في السادس من أغسطس/آب من كل عام تحيي مدينة هيروشيما ذكرى إلقاء الولايات المتحدة القنبلة الذرية على المدينة، في أول استخدام لسلاح ذري في العالم، مما أدى إلى مقتل نحو مئة ألف شخص.

وفي ذلك اليوم يزور سكان المدينة ومن نجا من ذلك القصف نصبا تذكاريا في حديقة السلام نقشت عليه أسماء من توفوا ووضعت حجارة كتبت عليها عبارات استغاثة المصابين جراء ذلك القصف.

حلقة الثلاثاء 1/9/2015 من برنامج "مراسلو الجزيرة" سلطت الضوء على احتفال مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالذكرى السبعين لإلقاء القنبلة الذرية عليهما، كما تناولت طريق باسيفيك هاي واي المفضل لدى الأميركيين، إضافة إلى صناعة السروج في تونس.

وفي مدينة ناغازاكي التي تعتبر أكبر ميناء في جنوب اليابان، يزور سكان المدينة متحف القصف الذري قرب موقع سقوط القنبلة الذرية، والذي يحكي قصة القصف وخطر القنبلة الذرية وخطر التجارب النووية.

وفي وسط المتحف مجسم حقيقي للقنبلة الذرية التي ألقيت على المدينة يوم 9 أغسطس/آب 1945 وقتلت 140 ألفا بنهاية ذلك العام.

الطريق الساحر
وفي الولايات المتحدة تناول البرنامج طريق باسيفيك هاي واي الذي يمتد من شمال الغرب الأميركي إلى جنوبه والذي يصفه سكان الغرب الأميركي بالطريق الساحر وكان مصدر إلهام للعديد من المؤلفين الأميركيين ومخرجي السينما في هوليود.

أما في تونس فقد تناول البرنامج صناعة سروج الخيل التقليدية في مدينة صفاقس، وهي مهنة يدوية توشك على الاندثار.

وتعتبر هذه المهنة من أقدم الصناعات التقليدية التي كان لها رواج كبير، لكن انتشار السروج الحديثة وبقاء عدد قليل من صناعها وعزوف الشباب عن تعلم هذه المهنة يهدد باندثارها.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: قصة هيروشيما وناغازاكي.. والطريق الساحر بأميركا

مقدم الحلقة: عياش دراجي

تاريخ الحلقة: 1/9/2015

المحاور:

-   قصة مدينتين يابانيتين تعرضا للقصف الذري

-   الطريق المفضلة لعشاق السفر في الغرب الأميركي

-   صناعة السروج.. حرفة تقاوم من أجل البقاء

عياش دراجي: في هذهِ الحلقة: هيروشيما وناغازاكي قصةُ مدينتين بعدَ 70 عاماً على تدميرهما بقُنبلتين ذريتين، الـ Pacific highway الطريق للمُفضلة لدى عُشاق المُحيطِ والأسفار في ولاياتِ الغرب الأميركيّ، صناعةُ سروجِ الخيلِ في تونس حرفةٌ يدوية توشكُ على الاندثار.

 أهلاً بكمُ مُشاهدينا في حلقةٍ جديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، في شهرِ أغسطس/ آب من كُلِ عام تُحيي مدينتا ناغازاكي وهيروشيما ذكرى تدميرهما بقنبلتين ذريتين أميركيتين أواخرَ الحرب العالمية الثانية وبعدَ مرورِ 7 عقود لم يبق سوى مئات الناجين الذين ما زالوا فعلاً قادرينَ على تذكُرِ أهوال المشاهد المأساوية التي عاشوها تحت القصف وتذكيرِ العالم ببشاعةِ وفظاعةِ السلاحِ النوويّ وضرورةِ التخلُصِ منهُ، فادي سلامة يروي لنا في هذا التقرير قصة هاتين المدينتين من خلالِ شهاداتِ ناجين يحملون رسالةً للأجيال المُقبلة.

]تقرير مُسجل[

قصة مدينتين يابانيتين تعرضا للقصف الذري

فادي سلامة: مجموعةٌ من طالباتِ المدارسِ الإعداديةِ في مدينة هيروشيما يعزفنَ لحناً جنائزياً في مراسمِ الذكرى السنوية الـ 70 للقصفِ الذريِّ للمدينة، الأبناءُ والأحفادُ ومَن بقيَ من الناجين من القصف يزورون نُصباً تذكارياً للسلامِ ليضعوا الزهورَ ويُصلوا على أرواح الضحايا، يضمُ النصبَ قوائمَ بأسماء مَن توفوا وحجارةً حُفرت عليها عباراتُ الاستغاثة التي كانت يُطلقها المُصابون.

توشيو فوجيؤرا/ أحد الناجين من قصف هيروشيما: كانت الأجسادُ تحترق وكانَ جلدٌ البعض يتساقط وكأنهُ قد ذّاب، كانت مأساةً لا توصف.

فادي سلامة: في الـ 6 من أغسطس/آب من كُل عام تُقامُ مراسمُ لإحياءُ ذكرى أولِ استخدامٍ لسلاحٍ نوويٍّ ضِد البشرِ في العالم وقد كان لذكرى هذا العام أهميةٌ خاصة فهي تأتي في وقتٍ تشهدُ فيهِ اليابانُ أكبرَ تغييراتٍ في سياساتها الأمنية والدفاعية مُنذُ نهاية الحربِ العالمية الثانية، في كُلِ عامٍ يحضرُ عشراتُ آلاف اليابانيينَ إلى حديقة السلام التذكارية في وسطِ مدينةِ هيروشيما لإحياءِ ذكرى نحو 100 ألف شخصٍ قُتلوا في القصفِ الذريّ، تمَ اختيارُ موقعِ حديقةِ السلامِ لأنهُ يضمُ بقايا بناءٍ يُطلقُ عليهِ اليابانيون اسمَ "جيمباكودوم" ويعني قُبة القصفِ الذريّ وقد كانَ هذا البناء مركزاً لغُرفةِ الصناعةِ في مدينةِ هيروشيما قبلَ الحرب واشتهرَ حينها بقُبتهِ الفولاذية وهي التي أنقذتهُ من الانهيار التام عندما انفجرت القُنبلةُ فوقهُ تقريباً وقد أُدرِجَ ضمن قائمة اليونسكو للتراثِ العالميّ عام 1996 ليكونَ رمزاً للسلام وشاهداً على فظاعة القصف الذريّ، الناقوسُ الذي حُفرَت عليهِ كلمةُ السلامُ يُدَقُ عند الساعةِ 8:15 صباحاً وهو الوقت التي أسقطت فيهِ القاذفةُ الأميركية قُنبلةً أسماها الجيشُ الأميركيّ "little boy" أو الفتى الصغير واليومَ يأتي فتيانُ المدارس اليابانيون ليتعرفوا ضمن رحلتهم المدرسية إلى هيروشيما على موقعي سقوطِ ذلكَ الفتى الأميركيّ الصغير، القنبلةُ التي كانت تحتوي على 50 كيلوغراماً من اليورانيوم المُشع قتلت خلال الأسبوع الأول من انفجارها نحوَ 100 ألف شخص، مسحَ الانفجارُ 3 كيلومتراتٍ مربعةٍ من المدينة ولم يصمد وسطَ هذا الدمارِ سوى بناءٍ واحد، ولكن بعدَ 70 عاماً ها هي هيروشيما تُضمدُ آخرَ جراحها بتشغيل إحدى عرباتِ خط القطار الكهربائيّ التي نجَت من القصف الذريّ لتقومَ برحلةٍ على نفس الخط الذي كانت تسيرُ عليهِ قبلَ 7 عقود، لكن الضجيجَ في المدينة التي تزخَرُ بالحياة يؤرقُ نحو 100 ألف مُعمر يابانيّ يُطلقُ عليهم اسمُ "الهيباكوشا" وهُم مَن تعرضوا للإشعاعِ في القصفِ الذريّ وما زالوا على قيدِ الحياة، تسوتومو ياسوناغا أحدُ الهيباكوشا وهو يخشى أن يكون انشغالُ سُكانُ هيروشيما بحياتهم اليومية قد بددَ الكثيرَ من ذكريات القصف في وعيهم الجماعيّ، ولذلك يصطحبُ حفيدتهُ الصغيرة جوري إلى حديقة السلامِ في ذكرى القصفِ في كُل عام ليحكي لها بعض القصص عن مُعاناتهِ بينما يُعلمها رسم الـ "جيمباكودوم".

تسوتومو ياسوناغا/ أحد الناجين من القصف الذري لهيروشيما: مُتوسط أعمارِ الناجين من القصف أصبحَ 80 عاماً وخلال 15 سنوات لن يبقى بمقدورِ الناجينَ أن يُحدّثوا الناسَ عن المآسي التي وقعت ولذلك أُحاولُ أن أحكي لحفيدتي ذكرياتي عن القصفِ لتُدركَ أهميةَ السلام.

فادي سلامة: رسمت جوري الـ "جيمباكودوم" لكن عليها أن ترسمَ صورةً لمدينةٍ أُخرى ليكتملَ ألبومها عن القصفِ الذريّ، ناغازاكي أكبرُ ميناءٍ في جنوبِ اليابان، اسمُ المدينةِ يعني الخليجَ الكبير وقد كانت طوالَ 500 عامِ حتى القرن الـ 19 المنفذَ الوحيدَ لتواصل اليابانِ مع العالم لكن صداقتها الطويلةَ مع الغرب لم تشفع لها فقد كانت هذهِ المدينةُ الوادعة على موعدٍ مع كارثةٍ بعدَ 3 أيام فقط من قصفِ هيروشيما، متحفُ القصف الذريّ في ناغازاكي الذي أُقيمَ قُربَ موقع سقوطِ القنبلة يحكي قصة القصفِ الذي تعرضت لهُ المدينة ويقومُ بدورٍ كبيرٍ في التعريفِ بخطرِ الأسلحةِ النووية من خلالِ توثيقِ كُلِ ما يتعلقِ بالتجاربِ النووية التي تُجرى حولَ العالم، على إحدى جُدران المتحف توضح الوثائق اختلاف المؤرخين حولَ سبب استهداف ناغازاكي بعد هيروشيما فمنهم مَن يقول إن الهدف ردعَ الاتحاد السوفييتي حينها ومنهم مَن يقولُ إن الهدف كانَ ببساطةٍ اختبارَ قُنبلةٍ ذريةٍ من البلوتونيوم في ناغازاكي بعدَ نجاحِ قُنبلةِ اليورانيوم في هيروشيما، في وسطِ المتحف مُجسمٌ بالحجمِ الحقيقيّ للقنبلةِ التي أُلقيَت على المدينة والتي أطلقَ عليها الجيش الأميركيّ اسم "الرجل البدين"، في المتحفِ الكثيرُ من المُقتنيات وبقايا الدمار الذي وقعَ عند الساعة11:02  ظُهرَ الـ 9 من أغسطس/آب عام 1945 ويُحاولُ المتطوعين جاهدينَ أن يُبقوا على هذا التاريخ محفوراً ليسَ فقط في ذاكرةِ الزوارِ الأجانب للمُتحف بل وفي ذاكرةِ سُكانِ ناغازاكي أنفسهم.

تسورورو إيواكاوا/ متطوع من مدينة ناغازاكي: 48% من سُكانِ ناغازاكي أصبحوا لا يعرفونَ تاريخَ وتوقيتَ سقوطِ القنبلةِ الذريةِ على المدينة وهو أمرٌ مؤسفٌ جداً، ويدلُ أن علينا بذلَ جُهدٍ كبيرٍ للمُحافظةِ على ذكرياتِ الكارثةِ حيةً في أذهانِ الناس.

فادي سلامة: قتلت القنبلةُ وقتَ انفجارها 70 ألف شخصٍ وارتفعَ عددُ القتلى إلى 140 ألف بنهايةِ العام وما زالَ نحو 100 ألف من الناجينِ على قيدِ الحياة، شوئي موريغوتشي أحدُ هؤلاء وقد قررَ بعد أن تقاعدَ من عملهِ كمعلمٍ في مدرسةٍ إعدادية أن يجعلَ هدفهُ في الحياة السعيَ للتخلصِ من الأسلحة النووية في العالم، يجلسُ في كُلِ يومٍ في حديقةٍ قُربَ موقع القصفِ حاملاً معهً حقيبةً مليئةً بالمعلومات عن عددِ القنابل النووية في العالم والدول التي تمتلكها وهو لا يدخرُ أيَّ فُرصةٍ للتحدثِ عن ذكرياتِ القصفِ وخطرِ استخدامِ السلاحِ النوويّ.

شوئي موريغوتشي/ أحد الناجين من القصف الذري لناغازاكي: كانت الجُثثِ في كُل مكان ولمنعِ انتشارِ الأمراض كانَ علينا أن نحرقها، فعلنا ذلكَ لنحوِ 3 أشهر وكانت السماءُ مُعتمةً بسبب الدخان، كانت الغربان تقتلع عيونَ الضحايا وتُحلقُ بها بعيداً ثُم جاءت القواتُ الأميركية ومعها جرافات فردمَت موقع سقوط القنبلة خوفاً من الإشعاع تحتَ 3 أمتار من الركام.

فادي سلامة: بعدَ القصفِ بـ 20 عاماً تقريباً قامت بلديةُ ناغازاكي بحفرِ موقعِ سقوطِ القنبلة والتنقيبِ فيه فعثرت على بقايا بيوتٍ وأغراضٍ منزلية ورُفاتِ نحوِ 500 شخصٍ كانوا يعيشونَ في هذا المكان وما زالوا مدفونينَ فيه، وكشفت الحفرياتُ أيضاً مجرى نهرٍ صغيرٍ كانَ يوجدُ في مكان سقوطِ القنبلة فأعيدَ ترميمُ المجرى والجسر الحجريّ الذي كانَ يمُرُ فوقهُ  وتم استخدامُ جميع الأحجار الأصلية في البناءِ بعد تنظيفها حجراً حجراً وها هي المياهُ النقية تعودُ للانسيابِ في نفسِ المجرى الذي كانت تمرُ عبرهُ قبلَ 7 عقود، هذا هو الموقعُ الذي سقطت فيهِ القنبلة الذريةُ على ناغازاكي قبلَ 70 عاماً وكان يُعتقدُ بأن الأشجار لن تنموَ فيهِ أبداً لكن سُكانَ المدينة قاموا بإعادة إعمارِ المكان بشكلٍ كامل ليوجهوا رسالةَ أملٍ للعالم بأن تكونَ مدينتهم آخرَ مكانٍ يتعرضُ للقصفِ بسلاحٍ نوويّ، فادي سلامة لبرنامج مراسلو الجزيرة، ناغازاكي.

]نهاية التقرير[

عياش دراجي: ومن اليابان إلى الولايات المتحدة الأميركية حيثُ تُعتبَرُ الطريقُ الساحليةُ السريعة التي تمتدُ من شمالِ الغرب الأميركيّ إلى جنوبهِ من أشهر الطرقِ التي يسلكها هواةُ السفرِ براً، بدأت أعمالَ إنشائها في عشرينيات القرن الماضي واستمرت إلى الستينيات وسُرعانَ ما اكتشفَ الأميركيون مُتعةَ السفرِ ومُتعة النظر في المشاهدِ والمناظر الطبيعية المُطلة على المُحيط الهادي، ناصر الحُسيني يُعرفنا بهذهِ الطريق التي يعتبرها البعض من أجمل الطرقِ في العالم.

]تقرير مُسجل[

الطريق المفضلة لعشاق السفر في الغرب الأميركي

ناصر الحُسيني: طريقٌ جبليٌ أحياناً ساحليٌّ في مُعظمِ الأحيان، بالنسبةِ لسُكان الساحل الغربيّ الأميركيّ الـ Pacific highway طريقٌ ساحرٌ ألهمَ وما يزال الموسيقيين والمؤلفين ومُخرجي هوليود، في عشرينيات القرن الماضي افُتتح الطريقُ أمامَ الأميركيين سُرعانَ ما برزت أهميتهُ للساحل الغربيّ منذُ لحظتهِ الأولى، كريس مؤلفٌ كتبَ عن الرحلاتِ والأسفار يُعتبرُ الآن من أكبرِ العارفين بخبايا الـ Pacific highway، يقولُ كريس أنهُ يقودُ سيارتهُ على هذه الطريق كُلما كانَ بحاجةٍ للاستراحة من عناءِ الحياةِ في لوس أنجلوس أو عندما يكونُ بحاجةٍ للإلهام.

كريس ابتينغ/صحفي ومؤلف كتب رحلات وأسفار: Pacific highway بالنسبةِ لي هي العمودُ الفقريُّ لكاليفورنيا كُل شيءٍ في هذهِ الولاية يعتمدُ عليها، سيستمرُ الناس في قيادةِ سياراتهم جنبَ المُحيط ولن يتغير هذا في السنواتُ المُقبلة، ستكونُ هناك دائماً تلكَ التجربةُ الإنسانية بالعودةِ إلى البحرِ لسماعِ صوتِ أمواجهِ واستنشاقِ رائحتهِ.

ناصر الحُسيني: في آنٍ واحد توصلُ هذهِ الطريق مُرتاديها نحوَ شواطئ البحر أو نحوَ الجبال وتُعززُ في الوقتِ ذاتهِ النموَ والانتعاش الاقتصادي للعديدِ من البلدات الأميركية الصغيرة، بعضها انتعشَ بسبب هذهِ الطريق الساحلية وما تأتِ بهِ من زوارٍ وسيُاح مثل بلدة هرمز الصغيرة أو Huntington beach عاصمةِ رياضةِ ركوبِ الأمواج في أميركا، أو بلداتٍ أُخرى أصبحت مُنتجعاً سياحياً عالمياً كما هو الشأن في Laguna beach، صحيحٌ أنها بلداتٌ صغيرةٌ على الساحل الغربيِّ الأميركيّ لكن صيتها ذاعَ لدى الأميركيين وما كانت لتكونَ كذلك لولا الـ Pacific highway التي جلبت المالَ والتجارةَ والمُستهلكين، هذا العام واعتماداً على شُهرة الـ pacific highway نظمت بلدية Huntington beach مُسابقةَ غينيس لتسجيل الرقم القياسيّ في ركوبِ الأمواجِ جماعياً، تمَ تسجيلُ الرقم العالميّ بالفعلِ هُنا في ذلكَ اليوم أمام جمهورٍ واسعٍ من عُشاقِ هذه الرياضة الذينَ وصلوا بالسيارات من كافة المناطق عبرَ الـPacific highway.

جولي توليدو/ سائحة أميركية: هذهِ الطريق تربطُ الكثيرين بعشق المُحيطِ والأسفارِ من لوس أنجلوس نحو الشمال، سافرت قبلَ أيام إلى سان فرانسيسكو على الـ Pacific highway إنها حقاً أجملُ طريقٍ في العالم.

ناصر الحُسيني: المهندسُ الأميركيّ اللُبنانيُّ الأصل عصام علمُ الدين لهُ أيضاً قصةُ عشقٍ مع الـ Pacific highway لأن الجبال المُحيطةُ بها تُذكرهُ بلبنان، كمهاجرٍ عربيّ انتهى بهِ المطاف مُهندساً للطرق والـ Pacific highway من بينِ مهامهِ اليومية إذ تُراقبُ مصلحة الطرق بكاليفورنيا حركة السير والحوادث وتسهرُ على الترميمِ والإصلاح.

عصام علم الدين/ مهندس طرق: نحنُ مَن يسهرُ على تشغيلِ هذهِ المنظومة مُهمتنا أن تكونَ الـPacific highway سلسةً بشكلٍ يُمكِّنُ السياراتِ من المرور ويُسهلَ حركة السُكان المحليين والسياح، الـ Pacific highway شريانُ حياةٍ بالنسبةِ للشمالِ والجنوب وكافةِ البلدات الساحلية.

 ناصر الحُسيني: بُنيَت الـ Pacific highway ابتداءً من عشرينيات القرن الماضي وتمَ بناؤها وتشيديها على مراحل بدءاً من مناطق الشمال بولاية أوريغن واستغرقت عمليةُ البناءِ والترميم إلى غاية الخمسينات والستينيات من القرن الماضي وكانَ الرئيس الأسبق أيزنهاور من أوائل المُشجعين لهذا المشروع وسُرعان ما اكتشفَ الأميركيون بالفعل زخمَ تلكَ الطريق وجمالها وقيمتها، على مدى عشرات السنين بنَت الولايات المُتحدة ولا شك عشرات الآلاف من الكيلومترات من طُرقِ السيارات السريعة المُجهزة الحديثة لكن كُل هذهِ الطرق الحديثة لم تتمكن حقيقةً من القضاء على مكانة الـ PCH كما يُسمونها هُنا في قلوبِ الأميركيين، أصبحت الآن الـ PCH هذهِ الطريق الساحلية على مدى الساحل الغربي الأميركي علامةً وأيقونةَ الثقافةِ الشعبيةِ الأميركية، ناصر الحسيني لبرنامج مراسلو الجزيرة، ولاية كاليفورنيا.

]نهاية التقرير[

عياش دراجي: مُشاهدينا الكرام نُتابعُ معكم هذهِ الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل صناعةُ سروجِ الخيل في مدينة صفاقس التونسية حرفةٌ يدوية توشكُ على الاندثار.

]فاصل إعلاني [

عياش دراجي: أهلاً بكم من جديد، تُعتبر صناعةً سروج الخيل في مدينةِ صفاقس التونسية من أقدمِ المهن اليدوية التقليدية التي توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد وكان لها رواجٌ كبير لكن مع انتشار السروجِ المستوردة وعزوفِ الجيل الجديد عن تعلمِ أُصولِ هذهِ المهنة لم يبقَ سوى عددٍ قليل من الحرفيين المُختصين ما زالوا أوفياءَ لمهنةٍ كانت تُدرُ عليهم ربحاً وفيراً قبلَ تبدل الحال، حافظ مريبح زارَ البلدة القديمة في صفاقس والتقى آخر صُناعِ السروج العربيةِ الأصيلة.

]تقرير مُسجل[

صناعة السروج.. حرفة تقاوم من أجل البقاء

حافظ مريبح: مدينةُ صفاقس أو عاصمةُ تونسِ الاقتصادية كما يُسميها أهلها هُنا يطغى نسقُ الحياةِ العصرية على يومياتِ الناس لكن المشهدِ داخلَ أسوارِ المدينةِ العتيقة يبدو مُغايراً، في الأزقة الضيقة يُقابلكَ ما لا تجدهُ خارج أسوار البلاد العربي كما تُسمى هُنا مثل عروضِ رقصة اسطنبولي التي تُقامُ في الأزقة تبركاً بأحد الأولياء الصالحين قبلَ ذبحِ عنزٍ يُوزعُ لحمهُ على الفقراء، لكن اللافتَ أيضاً وجودُ حرفاً يدويةٍ توشكُ على الاندثار كصناعةِ سروجِ الخيول فهُنا لم يبقَ من السوقِ إلّا محلٌ واحد، دخلنا إلى الداخل للقاء المُنذر وهو آخرُ صُناعِ السروجِ العربيةِ الأصيلة في صفاقس، تعلمَ المنذر أُصولَ الحرفة مُنذُ نعومة أظافرهِ وتدرجَ في تعلمها حتى أصبحَ سرّاجاً ماهراً.

المنذر بوغريو/ سرّاج تقليدي: أول ما بدأنا بهِ هو تشميع الخيط، كُنا 7 أشخاص في محل واحد، نقوم بتحضير الخيط ليجدهُ الحرفيون جاهزاً في الصباح، ظللت 12 عاماً أتعلم الحرفة لذا لا يُمكنني التفريط بها بتاتاً فهي تُمثل حياتي.

حافظ مريبح: صناعةُ السروجٍ في نظرهُ تُمثل جُزءا ًمن تاريخ البلاد والمنطقة رغمَ كونها صارت مُهددةً بالاندثار وهو ما جعلهُ يتحفظُ بمستلزمات عملهِ بعنايةٍ في محلهِ الصغيرِ الذي تشهدُ جدرانهُ وزواياهُ على حقبٍ تاريخيةٍ مضت.

المنذر بوغريو: سرج الفارس بهِ مكان لمسدس الرصاص حاربنا بهِ وأخرجنا بهِ الاستعمار الفرنسي أمّا الآن فصارَ استعمالهُ مُقتصراً على العروض والمهرجانات أو الأعراس.

حافظ مريبح: يبدو المحلُ صغيراً ومظلماً تشتدُ داخلهُ درجاتُ الحرارة وتكتظُ زواياهُ بالسلعِ والجلود فهُنا تجدُ كُلَ مستلزمات صناعة السروج العربية الأصيلة حتى أن المحلَ صارَ قبلةً لزبائنَ يقصدونهُ من ليبيا والجزائر لكن صناعةَ السرجَ لا تتطلبُ مهارةً يدويةً فحسب بل أيضاً الكثير من الصبر والتركيز فصناعةُ السرج الواحد تستغرقُ قُرابة شهرٍ من الزمن تمُرُ خلالهُ بمراحلٍ مُختلفة تتطلبُ تدخل عدداً من الحرفِ كالنجارةِ والحدادةِ والدباغةِ والتطريزِ والخياطة لكن المرحلةَ الأهم تتم هُنا في محلِ مُنذر وهي إكساءُ هيكلُ السرجٍ بالجلد، تبدأُ بعدها مراحلُ أُخرى في حياةِ السرج مثلاَ صناعةِ أجزائهِ المُختلفة التي تشملُ عدداً من القطعِ كحاملةِ الخراطيشِ والأحزمةِ المُختلفة وغطاءِ الحصان الجلديِّ المُزركش والكمامةِ وغيرها لتنتهي العمليةُ بطرزِ هذه القطع وتكونُ النتيجةُ بعدها سرجاً جميلاً ومتيناً، لكن ارتفاعَ سعرِ السروج العربية وتراجع الإقبالِ على هذهِ الحرفة جرّاءِ وفاةِ أغلبِ الحرفيين وعدم إقبالَ الشباب عليها جعلها تواجهُ خطرَ الاندثار فمُنذر هو آخُر سرّاجٍ في صفاقس صارَ يخشى أن تنقرضَ حرفتهُ من بعدهُ.

المنذر بوغريو: أخاف أن تندثر مهنتي بعدي لأنهم لا يعرفونَ قيمتها.

حافظ مريبح: غيرَ بعيدٍ عن محلِ صُنعِ السروج داخل المدينة العتيقة لمسنا نفسَ الخشيةِ عند رئيسِ غُرفة صُنعِ الجلود الذي يرى أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي حتماً إلى اندثارَ عددٍ من الحرف التقليدية ومنها صناعةُ السروج في ظِل تواصلِ ارتفاع أسعارِ المواد الأولية وعزوفِ الشباب، لكن ما يزيدُ في مصاعبِ حرفةِ صناعةِ السروج يُمكنُ فهمهُ هُنا في نادي الفروسية حيثُ يُفترَضُ أن يزيدَ استعمالُ السروجِ المحلية لكن الواقعَ يُحتمُ غيرَ ذلك فارتفاعُ أسعارِ السروج التقليدية المحلية يدفعُ أغلبَ مُمارسي رياضة الفروسية إلى الالتجاء إلى السروج المستوردة التي عادةً ما يكونُ سعرها أقلَ بكثير.

ناظم كسكاس/ أمين مال نادي عزيز للفروسية: نحنُ نُفضل نشتري السلعة المستوردة كما نقولها، علاش؟ الحاجة الأولى أرخص يعني ثمة اختلاف كبير ما بين السرج العربي الصُنع المحلي ما بين السرج اللي يستورده المُستورد.

حافظ مريبح: لا يقفُ الأمرُ عندَ ذلك الحد فاستعمالُ السروج العربية التقليدية كتلكَ التي يصنعها في المدينة العتيقة مُنذر بوغريو يبقى مُقتصراً على المهرجانات وعروض الفروسية التقليدية التي تُقامُ خلال الأعراس وهو ما يُفسِّرُ ضعفَ الإقبالِ عليها أمّا بالنسبةِ لرياضة الفروسية فالأمرُ مُختلف حيثُ يحتاجُ الفرسانُ إلى سروجٍ خفيفة عكسَ السرج التقليديّ الذي عادةً ما يكونُ وزنهُ ثقيلاً، تُعتبرُ جودة السرجِ من أوكدِ الأولويات بالنسبةِ للفرسان لكن رغمَ ذلكَ تواجه ُهذهِ الصناعةُ في تونس خطرَ الاندثار في ظِل عزوفِ الشباب عنها، حافظ مريبح، الجزيرة، صفاقس تونس.

]نهاية التقرير[

عياش دراجي: وبهذا التقريرِ من تونس عن صناعةِ السروج نأتي مُشاهدينا الكرام إلى ختامِ هذهِ الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة، موعدنا يتجددُ الأسبوع المُقبل، دُمتم بخير والسلامُ عليكم.