عرجت حلقة (27/10/2015) من برنامج "مراسلو الجزيرة" على محطات ثلاث: معاناة الشيدي، وهم مواطنون باكستانيون من أصل أفريقي، ومساعي الحفاظ على هوية غابات بورنيو في ماليزيا، إضافة إلى تجربة يابانية في حماية أسماك التونة من الانقراض.

في باكستان وتحديدا في إقليم السند (جنوب) يعيش الشيدي منذ مئات السنين، حيث هجروا إلى هناك في عهد الاستعمار البريطاني ليستخدموا جنودا وعبيدا تحت إمرة جيش التاج البريطاني. ورغم أنهم يتمتعون اليوم بحقوق متساوية مع بقية الباكستانيين، فإنهم يشتكون من التمييز في الوظائف.

ويعيش الباكستانيون من أصول أفريقية في مناطق فقيرة، ويشير غلام مصطفى -وهو من الشيدي- إلى فقدان أطفالهم للتعليم، بينما تشتكي ربة البيت نسيمة من أن الناس يعاملون أبناء جلدتها كبقايا عبيد، وأنهم لا يمنحون إلا وظائف متواضعة كتنظيف البيوت والزراعة والصيد.

واللافت أن هؤلاء السكان فقدوا كل صلتهم ببلدانهم الأصلية في أفريقيا، بما في ذلك اللغة، ولم يبق لهم سوى رقصات تعبر عن الهوية الأفريقية.

في ماليزيا يتعلق الأمر أيضا بسكان يسعون للحفاظ على هويتهم وعلى نمط حياتهم في غابات بورنيو بولاية ساراواك. وينتمي معظم هؤلاء السكان إلى قبيلتي الديباك والإيبان.

لا تزال مئات الأسر متمسكة بالعادات المتوارثة، مثل العيش تحت سقف واحد والطهي الجماعي، وهي عادات تشجعها السلطات المحلية باعتبارها تجذب السياح إلى هذه المنطقة، مثلما يؤكد وزير السياحة في حكومة الولاية طالب ذو الغالب.  

غير أن أحد سكان المنطقة يدعى جوسمان جنكين يقول إن حياتهم بدأت تتغير.

محمية طبيعية
في قلب غابات بورنيو توجد أكبر محمية طبيعية في العالم، وتضم غابات موحشة وأنواعا مهددة بالانقراض. وتعد هذه المحمية وجهة لسياح أجانب لجمالها، وتصفها سائحة أميركية بأنها مدهشة ورائعة.

وبعيدا عن الغابات والطبيعة، جالت حلقة "مراسلو الجزيرة" في جزيرة أوساكا اليابانية، حيث توجد مزارع خاصة لزيادة أسماك التونة وحمايتها من الانقراض، وهو مشروع واعد أقامته إحدى الجامعات بعد الحرب العالمية الثانية لتأمين الاكتفاء الذاتي من الغذاء البحري لليابانيين.

المشروع هو الأول من نوعه في العالم، ويقول الأستاذ في جامعة كينيكي توكيهرو أوكادا إنه ورفاقه تمكنوا عام 2002 -بعد أبحاث متواصلة ولأول مرة في العالم- من توليد أول سمكة تونة من أسماك ولدت في الأسر.

تجدر الإشارة إلى أن أسماك التونة تعد الغذاء الرئيسي لليابانيين، وتستخدم في صناعة السوشي الذي يعد سوشي التونة من أغلى أنواعه.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة                                                                      

عنوان الحلقة: الشيدي، غابات بورنيو ومزارع التونة

مقدم الحلقة: عبد القادر فايز

تاريخ الحلقة: 30/6/2015

المحاور:

-   الأفروباكستانيون.. ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة 

-   غابات بورنيو تراث تاريخي هام  

-   مزارع خاصة لزيادة أعداد أسماك التونة في اليابان

عبد القادر فايز: في هذه الحلقة، الشيدي مواطنون باكستانيون من أصل إفريقي يعيشون ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة، جزيرة بورنيو الاستوائية محاولات للحفاظ على هوية سكانها الأصليين وحماية الأنواع النادرة فيها، وفي اليابان مزارع خاصة لزيادة أعداد أسماك التونة وحمايتها من الانقراض.

أهلاً بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، يعرفون محلياً باسم الشيدي يعيشون في جنوب باكستان في أحياء فقيرة منعزلة، هُجروا أبان فترة الاستعمار البريطاني إلى مدن إقليم السند ليستخدموا كجنود وعبيد تحت إمرة جيش التاج البريطاني، ورغم أنهم اليوم يتمتعون بحقوق متساوية مع بقية الباكستانيين إلا أنهم يعيشون ظروفاً اجتماعية ومعيشية صعبة، عبد الرحمن مطر يروي لنا في هذا التقرير قصة الأفروباكستانيين أو التشيدي.

[تقرير مسجل]

الأفروباكستانيون.. ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة

عبد الرحمن مطر: مسيرة راقصة على صوت قرع الطبول وأنغام وأهازيج لا يفهم كلماتها أيٌّ من المشاركين الذين لا يدركون مغزى التمايل والحركات الراقصة التي يؤدونها، قد يتبادر إلى الذهن أننا في أفريقيا لكن في الواقع نحن في إقليم السند جنوبي باكستان وهؤلاء بضع عشرات من نحو مليوني تشيدي يعيشون هنا منذ قرون، قليلة جداً هي الموروثات الثقافية التي تمكن الشيدي أو الأفروباكستانيين من الاحتفاظ بها خاصة مع فقدانهم بالكامل للغاتهم الأصلية وكل ما ترونه هنا مجرد رقصات لا تحمل هوية واحدة أو معروفة، لكن الصورة ليست دائماً مبهجة فبالانتقال إلي أيٍّ من الأحياء السكنية التي تقطنها مجموعات من الشيدي تُدرك على الفور حجم المعاناة التي يعايشها هؤلاء وتستمع لكثير من التساؤلات وعن كل شيء.

غلام مصطفى/ شيدي: الشيدي يعيشون هنا منذ مئات السنين ولكن كما ترون لا تملك أي عائلة منزلاً خاصاً بها وليس لأي فرد من الشيدي وظيفة حكومية بل غالبيتنا عمال بأجرة يومية أطفالنا بلا تعليم وليس لهم إلا حر الصيف وأوساخ الشارع.

عبد الرحمن مطر: داخل بيوت الشيدي تزاحم على مساحة قليلة وفوق فرش بسيط ما يكشف عن حالة من الفقر المدقع لا مثيل لها ربما تكاد تخنق من يفترض أنهم باكستانيون كغيرهم على الأقل بحسب نص القانون.

نسيمة/ ربة منزل: لا يسمح لنا بمزاولة كل المهن فالمجتمع يعتبرنا مجرد بقايا عبيد وجُل ما يمكن أن نقوم به أعمال كلها متواضعة كتنظيف البيوت والزراعة والصيد.

عبد الرحمن مطر: حالة من البؤس المتوارث إذاً وعلى امتداد أجيال متتابعة سيطرت ولا تزال معالمها واضحة حتى الآن على كافة مجالات الشيدي أو الأفروباكستانيين. قرون عدة مرت على وجودهم هنا بإقليم السند فقدوا خلالها كل صلة لهم بالمواطن الأصلية التي جاؤوا منها ولم يتبق لهم ربما إلا السحنة المميزة وبعض الأمل بمستقبل يختلف عن الماضي، قليلة جداً هي قصص نجاح الأفروباكستانيين في الخارج ولو جزئياً من دائرة كونهم أصلاً من العبيد والغلمان الذين جُلبوا إلى هنا على مدار قرون للخدمة وللمشاركة في الحروب، التعليم يحظى الآن ببعض الاهتمام بعد ما منعهم خوفهم من الاختلاط بالآخرين من الالتفات لأهميته، بعض الشيدي وممن عرفوا وسمعوا عن فوائد التعلم تجرأ على إرسال أبنائه لمدارس خاصة.

رضا محمد خاصخيلي/ مدير مدرسة خاصة: استغرقت أعواماً لأقنع من حولي من الشيدي بإرسال أبنائهم للمدرسة قلت لهم إن الرسوم هي ثلاثة دولارات للطالب شهرياً وشرحت لهم أهمية التعلم وكيف أنه سيساعد أبناءنا على تجنب ما مررنا نحن وآباؤنا وأجدادنا به.

عبد الرحمن مطر: التكوين البدني الخاص وفي ثناياه قوة عضلية متوارثة وقدرة  على تحمل مجهود مضاعف ساهمت وإلى حد كبير في تميز كثيرين من الشيدي في رياضتي كرة القدم والملاكمة، أما مهنة المتاعب فلم تحظَ إلا بزميل واحد حتى الآن في طول باكستان وعرضها.

أكبر بلوش/ مصور صحفي: أينما ذهبت لالتقاط صور للصحيفة التي أعمل بها يظن الناس أو حتى رجال الشرطة أنني صحفي أجنبي من أفريقيا، وعندما أتحدث معهم باللغة المحلية يدركون أنني شيدي فيتغير أسلوب التعامل فوراً بل ينقلب فوراً والحقيقة أن معظم أفراد المجتمع وحتى المتعلمين يتعاملون معنا على أننا مجرد عبيد.

عبد الرحمن مطر: يتعامل معهم على أنهم مجرد عبيد، هذه الجملة تحديداً دفعت بعضاً من الأفروباكستانيين لمحاولة التقرب من بعضهم أكثر فأقيم اتحاد الشيدي الوطني الذي لم ينجر وربما بسبب تواضعه الملحوظ إلا القليل منذ إنشائه قبل أكثر من 10 أعوام.

يعقوب عمبراني/ رئيس اتحاد الشيدي الوطني: الحقيقة أننا كفئة تعيش في المجتمع لم نعش بعضاً البعض بشكل معمق فلم نأتِ بالأساس من مكان واحد واتحاد الشيدي ما هو إلا مجرد محاولات لتلمس أوضاعنا المعيشية وربما نتمكن من تأييدِ بعضنا البعض في حالة خلاف مع الآخرين مثلاً على دفع إيجار بيت أو دفن ميت أو علاج مريض.

أختر بلوش/ كاتب وباحث في التاريخ: تاريخ وواقع حال الشيدي مؤلم فهم منتشرون جغرافياً ومعظمهم يعمل حتى الآن لدى الإقطاعيين الكبار وملاك الأراضي وكانوا دائماً عرضة لسخرية العامة للون بشرتهم لكن مؤخراً بدأنا نلحظ بعض التغير مع إنشاء اتحاد المعلمين للشيدي.

عبد الرحمن مطر: من فوق مراكب وسفن البحر التي حملت أجدادهم قبل مئات السنين يجتهد الأحفاد في صيد الأسماك وما يرتبط بها من أنشطة فالأهم بالنسبة لهؤلاء تنفس عبق بحر كان بمثابة جسر أوجدهم في عالم واقعي يعيشونه دون ماضٍ جاؤوا منه.

عبد الرحمن مطر: ارتباط الأفروباكستانيين بالبحر قديم فعبره جاؤوا أو بالأحرى جيء بهم، ومن خياراته يسترزق كثيرون منهم وبين هؤلاء تحديداً الذين يعرفون البحر أكثر من غيرهم من يحلم بعبوره كاملاً علّه يتمكن من رؤية موطنه الأصلي هذا بالطبع إن عرف من أين تحديداً جاء أجداده، عبد الرحمن مطر لبرنامج مراسلو الجزيرة- إقليم السند.

[نهاية التقرير]

عبد القادر فايز: ومن باكستان إلى ماليزيا حيث توجد إحدى أكبر المحميات الطبيعية في العالم التي تضم العديد من الأنواع معظمها مهدد بالانقراض، أما سكانها الذين ينتمي معظمهم إلى قبائل الدياك والإيبان فما زالوا يكافحون بهدف الحفاظ على هويتهم، من أعماق غابات برونيو يطلعنا سامر علاوي على مساعي الحفاظ على البيئة ونمط حياة القبائل.

[تقرير مسجل]

غابات بورنيو تراث تاريخي هام

سامر علاوي/ مدينة ميري- ولاية ساراواك الماليزية: احتفالاتٌ بمناسبة انتهاء موسم حصاد الأرز في غابات بورنيو في ولاية ساراواك الماليزية فرصة لسكانها الأصليين من قبائل الدياك والإيبان كي يستعيدوا تراثهم ورغم تأثر سكان البيوت الخشبية الطويلة ببعض مظاهر المدنية إلا أن أكثر من 120 أسرة لا تزال متمسكة بالعيش تحت سقف واحد وتشجعها السلطات المحلية على استثمار تقاليدها سياحياً.

طالب ذو الغالب/ وزير السياحة في حكومة ولاية ساراواك: برنامج إقامة السياح في البيوت الطويلة تدار من قبل السكان أنفسهم حيث يستمتع الجميع بالطهي الجماعي والجولة في الأدغال وهذا له مردود سياحي جيد.

سامر علاوي: هجرت أسرة جوسمان مواقد الحطب واستبدلتها بمواقد حديثة على الغاز، خطوة قد تساعد في الحد من قطع أشجار الغابة والحفاظ على البيئة لكن جيل الآباء والأجداد لم يستوعب بعد اهتمامات الجيل الجديد المولع بأدوات التكنولوجيا الحديثة التي وصلت أعماق الغابة.

جوسمان جنكين/ من سكان البيوت الطويلة: لقد تغيرت حياتنا فلم نعد نعتمد على بيع أعشاش الوطواط وأصبحنا نعتمد أكثر على أشجار زيت النخيل.

سامر علاوي: تحول أول معلم للبترول اكتشف في ماليزيا إلى معلم تاريخي وقد ساهم النفط منذ أكثر من قرن في تغيير نمط الحياة بمنطقة ميري التي أضحت مدينة عصرية لكن على حساب أشجار الغابات، وما أن تحولت الاكتشافات النفطية إلى البحر حتى جلبت معها أزمات سياسية تنذر بحروب، إطلالة من شاطئ مدينة ميري على المنشآت النفطية في بحر جنوب الصين تكفي لإدراك حجم المخاطر المحدقة بالبيئة من جهة البحر، أما في البر فهناك مخاطر من نوع آخر تتربص بغابات بورنيو على الرغم من إعلان أجزاء منها مناطق محمية، عبورٌ اضطراري إلى واحدة من أكبر المحميات الطبيعية في العالم محمية مياه بجزيرة بورنيو جزء من محمية قلب بورنيو المشترك بين ماليزيا واندونيسيا وبروناي، تبدو غاباتها موحشة لكن سكانها لا يحذرون إلا من تماسيح تعايشوا معها رغم أنها فتكت بالكثير منهم، أما خبراء البيئة فيحذرون من القضاء على كل ما في الغابة من شجر وطير وحيوان على يد البشر، وهو أمر تطلّب تعاوناً إقليمياً ودولياً فأعلنت محمية قلب بورنيو عام 2007.

مياني سيبياني/ خبيرة في مجال الغابات: الحفاظ على التنوع البيئي أمر في غاية الأهمية واختلاف التشريعات وأنظمة البيئة والأولويات بين ماليزيا واندونيسيا تحدٍّ يجب تجاوزه وقد أصبح لدينا تنسيق جيد وطورنا أفكارنا وخطتنا بفضل تعاون جهات مختلفة مثل الإعلام.

سامر علاوي: مسارات طويلة تحمي السياح من خطر الزواحف مثل الأفاعي قد توفر لسكان الغابات مروداً اقتصادياً يغنيهم عن قطع الأشجار لكنها بنيت بأخشاب الغابة المراد حمايتها كي توصل إلى أقدم مكان عُرفت فيه الحياة البشرية في جنوب شرقي آسيا واليوم يستغله رجال الغابات لجمع أعشاش الوطاويط وبيعها.

ريتشي فرانسيس/ مرشد سياحي: تعيش طيور الوطواط هنا بكثرة ويشتري الصينيون أعشاشها كي يصنعوا منها حساء يقولون إن فيه فوائد صحية.

تينا سافارد/ طالبة جامعية أميركية: هذه التجربة فتحت ذهني على أشياء كثيرة فلم أكن أعرف شيئاً عن جزيرة بورنيو وغاباتها وثقافة شعبها قبل أن آتي إلى هنا، الأمور هنا مدهشة ورائعة.

سامر علاوي: جدل أثير مبكراً وما زال يتفاعل بشأن كيفية الحفاظ على غابات بورنيو الاستوائية وفي الوقت نفسه مساعدة سكانها على اللحاق بموكب الحداثة والعصرنة، هنا يجمع الأكاديميون على مفتاحين رئيسيين هما التعليم والإعلام.

جيم مينسكوفيسكي/ رئيس جامعة كارتين: يجب أن يتم التركيز أولاً على التوعية بالحرص على الموارد البيئية باعتبارها محدودة وتمثل المستقبل وليست مجرد مورد استهلاكي مثل قطع الأشجار.

سامر علاوي: اهتمام بالتقاليد المحلية في الجامعة الوحيدة شمال ولاية سروان، ولكن بسرعة كبيرة تتحول الغابات هنا إلى شوارع ومبان خرسانية، مظهر يواكب تقدما اقتصادياً لكن خبراء البيئة يقولون إنه قد لا يعفي الجيل الحالي من لعنة أجيال مقبلة لن تتقبل مبررات تدمير البيئة التي ستعيش فيها، مدينة ميري التي ازدهرت بفضل مواردها الطبيعية تقف أمام تحدي الموازنة بين التحول إلى المدنية والحفاظ على التراث وبين التقدم الاقتصادي والحفاظ على الرئة التي تتنفس بها وهي غابات جزيرة بورنيو الاستوائية، سامر علاوي لبرنامج مراسلو الجزيرة- ولاية ساراواك الماليزية.

[نهاية التقرير]

عبد القادر فايز: مشاهدينا الكرام نتابع معكم هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وفيها بعد الفاصل: مزارع خاصة لزيادة أعداد أسماك التونة وحمايتها من الانقراض.

[فاصل إعلاني]

عبد القادر فايز: أهلاً بكم من جديد، يعتبر اليابانيون من أكثر الشعوب استهلاكاً لأسماك التونة التي تستخدم بكثرة في السوشي، ويعتبر سوشي التونة من أغلى أنواع السوشي على الإطلاق، وبسبب تناقص أعداد الأسماك يتم الآن تربيتها وإكثارها في أحواض داخل البحر، وقد حققت جامعة يابانية سبقاً علمياً عبر إكثارها أسماك التونة داخل أحواض اصطناعية ضمن برنامج هو الأكبر على الإطلاق في حماية أسماك التونة من الانقراض، فادي سلامة ومزيد من التفاصيل في التقرير التالي.

[تقرير مسجل]

مزارع خاصة لزيادة أعداد أسماك التونة في اليابان

فادي سلامة/ طوكيو: يُطلق اليابانيون ألقاباً كثيرة على أسماك التونة التي يسمونها "ماغرو" بلغتهم فهي ملك السوشي لطعمها و"بورش البحر" لسرعتها لكن لقبها بين الصيادين في خليج جزيرة كيوشيما هو الألماسة السوداء، جامعة كينكي ومقرها مدينة أوسكا اختارت هذا الخليج المطل على المحيط الهادئ لتقيم فيه قبل 50 عاماً أول مزارع لأسماك التونة في العالم. هذه هي المنطقة هي منطقة كوسيموتو في محافظة وكيما في غربي اليابان، وتعتبر المياه في هذه المنطقة مثالية لتربية أسماك الماغرو أو التونة التي تعتبر غذاء رئيسياً بالنسبة لليابانيين. خسرت اليابان في الحرب العالمية الثانية مساحات شاسعة من الأراضي والمناطق البحرية التي كانت تسيطر عليها وأصبح أمن غذائها البحري مهدداً فأطلقت الجامعة بعد الحرب مشروعاً رائداً لتأمين الاكتفاء الذاتي من الغذاء البحري بإقامة مزارع لإكثار أسماك التونة ذات الزعنفة الزرقاء التي تعتبر أفضل وأغلى أنواع التونة في العالم، وزاد من أهمية المشروع تراجع أعداد أسماك التونة بنحو الثلث خلال العقدين الماضيين بسبب الصيد الجائر وقيام الصيادين بأسر نحو 700 ألف سمكة من صغار التونة سنوياً لتربيتها في مزارع بحرية ما يمنع تكاثرها الطبيعي.

توكيهرو أوكادا/ أستاذ في جامعة كينكي: طوال عشرين عاماً لم تكن الأسماك تتجاوز في الأسر ولذلك لم تكن هناك بيوض، وبعد الأبحاث المتواصلة تمكنا في عام 2002 ولأول مرة في العالم من توليد أول سمكة تونة من بيوض أسماك وُلدت في الأسر.

فادي سلامة: الأستاذ أوكادا يعمل في معهد كينكي لأبحاث التونة منذ 35 عاماً وكانت مهمة فريقه شبه مستحيلة فأسماك التونة تعرف بأنها أسماك كبيرة قد يصل طولها لثلاثة أمتار ووزنها إلى 300 كيلوجرام وهي تجوب البحار والمحيطات قاطعة آلاف الكيلومترات وبسرعة تصل إلى 70 كيلومتراً بالساعة، وكل هذه الصفات تجعل من إكثارها في مزارع ضيقة تحدياً كبيراً، ومع توليد الجيل الثاني من أسماك التونة من البيوض اكتملت دورة الإكثار وأصبحت التونة الجديدة أكثر مقاومة للأمراض وأقل تأثرا بظروف الأسر التي كانت تتسبب بموت آبائها، ومع ذلك ما زالت نسبة البيوض التي تعيش لتصبح أسماكاً بالغة نحو 2% فقط، وبعد أخذ البيوض من الأسماك الملقحات توضع في أحواض خاصة وفي ظروف تحكم صارمة بمستوى الضوء ودرجة حرارة الماء وملوحته لمدة 30 يوماً ليصل طولها إلى 5 سنتيمترات ثم تنقل إلى الأحواض البحرية لتربيتها، وعندما يبلغ وزن السمكة 500 غرام تباع للصيادين ليربوها في مزارعهم، وبذلك لا يحتاج الصيادون لصيد صغار التونة من البحر وبهذه الطريقة تساهم الأبحاث في وقف الصيد الجائر وإكثار أسماك التونة الطبيعية، وقد تمكنت الجامعة من تأمين نحو 60 ألف سمكة صغيرة سنوياً وتأمل بأن ترفع العدد إلى 200 ألف سنوياً، ولتأمين الأموال اللازمة للأبحاث تدير الجامعة مشروعاً تجارياً أيضاً فهي تقوم بتربية قسم من الأسماك حتى تصبح بالغة ثم تبيعها في السوق بمعدل 2000 سمكة بالغة سنوياً، وبينما يستغرق صيد أسماك التونة الكبيرة في البحر أياماً للعثور على أسرابها ثم صيدها لا يستغرق صيد سمكة التونة في المزرعة سوى بضع دقائق فقط فالغواص يختار السمكة وفقاً لطلب صاحب المحل أو المطعم ثم يقوم بصعقها بالكهرباء ليشل حركتها.

يتم اصطياد الأسماك بمعدل 3 مرات أسبوعياً وعلى مدار العام ثم تنقل الأسماك إلى مطعم في جنزا وفي أوسكا ليتم بيعها للأشخاص العاديين.

يعشق اليابانيون التونة ويقيمون لها مزادات يومية في سوق اسكيجي وسط طوكيو، وتصل الأسعار إلى أرقام قياسية في أول مزاد يقام في السنة الجديدة، حيث يعتبر اليابانيون تناول سوشي التونة فألاً حسنا يبدءون به عامهم الجديد، وقد تجاوز سعر سمكة وزرنها 300 كيلوغرام مليون دولار قبل عامين ولذلك ليس من الغريب أن يكون متوسط سعر لقمة السوشي الواحدة من النوع الفاخر 10 دولارات في مطاعم السوشي التي تنتشر في منطقة التسوق الفاخرة جنزا بطوكيو، ووسط هذه المنافسة الصعبة اختارت الجامعة افتتاح مطعم لتقدم فيه أسماك التونة التي تربيها لتثب أنها ليست أقل مذاقاً وحتى ثمناً من أنواع التونات الأخرى.

البحبوحة الاقتصادية التي شهدتها اليابان خلال العقود الماضية زادت من شهية اليابانيين لأسماك التونة ذات الزعنفة الزرقاء التي تحضر منها أفضل وأغلى أطباق السوشي، لكن أصبح لهم منافسون في منطقة شرق آسيا وخاصة الصين التي يتوقع أن يمثل استهلاكها من التونة استهلاك اليابان خلال 20 عاماً.

تاكويا سوغيمورا/ رئيس الطهاة في مطعم جامعة كينكي: تتوفر التونة عادة في مواسم محددة ولكن الإمداد المستقر من الأسماك بفضل مزارع الجامعة يمكننا من تقديم نفس الأطباق وبنفس الجودة على مدار العام وقد كان هذا الأمر مستحيلاً من قبل.

فادي سلامة: تزود جامعة كينكي الأسواق اليابانية بنحو ثلاثة آلاف سمكة سنوياً ورغم أنها ستضاعف الرقم إلى 6000 خلال خمس سنوات إلا أنها ما زالت بعيدة عن هدفها بتحقيق الاكتفاء الذاتي لليابان من الألماس الأسود.

تناقصت أعداد أسماك التونة في المحيط الهادئ خلال العقدين الماضيين بنحو 20% ولذلك تخوض جامعة كينكي تحديّ المحافظة على هذا الطبق الشهي على موائد اليابانيين، فادي سلامة لبرنامج مراسلو الجزيرة طوكيو.

[نهاية التقرير]

عبد القادر فايز: وبهذا التقرير من اليابان نأتي مشاهدينا الكرام إلى نهاية هذه الحلقة من مراسلو الجزيرة، موعدنا يتجدد الأسبوع المقبل دمتم بخير وإلى اللقاء.