شاه: خادم مسعود ، يذكر كيف طلبا منه مصحفاً، وكيف كانا يقضيان وقتهما في العبادة ... غير أنه لاحظ أنهما يحرصان على عدم الاختلاط بأحد مؤثرين التكتم ...

النهاية الدموية للقصة رواها لنا أول من دخل الموقع بعد الانفجار ...

نجيب الله : سائق مسعود: كان في اجتماع مع الصحفيين في الداخل ، سمعت صوت انفجار كبير ، سارعت الى الغرفة ، رأيت مسعود يجلس على كرسيه ، ولم أر أحداً غيره ، قال لي مسعود : أرفعني يا بني لقد أصبت ، حملناه إلى السيارة لكي نأخذه إلى المستشفى ، وبينما كنا نحمله كان يردد كلمة الشهادة ، بعدها فارق الحياة

النظام الجديد بكابل أعلن مسعود بطلاً قومياً ورمزاً لشرعية الحكم الجديد وغدا ضريحه في بانشير محجاً للمحبين والسياسيين والطامعين في موقع ضمن التيار الإسلامي في تحالف الشمال ...

ربما تمكن أنصار مسعود من تحويله الى رمز للطاجيك ، غير أنهم لم يفلحوا في استمالة قلوب البشتون ممن اتخذوا لأنفسهم رموزاً وأبطالاً آخرين!!

قبور مقاتلي طالبان والقاعدة في مدينة خوست عاصمة الشرق البشتوني... هنا يرقد عشرات ممن تحولت قبورهم إلى مقامات... يؤمها الأفغان طلباً للبركة والتماساً للمغفرة.

زائر: انهم شهداء ومقامهم عند الله عظيم، لقد حاربوا وماتوا في سبيل الله، ونأتي لزيارتهم من أجل البركة.

هنا يروي الكثيرون ظمأ البحث عن رموز وقدوة في أرض تغص بالغث والسمين.. ويتذوقون لذة التمرد على موازين القوى الدولية، في ثقافة قبلية تقدس البسالة وتمجد الإقدام، الشرعية في نظر الزائرين هي لمن حارب القوات الأمريكية لا لمن ساندها.

تستعيد العقلية الجمعية الأفغانية ذكريات شهداء الغزو البريطاني والسوفيتي.. وتعكسه من جديد فيما يسمى هنا: شهداء الغزو الأمريكي. وفي مفارقة ليست الوحيدة في أفغانستان، لا تبعد القاعدة الأميركية عن المقبرة سوي خمسة كيلومترات، الأميركيون في خوست اللاعب الأهم في إدارة شئون المدينة، التي يتقاسم السلطة فيها خمس مجموعات متناحرة، لكل جنده وسلاحه ولكل منطقة نفوذه، ولا يجمع بينهم سوي العلاقة مع القوات الأمريكية.

السقوط المفاجئ لحركة طالبان خلق فراغاً قيادياً حاول الأميركيون ملئه من خلال دعم قيادات قبلية يتهمها المواطنون بتزعم عصابات نهب وسلب.

باشا خان زدران.. زعيم قبلي مكنته الدولارات الأميركية من تجنيد مئات المقاتلين، التقينا باشا خان في الشتاء الماضي، بعد قتال دموي بينه وبين مجلس شورى غارديز، انهم حفنة قليلة من الناس، من بينهم خمسة من قيادات القاعدة، لن أتنازل عن حقي وسوف أقاتلهم... سأقتلهم حتى ولو لم أكن والياً.

باشا خان قائد بشتوني: لقد أعطاني كرزاي خطاباً بتعييني والياً على بكتيا، ولا يستطيع أحد عزلي، وهؤلاء القتلة من أفراد القاعدة ، يمنعوني من دخول غارديز، أنهم حفنة قليلة من الناس، من بينهم خمسة من قيادات القاعدة، لن أتنازل عن حقي وسوف أقاتلهم... سأقاتلهم حتى ولو لم أكن والياً

باشا خان نفذ تهديده وشن هجمات متعددة على غارديز وخوست.. قتل فيها عشرات المواطنين، إلتقيناه في الربيع فكان أشد عزيمة في المطالبة بحقه المزعوم دون أن يردعه وعيد كرزاي بالقاء القبض عليه، ولم تتمكن قوات كابل من إجلاء باشا خان عن خوست إلا بعد شهور عديدة.

فتشنا عن سر قوة باشا خان، فوجدنا ما يدل على علاقة وثيقة بالقوات الأميركية ويعمل كثير من أقاربه في القوة الأفغانية التي تحرس القاعدة الأميركية في خوست

سردار خان قائد قوة الحراسة الأفغانية: إننا نساعد الأميركيين على تعقب ومقاتلة أفراد القاعدة وطالبان، الفوضى الأمنية التي تهمين على خوست أحالت حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق، الناس هنا ملوا الصراع المجنون...

في كل ناحية تسمع قصص قتل وحكايات نهب وسلب، البعض بدأ يترحم على أيام طالبان والحزم الذي تعاملت به مع الخارجين على القانون.

مواطن: حاكم مزبوط ما في مشكل... مش موجود حاكم مزبوط في مشاكل، يجي قانون زين كله زين، طالبان موجود طالبان فيه واحد نظام قوي، الناس ما يخافون مشاه الله الناس خوف مشان قانون.

شواهد الدمار التي حلت بمواقع طالبان لم تذهب بشعبية الحركة، ومن المتوقع أن تبقى خوست المحاذية لمناطق القبائل البشتونية الباكستانية، أكثر مناطق أفغانستان استعصاء على القوات الأميركية، لا سيما بعد أن صارت القاعدة الأميركية في خوست هدفاً محبباً لصواريخ القاعدة وطالبان، غير أن البعض في خوست ينتقدون طالبان، لا لأنها فرضت الشادري أو البرقع على النساء فنساء خوست كلهم يرتدينه قبل الحركة وبعدها، وليس بسبب طول اللحية أو العمامة، فهي سمات مميزة للثقافة البشتونية لاحظها ابن بطوطة في زيارته لأرض البشتون في القرن الرابع عشر، البعض ينتقدون طالبان على أسس قبلية .

يتوزع البشتون على مجموعات قبلية عديدة، بشتون خوست وغيرها من ولايات الشرق الأفغاني يتهمون طالبان بتغليب بشتون قندهار عليهم فغالبية قادة الحركة ينتمون إلى قندهار عاصمة الجنوب الأفغاني.

قندهار حاضرة الجنوب الأفغاني وقلب الثقافة البشتونية ومركزها الروحي

مدارس قندهار ومساجدها أطلقت الشرارة الأولى لطالبان.. ففي صيف عام أربعة وتسعين قرر الملا عمر تطهير المدينة من الفساد الخلقي والاضطراب الأمني، فسانده طلبة المدارس الدينية للتخلص من الفوضى التي عمت البلاد أثناء حكومة برهان الدين رباني...

بدأت الحركة رد فعل شعبي وانتهت نظاماً سياسياً سيطر على معظم الأراضي الأفغانية.

سقوط طالبات أحدث فراغاً في نفوس الناس ومقاعد الحكم، آلاف من القندهاريين قتلوا دفاعاً عن طالبات، بينما وقع آلاف في الأسر، وبما أن الثأر متأصل في الثقافة البشتونية، لم ينس الناس هنا قتلاهم.

كثير من القندهاريين يرقبون ما تؤول إليه متغيرات السياسة الأفغانية بحذر ويحجمون عن الحديث، في صمت أبعد ما يكون عن الرضى.

حاكم قندهار جل آغا الذي عاد من باكستان بعد سقوط طالبان لم يتمكن من إخضاع المدينة الجامحة... علاقته بالقوات الأميركية المرابطة في مطار قندهار وصلاته بنظام كابل جعلت منه هدفاً لمحاولات اغتيال عديدة، محاولات كابل كسب تأييد البشتون اصطدمت بعقبات كبيرة، فمع أن كرزاي بشتوني، إلا أن الكثير من البشتون يرون فيه لافتة لسيطرة طاجيكية... فالوزارات الرئيسة يسيطر عليها طاجيك، وهو ما لا يروق كثيراً للبشتون على تعدد ولاءاتهم الحزبية.

دعينا إلى مرافقة وزير الدفاع الطاجيكي محمد فهيم، رجل كابل القوي، في رحلته إلى قندهار، أملاً في كسلب المدينة.

ثلة من الجنود الأميركيين ... في استقبال خليفة مسعود وزعيم المجاهدين في مفارقة جديدة، المطار تحول إلى قاعدة عسكرية أميركية شأنه في ذلك شأن بقية مطارات أفغانستان.

هنا يخططون عملياتهم القادمة ضد القاعدة وطالبان في بحث محموم قلما يجد ضالته. عسيرة جداً مهمة فهيم في قندهار.

القيادات الظاهرة بالضيف التي احتشدت لاستقباله لا تخفي امتعاضها مما يعتبره البعض احتلال طاجيكيا لكابل، الحفاوة الظاهرة بالضيف الزائر... لم تخفف من حدة التوتر... حاكم قندهار جل آغا يشيد بالملك البشتوني السابق محمد ظاهر شاه، ويكيل الانتقادات لحكومة كابل، مطالباً بإطلاق سراح من تبقى من أسرى طالبان البشتون في سجون تحالف الشمال وسط تأييد الحضور ومباركتهم.

بينما يحاول فهيم ردم الهوة العرقية بالتركيز على الرابطة الدينية معلناً تأسيس حركة إسلامية جديدة أطلق عليها اسم مللي نهزت أو نهضة الأمة، تضم ممثلين عن تيارات سياسية وعرقية متنوعة.

محمد فهيم وزير الدفاع الأفغاني: بعد استشهاد أحمد شاه مسعود، نريد أن نوحد الأفغان جميعاً على اختلاف أعراقهم للمضي في الرسالة التي استشهد من أجلها مسعود، نريد أن نؤسس ائتلافاً وطنياً من المجاهدين والقادة العسكريين من أجل حرية افغانستان، بدلاً من العقلية الجاهلة لطالبان.

جل آغا قد لا تروق له أفكار فهيم، ومع أنه يظهر تحالفاً مع حكومة كابل إلا أنه ينتقد أداء وزرائها...

جل آغا حاكم قندهار: بعض وزراء الإدارة المؤقتة لا يأبهون، ولا يريدون القيام بمسئولياتهم، لم يزرنا للتعرف على الواقع، أو لوضع موازنات لخدمة دوائر الحكومة في قندهار.

زيارة فهيم لما تبقى من منزل الملا عمر، لم تفلح في ترميم صدع البيت الأفغاني، منزل الملا دمر معظمه أما زعيم طالبان فما يزال حراً طليقاً في جبال أفغانستان الوعرة.. يقض وعيده مضاجع سادة كابل الجدد.

ولمن ينسون من هو السيد الفعلي في أفغانستان اليوم: يذكرهم الحاجز الأمني الأميركي الذي منع موكب الوزير من دخول المطار لمدة ساعة.. قالوا لم يصلنا إذن بدخول العربات.. أوقف الموكب ومنعنا من الكلام.

بعيداً عن قندهار وفي أقصى الشمال الأفغاني شهدنا لقاء آخر بين الشمال والجنوب هذه المرة في مدينة قندز آخر معقل لقوات طالبان في أفغانستان قبل استسلام مقاتليها لتحالف الشمال.

لقاء فريد بين قادة موالين لتحالف الشمال وقادة سابقين لطالبان.. الملا شبير محمد كان قائداً عسكرياً لقندز في زمن طالبان، وما يزال مقتنعاً بالمبادئ التي قامت الحركة لأجلها.

الملا شبير محمد قائد عسكري سابق لطالبان: جاءت طالبان رد فعل على الفساد الذي عم البلاد أثناء حكومة المجاهدين، تشكلت أساساً من العلماء والطلبة، ولذلك أحبهم الناس، ووقفوا إلى جانبهم وشهدت الحركة توسعاً كبيراً.

الحوار بين قادة طالبان وقادة التحالف، صار ممكناً بعد أن أحكم الموالون لفهيم سيطرتهم على المدينة، ونجحوا في تحقيق استقرار نسبي.

الجنرال داود خان قائد الشمال الشرقي: الوضع الأمني في قندز وفي الولايات الشمالية الشرقية مستقر ، لقد تخلصنا من الأفراد غير المسئولين واستقرت الأمور وساد الأمن.

وفيما يتفاءل البعض في مستقبل أكثر تسامحاً ... تحوم في أجواء الشمال الأفغاني ذكريات مريرة.

القصف الأميركي العنيف ومواكب الموت

تعود بنا هذه الذكريات إلى الوراء، فبعد قصف أميركي عنيف، أصغى قادة طالبان لوعود القائد الأوزبكي عبد الرشيد دستم بإطلاق سراح مقاتلي الحركة إن هم استسلموا... عقدت الصفقة وتم الاستسلام، أكثر من عشرين ألف طالباني ومئات من أفراد القاعدة وضعوا أسلحتهم واستسلموا لتحالف الشمال أطلق سراح البعض، غير أن آخرين كانوا على موعد مع أبشع ميتة عرفتها الحرب، نقل آلاف من أسرى طالبان في حاويات حديدية إلى سجن شبرغان التابع لدستم، حشر في كل حاوية أكثر من مائتي أسير... من قندز انطلق موكب الموت، لم تفتح الحاويات إلا بعد يوم أو يزيد، ولا أثر لحياة... قضى معظمهم خنقاً وعطشاً، لم يرحم رجال دستم توسل الأسرى واستغاثاتهم اليائسة.

مجلة النيوزويك نشرت تفاصيل المجزرة، وروت شهادات مذهلة لسائقي الشاحنات وبعض الناجين من ذاك الجحيم، ولم تبرئ ساحة القوات الأميركية التي كانت حاضرة في مكان استسلام الأسرى وبداية رحلتهم صوب الموت.

من قندز انطلق موكب موت آخر، عندما اقتيد نحو أربعمائة وسبعين من عناصر القاعدة إلى سجن قلعة جانغي بالقرب من مزار الشريف عاصمة الشمال الأفغاني... صلاة مودع في انتظار المجهول.

المشهد الذي يليه: موت ينصب من كل مكان، نيران جنود دستم وقذائف المقاتلات الأميركية تختم المشهد.

الرواية التي يقدمها أنصار دوستم تقول إن أسرى القاعدة الذين اقتيدوا إلى هذا القبو المعتم تحت الأرض، والذي يطلقون عليه سجناً، تمردوا على سجانيهم واستولوا على مخزن سلاح قريب وعلى جزء من القلعة، وقاتلوا أياماً أربعة في معركة يائسة، لم يحسمها سوي تدخل الطائرات الأميركية، وبعد أن ملاء السجن بالماء وقضي على من تبقى من الأسرى غرقاً.

الجنرال شاه زاده مساعد دستم: مجموعة من ارهابيي القاعدة حاولوا الثورة علينا، لقد ألقوا على جنودنا بعض القنابل، ثم بدأوا يحاربوننا فقاتلناهم... قتلنا كثيراً منهم، وبقى حوالي ثمانين جريحاً نقلناهم الى سجن شبرغان.

لم نجد من آثار الأسرى سوي هذه العمائم... وبعض الأسلحة الصدئة التي يزعم أنصار دستم أن الأسرى استخدموها في انتفاضتهم.. وكثيراً من شكوك حول حقيقة ما حدث في هذه القلعة..

أسوار جانغي ما تزال قائمة، والجناة في كل مكان، أما الضحايا فلم توقد لهم الشموع، ولم تطارد جنائزهم عدسات الإعلام.. إنه شعب لا بواكي له.

وضاح خنفر: الأحداث التي صاحبت الحملة الأميركية على أفغانستان تروي من طرف واحد، حقيقة ما حدث في هذه القلعة ماتزال في رحم الغيب، ولعل التاريخ ينبئ يوماً بتفاصيل قلعة جانغي

غدر ودم ونار... هذا ما حصدته أفغانستان على امتداد عام، منذ استأسد البطش المجنون على أمة لا حول لها ولا قوة وجدت نفسها هدفاً لأسلحة أعدت في الأصل لمناطحة قوى لأرض العظمى... تمر بنا الذكريات والصور... الأفغان شعب يحب صعود الجبال ولا يقبل العيش بين الحفر... وخاتمة المشهد ما تزال بعيدة، والقادم أدهى وأمر.

أما نحن فتصل محاولتنا إلى نهايتها، وفي انتظار الغد الآتي نستودعكم الله.